الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ماذا يفعل وريث العرش القيصري الروسي في بغداد ؟

بقلم : زاهر موسى

مصير العديد من افراد العائلة القيصرية تحول إلى لغز تاريخي

ركّز الإعلام العالمي والثقافة الشعبية طوال القرن الماضي على الأميرة انستازيا ابنة نيكولاي ألكسندروفيتش رومانوف المعروف بنيقولا الثاني آخر أباطرة روسيا وملك بولندا اسميًا والدوق الأكبر لفنلندا باعتبارها وريثة عرش روسيا القيصرية بعد مقتل والدها على يد البلاشفة رميًا بالرصاص في 17 يوليو 1918، إلى جانب أسرته وحاشيته، قيل الكثير على مدى العقود عن نجاة انستازيا من الليلة الدموية التي قضت على أسرتها وعلى شرعية العرش الإمبراطوري الذي كان الأقوى والأغنى والاهم في العالم آنذاك بسبب مساحة روسيا العملاقة وثرائها الكبير بكل شيء، وقد أثبتت البحوث الكثيرة التي تم القيام بها أن الأميرة الناجية هي ماريا نيكولايفنا وليست انستازيا التي تم التعرف على رفاتها لاحقا، وقد تم تجاهل ناج آخر من الإعدام رغم أن رفاته لم يعثر عليها عام 1991 بعد فتح المقبرة الجماعية للعائلة في مدينة يكاتيرينبورغ وهذا الناجي ليس سوى الأمير أليكسي نيكولايفيتش الوريث الرسمي لعرش روسيا القيصيرية بوصفه الذكر الوحيد في عائلة رومانوف آنذاك .

القيصر نيقولا الثاني مع عائلته ويظهر ولي العهد الامير الكسي إلى جوار شقيقته انستازيا .. العائلة اعدمت على يد الشيوعيون البلاشفة عام 1918

في عام 2007 تم اكتشاف قبر على مقربة من مدينة يكاتيرينبورغ يحتوي رفات تم الاعتقاد أنها تعود للأمير أليكسي والأميرة ماريا . وفي عام 2009 تم العثور على قبر آخر في طريق كوبتياكوف القديم الواقع في ضواحي يكاتيرينبورغ وجرى الحديث مرة أخرى على أن الرفات تعود إلى الأمير والأميرة على أساس التحليل الجيني وفق ما صرحت به النيابة العامة الروسية والتي أغلقت الملف حينئذ.

الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والتي استعادت الكثير من أهميتها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي اعتبرت العائلة من القديسين ودفنت غالبية الرفات في كنيسة القديس بطرس إلا أنها رفضت أكثر من مرة دفن رفات يفترض أنها للأمير أليكسي حتى اللحظة لأنها لا تثق بنتائج التحليل ولا زال اعتراف الكنيسة بموت أليكسي معلقا .

من اواخر الصور الملتقطة للأمير مع والده القيصر

من جهة أخرى يبدو أن الأمير أليكسي كان يعاني من مشاكل صحية صعبة مرتبطة بالدم، كان الأمير مصابا بالرعاف وعدم تخثر الدم وقد اشرف راسبوتين المشعوذ الشهير على علاجه بطرق غيبية بعد فشل الطب في وقته، وفي مرحلة الإعدام على يد البلاشفة كان عمر الأمير أليكسي 14 عاما .

قبل أربعة أعوام كشف المؤرخ العراقي زين النقشبندي عن مصادر ترجح وصول الأمير أليكسي إلى بغداد في عشرينيات القرن الماضي وتتحدث المصادر هذه عن أمير دخل عبر الحدود الروسية الإيرانية ومن ثم الحدود الإيرانية العراقية إلى العاصمة أبان حكم الملك فيصل الأول .

كانت المملكة العراقية قد تتأسست للتو عام 1921 تحت حكم الملك الهاشمي فيصل الأول

تبدأ المصادر التي اعتمدها النقشبندي مما كتبه طبيب العائلة المالكة في العراق بين عامي 1918 و 1946 ، الدكتور البريطاني سندرسن باشا في مذكراته والتي طبعت في بغداد أكثر من مرة آخرها في الثمانينات في مورد حديثه عن أمراض الدم في الصفحات 94-95 حيث قال : (من الأمراض التي تم تشخيصها في العراق آنذاك، مرض فقر الدم والانكلستوما، غير أن هناك مثالا فريدا على وقوع حادث نزيف دموي حاد أثار الاضطراب في الأوساط الحكومية العراقية، كان الشخص الذي أصيب به شاب روسي في عنفوان الشباب وصل إلى بغداد مع امرأة متوسطة العمر كانت مربية له منذ طفولته ، لقد ادعت تلك المرأة بان ذلك الشاب هو ولي عهد القيصر الروسي ، وقد هربه المخلصون له إلى خارج مدينة ( كاتدينبرغ ) في روسيا البيضاء قبل إعدام القيصر نقولا الثاني وأفراد عائلته وأقاربه في شهر تموز (يوليو) سنة 1918 وبعد ان أمضت المرأة والشاب هناك أربع سنوات دخلا إلى بلاد فارس ثم قطعا رحلة شاقة معظمها سيرا على الأقدام  حتى وصلا إلى بغداد، لقد ذكر عن هذا الوريث الروسي، بأنه مصاب  وراثيا بنزف الدم، وطلب إلي أن أقوم بفحصه ففعلت ذلك ولم أجد ما يثبت الادعاء، كان في العراق في ذلك الوقت عدد من الروس البيض الذين وجدوا ملجأ لهم فيه وقد استطاع هؤلاء بما يحملونه من صور أفراد العائلة القيصرية أن يقنعوا آخرين بصحة دعوى ذلك الشاب غير أن الحكومة العراقية لم تكن راغبة في إثارة النظام البلشفي الجديد، ونظرا  لعدم الاطلاع على طبيعة ذلك الشاب فقد تم إخراجه هو ومربيته من العراق حيث توجها إلى باريس) هذا ما كتبه سندرسن باشا والذي يبدو انه تعامل مع الموضوع كما يتعامل أي طبيب مع شيء خارج اختصاصه كالتاريخ والسياسة، لكن سندرسن لا يشرح لنا كيف لمرض يصيب طفلا مدعيا أن يصيب الأوساط الحكومية بالاضطراب على حد تعبيره !.

كان الامير الكسي يعاني من الرعاف منذ صغره وتمت معالجته لفترة على يد راسبوتين الذي يتهمه البعض بأنه ساحر ومشعوذ

مجلة «الدنيا» المصورة المصرية في تحقيق مصور بتاريخ 22/ يناير /1930 تعاملت مع موضوع الشاب بطريقة أفضل، حيث تحدثت المجلة عن رحلة الأمير أليكسي المزعوم عبر سيبيريا بعد فراره من السجن أكثر من مرة خلال مدة تقارب الأربعة أعوام من المطاردة حتى وصوله إلى نهر اراكس الفاصل بين الحدود الروسية وإيران والذي عبره ليعيش في تبريز متخفيا بالتعاون مع مجموعة من الأرمن وبعض الألمان واليونانيين والذي اخبروه لاحقا بان البلاشفة لازالوا يطاردونه فقرر الذهاب إلى بغداد، ابان التحقيق معه شرح الأمير المزعوم قصصا كثيرة تدعم مزاعمه بحضور الشرطة العراقية وشخصيات من الجالية الروسية في بغداد والذين قالوا انه نسخة من الأمير أليكسي مع فارق العمر .

هل نجى الامير حقا ووصل إلى بغداد أم كان دعيا آخر مثل العديد من الادعياء بأنتسابهم للاسرة القيصرية

مجلة «الدنيا» المصورة المصرية لم تتحدث عن إخراج الأمير ومربيته إلى فرنسا بل تحدثت عن إطلاق سراحه لفترة في بغداد وكيف انه عاش في ضيافة رجل كريم في بغداد كان قد آمن بدعواه في مرحلة التحقيقات .

سأعود لاحقا لما تبقى مما كتبته المجلة ولكن لنتحدث عن ترجيحات المؤرخ زين النقشبندي بشأن الشخصية البغدادية التي آوت الأمير أليكسي المزعوم وقد استقر المؤرخ إلى انه يتوقع أن يكون هذا الشخص هو الجنرال العراقي الكردي صديق باشا القادري وهو شخصية عسكرية عاشت تجارب لم يعشها احد من قبل، كان القادري ضابطا في الجيش العثماني وقد سقط في اسر القوات الروسية ابان الحرب العالمية الأولى في جبهة القفقاس، وقد اختار الجيش الروسي الاستفادة من خبراته ليتزعم قوات تمثل المسلمين الروس مع بوادر الحرب الأهلية الروسية وقد قاتل في جبهات متعددة ومع قرب هزيمة الجيش الأبيض الروسي المساند للإمبراطور نيقولا الثاني قرر القادري الانسحاب نحو منشوريا في أقصى روسيا برحلة مضنية ومتعبة، لاحقا تم تكليف القادري من قبل  القائد الأعلى للجيش الأبيض الجنرال جريجوري ميخائيلوفيتش سمينوف بالذهاب إلى الحجاز عن طريق اليابان والهند ومحاولة تحريك الرأي العام الإسلامي نحو دعم الجيش الأبيض بالضد من الشيوعية وهو ما تم، بعد أن انتصر الشيوعيون عاد صديق باشا القادري إلى العراق بطلب بريطاني ومن ثم عمل في المجال العسكري في السليمانية لكنه استقال بعد وقت قليل ليستقر في بغداد حتى ستينيات القرن الماضي حيث توفي تاركا مخطوطات كثيرة لم يتم نشرها إلى الآن .

صدقي باشا القادري كان عسكريا محنكا وشارك في الحرب الاهلية الروسية .. صورة ارشيفية لخيالة الجيش الملكي العراقي

يرجح المؤرخ زين النقشبندي أن صديق القادري هو الشخص الذي احتضن الأمير الكسي المزعوم وآمن به لأنه من القلائل الذين كانوا قد تعرفوا على العائلة المالكة في روسيا كما انه يتقن اللغة الروسية بالإضافة إلى أن وجهاء بغداد نقلوا وجهات نظر مؤيدة لهذه الفكرة للمؤرخ .

نعود إلى مجلة «الدنيا» المصورة المصرية والذي تحدثت في نهاية تقريرها عن أن الأمير أليكسي المزعوم كان قد تمت محاكمته بتهمة اجتياز الحدود بشكل غير قانوني وهو ما تم الحكم بالسجن على أساسه بحقه وربما كان لا يزال مسجونا بحسب المجلة في حينها، علما أن موعد نشر التقرير كان عام 1930 بينما يؤرخ الطبيب سندرسن لحادثة الأمير في عام 1918 فهل تخلى عنه الجنرال صديق باشا القادري ؟ وهل مات في السجن ؟ أم أفرج عنه وتم ترحيله ؟ أم انه عاش وتزوج وأنجب في بغداد ؟ .

السير هاري سندرسن طبيب العائلة المالكة العراقية .. العائلة التي اطيح بها في انقلاب عام 1958 وتم تصفية وقتل معظم افرادها بطريقة همجية

في النهاية لا بد أن نقول إن سر الاهتمام بموضوع الأمير أليكسي يعود بطبيعة الحال إلى أن الإمبراطورية القيصرية الروسية هي الأكبر في التاريخ بعد الإمبراطورية المغولية كما أن حجم الكنوز التي اختفت باختفاء العائلة المالكة وبقية أقطاب الإمبراطورية لا يرقى له خيال وهو ما سنكتب عنه في مقال جديد لاحقا.

المصادر :

- جريدة المدى : ولي عهد قيصر روسيا في أعماق سجون بغداد؟
- جريدة القدس العربي : صديق باشا القادري… الجنرال الأبيض
- روسيا اليوم : انتهاء التحقيق الرسمي في اعدام القيصر نيكولاي الثاني
- Alexei Nikolaevich, Tsarevich of Russia - Wikipedia

تاريخ النشر 14 / 08 /2016

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر