الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

محتالة القرن

بقلم : منال عبد الحميد

قضية الاميرة انستازيا هي من اكثر قضايا العصر الحديث التي أثارت اللغط والخيال

يوليو عام 1991
غابة كوبتياكي
حول مدينة يكاتيرينبورغ
منطقة الأورال
روسيا

جنود يرتدون ثيابهم المبقعة بالتراب والأوراق الجافة  ، يجرفون التربة القديمة ويتحسسون ، بجواريفهم  ، مناطق الضعف في طبقة بنية هشة من الأرض  في أحدي غابات البتولا  ، يعملون بإرشادات جيولوجي روسي هو " ألكسندر أفدونين " .. يلاحظون أي علامات تدل على عمليات حفر سابقة .. وينتبهون لكل مؤشر يمكن أن يعلن لهم أنهم يمضون في الطريق الصحيح .. ويقتربون شيئا فشيئا من الوصول إلي هدفهم .. إلي قبر القيصر وعائلته !

كل شيء بدأ من هنا !

  ليلة 16/17 يوليو من عام 1918
الساعة الواحدة والنصف صباحا
منزل ( ايباتيف ) بالروسية Дом Ипатьева
 مدينة  يكاتيرينبورغ الصناعية
منطقة الأورال
روسيا

منزل " إيباتيف " الذي وقعت فيه المذبحة تم هدمه عام 1977 بناء على أوامر سكرتير أول سفردلوفسك " بوريس يلتسن ".. حاليا تنتصب في مكان المنزل كنيسة اسمها كنيسة الدم تخليدا لذكرى المذبحة

تتوقف شاحنة أمام المنزل في صمت منتظرة نقل حمولة صغيرة .. من الجثث !

الوضع : أحد عشر شخصا من المكروهين محتجزين بالقوة في هذا المنزل ، تحت حراسة مجموعة من البوليس السري الروسي  يقودهم ضابط محنك متعصب للثورة البلشفية يدعي " ياكوف يورفسكي " .. إلا أن الأحد عشر شخصا هؤلاء لم يكونوا أشخاصا عاديين ، إنهم القيصر " نيكولاي  الثاني " الذي حكم روسيا من 20 أكتوبر 1894 وحتى يوم 17 مارس 1917م ، وزوجته القيصرة " إلكسندرا " ، الألمانية الأصل ، وبناته الدوقات العظميات " أولجا " و" تاتيانا " و" ماريا " و" أنستاسيا " ، وولده الوحيد ولي العهد " إلكسي " ، ومعهم أربعة ممن يخدمون العائلة القيصرية وعلى رأسهم طبيب الأسرة دكتور " يفجيني بوتكين " ، الخادمة " آنا ديميدوفا " ، والطباخ " إيفان خاريتونوف " ، والوصيف " إليكسي تروب " .

القيصر نيكولاي الثاني وزوجته القيصرة وبناته الاميرات الاربع وابنه ولي العهد الامير الكسي الذي يظهر في الصورة إلى جوار اخته انستازيا

الجميع نيام وكل شيء هادئ ، الأخبار تتوافد عن اقتراب جيش من المناوئين للثورة الروسية ( الجيش الأبيض ) والموالين للقيصر ، وحلفاءه من التشيكيين  ، من المدينة ، لتخليص الأسرة الإمبراطورية من أسرها !

القرار : إعدام الجميع قبل اقتحام الجيش الغازي ليكاتيرينبورغ

يتم إيقاظ الجميع بهدوء ويقال لهم : أن ثمة اضطرابات في المدينة ولحمايتهم من أي خطر سوف يتم نقلهم لقضاء هذه الليلة في القبو ..

يحمل القيصر ولده الصغير الذي كان مصابا بالناعور ( النزف الدموي أو الهيموفيليا ) ، وتستند القيصرة على بناتها ويهبطوا جميعا دون جلبة إلي القبو ..

القبو خالي وهادئ تماما .. تطلب القيصرة مقعدين لها ولولدها .. يدخل " يورفسكي " ، وما إن يراه الجميع حتى يقفوا تنفيذا لأوامر صدرت إليهم بأن يصطفوا معا ، فتقف البنات حول أمهن ، ويقف القيصر بجوار ابنه " إليكسي " ..

وبمجرد دخوله يخبرهم كبير حراس المنزل بخبر صغير .. أن سلطات الثورة الروسية البلشفية قد صدقت على حكم بإعدامهم جميعا !

يقف القيصر مذهولا ويردد غير مصدق : ماذا ماذا ؟ !

لكن القتلة يعالجونه برصاصة تسقطه ميتا في الحال ، كان " نيكولاي  " هو أول من قُتل في تلك الليلة ، ثم أنهال الرصاص من فرقة الإعدام على القيصرة وبناتها وولدها والخدم .. المؤكد أن " إليكسي " كان موته سريعا بسبب مرضه المزمن ، وتوفيت القيصرة أيضا ، أما البنات فقد مررن بتجربة مريعة .. فلقد أخذت فرقة الإعدام  تضربهم بالرصاصات ، لكنها بدلا من أن تخترق أجسام الأميرات كانت ترتد نحو القتلة ثانية !

القبو الذي اعدمت فيه العائلة القيصرية وآثار الرصاص واضحة على الجدار

كان الأمر شبيه بمعجزة سماوية أو تدخل إلهي في صالح البنات البريئات .. ثار الذعر بين مطلقي الرصاص ، الذين كان أغلبهم من الفلاحين والمجندين الأرثوذكس الورعين ، واعتقدوا أنهم يرتكبون خطيئة بالاستمرار في محاولة قتل البنات اللائي تحميهن السماء .. لكن الحقيقة كانت أبسط من ذلك بكثير ، فبعد فشل الرصاصات في القضاء تماما على حياة الأميرات ، أمر قائد فرقة الإعدام " يورفسكي " بوقف إطلاق النار ، والإجهاز على من تبقي على قيد الحياة بالسنوكي وكعوب البنادق .. وعندما انقشعت سحابة الدخان ، وبحسب أقوال القاتل الرئيسي ، تم جس نبض الضحايا والتأكد من موتهم .. ثم تم تجريد الجثث من الملابس والجواهر والمقتنيات الثمينة والرخيصة ، حيث اكتشفوا أن الأميرات أخفين الجواهر تحت ثيابهن مما أدي إلي أن تقوم تلك الملابس بدور السترات الواقية من الرصاص ..   وتم تحميلهم ، وكأنهم سمك مملح ، على عربة ، قادها القتلة إلي غابة نائية حيث قرروا التخلص من الجثث .. ألقوا بها في فتحة منجم وحاولوا إغلاق الفتحة برمي قنابل يدوية لتهدم الفتحة وتقفلها ولكن خطتهم لم توفق تماما ، ثم عادوا في الليلة التالية ، وخوفا من أن يكتشفها أحد ، واستردوا الجثث .. ثم قاموا بحفر قبر في قلب الغابة وألقوا فيه الجثث بعد غمرها بالحمض ، عرفت الحفرة التي دفن فيها القيصر وعائلته ب ( جانينا ياما ) ، وتقع بقلب غابة تسمي  ( كوبتياكي ) 15 كم شمال مدينة يكاترينبورغ .

  كان سبب إلقاء الحمض فوق الجثث هو منع انتشار رائحة العفن التي سوف تصدر عنها حين تبدأ في التحلل .. وأيضا لإخفاء معالمها خوفا من أن ينقب أحد الموقع ويكتشف جثث القيصر وعائلته !

غادرت فرقة الإعدام الموقع وتركت خلفها الجثث المكدسة .. حيث بقيت مخفية ومنسية ومحظور الاقتراب منها نحو ثمانين عاما !

هؤلاء بقوا مع العائلة القيصرية حتى آخر لحظاتها وماتوا معها .. من اليمين لليسار .. الدكتور يفجيني بوتكين .. والخادمة آنا ديميدوفا والطباخ ايفان خاريتونوف والوصيف اليكسي تروب

إنها لعنة القديس الآثم !

مسئولية موت القيصر وعائلته تدافعتها عدة جهات ، وألقت كل منها اللوم على الأخرى .. القرار المعلن كان إعدام القيصر وحده ، بينما قيل أن القيصرة وأولادها بخير !

راسبوتين .. الرجل الغامض .. يعتبره البعض قديس ويراه آخرون كمشعوذ وزير نساء ..ساهم في اضعاف شعبية العائلة القيصرية إضافة إلى عوامل اخرى عديدة يطول ذكرها

السلطات البلشفية لم تكن تريد فتح ذلك الموضوع الشائك .. وأُحكم منع تسرب أية أخبار أو تصورات لما وقع في تلك الليلة .. وبدا وكأن أسرة رومانوف كلها تدفع ثمن تقاعسها عن الثأر لدم القديس المنعدم النظير ، الذي كان تدخله في شئون الحكم ، وسيطرته على القيصرة من خلال ولدها الوحيد المريض ، وحشره لأنفه في أمور السياسة ، سببا رئيسيا من أسباب تحطم ما بقي من شعبية القيصر " نيكولاي  الثاني " وتدمير مقدرات روسيا ، واحتشاد المعارضين للقيصر وحكمه واصطفافهم في صف واحد ضده وضد أسرته .. وكما مات " غريغوري يافيموفيتش راسبوتين " في حادث اغتيال غامض ، لا تزال علامات الاستفهام تحيط به حتى الآن ، فقد قدر ل" نيكولاي  " وعائلته أن يكون مصيرهم النهائي غامضا ومحاطا بالألغاز كذلك ..

رغم محاولته التنصل وعدم ربط اسمه بما جرى للعائلة القيصرية لكن بحسب معظم المؤرخين فأن لينين هو من اصدر الأم بإعدام العائلة

عموما لم تكد تمضي فترة قصيرة حتى ثبت للجميع كذب البلاشفة  .. فاختفاء القيصر النهائي رافقه اختفاء أفراد عائلته كلهم .. وهذا ليس له إلا معني واحد .. أنهم قتلوا جميعا ، وأخفيت جثثهم معا وهو ما اعترفت به السلطات الروسية أخيرا بعد مضي ثماني سنوات كاملة على المذبحة !

أتضح مصير عائلة " رومانوف " الإمبراطورية النهائي .. لكن مهلا فليست الأمور بتلك البساطة !

" أنستاسيا " العائدة .. و" إليكسي " أيضا !

فبراير 1919
برلين
ألمانيا

آنا .. الفتاة التي خرجت من النهر ..

امرأة شابة تقفز إلي قناة ( لاندفير ) محاولة الانتحار .. يتم إنقاذها ونقلها إلي مستشفي عقلي  في ( دالدورف ) ، بعد أن رفضت بشكل مطلق الإفصاح عن اسمها .. مكتفية بإطلاق لقب ألماني يعني ( الآنسة المجهولة ) على نفسها ، وتتحدث بلهجة ثقيلة مشابهة للروسية  .. ثم تتبني لنفسها اسم " آنا  " الذي ظلت تستخدمه طوال حياتها .

تتعرف بمريضة نزيلة في نفس المستشفي وتبدأ النزيلة بالاهتمام بأمر تلك المريضة الغامضة ، وعندما تقرأ وصفا لمذبحة " آل رومانوف " في الصحف ، تعتقد المرأة ، واسمها " كلارا بيثيرت " ، أن هذه الفتاة على صلة بالأسرة الإمبراطورية المذبوحة ، ويقع في ظنها أنها ابنة القيصر الثانية الدوقة " تاتيانا " .. دافعت السيدة " بيثيرت " عن قضية " آنا " ورتبت أن تزورها وصيفة سابقة للقيصرة القتيلة ، تدعي البارونة " بوكسهيفدين " لرؤية الأميرة المفقودة .. التي نجت من المذبحة !

بقية ذرية القيصر .. تحت اللحاف !

 وصلت البارونة لرؤية الفتاة المدعية ، ولكن " آنا أندرسون "  تختبئ منها تحت أغطية الفراش ، فتخرجها الوصيفة السابقة بحزم وتتأملها ، ثم تعلن بثقة أنها لا يمكن أن تكون الدوقة " تاتيانا " بسبب اختلاف طول قامتها البين عن الابنة الثانية للقيصر ، أطول بناته قامة .. لكن " آنا " تستدرك الأمر معلنة أنها لم تقل أبدا أنها " تاتيانا " .. بل إنها الدوقة " أناستاسيا " صغري بنات القيصر معتبرة أن اختيارها لاسم " آنا " لأنه اختصار لاسم " أنستاسيا " !

" آنا أندرسون " قضت عمرها بين المستشفيات وبيوت الرعاية ومنازل المحسنين

قدمت " آنا أندرسون " قصة معقولة ، فيما بعد ، عن كيفية نجاتها من المذبحة .. قالت أنها جُرحت وحسب ، وأنقذها جندي أخذها إلي رومانيا عبر تهريبها سرا ، ثم قُتل الجندي لتجد نفسها وحيدة ، لا تملك مالا ولا تستطيع الاتصال بأحد من بقايا عائلتها ، وصلت إلي " برلين " بحثا عن أحد من عائلتها لكنها لم تجد منفذا للأمل .. فرمت بنفسها في القناة لتقتل نفسها !

صورة الاميرات الأربع .. انستازيا هي التي يشير إليها السهم ..

لم تكن " آنا أندرسون " وحدها من أدعت كونها من بقايا أسرة " رومانوف " ، بل إن كثيرات أدعين شخصيات بنات القيصر .. وكان هناك نوع من ( التجارة ) بسيرة الدوقات القتيلات ، حتى أن بعض المحتالين كانوا يجمعون المال من البسطاء والقرويين للمساهمة في نقل بقايا الأسرة الإمبراطورية إلي مكان آمن خارج البلاد .. وحتى الأمير " إليكسي " أدعي البعض شخصيته ، أهمهم هو المدعو " نيكولاي دالاسكي "   ، لكن دعواهم لم ينصت إليها أحد بنفس الدرجة .. والسبب أن مرض الأمير وولي عهد القيصر كان معروفا ومشتهرا جدا ، وكان من المفروغ منه أن أي جرح أو إصابة أو طلقة رصاص ، حتى لو كانت في مكان غير قاتل ، كافية تماما للقضاء على الصبي الذي ورث لعنة ( الناعور ) أو الهيموفيليا من جدته الكبرى الملكة " فيكتوريا " ملكة إنجلترا !

الامير الكسي والاميرة انساتاسيا هما اصغر فردين في العائلة .. وهما ايضا الاكثر من حيث عدد الادعياء الذين حالوا تقمص شخصيتيهما

سلوك " آنا أندرسون " كان مثيرا للجدل ، فقد كانت قليلة الكلام ، وتفوت فرصا عديدة لكسب تأييد بعض المقربين من الأسرة الإمبراطورية ، التي تدعي الانتماء إليها ، بصمتها ورفضها الإجابة على بعض الأسئلة !

فإذا كانت المرأة ترمي إلي إثبات قضيتها لمصلحة ما .. فلماذا لم تبذل جهدا أكبر لكسب المزيد من الأصوات المؤيدة إلي صفها ؟ !

المرأة التي شككت في رواية دولة !

صورة العاملة البولندية فرانشيسكا تشانكوفسكا

بحسب الرواية الرسمية فإن عائلة " رومانوف " بأكملها قد جري إعدامها .. وهذا بحسب الإفادة التي أخذت من القاتل الرئيسي " ياكوف يورفسكي " ، وجري إخفائها لعقود طويلة .. ولكن قصة " آنا " بدأت تأخذ منحني آخر مع  ظهور شخصيات تميل إلي دعمها وتصديقها ، وعن طريق اقتناع البعض بقصتها أعطيت غرفة ، بعد إخراجها من المصحة ، في منزل البارون " أرثر فون كلايست " ، المهاجر الروسي الذي كان قائدا لشرطة بولندا الروسية قبيل إنهاء الحكم القيصري .. وفي منزل هذا الروسي ، الذي ربما كان له دور في اتخاذ قضية " آنا أندرسون " منحني جديد بدعمها ك" أنستاسيا " ، رغم أن الدعاية المبدئية  كانت  تروج لها على أنها  الدوقة" تاتيانا " ، تم ترتيب زيارة للأميرة " إيرين " أوف هيس " ، أخت القيصرة " إلكسندرا " ، التي التقت ب" آنا " ، التي كانت تستخدم حينها اسما مستعارا هو الآنسة " تشايكوفسكي " ، وتأملتها .. ثم أعلنت ببساطة أنها تنكر تماما كونها ابنة أختها المغتالة !

ثم بدأ توافد بعض الفاحصين المدققين الآخرين للتحقق من شخصيتها .. فبعد البارونة بوكسهيفدين " ، والأميرة " إيرين " ، جاء الدور على معلم أولاد أسرة " رومانوف " بيير جيلارد " ، الذي خرج من زيارته لآنا أندرسون نافيا تماما أن تكون هذه المرأة هي " أناستاسيا " ، متهما إياها بأنها محتالة .. ثم تدخل قريب مباشر للأميرة المتنازع على موتها ، وهو جراند دوق هيسن " إرنست لويس " ، الذي قرر أن يحسم الأمر بطريقته الخاصة ، فأستأجر رجلا يعمل كمخبر خاص ، وأمره بتتبع خيط قصة المرأة التي تطلق على نفسها اسم الآنسة " تشايكوفسكي " ، وتدعي كونها ابنة أخته .. وبعد فترة أظهر المخبر الخاص معلومات بدت كقنبلة مدوية ، فقد عثر على صورة لعاملة بولندية تدعي " فرانشيسكا تشانكوفسكا   "  ، التي كانت تعمل في مصنع للقنابل ، وتقيم ببرلين ، ولكنها اختفت بصورة مفاجئة من أحد المصحات ، قبيل العثور عليها وهي تحاول الانتحار في أحدي القنوات المائية في برلين ، حيث قدمت نفسها باسم " آنا " !!

وقد كانت المرأة مصابة بجروح بالفعل ، لكنها لم تكن جروح إطلاق رصاص ، في ليلة مذبحة آل " رومانوف " ، بل هي بسبب حدوث انفجار في المصنع الذي كانت تعمل فيه قبيل اختفائها !

ضربة ماحقة لمخططات " آنا " وإدعاءاتها ، لكن ضربة أخري أقوي كانت بانتظارها ، ففي عام 1928 صدر بيان رسمي يكذب إدعاءات " آنا أندرسون " ، ويعلن أنها ليست " أنستاسيا " ولا تمت للأسرة الإمبراطورية الروسية بصلة ..  وقد كان البيان مذيلا بتوقع اثني عشر شخصا من أقارب الأميرة التي تدعي " آنا " شخصيتها !

لم يعد لها شيء هناك !

صورة لها في المصحة النفسية

بعد فشل محاولاتها المستميتة للحصول على اعتراف رسمي بصدق مزاعمها بكونها أصغر بنات القيصر المفقودة ، تخللها اعتراف بعض القلائل من المقربين لأسرة القيصر السابقة بشخصيتها ، مثل " جليب بوتكين " ، ابن طبيب العائلة القيصرية المقتول معها ، والأميرة " زينيا " ، ابنة عم " أنستاسيا " الحقيقية .. رُتب ل" آنا " أمر السفر إلي الولايات المتحدة ، وهناك وفي فندق " جاردن سيتي " بلونج أيلاند ، ولتجنب مضايقات الصحفيين ، تخلت " آنا " عن لقب " تشايكوفسكي " ، الذي عرفت به ، مستبدلة إياه بلقبها الذي ظل يلازمها بقية حياتها " أندرسون " .

بقيت " آنا " في الولايات المتحدة تكافح من أجل قضيتها ، حيث تعرضت للوقوع في أيدي بعض المحتالين الذين حاولوا الاستفادة من قصتها في الحصول على الأموال من عائلة " رومانوف " ، أو ممن تبقي منهم ، وبسبب تعرضها لضغوط هائلة بدأت " آنا " تسلك سلوكا غير سوي .. وأظهرت علامات واضحة على الاختلال العقلي ، وأتت أفعالا اعتبرت مؤشرا على تدهور حالتها النفسية والعقلية .. وأنتهي الأمر بإيداعها في مصحة ( ويستشستر ) لفترة قاربت العام .. ثم أعيدت إلي ألمانيا ليتم إيداعها قسما متخصصا للرعاية النفسية ملحقا بدار للرعاية بالقرب من هانوفر !

هل هي الأميرة المفقودة حقا ؟ !

حاولت " آنا " اللجوء إلي القضاء الألماني مطالبة بنصيبها في تركة أسرة " رومانوف " .. ولكن اندلاع الحرب العالمية الثانية ، ودخول ألمانيا الحرب ضد روسيا عطل إجراءات القضية ، كما أنه  لم يكن من  الممكن رفع قضية في بلد معادي ، باعتبار أن " آنا أندرسون " تدعي كونها روسية أصلا .. لكن ومنذ عام 1938م كانت ثمة قضايا ضد " آنا " مرفوعة في ألمانيا ، وتعتبر القضية التي رفعها أقارب " أنستاسيا " مطالبين بإصدار حكم رسمي يقرر أن " آنا أندرسون " كاذبة في دعواها ، والقضايا المضادة التي تم رفعها باسم " آنا " فيما بعد من أطول الدعاوي القضائية عمرا في تاريخ القضاء الألماني .. حيث استمرت بشكل متقطع لمدة ثلاثين عاما تقريبا !

عاشت " آنا " ظروفا صعبة ، وكانت في مرحلة ما تعيش وحيدة في كوخ على أطراف الغابة السوداء ، وليس معها سوي مجموعة من القطط عددها 60 قطة ، ووُجدت في عام 1968 ، في شهر مايو ،  شبه فاقدة للوعي في كوخها ، وتم نقلها إلي مستشفي في ( نوينبيرج ) .. ثم خرجت من المستشفي لتقبل عرضا قدمه لها أحد داعميها القلائل ، وهو " جليب بوتكين " ، للانتقال والعودة إلي الولايات المتحدة !

أمريكا مرة أخري .. وإلي الأبد !

تظهر مع زوجها الامريكي جاك مانهان

بمساعدة " جليب بوتكين " عاشت " آنا أندرسون " لفترة في الولايات المتحدة ، حتى أوشكت الفيزا الخاصة بها على الانتهاء ، ولكن قبل أن يتم ترحيلها خارج البلاد ، تزوجت من أستاذ تاريخ أمريكي يدعي " جاك مانهان " ، الذي تعرفت به في وقت سابق ، والذي كان مقتنعا تماما بقصتها ، وأطلق على نفسه ، بعد الزواج ، لقب ( دوق أعظم في الانتظار أو تحت الطلب ) باعتباره متزوجا من دوقة عظمي سابقة ، وهي ابنة قيصر روسيا الصغرى .. لكن حالة " آنا " لم تستقر بعد زواجها ، بل حتى حياتها العائلية كانت غير طبيعية ، فقد عاشت برفقة زوجها في بيت تعمره أعداد كبيرة من القطط وتحيط به القذارة وأكوام القمامة .. وفي فبراير عام 1970 حسم القضاء الألماني أخيرا ، بعد عقود ، قضية " آنا أندرسون " .. وأعلن أنها فشلت في إثبات كونها " أنستاسيا أوف رشا " الحقيقية !
وهكذا خسرت " آنا " قضيتها بعد سنين طويلة .. ولم يعد باقيا لها شيء تعيش لأجله !

دمار النفس والموت !

رحلت عن العالم عام 1984 .. وحتى آخر لحظة في حياتها لم تتنازل عن داعائها في كونها الاميرة أنستاسيا

أصيب كلا الزوجين بمتاعب صحية ، وبدا أن أمل " جاك " في قضية زوجته قد خاب ،وتدهورت حالة الزوجة خصوصا ، لدرجة أنها احتجزت في مستشفي تحت وصاية قانونية ، فأقدم " جاك " على اختطافها ، حيث بقيا معا ثلاثة أيام يهيمان حول مدينة ( فيرجينيا ) ، ويأكلان من المتاجر .. وبعد ثلاثة عشر يوما عثر البوليس عليهما ، وأعاد الزوجة  بالقوة إلي مركز الرعاية .. وفي يناير عام 1984 أصيبت باشتباه في سكتة دماغية .. وفي الشهر الذي يليه ، وفي يوم 12 فبراير ، اصيبت بالتهاب رئوي توفيت على إثره ، وأحرقت جثتها ، ثم دفن رمادها في قلعة ( سيون ) بألمانيا .. أما الزوج " جاك مانهان " فقد عاش بعدها ست سنوات .. وتوفي في يوم 22 مارس من عام 1990 .

وهكذا ماتت المرأة وهويتها الحقيقية متنازعة بين شخصيتين .. فهل هي " فرانشيسكا تشانكوفسكا   " عاملة مصنع القنابل البولندية المختلة عقليا أصلا .. أم هي الأميرة " أنستاسيا " وقد قضي ما لاقته من رعب على أيدي البلاشفة القتلة ، وما عانته من تحطم أحلامها وإنكار عائلتها لها ، على عقلها وأفقدها توازنها النفسي والعقلي  ؟ !

القبر والعظام .. الحقيقة تظهر للنور !

ماتت " آنا " تاركة خلفها دعوي لا دليل على صحتها ولا على كذبها .. فإذا كان بعض أفراد عائلة " رومانوف " ، والمقربين منها ، قد كذبوها وأنكروها ، فإن بعضهم ، مثل الأميرة " زينيا " و" جليب بوتكين " ، قد اعترفوا بها .. لكن لا هذا ولا ذاك يعتبر دليلا على أي شيء .. وحتى حكم المحكمة الألمانية ذكر أنها ( لم تستطع إثبات كونها الأميرة أنستاسيا ) ، لكنه لم يقل صراحة ( هذه ليست أنستاسيا ) ، والفارق واضح جدا بين العبارتين .. إذن فمن هو الطرف الذي يمكنه إنهاء الأمر على الوجه الأكثر دقة ؟ !

لا مؤيدي " أنستاسيا " ولا معارضيها يملكون دليلا قاطعا على دعواهم  .. ولا يوجد على الأرض من لديه الأدلة القاطعة .. سوي صاحب الحجة الأقوى والأكثر حيادية ومنطقية ومصداقية ، الذي أخترعه البشر وقبلوه حكما صامتا عادلا بينهم .. إنه العلم !

دعوي " آنا " جاء أوان التحقق الفعلي منها بعد اكتشاف ( جنينا ياما ) بعظامها النخرة القديمة عام 1991 .

 كانت هناك أساسيات لابد من إثباتها قبل كل شيء :

أولها التأكد أن هذه العظام تخص عائلة " رومانوف " فعلا ..

البقعة التي تم اكتشاف القبر الجماعي للعائلة القيصرية فيها

وثانيا : العثور على عشر مجموعات من العظام ، تخص الأحد عشر شخصا الذين تم اغتيالهم في تلك الليلة المشئومة ، ناقص جثة " أنستاسيا " ، التي نجت من المذبحة كما يفترض ، ، وفصلها عن بعضها ، ثم التحقق من هوية كل منها .. ثم أخيرا مقارنة بقايا الأبوين المفترضين للمرأة المدعية ، القيصر والقيصرة ، بأنسجتها لإثبات صلة القرابة !

وكانت الضربة الأولي في العنصر الثاني من خطة إثبات صحة دعوة المدعية الأشهر في التاريخ .. فلم يكن في حفرة القبر عشر جثث ولا حتى أحد عشرة .. بل تسعة فقط ؟ !

إذن فهناك جثتين مفقودتين .. فلمن هما .. وأين ذهبتا ؟ !

الولدين المفقودين .. أين ذهب أصغر أبناء رومانوف ؟ !

العظام داخل القبر الجماعي

إرساء للمبدأ الأول في تلك القضية كان لابد من التحقق من كون تلك العظام تعود فعلا ، كلها أو بعض منها على الأقل ، إلي عائلة " رومانوف " .. أولا جري تتبع الخيط الوراثي لمعرفة صلة القرابة بين تلك العظام وبعضها .. فهناك تسع جثث في الحفرة ، لكن اسم كل منهم ليس مطبوعا على عظامه ، وليس من المعروف كم فردا من عائلة " رومانوف " بينهم .. بعد الفحص تبين أن خمس جثث من التسع تملك صفة عائلية ، أي أن الفحص الوراثي أثبت وجود صلة جينية بينهم .. رجل بعمر الخمسين ، وامرأة في منتصف العمر ، وثلاثة إناث تراوحت أعمارهن بين 22 وأقل من 20 عاما.. بقية العظام ثبت أنها مختلفة في أصولها الجينية ، وغير مرتبطة ببعضها ، فتم استبعادها ووضعها جانبا .. حسنا لدينا خمس مجموعات من العظام صفاتها العمرية والنوعية تشابه إلي حد كبير خمس أفراد من عائلة " رومانوف " .. لكن ما الذي يثبت كونها تابعة لعائلة " رومانوف " فعلا ؟ !
لنتحقق أولا من كون الرجل ، الذي أثبت الفحص كونه والد للجثث الثلاث العائدة لإناث ، هو القيصر " نيكولاي  الثاني " فعلا .. كانت هناك وسيلتين للتحقق من الأمر ، أولها هو تتبع الخيط الجيني لدي هذا الرجل ، عبر أنسجة أو دماء تحمل بصمته الجينية ، تُركت خلفه قبل موته ، والثاني هو البحث في خيوط من هم على قيد الحياة من أقاربه .. ولأهمية القضية تم إتباع الطريقتين معا .. كان القيصر قد تعرض لمحاولة اغتيال ، قبل توليه العرش الإمبراطوري ، في اليابان( تعرف بحادثة أوتسو وقد وقعت يوم 11 مايو عام 1891)  ، ولكنه نجا ، تاركا قميصا ، كان يرتديه وقت محاولة الاغتيال ، ملطخا بدمه  .. هذا القميص لا يزال محفوظا في متحف الأرميتاج ، وقد تم فحصه ، والحصول على عينة صالحة للتحليل الجيني من تلك الدماء القديمة .. أما بالنسبة للأقارب الأحياء لكل من القيصر وزوجته  ، فقد تم الحصول على عينات من الدماء من أحد الأقارب الأحياء ، على صلة قرابة من ناحية الأم  ب" نيكولاي  الثاني " ، وهو الكونت " نيكولاي  تروبتسكوي  "  ، وكلا الوسيلتين ، عينة الدماء القديمة ، وعينات الدماء المسحوبة من الأقارب الأحياء ، خرجتا بنتيجة واحدة واضحة كل الوضوح : إنه القيصر " نيكولاي  الثاني "  فعلا ودون أدني شك !

قميص " نيكولاي ي الثاني " الملطخ بدمه ساهم في حل لغز إغتيال عائلة رومانوف

وبوسيلة مشابهة تم التحقق من شخصية المرأة التي تثب كونها أما للهياكل الثلاث الأصغر سنا لإناث ، وثبت أنها القيصرة من خلال مقارنة الحمض النووي لعظامها بعينة دماء من قريبها الأمير "  فيليب "  دوق أدنبرة ، الذي وفر عينة صغيرة من دمه للتحليل ،  بعد عدة مفاوضات مرهقة .. ثم ، وبمراعاة تلك النتائج ، تكون الهياكل الأخرى الثلاث هي لثلاثة من أولاد القيصر والقيصرة !

ولكن الزوجين كان لديهما خمس أطفال ،  فمن منهم معهما من الحفرة .. ومن لم يتم العثور على عظامه في مقبرة ( جنينا ياما ) الجماعية ؟ !

هل كشف العلم اللغز أم ساهم في إبهامه أكثر ؟ !

ياكوف يورفسكي القاتل الرئيسي لعائلة القيصر نيكولاي الثاني

الفحص لمبدئي لعظام الإناث الثلاث خرج بنتائج تخص أعمارهن ، تبعا لحالة العظام واكتمال التحام فقرات العمود الفقري ، تدل على أنهن الدوقات " أولجا " و" تاتيانا " و" ماريا " ( يلاحظ أن ثمة تضارب واضح في المصادر فيما يخص شخصية ابنة القيصر الثالثة في القبر الجماعي ففي بعضها يذكر أن الجثة الثالثة لماريا ( 19 عاما ) بينما المقال المفصل الذي نشره روسيا اليوم عن الموضوع يجعل " أناستاسيا " هي الموجودة برفقة والديها وأختيها ) .. ولكن على أية حال يصبح هناك طفلين مفقودين من أطفال القيصر الخمسة ، ابنه الوحيد " إليكسي " بعمر  13 عاما حين موته ، واحدي البنتين " ماريا " أو " أنستاسيا " .. ألهبت تلك الحقيقة الخيال الشعبي والأدبي ، واعتبرت دليلا على صحة رواية " آنا أندرسون " ، بل ربما على حقيقة نجاة الغلام ووولي العهد " إليكسي " بدوره من المذبحة !

عادت قصة " آنا أندرسون " للبروز ، وقيل أن العلم أثبت أن تلك المرأة تعرضت للظلم ، وأن وارثي اسم " رومانوف " ربما تعمدوا إنكارها لإبعادها عن التركة ، أو حتى أن الأمر يتضمن مصالح عليا أكبر من مجرد الثروة والأموال بكثير !

ساد الظلام والغموض مرة أخري حتى عن للبعض أن يرجع لإفادة وأقوال " ياكوف يورفسكي " عن تلك الليلة الرهيبة والتي تم نشرها في عام 1993

 .. كان الرجل قد قال في اعترافاته أنه ، وهو فرقة القتلة ، كانوا قد فكروا مبدئيا في حرق الجثث الخاصة بأسرة " رومانوف " للتخلص منها بشكل نهائي .. أضرموا نارا في قلب الغابة وصنعوا محرقة ، وضعوا عليها أصغر جثتين في كومة الجثث الموجودة لديهم !

بيتر ايرماكوف .. احد الحراس الذين شاركوا في اعدام القيصر وعائلته والاكثر تعطشا للدم بحسب الروايات .. اطلق النار على القيصر والقيصرة واجهز بعقب بندقيته على ثلاث من الاميرات .. يتم تخريب قبره من حين لآخر في حين يضع الشيوعيون بعض الزهور عليه

ولتسهيل العملية تم تقطيع الجثتين أولا ، لكن النار لم تأتي عليهما  بالسرعة التي تخيلها ، فإن الجسد البشري باحتوائه على كميات كبيرة من الماء والشحوم يحتاج وقتا قد يصل إلي أكثر من سبع ساعات ليصير رمادا بالكامل ، قام القتلة بإطفاء النيران بعد فشل خطتهم  .. ولكن " يورفسكي " ، الذي كان راغبا في بلبلة من قد يقوم بتتبع خطواته في تلك الليلة الرهيبة ، أمر بدفن الجثتين المحترقتين  في قبر منفصل بعيدا عن القبر الذي يضم بقية الجثث   !

كان ذلك هو المفتاح الذي يبحث عنه الجميع .. هناك جثتين دفنتا بشكل منفصل .. لكن أين هو القبر الثاني الذي تحدث عنه " يورفسكي " عديم الرحمة في تقريره ؟ !

آنا تواجه أباها

لأكثر من ستين عاما ظلت " آنا أندرسون " تدعي كونها ابنة للقيصر ولزوجته ، وأنها الأميرة المفقودة " أنستاسيا " .. وقد بنت عالما خياليا خلابا كاملا ، ولعبت دور المظلومة المضطهدة من أفراد عائلتها المتبقين بكل براعة ومصداقية .. وبدموعها وقصصها تمكنت من الحصول على الدعم ، وعلى كثير من المؤيدين ، الذين كان بعضهم من المقربين للعائلة الملكية الروسية ، أو من أفرادها أنفسهم .. أما في الجانب الآخر فقد كان معارضوها يؤكدون كونها زائفة محتالة ، واتهموها بالطمع في ميراث أسرة " رومانوف " ، وبالاختلال العقلي والتصورات الهذيانية .. وقد بني كل فريق دعواه وأسس قضيته على عواطفه الشخصية وأدلته المعنوية أكثر مما بناها على أدلة واقعية أو ملموسة .. وللتحقق من كونها ابنة القيصر فعلا ، كما تزعم هي وداعميها ، أو عاملة المصنع البولندية المجنونة " فرانشيسكا تشانكوفسكا   " ، كما يؤكد الطرف الآخر ،  قرر العلماء أن يجعلوا " آنا أندرسون " ، بعد موتها ،  تواجه العائلة التي تدعي انتمائها إليها ، عائلة " رومانوف " .. وتخضع لاختبار كشف كذب متأخر لكنه أكثر حيادية ومصداقية !

سيقارنون بقاياها ببقايا قبر عام 1991 !

كانت جثة " آنا " قد أحرقت عقب موتها ، لكن لا يزال ثمة نسيج ينتمي إليها كان محفوظا في حالة جيدة ، فقد أجريت لها عملية لإزالة انسداد معوي عام 1979 ، ولا زال النسيج المستخرج من أحشائها موجودا ، ومحفوظا بطريقة جيدة .. وفي نفس الوقت بحث العلماء عن إثبات للفرضية الثانية ، التي أصر عليها مكذبي " آنا " ، وتمكنوا من العثور على شاب يدعي " كارل نوتشر " ، وهو من نسل أخ ل" فرانشيسكا تشانكوفسكا  " ، وحصلوا على عينة من دمه من للتحليل والمطابقة !

كانت تلك الأسابيع القليلة من أكثر الأسابيع إثارة في حياة من كان يؤمن بصحة قصة وقضية " آنا أندرسون " .. وأجريت الفحوصات وعُقدت المقارنات .. ثم ظهرت النتائج !

لم تتطابق مورثات " آنا " الجينية مع أفراد أسرة " رومانوف " .. لكنها تطابقت ، وبشكل كامل ، مع الشاب " نوتشر " !
إنها قريبته فعلا وقد كذبت هي ومؤيديها !

لم تتطابق جيناتها مع اي فرد من افراد اسرة رومانوف

بيد أن تلك النتائج لم تُنهي الأمر تماما ، فلا زال البعض يشكك في تلك النتائج .. فمؤيدي " آنا " يلمحون إلي تلاعب محتمل في العينات لمصلحة بعض من بقي من أسرة " رومانوف " ، والكنيسة الروسية نفسها ترفض الاعتراف بكون رفات القبر الأول تخص أسرة القيصر ما لم يتم العثور على بقية العائلة .. والمشكلة الأكبر ، والتي يتخذها أنصار " آنا " سندا لقضيتهم ، بعد أن صفعتهم نتائج الحمض النووي المثبتة ، لا تزال قائمة .. فإذا كانت " آنا أندرسون " كاذبة ولم تكن هي " أنستاسيا " .. فأين ذهبت " أنستاسيا " الحقيقية إذن ؟ !

ضربة خريف 2007

وبإرشاد تقرير القاتل ، " يورفسكي " ،  استمرت عمليات البحث عن القبر الثاني  الذي أدعي وجوده ، والذي يضم رفات آخر جثتين من جثث عائلة " رومانوف " .. كان هناك احتمال أن يكون القاتل كاذبا ، وأن تكون دعواه للتغطية على هروب بعض أفراد العائلة منه .. فمن المعلوم أن كثير من سكان  يكاترينبيرج  كانوا يعطفون على الأسرة الملكية البائسة ، بل إن حراس المنزل أنفسهم كذلك كان بعضهم يشارك الأهالي عطفهم على القيصر المخلوع وعائلته .. حتى أن " يورفسكي " نفسه ، وقبيل عملية الإعدام ، أضطر لتغيير معظم الحراس ليأتي برجال جدد لا يعرفون الرحمة ، ولا يحملون مشاعر العطف والشفقة على الأسري الموقوفين في المنزل ..

ماريا وأنستاسيا إحداهن كانت مفقودة من قبر عام 1991

استمرت عمليات البحث وطالت .. ومع مرور الوقت كان الأمل يضعف في الحصول على رفات آخر ضحايا مذبحة العائلة الإمبراطورية ..

لكن وفي عام 2007 تم العثور على حفرة ، تبعد 64 مترا عن ( جنينا ياما ) وبها بعض العظام .. كان قرب المسافة له دلالة على ارتباط ما بين القبرين ، لكن الاستنتاجات المتعجلة لم يكن هذا وقتها .

في القبر الأحدث ثمة قليل من العظام ، مجموعة هزيلة عند جمعها أتضح أنها لا تشكل سوي ما يقرب من 10% من هيكل بشري كامل .. لكن ، وبرغم ذلك ، كانت هنالك علامات واضحة على وجود جثتين في الحفرة ، برغم قلة العظام ، فمن خلال عظمتي حوض مختلفتين تأكد كونهما شخصين .. لكن ما هو جنسهما !

أحدي عظمتي الحوض أوضحت أنها لذكر ، أما الأخرى فقد أشار ( الثلم الوركي ) العريض جدا لكون صاحبته أنثي !

ذكر وأنثي لكن من هما ؟ !

هل هما من أولاد " رومانوف " .. تلك كانت أول مشكلة لأن العظام كانت في حالة يصعب معها استخلاص حمض نووي صالح للتحليل منها !

وكانت هناك مشكلة أخري .. فعيار رصاصات قبر 2007 مختلفة عن عيار رصاصات القبر الأول .. بمعني أن السلاح المستخدم لقتل الشخصين اللذين في القبر الجديد ، ليس هو نفسه الذي قتل أفراد  آل " رومانوف " الخمسة ، ومرافقيهم الأربعة ، في القبر القديم !

فما معني هذا ؟ !

مزيد من الفحص أثبت أن السلاحين يعودان لنفس الفترة الزمنية ، عام 1918 ، ولكن لماذا قتل هذين الشخصين بسلاح مختلف ؟ !

هل كانا مختبئين وتم العثور عليهما لاحقا وقتلهما بشكل منفصل ؟ !

هل قتلا في مذبحة مستقلة ؟ !

أو هل حاولا الهرب وتم تتبعهما ثم قتلهما في عمق الغابة بعد التخلص من بقية أفراد عائلتهما ؟ !

لغز محير ، ولكن بربطه بإدعاء أحد أفراد فرقة الإعدام ، ويدعي " روبرت لاخر " ، الذي كان في الولايات المتحدة في الخمسينات ، والذي ادعي أنه كان يحرس شاحنة جثث آل " رومانوف " ، وقد ترك احدي بنات العائلة ، " أنستاسيا " تحديدا ، تهرب بعد أن وجدها جريحة فقط ولم تمت !

شهادة مذهلة .. لكن هل هي شهادة حقيقية أم مجرد محاولة للاستفادة بشكل ما من القصة ، والحصول على اهتمام إعلامي ؟ !

وفي كل الحالات فإن مقارنة الحمض المستخرج من شظايا عظام الذكر أثبتت أنه يتقاسم صفاته الوراثية مع رفات القيصر وزوجته ، التي وجدت في القبر الأول ، ولما لم يكن للزوجين الملكيين من الذكور سوي ابن واحد .. فيكون هذا بلا شك هو " إليكسي رومانوف " !

تم حل لغز اختفاء " إليكسي " والعثور على رفاته !

ولكن ماذا عن الأنثى التي وجدت بقاياها معه في نفس القبر ؟ !

أثبتت التحاليل أن المورثات الجينية للأنثى تجعل احتمال كونها أخت ل" إليكسي " يزيد بمقدار مليون مرة عن احتمال كونهما غير قريبين .. إنها أخت ولي العهد القتيل !

وهكذا تكون أجزاء الأحجية تم قد تجميعها وتركيبها في أماكنها الصحيحة :

- قبرين في غابة ( كوبتياكي )  تفصل بينهما مسافة 64 مترا .
- توجد في القبر الأول تسع مجموعات من العظام ، خمس منها هي للقيصر وزوجته وثلاث من بناته .
- وتوجد في القبر الثاني رفات ابنه " إليكسي " وابنة رابعة للقيصر .

لكن في أي القبرين توجد رفات " أنستاسيا " ؟ !

لا أهمية لذلك ، ففي كل الحالات لقد كان للقيصر أربع بنات ، ثلاثة منهن معه ومع أمهن في القبر الأول ، والرابعة في القبر الثاني مع أخيها .. فتكون الأسرة قد اكتملت ، واجتمعت في الموت كما في الحياة .. وتكون كل دعاوي " آنا أندرسون " ، ومن حذا حذوها ، مدعيا كونه من أفراد أسرة القيصر الناجين ، كاذبة وقاطعة الزيف !

حل علمي رائع وموثوق به !

تكريم متأخر !

الصورة الأخيرة " نيكولاي " الثاني في مارس 1917

فقدوا عرشهم وسلطتهم وأملاكهم ، ثم سيقوا كأسري ، وأجبروا على الانتقال  من مقر نفي وحبس إلي آخر .. وألحقت بهم إهانات شتي ، وتعرضوا للتعذيب والإذلال ..

ثم أخيرا أعدموا كلهم بدون ذنب ، بما فيهم الأولاد الأبرياء ، وتعرضت جثثهم للمهانة والسحل والتقطيع والحرق والدفن بشكل غير لائق !

ذلك هو ملخص ما حدث لعائلة حكمت روسيا قرابة ثلاثمائة عام !

هنا يقبع آخر قيصر روسي بعد ان طوبته الكنيسة الروسية قديسا

ولأنهم واجهوا العذاب والموت وإهدار دمائهم بلا وجه حق ، فقد قررت الكنيسة الروسية تطويب أفراد أسرة رومانوف كقديسين ، وكان قد تم دفن القيصر وزوجته وثلاث من بناته ، الذين عُثر عليهم في عام 1991 ، في كاتدرائية بيتر وباول في سان بطرسبرغ ، في جنازة رسمية وشعبية في السابع عشر من يوليو من عام 1998 .. ثم تم دفن رفات الولدين المتبقيين للقيصر "  ماريا " و" إليكسي " في نفس الكاتدرائية .. حيث من المتوقع أن يتم رفعهما أيضا لمرتبة القديسين مع حلول الذكري المئوية الأولي للمذبحة في عام 2018م .

وبذلك يكون ملف قضية أسرة " رومانوف " قد أغلق تماما وإلي الأبد !

هل هي أنستاسيا برغم كل شيء ؟ !

المقارنة بين وجهي الأميرة " أنستاسيا " و" آنا أندرسون " تظهر مطابقة جديرة بالنظر

قال العلم كلمته وحسم مصير " آنا " ميتة ، بعد أن حسمه القضاء وأقارب الأسرة الملكية ، وهي حية .. الكل يرفض الاعتراف بها .. قالوا إنها كاذبة وقد صدقهم العلم !

لكننا لم ننتهي بعد .. فثمة أسرار وألغاز في الأمر :

فقد أظهرت المقارنات التي عُقدت ، إبان القضية التي رفعتها المرأة لإثبات شخصيتها ، مطابقة شبه مثالية بين ملامح وجهها وملامح وجه الدوقة العظمي قبل موتها   ..

أما التطابق بين الأذنين فقد كان مثاليا تماما .. بمعني أنه تطابق كامل بنسبة مائة في المائة !

ثانيا أظهرت " آنا " ، خلال لقاءاتها ببعض معارف " أنستاسيا " السابقين ، معرفتها ببعض النقاط الدقيقة التي لم يكن من السهل أن يعرفها أحد سوي الأميرة نفسها أو المقربين منها بشدة !

ثالثا إصرار المرأة على المضي في إثبات دعواها ، برغم أنها لم تسعي للحصول على فائدة مباشرة من قصتها ، يثير الخيال ويحمل دلالة ما !

لماذا لم تسعي المرأة للتصالح مع آل " رومانوف " ، الذي يصرون على عدم الاعتراف بها ، نظير الحصول علي مقابل مالي للتنازل عن القضايا المتبادلة بينهما وإنهاء الأمر على وجه أكثر فائدة لها ؟ !

هل أخفي القاتل " يورفسكي " شيئا ، أو زور أجزاء من  روايته ليخبئ أمر هروب " أنستاسيا " منه ، أو تهريب جندي لها ، عن رؤسائه في موسكو ؟ !

لماذا قرر دفن الجثتين المحروقتين في قبر منفصل ، ولم يرمي كل الجثث في حفرة واحدة ويصب عليها الحمض وينتهي الأمر ..

ولماذا كلف نفسه ، ورجاله معه ، عناء حفر حفرتين في هذه الغابة المنعزلة المنقطعة وفي هذا المناخ القاسي ؟ !

هل اختلاف عيار الرصاصات التي عثر عليها في القبر الثاني له دلالة ما ؟ !

هل " آنا أندرسون " مجرد امرأة مخبولة تلاعب البعض بعقلها ، واستغلوا التشابه بينها وبين الأميرة الروسية ، ولقنوها بعض الحقائق والأسرار ، علموها كيف تصبح " أنستاسيا " ، وجعلوها تتقن الدور من أجل فائدة تعود عليهم هم شخصيا ؟ !

وقد تكون المرأة ، غير السوية العقل ، قد صدقت الوهم الذي زُرع في رأسها وعاشت بقية عمرها تدافع عنه ؟ !

والسؤال الأكثر أهمية والجدير بحسم القضية تماما : ما فرص نجاة فتاة جريحة وحدها ، أو برفقة جندي مارق هارب ، من الأخطار المحدقة بها في غابات سيبريا المخيفة ، المليئة بالقتلة الذين يبحثون عنها  .. أو كيف يمكنها أن تعبر معه الحدود إلي رومانيا بسلام في أوار الثورة الروسية والهيجان البلشفي ؟ !

شخصيا أعتقد أن فرصة  كهذه ، في حالة نجاة الدوقة من فرقة الإعدام ، تكاد تبلغ الصفر !

وهذا كافي جدا أيضا لنسف فرضية " روبرت لاخر " ، وإدعائه بتسهيل هروب " أنستاسيا " الجريحة ، مع مراعاة أن روايته تتناقض بشكل كامل مع رواية " آنا أندرسون " .. ولعل هذا هو السبب إلي دفعها إلي تجاهل وجوده وعدم محاولة الاستفادة من الواقعة التي أدعاها لتدعيم قصتها !

كما أعتقد أن " آنا أندرسون " لم تكن إلا محتالة مسكينة .. أستغل البعض مرضها وملامحها للاستفادة من ورائها .. بدليل أنهم تخلوا عنها بمجرد أن فشلت في دعواها ولم تستطع أن تحتلب لهم المال من بقية أسرة " رومانوف " !

وأخيرا نقول : إن ثمة ألغاز في التاريخ تبقي غامضة لأنها غامضة فعلا .. وأخري تبقي كذلك لأن البعض يريد لها أن تبقي غامضة .. أو لأنه يستفيد من ذلك !

ملحوظة :

تجنبنا في هذا المقال الخوض في أمور علمية ثقيلة ، والمشكلات التي واجهت فريق التحليل الوراثي بسبب وجود اختلاف في الطفرات الوراثية بين القيصر وقريبه الكونت " تروبتسكوي " ، وكذلك بعض التفاصيل الطويلة  الخاصة بحياة " آنا أندرسون " وتنقلاتها بين ألمانيا وأمريكا   .. ومن يريد الاستزادة من هذه الأمور يمكنه الرجوع إلي المصادر المشار إليها في نهاية المقال .

المصادر :

- موسوعة ويكيبديا ( مادة : نيكولا الثاني ، آنا أندرسون ، جنينا ياما )
- كتاب ( سبع بنات لحواء ) تأليف / بريان سايكس
- أفلام وثائقية : العالم من حولنا ( أنستاسيا هل هي ابنة القيصر ) / سلالة رومانوف المفقودة
- روسيا اليوم : التعرف على رفات ابن وابنة آخر القياصرة الروس

تاريخ النشر 13 / 08 /2015

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر