تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

صداقة من نوع آخر

بقلم : اياد العطار
fearkingdom@yahoo.com

الحيوانات ليست غبية .. بل هي تعي وتفهم ..

لست من أصحاب الذاكرة الحديدية , لا أذكر أمورا كثيرة عن حياتي , ولست حزينا على ذلك , إذ لا يوجد الكثير لأتذكره , لكن هناك أطياف باهتة من الماضي لا تنفك تزورني من حين لآخر , غالبا لتنغص أفكاري. لا أزعم بأن طفولتي كانت حزينة بالمجمل , تخللتها أوقات جميلة هنا وهناك , لكن الجانب الأسود طغى دوما على الأبيض .. وواحدة من تلك الذكريات السوداء البعيدة هي عن صديق طفولة كنا لا نفترق أنا وإياه , كأننا أشقاء , نلعب ونمرح ونضحك لساعات دون أن نتعب . كنت اهرع لملاقاته كل يوم , ولم يكن منزلهم بعيدا عنا , إذ كنا جيران نفس الشارع . وذات يوم تأخر صديقي عن ملاقاتي , فذهبت ببراءة الطفل ودققت باب منزلهم أسأل عنه , فإذا بأمه تخرج وتنهرني بشدة : "إياك أن تأتي لمنزلنا مرة أخرى . إياك أن تتحدث مع أبني .. هيا أذهب من هنا يا ....." . فقلت والعبرة تتردد في حلقي : "لكن ماذا فعلت أنا يا خالة ؟" . فردت بنبرة ملئها الكراهية : " أذهب من هنا ... لا نريد أي علاقة بكم" .

عقلي الصغير لم يفهم ما قالته , كانت تلك أمورا أسمع بها أول مرة , عن الفروق بين البشر , ليست فروق الشكل والمظهر , بل الفروق التي يرثونها عن آبائهم وأمهاتهم من دون أن يكون لهم يد فيها . عدت إلى منزلي أكفكف دموعي وأجر أذيال الخيبة , سألتني أمي عن سبب بكائي , فأخبرتها القصة , فقالت باقتضاب : "لا تلعب مع أبنهم مرة أخرى ولا تحدثه". هكذا بكل بساطة تم منعي من التحدث إلى صديقي العزيز ومن دون أن أفهم السبب . ولأيام عديدة بعدها كنت أقف على الرصيف , ببجامتي البيضاء المخططة , أضع يديي في جيبي من البرد , وما بين اليأس والرجاء أنتظر أن يخرج صديقي ويمر بي لعله يكلمني , وكان يخرج بالفعل , وكان يتظاهر بتجاهلي , مكرها مثلي , ينظر إلي من بعيد وعيناه تشعان حزنا وكمدا .

عقود مرت على تلك الذكرى الحزينة , كبرت أنا خلالها وأدركت جيدا ماهية الفروق التافهة بين البشر , أدركت أيضا بأن البشر حين تمتلئ نفوسهم بالكراهية فأنهم يتحولون إلى بهائم غبية لا تجتر سوى الحقد والبغضاء , لا بل أن البهائم تكون أفضل وأرحم وأرقى منهم في بعض الأحيان , ومقالي هذا هو خير دليل على ما أقول .

النمر آمور والجدي تيمور

النمر آمور والجدي تيمور ..

آمور هو نمر سيبيري ضخم الجثة يعيش في منتزه بروميسكي للحياة البرية في روسيا , نمر ذو كبرياء , لا يأكل إلا من عرق جبينه ! .. تعاف نفسه الوجبات الجاهزة ويفضل أن يرمى له طعامه على شكل حيوانات حية يقوم بقتلها بنفسه ثم يلتهمها . وهكذا فأن إدارة المنتزه كانت تختار كل بضعة أيام حيوانا بريا من حيوانات المنتزه لتقدمه كوليمة لآمور . وقد وقعت القرعة ذات يوم على جدي شاب أسمه تيمور , والجدي للعلم هو ذكر الماعز .

أقارب و أصدقاء تيمور حزنوا عليه حزنا عظيما , ودعوه بالدموع والآهات , وشيعوه بالرغاء والثغاء , متوقعين له ميتة شنيعة على يد النمر المفترس. لكن تيمور على ما يبدو كان أذكى من أقرانه وأضرابه من معاشر ذوات الظلف , إذ أستطاع حمل النمر آمور على أن يبقيه حيا ولا يأكله! .. كيف فعل ذلك ؟ .. الله أعلم .. لعله كان عبقريا بفن الإقناع ..

تصور جدي يقنع نمرا بأن لا يأكله .. وحياتي لو كنت أنا رئيس دولة لجعلت الجدي تيمور وزيرا للخارجية , فهو والشهادة لله أفهم بكثير من الحمير والبغال الذين ابتلانا الله بهم لعقود , ولعله أقنع اليهود بأن يعيدوا فلسطين بلا قتال وخلال يومين فقط !.

النمر آمور ليس فقط لم يلتهم الجدي تيمور , بل أتخذه صديقا وصاحبا وخليلا! .. مما أثار دهشة إدارة المنتزه وتسبب بجلبة كبرى في الصحافة والإعلام امتدت أصداءها إلى جهات الأرض الأربع. لا بل أن بعض الناس رؤوا في تلك الصداقة النادرة علامة من علامات الساعة .

شخصيا لي نظرية خاصة بشأن القصة , فبرأيي المتواضع , بما أن النمر آمور يعيش في روسيا , فهو حتما شرب عدة كؤوس من الفودكا قبل أن يدخلوا عليه تيمور , أي أن المسكين كان سكرانا لا يفرق ما بين اليمين واليسار حين دخل الجدي عليه , والدليل أنه لاحقا ندم على قراره إبقاء تيمور حيا .. فتلك الصداقة الغريبة لم يكتب لها الدوام . نحن قلنا بأن الجدي تيمور كان ذكيا , لكن كما يقال فأن العرق دساس , بالنهاية هو لم يكن سوى ماعز , وقد دفعه الغباء الأزلي لبني الماعز إلى أن ينسى نفسه ويمارس المزاح الثقيل مع النمر آمور , مرة ينطحه في مؤخرته , ومرة يدوس على بطنه وهو نائم .. كل هذا وآمور صابر ولسان حاله يقول : " يا أبن الحلال .. الله يهديك .. أنا نمر وأنت ماعز .. لا تنسى نفسك" .. فيرد عليه تيمور قائلا : "بين الأصدقاء لا توجد مقامات , وبين الأحباب تسقط الآداب".

قصة صداقة لم بكتب لها الدوام ..

أخيرا , طفح كيل آمور من تصرفات الجدي الوقح بعد أن نال نطحه شديدة منه فأنشب أنيابه الحادة في رقبته وصرخ فيه صرخة تزلزلت لها أركان المنتزه قائلا : "يا أبن آكلة الروث والزبالة .. ألم أحذرك من التمادي معي" .. ثم طفق يهزه ذات اليمين وذات الشمال كأنه ريشة في مهب الريح , وأخيرا طوح به الهواء راميا إياه بعيدا ليتكوم ما بين الحياة والموت .. فأسرع عمال المنتزه وأخرجوا الجدي الجريح وأسعفوه . وفي الحقيقة لم تكن جروح تيمور مميتة , أي أن النمر لم يكن ينوي قتله لكن ربما أراد تأديبه . لكن تلك الحادثة دفعت إدارة المنتزه إلى فصل الصديقين عن بعضهما . والآن كل واحد منهما يعيش لوحده . بالنسبة لآمور لم يتغير شيء , فهو نمر , والنمور انعزالية بطبعها تحب العيش لوحدها , ولا تصاحب غيرها من النمور إلا في فترة التزاوج , ولا يدوم ذلك سوى لفترة قصيرة . أما بالنسبة لتيمور فقد قلبت هذه القصة حياته رأسا على عقب , فبعد أن كان جديا مغمورا مجهزا للذبح , أصبح بقدرة قادر من المشاهير , وصار له حظيرة لوحده , وعليقة شهية خاصة به , وجلبوا له أنثى رشيقة .. فسبحان مغير الأحوال.

الضفدع الذي أنقذ الفأر من الغرق

الصورة التي التقطها المصور الهندي اعظم حسين

حين ركن المصور الفوتوغرافي أعظم حسين دراجته البخارية بالقرب من بركة ماء صغيرة في ضواحي مدينة لوكنو الهندية لم يكن يتخيل المفاجأة التي تنتظره هناك . حدث ذلك في أحد أيام عام 2013 . وقف أعظم ليدخن سيجارة , ووقعت عيناه صدفة على شيء صغير يتحرك فوق سطح ماء البركة , بالتدقيق أكثر تبين بأن ذلك الشيء هو فأر متشبث ببعض الخردة الطافية فوق سطح الماء كجزيرة صغيرة , وكان الفأر يبحث عن سبيل للنجاة بلا جدوى , فالماء يحيط به من كل جهة وهناك مسافة طويلة تفصله عن الضفة .

فجأة ظهر ضفدع كبير من تحت سطح الماء كالغواصة , وأستقر طافيا إلى جانب قطعة الخردة . يقول أعظم : " لقد بدا لبرهة بأن الضفدع والفأر يتحدثان بلغتهما الخاصة , وخلال لحظات حدث ما جعل شعر رقبتي ينتصب , إذ قفز الفأر إلى ظهر الضفدع كأنه يركب قاربا , فاستدرت إلى دراجتي وأخرجت الكاميرا بسرعة والتقطت بعض الصور لهذا الحدث الفريد" .

بحسب أعظم فأن الضفدع حمل الفأر على ظهره حتى أوصله بأمان إلى ضفاف البركة , هناك نزل الفأر واختفى بسرعة بين الأحراش , فيما غاب الضفدع مجددا تحت سطح الماء .. ذهب الفأر والضفدع وبقي المصور أعظم يقف هناك على ضفاف البركة فاغرا فاه من شدة التعجب كالأبله ! .. ولحسن الحظ فقط تمكن من التقاط بعض الصور التي أدهشت الناس حول العالم وجعلتهم يتساءلون بحيرة : " هل الحيوانات غبية فعلا كما نظن ؟ .. أم أننا أغبى من أن ندرك ذكاءها وروعتها" .

أسود بولدغير والكلب ميلو

الأسد الذي أتخذ من الكلب صديقا ..

بنظر معظم بني البشر فأن الأسد هو الحيوان الأكثر شراسة وقوة بين جميع الوحوش , ولهذا أستحق لقب ملك الغابة . وغني عن القول بأن الأسد هو فعلا حيوان متوحش ومفترس بامتياز , أعني لو صادفت يوما أسدا طليقا , فلا تتوقع أن يصبح صديقك ويلاعبك , بل على الأرجح سيمزقك إلى أشلاء ويزدردك , لذا أطلق ساقيك للريح ودع عنك كل ما ستقرئه من قصص في هذا المقال .. لأنها قصص نادرة وحالات فريدة من نوعها لا تحدث على الدوام . وإحدى تلك القصص النادرة والفريدة هي عن صداقة غريبة نشأت وتوثقت عراها بين أسد أسمه بولدغير ويزن 225 كيلوغراما وكلب صغير أسمه ميلو لا يزن أكثر من 5 كيلوغرامات . تلك الصداقة لم تكن طارئة , بل يمتد عمرها لسنوات , منذ أن كان بولدغير شبلا رضيعا . واليوم يقضي الاثنان معظم وقتهما معا , يلعبان ويمرحان ويستلقيان تحت أشعة الشمس الدافئة , ومن دون أن يتعرض الكلب الصغير لأي نوع من الأذى , فعلاقته بالأسد وثيقة إلى درجة أنه يقوم أحيانا بإدخال رأسه الصغير إلى فم بولدغير المدجج بالأنياب القاطعة لينظفها من بقايا الطعام ! .

اللبوة ترعة وتحمي صغير الغزال في البرية ..

قد يقول قائل بأن الأسد بولدغير نشأ في مزرعة خاصة , وهو لم يتعلم الصيد والافتراس , لأن لا حاجة له بهما , فطعامه جاهز على الدوام , وعليه فما من داعي لالتهامه الكلب .. وقد يكون هذا الكلام صحيحا , لكن ما رأيك بأسد شاب في البرية يمسك بغزال صغير وبدل أن يأكله يقوم بملاعبته وملاطفته , لا بل ويحميه من بقية الأسود! .. وما رأيك بلبوة تتبنى ضبيا صغيرا في البرية وترعاه كأنه شبلها! .. هذه أمور تحدث , وهي موثقة بالصورة والصوت , فحتى الأسد المتوحش والقاتل بالفطرة يمكن أن تتسلل الرحمة إلى قلبه في بعض الأحيان .

حيوانات ذات قلب كبير

القطة تبنت افراخ البط مع صغارها ..

مثلما هناك بشر يتبنون أطفال بشر آخرين , هناك أيضا حيوانات تتبنى صغار حيوانات أخرى , وهو أمر يبعث على الحيرة , فنحن نزعم بأن الحيوانات بلا عقل , وأنها تتصرف بوحي الغريزة فقط , وكوني أربي الحمام , وكنت أربى دجاجا في السابق , فأنا أعلم علم اليقين بأن الأكلة المفضلة لمعظم القطط هي صغار الحمام والدجاج والبط متى ما وجدت إليها سبيلا .. فكيف إذن لقطة أن تتبنى أفراخ دجاج أو بط ؟ .. أليس في ذلك مدعاة للدهشة ؟ ..

ذات يوم تفقد أحد المزارعين الايرلنديين قن الدجاج والبط ليجد بأن بعض أفراخ البط الصغيرة مفقودة , طبعا كان المتهم الأول باختطاف هذه الأفراخ هي قطة العائلة التي كانت قد وضعت صغارها قبل بضعة أيام . ظن المزارع بأن القطة التهمت تلك الأفراخ واحدا تلو الآخر , فذهب ليتفقد وجارها , وليجد نفسه أمام مفاجأة صادمة , فالقطة كانت قد اختطفت الأفراخ فعلا , لكنها لم تأكلهم , بل تبنتهم مع صغارها . المزارع أستدعى زوجته لترى المنظر الغريب .. القطة تحتضن صغار البط مع صغارها وتعاملهم بكل محبة ورحمة . والعجيب هو أن علاقة الأمومة الغريبة ما بين القطة والأفراخ استمرت حتى بعد أن تحولت تلك الأفراخ إلى بطات بالغة .

القطة السويدية تبنت افراخ الدجاج ..

وبعيدا عن أيرلندا , في مزرعة أخرى تقع بالسويد , حدثت واقعة مشابهة , لكن هذه المرة القطة تبنت أفراخ الدجاج , والعجيب أنها لم تكن حديثة الولادة أو لديها صغار .

الدجاجة مابل تبنت جراء الكلب ! ..

وما رأيكم بتبني دجاجة لجراء كلب ! .. هذه الواقعة حدثت في إحدى مزارع انجلترا , حيث أن الدجاجة مابل استغلت فرصة غياب والدة الجراء لكي تحتضنهم بنفسها كأنهم فراخها .

صور مزعومة لكمالا وامالا الهنديتان ..

وهناك قصص أكثر غرابة عن تبني الحيوانات لصغار البشر , مثل قصة الفتاتان الهنديتان أمالا وكمالا , حيث زعم الشخص الذي رعاهما بأنه عثر عليهما في وجار أنثى الذئب , وأن أنثى الذئب هي من أرضعتهما وأعتنت بهما بعد أن هجرهما والديهما . وقيل بأنها كانتا تتصرفان كالذئاب تماما , فتمشيان على أربع , وتأكلان اللحم النيئ , ولا تتكلمان لغة البشر بل تعويان كالذئاب تماما ..

وهناك قصص أخرى كثيرة عن حيوانات رعت البشر وقد تطرق لها الأخ العزيز ليث درادكه في مقال سابق نشر على موقع كابوس .

ختاما ..

هناك قصص أخرى كثيرة عن غرائب الصداقة والألفة والمحبة بين الحيوانات المتضادة الطباع والأنواع . لكننا ارتأينا الاختصار لأن التطويل يوجب الملل , فاقتصرنا على هذه النماذج الرائعة التي تدل بما لا يقبل الشك على أنه حتى الحيوان الأعجم يمتلك في قلبه بعض الرحمة والشفقة . لا بل أن معظم الحيوانات , حتى تلك المفترسة , هي أرحم من بعض البشر , ذلك أنها حين تقتل وتأكل فأنها تفعل ذلك لكي تعيش وليس من أجل متعة القتل المحضة , بينما الكائن الوحيد على هذا الكوكب الذي يقتل من أجل المتعة العبثية هو الإنسان .

المصادر :

- Zoo Releases Footage Of What Led To End Of Goat And Tiger's Friendship
- Frog saves rat from drowning
- Bonedigger the lion, never leaves the side of Dachshund dog Milo
- Lion Saves Baby Deer from Hungry Lion
- Mama Cat Adopts Group of Baby Chicks
- Ruling the roost: Hen that thinks it's a dog adopts litter of puppies
- Amala and Kamala - Wikipedia
- 15 Unusual Animal Friendships That Will Melt Your Heart
- سلسلة اطفال متوحشون - موقع كابوس

تاريخ النشر 17 /09 /2016

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق