الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

القمر الدموي

بقلم : H.H - فلسطين
للتواصل : [email protected]

جميع الفتية كانوا منهمكين بالغناء و النظر إلى القمر للتأكد من اكتمال الخسوف

كنا نجلس على مائدة العشاء ، عندما اخبرنا والدي انه قام بتسجيلي أنا و أخي بالمخيم الصيفي الذي يبدأ يومه الأول بعد غد ، أحسست بضيق مما سمعت فانا فتى غير اجتماعي ، على عكسي تماماً كان أخي فتى وسيم الوجه ، طويل القامة ، ذا شعر كستنائي و عينان شهلاء و بشرة برونزيه كان قد اكتسبها من نادي تعليم السباحة ، و لم يواجه يوماً صعوبة بتكوين صداقات ، كانت تلك هوايته على ما اعتقد ، فانا لا استطيع حصر عدد أصدقائه ولن استطيع يوماً .

أما أنا فكنت بدين الجسد متوسط الطول ألبس نظاره طبية بعرض سنتيمتر و النصف تقريباً ـ و يغطي وجهي الأبيض النمش و شعري الأشعث يحتل مساحة لا باس بها فوق راسي ، كانت أكبر مشكلاتي الاختلاط مع الأطفال الآخرين ، فكنت أفضل أن أقضي ساعات مع حاسوبي على أن اقضي بضع دقائق مع وحش صغير الحجم .

توقفت الحافلة الصفراء أمام مدخل المنزل و فتح الباب ، صعد عمر على عجل يحي الفتية و صعدت أنا خلفه بتململ واضح ، ألقيت نظرة خاطفة على أكثر الأماكن عزلة لأجلس ، ليغلق بعدها باب الحافلة و نمضي بطريقنا للمخيم الصيفي ، كنت انظر مباشرة لعيني السائق المنعكسة بالمرأة عندما بدأتا بالتحول تدريجياً للون الأحمر ، نظرت بذعر حولي لأرى جميع من في الحافلة بدؤوا بالتحول لكائنات أشبه بالمسوخ ، حاولت الصراخ لكن صوتي خانني و لم أقوى على التفوه بأي كلمة ، حتى أخي عمر كان قد تحول إلى مسخ شديد البشاعة و القرف ، مد سائق الحافلة يده إلى المذياع و قال بصوت مرعب : أهلاً بكم إلى مخيم الرعب الصيفي .

احمد ، احمد ، صوت أمي أعادني للواقع ، ابتسمت لي و احتضنتني لا باس يا صغيري مجرد كابوس ، نهضت مسرعاً لأغسل وجهي ، آه ، كان حلماً مزعجاً كما لو انه حقيقي .

قررت صباح اليوم أن اقنع أبي بالعدول عن قراره و إن أراد أخي فليذهب أما أنا فسأقضي الأيام السبع القادمة برفقه حاسوبي ، على مائدة الإفطار جلس أبي و بيده صحيفة حجبت وجهه عني ، كان قد انتهى من وجبة إفطاره و بدا يحتسي القهوة التي وضعت أمامه ككل صباح ، بدأت بالحديث بصوت منخفض فأبي رجل صارم و أنا أهابه جداً : أبي ؟

مرت بضع ثوان قبل أن يجيب ، بدا لي كأنه ينهي قراءة شيء ما ، أجاب : نعم احمد ؟

فقلت : كنت أفكر أنني لو قضيت الأسبوع المقبل أتعلم شيئاً من برمجة الحاسوب خير لي من قضائه بالمخيم الصيفي ، أغلق الصحيفة ووضعها جانباً و نظر إلى عيني مباشرة و قال : لديك الصيف كله لتعلم برمجة الحاسوب ، اذهب و كون صداقات ، تعلم نصب الخيمة و إشعال النار ، طهي الطعام أو رمي السهام ، ثم هنالك شيء آخر ، ما دفعته من رسوم غير مسترد و ذلك يعني انه يتحتم عليك الذهاب هذا ما كتب على موقع المخيم الالكتروني ، كما أنني و والدتك ستقضي عطلة صغيرة على الساحل ، لم استطع الرد أومأت براسي موافقاً و تناولت طبق الحبوب و الحليب الموضوع أمامي شارد الذهن .

 في المساء بدأت بتجهيز حقيبة ظهري ، ملابسي و أحذيتي و قبعتي المفضلة التي كتب عليها أول حرف من اسمي و دفتر مذكراتي و بضع حاجيات قد احتاجها الأسبوع المقبل ، في الصباح الباكر صحوت على صوت أمي تستعجلني النهوض لقد تأخرنا و الحافلة على وشك الوصول ، عمر كان مستعداً و علت على وجهه ابتسامه حماس عريضة ، قبل أمي و أبي مودعاً و خرج على عجل لوحت لهم مودعاً بيدي، استوقفتني يد أمي و احتضنتني ثم طبعت قبله على جبيني و عدلت ياقة قميصي و قالت : اخرج بسرعة و انتبه لنفسك ، خرجت لأرى الحافلة تنتظرني ، صعدت الدرجات الثلاث و أنا أتفحص الوجوه جيداً ، لا اعرف أياً من الأطفال الموجودين ، كان كل شي طبيعياً حتى سائق الحافلة حياني بابتسامه لطيفه ، جلست بجانب النافذة أراقب عينا سائق الحافلة عبر المرأة المعلقه ، هل ستتحول للون الأحمر كما بحلم البارحة ؟ لكن شيئاً لم يحدث ، نظرت للخلف لأرى عمر منهمك مع طفلان آخران يقص عليهم إحدى مغامراته مع فتيات المدرسة ، كل شي بدا طبيعياً و كما يجب أن يكون .

مد سائق الحافلة يده و استل المذياع و بصوت واضح قال : سنتوقف بمحطة أخيره و نتوجه بعدها لمخيم الأبطال الصيفي قد نصل بعد ٣ ساعات تقريباً من الآن و بعد الساعة و النصف سنتوقف للتزود بالوقود ، يرجى التقيد بالتعليمات و يمكنكم شراء الوجبات الخفيفة أو استخدام المرحاض عند توقفنا، ثم وضع المذياع جانبا ، و بعد بضع دقائق توقفت الحافلة بمحطتنا الأخيرة ، فتح الباب و صعدت فتاتان بدا لي أنهم أختان و فتى صغير أشقر الشعر يلبس قبعة حمراء ، كانت الحافلة قد امتلأت تقريباً ، جلست إحدى الفتاتان بجانبي فشعرت بعدم الارتياح ، عدلت وضعية جلوسي و أدرت وجهي بعيداً متظاهراً أني انظر من النافذة ، كانت فتاة جميلة تلبس فستان ابيض مرسوم عليه ورود بألوان مختلفة ، و عقد شعرها الأشقر كذيل حصان ، و بدأت رحلتنا نحو مخيم الأبطال الصيفي .

عند وصولنا المخيم وقف رجل أربعيني العمر يلبس سروال قصير عاجي اللون و قميص ابيض عند البوابات الخشبية لاستقبال الحافلات كان يضع صفاره حول عنقه و لا يتوارى عن استخدامها كلما أتيحت له الفرصة ، عند ترجلنا من الحافلة بدأت أجول بالمكان بعيني، المكان جميل جداً ، كان المخيم عبارة عن كوخ خشبي كبير يبدو انه الصالة الرئيسية للمخيم و كوخان خشبيان اصغر حجماً يقعان على جانبي الكوخ الأكبر ، حد المخيم من الجانب بأشجار عملاقه أشبه بالغابات ، أما بالساحة المقابلة للأكواخ الثلاثة كان هناك ملعب لكره القدم و كرة الطائرة و حفرة كبيره لإشعال النيران ، بدا الرجل ذو السروال القصير بالنفخ بصفارته دون توقف التفتنا جميعا إليه و عبر مذياع بيده بدا بالصراخ : اصطفوا بصفوف منتظمة رجاء ، بدأنا جميعاً بتشكيل صفوف عشوائية ، أعاد القول : ليقف الصبية على يساري و الفتيات على يميني و تم تقسيمنا بعدها حسب الجنس فالفئة العمرية ، انضمت للرجل أمراه عجوز بدأت بتعريفنا على مرافق المخيم ثم بجدولنا اليومي :

لديكم جدول يومي محدد عليكم إتباعه ، سننهض باكراً لتناول وجبة الإفطار ثم لننصب الخيم و نمارس أنواع مختلفة من الرياضة ، سنطهو بعدها وجبة الغذاء ، ثم استراحة قصيرة لنعود و نتعلم الرماية و رمي السهام و إشعال النار ، بعد تحضير وجبة العشاء بإمكانكم الجلوس حول النار للتسامر أو العودة إلى غرفكم للنوم ، الآن يمنكم التعرف على مواقع غرفكم لوضع حاجياتكم من هنا و أشارت بيدها على فتاتان اكبر سناً تجلساو على طاولة بلاستيكيه و تكدست أمامهم أوراق بيضاء ، انطلقنا جميعاً للحصول على أرقام غرفنا لوضع حقائبنا ، و بعد انتظار طويل حصلت على ورقة كتب عليها احمد مراد  M201 ، اتجهت إلى الكوخ المخصص للفتيه كما أوضحت لنا المرأة العجوز و بدأت بالبحث عن غرفتي .

غرفتي كانت غرفه خشبية، كل شي صنع من الخشب جدران و سقف و أرضيه خشبية ، حتى السرير ذو الطابقين و دولاب الملابس صنعوا من الخشب أيضاً ، نافذة صغيره عاليه و ستائر صغيره صفراء اللون ، اخترت أنا السرير المنخفض ، بعد دقائق بدأت بتوضيب ملابسي و حاجياتي داخل الإدراج و الدولاب ، دخل الغرفة فتى بمثل عمري علمت لحظتها انه سيشاركني الغرفة للسبعة أيام القادمة ، قطع الفتى أفكاري قائلاً : أنا خالد و أنت؟ أجبت : احمد ، و أكملت لقد اخترت السرير التحتي و هذا دولابي ابتسم لي و قال : لا باس بما أنها المرة الأولى ، لك ما أردت ! نظرت له باستغراب ، لكنني لم اكترث كثيراً لما قال و تابعت توضيب حاجياتي فعلينا الاجتماع بالصالة الرئيسية بعد قليل لبدا يومنا الأول ، بالصالة اجتمع الفتيه و الفتيات كان الجميع ودوداً للغاية يتعارفون و كلٌ يحكي عن مدرسته و حيه و السنة الدراسية الفائتة ، جلست بصمت أراقب كل من وقعت عليه عيناي ، دخل الأستاذ جهاد صاحب السروال القصير و بدا بالحديث، قسمنا لعدة مجموعات فمنا من سيبدأ بنصب الخيم و مجموعه أخرى ستطهو الطعام و آخرون سيقسمون للتباري بكرة القدم ، مر اليوم سريعاً رغم انه كان شاقاً ، لكن لا اخفي أبداً أنني استمتعت كثيراً .

في المساء جلس عدد كبير من الفتيه و الفتيات حول النار المشتعلة و رغم أننا بفصل الصيف ألا آن الطقس كان بارداً نسبياً ، كانت بعض الفتيات يقمن بشواء حلوى الخمطي على النار و آخرون يتحدثون عن الدراسة و يلقون النكات السخيفة ، قاطع حديثهم احد الفتية و بدا يقص قصصاً مخيفه عن أرواح و مسوخ وشياطين تسكن الغابة المجاورة رغم أن الجميع بدؤوا بإطلاق النكات ألا أنني فعلاً كنت اشعر بالخوف ، بدأ الفتية الواحد تلو الأخر بقص رواية مختلفة مرعبه ، و كان لا يقطع صوت الهدوء و السكون سوى صوت الطفل الراوي و احتراق الحطب و أزيز صرصار الليل البعيد .

بعد عدد لا باس به من القصص انطلقت صرخة قويه من بين الأشجار البعيدة  ، كانت صرخة واضحة رغم بعد الصوت قفزت من مكاني برعب و صرخت : من سمع الصرخة ؟ نظر الجميع إلى بعضهم و عم الصمت للحظات ليبدأ الجميع بعدها بالضحك عالياً ، قال احد الفتية : أظن أن احدنا سيبلل فراشه الليلة و أكملوا ضحكاتهم دون توقف شعرت بالإحراج و الخجل من نفسي لقد تكلمت دون تفكير أظنني فعلاً ذعرت مما سمعت ، نهضت متجهاً لغرفتي فالجميع يعتقد أني فتى جبان ، استوقفتني الفتاة نفسها من الحافلة و قالت احمد أنا أصدقك ، لقد سمعت الصوت ! أكملت طريقي غاضباً لماذا لم تؤكد أمامهم على ما سمعت ؟  لو فعلت لما ضحك الجميع وظنوا أنني جبان .

في اليوم التالي كان الجميع كما لو أنهم نسوا ما حدث البارحة ، الجميع مشغول بممارسه نشاطه حتى أنا نفسي تعلمت صناعة العقد بالحبل و نصب الخيام ، ساعدت بطهي طعام العشاء و رميت السهام ، كان يوماً حافلاً و سرعان ما حل المساء سريعاً ، قررت التوجه لغرفتي فانا بغنى عن القصص المرعبة التي يتبادلها الفتيه حول النار ، تمددت على سريري لساعات أفكر بما حدث ليلة أمس ، مد خالد رأسه من السرير العلوي و قال: لا استطيع النوم ، رددت : أنا أيضاً ، أتريد التجول بالغابة ؟ أجبته بحزم : أنت تعلم أن ذلك ممنوع ، ثم أن الغابة مخيفه و ليس هنالك ، قاطعني : جبان ، لم اصدق ما قاله الأولاد لكنك فعلا جبان ، ساد الصمت للحظات قبل أن أجيبه : فلنذهب ، لكن سأضع اللوم عليك أن كُشف أمرنا ، قفز من على السرير بسرعة و قال : هيا بنا ستكون مغامرة شيقة و سيعلم الجميع انك شجاع ، وضعت قبعتي على راسي و لبست سترتي و حذائي و انطلقنا .

كان الصمت و الظلام سيدا الموقف ، صوت أزيز الليل و أوراق الشجر المتحرك بفعل النسيم جل ما اسمع ، لا اعلم بداخلي ما هدف وجودنا هنا ، لكنني أردت إثبات أنني شجاع للجميع ، بدا كل شي طبيعي لا شي يثير الاهتمام ، في الحقيقة كنت خائف أن يكشف أمرنا و بسبب الصرخة التي سمعتها اليوم السابق ، مكثنا هناك نصف ساعة تقريباً و لم نفترق أنا و خالد أبداً ، حتى سمعنا صوتا ينادي من الخلف هامساً : احمد، احمد! كدت أن اسقط مغشياً علي من الخوف ، التفت مسرعاً و عازماً على الفرار لأرى نفس الفتاة من الحافلة خلفي ، صرخت بصوت عال ، اقترب خالد و أغلق فمي بيده ستفضح أمرنا ! همست : ما الذي تفعلينه هنا ؟ قالت بكل بساطة تبعتكم ، و لم تبعتنا ؟  لم انتظر منها رداً ، نظرت إلى خالد و قلت : هذا يكفي ، علينا العودة قبل أن يكتشفوا أمرنا ، بدأنا بالعودة أدراجنا ، كنت اشعر بقشعريرة تسري بجسدي إحساس لم أعهده قبل الليلة .

أثناء نومي سمعت صوتاً كصوت الغناء ينبعث من النافذة الصغيرة وقفت على أطراف أصابعي لأرى من ينشد تلك الأغاني بمثل هذا الوقت ، رأيت النار مشتعلة و جميع الأطفال يقفون كأصنام حولها ممسكين بأيدي بعضهم بعضاً ينشدون شيئا ما ، أغلقت الستائر و هززت خالد بضع مرات لإيقاظه ، ما الأمر ؟ قال بصوته الناعس ، عليك أن ترى ما رأيت انظر بسرعة من النافذة ، مد خالد بجسده من سريره و أزاح الستائر و قال ما الأمر ؟ أنا لا أرى شيئاً ، قلت بتوتر انظر للأولاد حول النار ، أعاد النظر و قال عن إي نار تتحدث لا احد بالخارج ، أزحته بيدي و نظرت ، صمت للحظات لكنني رايتهم منذ لحظات كانوا بغنوا بصوت واحد حول النار ! أجابني : إما انك تحلم أو ربما جننت .

بصالة الغداء جلست و أمامي طعام لم أتذوق منه شيئاً ، اقتربت مني الفتاة ووضعت أمامها صينية طعامها و قالت : ألا تشعر بالجوع ؟ أنا أتضور جوعاً ، أجبتها : بلا ، بدأنا بتجاذب أطراف الحديث و انتهيت مخبراً إياها بما رأيت البارحة ، قالت و هي تمضغ طعاما بفمها : اقترب سأخبرك أمراً لكن لا تخبر أحداً ، لن يصدقك احد أن تكلمت : أنهم ببساطه يتحضرون لليلة القمر الدموي ، قلت باستغراب : ليلة ماذا ؟ القمر الدموي ، و ما القمر الدموي ؟ أجابت : انه خسوف نادر للقمر فيتحول لون القمر للون الأحمر ، يحدث كل ١٥ عام أو أكثر ، فتحت عيناي قمر احمر لابد انك تهذين ! هزت برأسها يميناً و يساراً أنا لا أهذي أبداً ! عدت لسؤالها : و ما دخل الغناء حول النار بقمر يتحول لونه للأحمر ؟ ارتشفت القليل من العصير الموضوع إمامها و قالت : سيختارون فتاة و فتى للأضحية  دم نقي ، فباعتقادهم هذه الأضحية ستقدم كقربان لشياطين الغابة ليجددوا العهد و يسمحوا لأرواحهم بالبقاء بضع سنين أخريات ، ابتسمت لها وقلت : واو ستصبحين يوماً ما كاتبه قصص رعب رائعة ! لم تكترث لما قلت : وأضافت لقد حذرتك ، أنا لا أحب المكان ولا يهمني أن أبقى بضع سنين أخريات ، اعتقد انه علي المضي اشعر أنني مسجونة هنا ، نهضت من مكانها متوجهة لسلة المهملات لترمي ما تبقى من طعامها ، لا اخفي أنني فكرت بكلام الفتاة كثيراً فالصرخة التي سمعت ثم الفتية حول النار أثارت حيرتي فعلا .

مر اليومان التاليان بسرعة كبيره و في اليوم الخامس تحديداً دخل الأستاذ جهاد غرفة الطعام وقت الغداء و بدا بطرق كاس زجاجي بشوكة كان يحملها بيده صمت الجميع و منظروا إليه قائلاً : بعد غد سيكون يوماً مميزاً جداً ، الفتيه القدماء يعلمون عما أتحدث تحديداً ، لكن للجدد منكم سأعيد لهم الشرح بعد غد سنكون أتممنا أيام المخيم الصيفي السبع أرجو أن تكونوا قد استمتعتم فانتم دائماً سبب استمرارنا ووجودنا ، أضاف: لكن ليس ككل عام لدي نبا سار جداً ففي ليلة اليوم السادسة إي غداً سنشهد ظاهرة غريبة و فريدة وسيتسنى للجميع مشاهدتها أيضاً ، سيتحول لون القمر للون الأحمر القاتم بسبب خسوف نادر الحدوث انتظرناه بفارغ الصبر ، و بهذا سنعود جميعاً أدراجنا بتجربة مميزة ستقصونها على أصدقائكم و آبائكم ، نظرت حولي ابحث عن الفتاة بين الوجوه لأراها تنظر نحوي بابتسامه كما لو كانت تقول : أتصدقني الآن ؟ نهضت مسرعاً نحو أخي عمر شددته من يده وبدون اخذ أي نفس حكيت له عن ما سمعت ، بدا بالضحك و قال : أنت فتى جبان ، أتصدق قصة فتاه كهذه ؟ أتعتقد أن جميع من حولنا هم أرواح تدفع قرباناً لتسكن الغابة ، سأخبر أبي أن يصطحبك لطبيب نفسي فور عودتنا ، أنت لا تُحتمل .

في اليوم السادس بدأت التحضيرات تأخذ منحنى أخر كما لو كان تحضيراً لكرنفال سنوي ، كانت أصناف الطعام كثيرة ، زينت الأشجار بالأوراق الملونة و كل الفتيه و الفتيات لبسوا ثياب بيضاء اللون و بدا يهتفون و يغنوا بين الحين و الأخر :

سيزورنا اليوم قمر ، ليس كأي قمر ، هذا قمر البقاء هذا قمر الخلود ، سيزورنا اليوم قمر ، فلنفتح الأبواب و لنشعل النيران .

اقتربت الفتاة مني و همست بإذني لقد وقع الاختيار ، سمعتهم بإذني قبل قليل لن يكون القربان فتاة و فتى سيكون القربان فتيان ، نظرت لها باهتمام بالغ ، أكملت :أنت و أخيك عمر وبحركة مباغته دفعتها للخلف بكلتا يداي فسقطت على الأرض و صرخت : يكفيك كذباً !! التفت بعض الفتية و الفتيات من حولنا و بدؤوا بالتجمع حولنا ، تركتهم و مضيت بطريقي .

بدأت الشمس بالمغيب و ما زال الجميع مستمتعاً بالطعام اللذيذ والاحتفال القائم لرؤية القمر الدموي كما زعموا ، حضر الأستاذ جهاد و الامراة العجوز مرتدين الأبيض أيضاً لمشاركتنا بعض الألعاب و الغناء حول النار المشتعلة و ما أن دقت الساعة منتصف الليل حتى صمت الجميع ، كان صمتاً أشبه بصمت الترقب ، تقدم الأستاذ جهاد و أعلن بكلمات لم افهم منها الكثير :

اقتربوا من النار المشتعلة أكثر ، اقترب الفتيه ووقفوا حولها ، أضاف : جميعنا يعلم أن الوطن أغلى ما نملك و هنا بهذه البقعة تحديداً يكون الوطن ! تابع : لا ضرر أن نموت ليحيا الوطن كلنا نتفق على هذه الحقيقة ، فمصلحة الجماعة فوق الفرد ، هتف الفتية : فليحيا الوطن ، كانت بضع ثوان حتى سمعت صرخة مكتومة تنطلق من فم احدهم ، التفت لأرى مصدرها لأشعر بيد تكمم فمي من الخلف أيضاً و أخرى تثبت جسدي من العنق و بعد بضع دقائق كنت ممدداً  أنا و أخي عمر على لوح خشبي وقد كبلت يدانا و أقدامنا بحزام جلدي ، التف الجميع حول الطاولة الخشبية و بدؤوا بالإنشاد بلغة غير مفهومة ، تم إحضار عربة كبيرة تشبه منضدة الطعام بعجلات كبيره و وضع عليها عدة كؤوس زجاجية صغيره مذهبة الأطراف و أعواد كبيره من الخشب كالشعلات البدائية و سكين ذو مقبض ذهبي اللون رصع بأحجار حمراء ، وقف الفتيه جميعاً بطوابير منظمة و استل كل فتى منهم كأساً و مشعلاً ، ثم توجه إلى النار المشتعلة ليشعل العود الخشبي الخاص به .

ما أن رأيت السكين حتى أدركت أن الأمر ليس بمزحة و بدأت و أخي عمر بالبكاء والصراخ فانا لا أريد الموت كقربان لشياطين الغابة ، اقتربت من جسدي المكبل الفتاه نفسها و كانت تحمل كأسها الذهبي و مشعلها بيدها ، قالت : لقد حاولت تحذيرك مراراً ، مسحت دموع عيني بيدها و قالت: ثق بي الأمر لا يؤلم ، البقاء سجيناً بالغابة لعشرات السنين ما يؤلمني فعلاً ، رجوتها بصوت و كلمات متقطعة ساعديني على الهرب أرجوكِ فكي وثاقنا لو ساعدتني الليلة لن يتجدد العهد و سترقدين بعدها بسلام أرجوكِ ، كانت دموعي تنهمر دون توقف و جسدي يرتعش ، جميع الفتية كانوا منهمكين بالغناء و النظر إلى القمر للتأكد من اكتمال الخسوف ، أما أنا و أخي ننتظر أن يتم قطع وريدنا و شرب دمائنا ثم حرق جثتينا ببرود لترضى شياطين الغابة لتلك الأرواح بالبقاء .

اقترب الأستاذ جهاد و بدا بفك وثاق أخي عمر وسط صراخنا و اقتاده قسراً هو و بعض الفتية للمنضدة الأخرى بعد جرها بعيداً أمام النار المشتعلة ، مرت الدقائق كالشهور لا بل كالأعوام سمعت بعدها صرخة لن استطيع نسيانها ما حييت! أنها صرخة أخي عمر امتزجت بغناء الأرواح المستمر ثم لا شي بعدها ، أغمضت عيناي و علمت أنني التالي سأنتظر موتي القريب مغمض العينين ، شعرت ببروده نصل السكين تقترب من يدي و صوت احتكاكه يعلو شيئاً فشيئاً ، أغمضت عيناي بشده اكبر لم اشعر بأي الم كما قالت الفتاه تماماً ، ثم .. ثم تحررت يدي ؟ فتحت عيني من هول الصدمة و رأيت الفتاة تقطع الحزام الجلدي لتحررني قالت : اذهب و لا تعد هيا تحرك بسرعة ، اهرب قبل أن يعيدوك ، نحن عالقون هنا لا محالة ، كان الجميع منشغلاً بشرب دماء عمر أخي و الرقص الهستيري حول النار المشتعلة ، بدأت بالعدو بكل قوة واتيتها باتجاه الغابة ، لا اذكر كم من الوقت مر منذ هروبي من الموت ، لكنني اشعر بالتعب و الخوف الشديد كأن الغابة دائرية تعيد نفسها و لا تنتهي ، أسندت راسي إلى شجره ضخمة وأغمضت عيناي و لم أغادر الغابة بعدها أبداً .


تاريخ النشر : 2016-09-17

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر