الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ملحمة الخطايا السبع ( Se7en )

بقلم : صبا - مصر

 "Seven " أو "سبعة" هو فلم جريمة و غموض و دراما هوليودي من إنتاج سنة 1995

في عالم أعمى تجتاحه الجريمة و العنف ، يتكئ على عكاز الخطيئة الوهنة حتى لا يفقد توازنه بعد أن استسلم أخيراً لإعاقاته الأخلاقية ، يسير متعثراً و لكن بثبات نحو نهاية " يبدو بأنّها لن تكون سعيدة " . في عالم فقد كلّ بوصلاته الدينيّة و الأخلاقيّة و نزع عنه كل أرديته الساترة ، لـيَستَتِرَ برداء المادّية الفاضح ، هل هناك من وسيلة للعودة إلى الوراء ، أو على الأقل لإيقاف عجلة الفساد و لو هنيهة ، حتى يسترد المجتمع أنفاسه ؟ و من له القدرة و الحقّ في تصحيح مسار القطار الخارج عن سكته منذ دهر ؟ و إن وجد المخلّص المنتظر ، فما وسيلته في ذلك؟ أم أنّه كما يقال "الغاية تبرّر الوسيلة " ؟

في هاته النقاط بالذات تقاطعت ملحمة " الكوميديا الإلهيّة " لدانتي مع الملحمة المعاصرة "Se7en" لدايفد فنشر، و لذلك لم تكن بأقلّ منها جمالاً و إمتاعاً و شجاعة في مواجهة " كوميديا " عصرنا المضحكة المبكية التّي وصمتنا بالخطايا و توجت رؤوسنا بتيجان شوكها الدامية في انتظار الخلاص .

قصة الفيلم

"Seven " أو "سبعة" هو فلم جريمة و غموض و دراما هوليودي من إنتاج سنة 1995، كتبه "أندرو كيفن ووكر" و أخرجه للسينما "ديفيد فنشر"، و هو من بطولة  "براد بيت "، " مورغان فريمان "، " كيفين سبيسي " و " جوينيث بالترو ". و الفيلم يحتّل مرتبة متقدمة في قائمة أفضل 250 فيلم في التاريخ على حسب موقع " قاعدة بيانات السينما العالمية " IMDB..

من اليمين دايفيد ميلز (براد بيت) ، و من اليسار ويليام سامرست  (مورغان فريمان)

يتحدث الفيلم عن اجتماع المحقق المحنك " ويليام سامرست " (مورغان فريمان)  المشرف على التقاعد بعد بضعة أيام مع بديله المحقق المبتدئ و المتسرع "دايفيد ميلز" (براد بيت) للتحقيق في جريمة قتل سرعان ما يكتشفان بأنّها كانت مجرد بداية فقط لسلسلة من الجرائم تجمعها نقطة مشتركة "الخطايا السبعة".

بدأت الأحداث بانتقال المحقق الغرّ "ميلز" و زوجته "ترايسي" إلى مدينة حجب الكاتب بذكاء اسمها (ربّما لأنّه يريد أن ندرك بأنّ ما سنراه في الفيلم قد يحدث في أيّ مدينة على سطح البسيطة )، مدينة تهطل فيها الأمطار بغزارة يوميّا ممّا يضفي نوعا من الكآبة و السوداويّة ، و يدفعك كمشاهد إلى توقع الأسوأ دائماَ.

يلتقي الوافد الجديد "ميلز" بزميله المحقق "سامرست" الذّي يوشك على ترك الخدمة بعد أسبوع ، لينعم بتقاعده في سلام بعيداً عن مواقع الجرائم و التحقيقات و مشاهد الجثث و الدماء ، و لكنّ القدر يأبى عليه ذلك .

ففي أوّل يوم من الأسبوع الأخير ل" سامرست" في الخدمة ، تُكتشف جثّة رجل بدين ميّت و هو منكب على صحن باستا و التي يتناولها بشكل يوميّ ، و يهرع المحققان إلى مسرح الجريمة ، و التي توكل في النهاية إلى "سامرست" نظراً لصعوبتها و حنكة الرجل و خبرته الطويلة. و لم تكد شمس اليوم الثاني تشرق حتى هزّت المدينة المكفهرة و المظلمة جريمة جديدة ، أودت هذه المرّة بحياة محامٍ مرموق ، و بطريقة بشعة لا يتصوّرها عقل . أسندت القضيّة هذه المرّة إلى المحقق "ميلز" الذّي بدا سطحياً و رَعِنًا في التعامل مع الأدلّة التّي يعجّ بها مسرح جريمته على العكس من زميله العجوز.

مسرح الجريمة الاول ، الكلمة على الحائط هي : gluttony بمعنى نهم ، شره

و هو أمر سنراه طوال أحداث الفيلم الذّي نجح في تصوير الفرق البيّن بين شخصيّة "سامرست" الرجل المحنّك، الهادئ الذّي أكسبته سنوات عمله خبرة في التعامل مع الإشارات و الدلائل و الصبر على فكّ شيفرتها، و شخصيّة "ميلز" الشّاب المندفع، الغاضب على الدوام و الذّي غالبا ما يستسلم للعاطفة و الأحكام المسبقة دون تفكير عميق. و كأنّي بالفيلم يحاول أن يهمس في أذن كلّ مشاهد بأنّ تلك الخبرات التّي نكتسبها و التّي ستمنحنا القدرة على النظر إلى عمق الأشياء بوضوح .. هي في الحقيقة كلّ ما سنخرج به من الحياة.

يواصل كلا المحققين التحقيق في جريمته على حدا، إلى أن يكتشف "سامرست" في مسرح الجريمة الأولى رسالة تركها المجرم للشرطة (في تحدّ واضح وصريح لهم )، مرفوقة بكلمة "النهم" و التي نقشت على الجدار في مكان ما من الشقّة ، و هنا يتقاطع طريق المحققين حيث أنّ مسرح الجريمة الثانية أيضا حمل توقيعا "داميّا" من المجرم، و لكنه تركه هذه المرّة في مكان واضح قرب الجثّة، حيث خطّ بدمائها كلمة "الجشع".

مسرح الجريمة الثانية ، الكلمة على الأرضية هي : Greed بمعنى الجشع

فيدرك الجميع الآن بأنّهم يتعاملون مع قاتل متسلسل، مهووس بالميثولوجيا و الكوميديا الإلهيّة، شخص تطوّع دون طلب لأن يكون المخلّص المنتظر للبشريّة من خلال معاقبة أصحاب الخطايا السبعة، الذّين سيكونون بدورهم درسا لن ينسى للخاطئين و سببا في صلاحهم.

أمر تأكد من خلال الجريمة الثالثة، حيث عثر على رجل يحتضر في بيته و قد كبّل إلى سريره لمدّة عام كامل، دون أن ينتبه إليه أحد من الجيران!! و على الحائط خطّ المجرم الخطيئة الثالثة "الكسل". فما كان من المحققين سوى العمل سويّا للإيقاع بهذا المجرم اللا نمطيّ كما بيّن ذلك حوار قصير بين "ميلز" و زميله "سامرست":

{ميلز:"أرأيت شيئا مماثلا من قبل؟ (متحدثا عن الجرائم و نمطها)
سامرست:" لا..."}

و في هذه المرحلة بالذات، تتجاوز كمشاهد صدمة الجرائم و صور الضحايا بما فيها من وحشيّة مرعبة منفرة، وتتغاضى عن شعور الاشمئزاز الذي لا يفارقك منذ أول جريمة، ليسكنك هاجس أكثر رعبا نابع من إدراكك أخيرا بأنّ ما يحصل ليست مجرّد جرائم عشوائية، اقترفت في لحظة ضعف إنسانيّ، إنّما هي جزء بسيط من مشروع أضخم، كان نتاج عقل عبقريّ، متلاعب و هادئ يعلم تماما ما هو بصدد القيام به.

مسرح الجريمة الثالثة ، الكلمة على الجدار هي Sloth بمعنى الكسل

هنا ستجد نفسك مجبرا على اتخاذ موقف محدّد، فإما أن تكذّب حدسك و تقف في صفّ "ميلز" الذي لا يرى في المجرم سوى شخص معتوه مصاب بجنون العظمة، أو أن تقف في صفّ "سامرست" الذّي يعتقد بأنّه أمام "تحفة إجرامية" لم يسبق لها مثيل في الساديّة و التطرف.

يسير الفيلم على سكتين متوازيتين و مترابطتين طوال أحداثه، الأولى تطرق التحديّات المهنيّة التّي يرزح تحتها المحققين على السواء، نظرا لكونهما يمثلان المنظومة القانونية و العدليّة للمدينة و على عاتقهما يقع واجب حماية المواطنين و من ضمنهم عائلاتهما وسط محيط تفاقمت فيه الجريمة و تفشت إلى درجة التوحش. و الثانية، تقدم الوجه الإنسانيّ و النفسيّ لمطبقي القانون، هؤلاء الأشخاص الذّين يواجهون كمّا هائل من العنف و الصدمات لدرجة التخمة، فيضطر كلّ منهم إلى خلق وسيلة المواجهة أو الهروب المناسبة (اللامبالة و الهدوء لدى "سامرست"، في مقابل العصبيّة و الإنفعال في حالة "ميلز"). و يتّم كلّ ذلك من خلال تصوير علاقات الشخصيات ببعضها البعض، و تطورها طوال الفيلم (علاقة ميلز بسامرست/ علاقة ميلز بزوجته ترايسي/ علاقة سامرست بترايسي..)

و تتوالى الجرائم و تتابع معها الإشارات و الخطايا، "الشهوة"، "الكبرياء"، و المجرم دائما ما يسبق المحققين و منظومة العدالة و القانون من ورائهما، بخطوة.. خطوة واحدة و لكنّها ثابتة و كافية لأن تثبت جَلَده و عبقريّته. رغم أنّ "سامرست" و زميله "ميلز" كانا على بعد بضع خطوات منه في مناسبات عديدة، و في معظم الأوقات لم يكونا يدركان كم هما قريبين منه.. حتى كانت المواجهة المباشرة، عندما نجح "ميلز" الشاب في ملاحقة المجرم (الذي حرص المخرج أن لا يكشف هويّته حتى للمشاهد، ربما حتى يجعله جزء مما يحصل)، و لكن كالعادة، فقد إنتصر المجرم المجهول حتى أنّه صوّب مسدسه إلى رأس المحقق المذعور لبضع لحظات .. و لكنّه لسبب ما قرر أن يرحل دون أن يطلق رصاصته!!

لم يتبق سوى خطيئتين من الخطايا السبعة (الحسد و الغضب)

شارف الأسبوع ( وهي على فكرة نفس المدّة التي قضاها دانتي في العالم الآخر في ملحمته "الكوميديا الإلهيّة" بين الجحيم و المطهر و النعيم، و هي كذلك المدّة التّي تفصل المحقق "سامرست" عن التقاعد من الشرطة) على النهاية. فيما لم يتبق سوى خطيئتين من الخطايا السبعة (الحسد و الغضب) و بالتالي جريمتين لا يعلم أحد كيف و لا متى ستحدثان. و بينما المحققان يناقشان خياراتهما القليلة المتبقيّة، في طريقهما إلى مكتبهما المشترك بدائرة الشرطة، حتى توقفت سيارة أجرة أمام مقّر الشرطة، و نزل منها رجل، و دخل مناديا على المحققّ "ميلز" (في مشهد عبقري، حمل الكثير من المعاني و الرموز)، ليستحوذ على اهتمام الجميع لا المحقق الشاب فحسب بعد صرخة مدويّة.

لنكتشف بأنّه ليس سوى "جونثان دو" مهندس "جرائم الخطايا السبع" قدم ليسّلم نفسه للعدالة، بكلّ بساطة بعد أن ارتكب جريمة جديدة، لم يخطئها المحققان من مشهد جسده و ملابسه المغطّاة بالدّماء...

و يبدو "دو" رجلا عاديّا قد تصادفه كلّ يوم في المترو، أو في عملك، أو في مقهاك المفضّل دون أن تنتبه إليه أو يثير شكوكك، قد يكون جارك أو صديقك أو ربّ عملك حتّى. و لو لا الدّماء التي تغطي جسده و تلك الابتسامة الخبيثة المرتسمة على شفتيه لما كنت صدقتَ بأنّه مجرم ساديّ، نصب نفسه قاض يقتص للفضيلة من الرذيلة، و للحقّ من الباطل و للأخلاق من الخطيئة.. و لكنه سلك في ذلك طريق الشيطان.

جونثان دو مهندس جرائم الخطايا السبع

لا أعلم أعزائي ما قد تكون عليه ردّة فعلكم عند الوصول إلى هذه المرحلة من الفيلم، و لكنّي أذكر جيّدا بأنني تمتمت باستغراب" هل هذه هي النهاية؟..و لكن ماذا عن الخطيئتين المتبقيتين؟؟؟"، مما دفعني للتأكد من مدة الفلم، إذ لا يعقل أن تكون هذه هي النهاية!!

و فعلا فإنّ "جونثان دو" (كيفين سبيسي) احتفظ بورقته الرابحة للنهاية ، فقد قدّم عرضا لكلّ من "سامرست" و "ميلز" ينص على أن يرافقاه بمفردهما ليدّلهما على مكان دفن الجثتين الأخيرتين، و بذلك سيوقع اعترافا صريحا بارتكابه لكلّ "جرائم الخطايا" و إلاّ تظاهر بالجنون و أفلت من العقاب.

يوافق العميلان على عرضه و يرافقانه تحت أعين جيش من عناصر الشرطة، و سياراتهم و طائراتهم المروحيّة، إلى صحراء قاحلة جرداء، حيث سيقدّم لنا "دو" ( ومن وراءه صناع الفيلم) نهاية تفوق التوقعات، و لكنها بالتأكيد النهاية التّي يستحقها هذا العمل المتميّز.ممّا جعلها تصنّف ضمن قائمة أكثر 10 نهايات أفلام صادمة و غير متوقعة.

عليّ الاعتراف بأنّ هذا الفيلم قد احتّل مكانة مستحقة بين أفضل 30 فلما في تاريخ السينما، بفضل حبكته المتشعبة و التي جعلته فيلما للتفكير قبل أن يكون مجرّد عمل للترفيه، فهو يتحداك بكمّ هائل من الألغاز الفلسفيّة الكونيّة، و يدفعك إلى التخلي عن سلبيّتك و حيادك، ليلقي بك في ديدن الأحداث، و لكنّه في المقابل يمنحك فرصة اختيار دورك في هاته الملحمة المعاصرة.

فأي الأدوار ستختار؟!

 


تاريخ النشر : 2016-09-24

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : atteq
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر