الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

كيف أكتب مقالا أو قصة ؟

بقلم : اياد العطار

خلال السنوات المنصرمة , كثيرا ما طالعني تعليق على صفحات موقع كابوس يشكو فيه كاتبه من أنه يملك أفكارا عظيمة لقصص ومقالات أو لديه العديد من التجارب المشوقة التي يود طرحها ومشاطرتها مع غيره من القراء .. لكن المشكلة هي أنه لا يجيد الكتابة , أو بالأحرى لا يملك أسلوبا جيدا راسخا في الكتابة ليعبر من خلاله عما يجول في عقله وقلبه .. وهذه تكاد تكون مشكلة عامة , فبصراحة شديدة , حتى أولئك الأعزاء والأحبة الذين يملكون جرأة الكتابة ويرسلون مواضيعهم إلينا نراهم في أحيان كثيرة يفتقدون الأسلوب الجيد في التعبير والتنسيق والربط بين الجمل واختيار الكلمات والعبارات المناسبة الخ .. ولأننا بصراحة تعبنا , وضعفت أبصارنا , ووهنت أجسادنا من كثرة التنقيح وإعادة كتابة ما يرسل إلينا , لذا قررت أن أكتب هذا الموضوع عله يكون دليلا ومرشدا للأحبة الذين يرغبون في الكتابة لكنهم يفتقرون الأسلوب والمهارة , وكذلك للأعزاء الذين يكتبون فعلا لكن من دون أن ينتبهوا أو يركزوا على ما يكتبونه . ولقد حرصت على أن يكون الموضوع مختصرا قدر الإمكان .

الهدف والفكرة والمقدمة

قبل كل شيء يجب أن تحدد هدفك , لمن تكتب ؟ لنفسك أم للآخرين , إذا كنت تكتب لنفسك فلا تهتم للأسلوب كثيرا وأكتب كما تشاء , أما لو كنت تكتب للآخرين , فهنا يجب عليك أن تبدي اهتماما كبيرا بأسلوبك , لأنهم لا يعلمون ما يجول في ذهنك وليس لديهم من وسيلة لأدراك مقصدك سوى الكلمات المرصوفة أمام أعينهم , لذا ركز كثيرا في انتخابها وربطها مع بعض بمتانة لكي يسهل إدراك المعنى ومتابعة المقصد من قبل القارئ .. وضع نصب عينك أن القارئ صبره قليل , غالبا لن يقرأ سوى الأسطر الأولى مما تكتبه , ومن هنا تأتي أول نصائحنا :

أهتم بالمقدمة , المقدمة المشوقة والآسرة ستجعل القارئ يستمر حتى آخر حرف , أما المقدمة الرتيبة فستجعل القارئ يفر بلا عودة , ربما من أول سطرين .

لكن المقدمة وحدها لا تكفي لصنع مقال أو قصة ناجحة , يجب أن تكون الفكرة برمتها جيدة , لذا قبل أن تكتب أي حرف حدد فكرتك وأرسم مدخلك إليها ومخرجك منها .

ودائما وأبدا قم بتسجيل أفكارك , لأن الأفكار تومض أحيانا بسرعة البرق , أو كأنها شهاب ساقط من السماء يضيء بمقدار طرفة عين ثم سرعان ما يحترق ويتبدد . وقد حدث معي أكثر من مرة أن برقت في ذهني فكرة لمقال فسارعت إلى تدوينها وتسجيلها لكي لا أنساها . وأؤكد بأن بعض تلك الأفكار الوامضة السريعة نتج عنها مقالات رائعة وناجحة جدا .

أبتعد عن التكلف وزخرف الكلام

لا تتكلف كثيرا في الكتابة وأختصر , نحن لسنا في زمن المنفلوطي والعقاد والزيات وغيرهم من أساطين الكتابة , نحن في زمن بالكاد يقرأ الناس فيه , لذا أبتعد عن زخرف الكلام وإياك واستعمال الكلمات الغير مطروقة والعبارات المبهرجة التي فيها مستوى عال من البلاغة لأنها تجعل القارئ يمل ويهرب سريعا , لا تكتب بهذا الأسلوب :

"كنت أمشي الهويني عائدا إلى داري في ليلة ديجور علت وتناثرت نجومها كأنها قناديل علقت بمشكاة الأزل الخ .." .

هذه عبارة رائعة لو كنا نعيش في زمن الخنساء وزهير بن أبي سلمى , لكنها ليست كذلك في زماننا الأغبر هذا , وسوف تغدو مملة جدا لو أستمر الأسلوب على هذا المنوال حتى آخر المقال , فالكاتب المبجل سيستغرق عشرة أسطر ليقول لنا فقط أنه كان في طريقه لمنزله في ليلة مظلمة ! .

البلاغة جميلة , كلمة هنا وجملة هناك , لا بأس في ذلك , لكن لا تفرط ولا تسهب ولا تنسى نفسك . بيد أن نصيحتنا في الابتعاد عن البلاغة لا تعني أن تكتب بركاكة , وإنما كن بسيطا متأنقا , قل :

"كنت أمشي على مهلي عائدا لمنزلي في ليلة مظلمة تلمع نجومها في كبد السماء الخ " ..

عبارة بسيطة يفهمها الصغير قبل الكبير .

أربط جيدا

لعل من أكثر الأخطاء جسامة والتي نراها مشتركة بين معظم الكتاب الجدد هي عدم الترابط , فتراه ينتقل سريعا إلى فكرة جديدة من دون أن ينهي فكرته السابقة , ويقفز إلى حدث جديد من دون أن يشرح لنا كيف انتهى الحدث السابق أو ما الرابط بين الحدثين ! ..

وهناك من يفتقد الوسيلة أساسا للربط بين حدثين أو جملتين .

وأؤكد بأن مشاكل الربط بين الأفكار والأحداث والعبارات هي سبب رئيسي لتهيب الكتابة بالنسبة لمعظم المبتدئين . مع أن الأمر في غاية البساطة , فنحن في حياتنا اليومية نقص القصص على الدوام , كل أحاديثنا هي عبارة عن قصص .. وكل ما عليك فعله هو أن ترتب أفكارك وأحداث قصتك بصورة مفهومة ومنطقية . تخيل أنك تريد أن تخبر شقيقك عن مباراة كرة قدم خضتها اليوم مع فريقك وتشرح له سبب خسارتكم .. ماذا ستقول ؟ وكيف سترتب الأحداث ؟ ..

أولا يجب أن تخبره بأنه كانت هناك مباراة كرة قدم أصلا وأنك اشتركت فيها . هذا هو المدخل ثم تمضي إلى التفاصيل :

"كانت لدينا مباراة كرة قدم اليوم مع فريق من محلة أخرى , وقد شاركت باللعب مع فريقي . كان اللعب متكافئ أغلب الوقت , والمباراة حماسية وحامية . لقد قدمنا أفضل ما عندنا , لكننا خسرنا للأسف , فحارس مرمانا لم يكن في أحسن حالاته اليوم , دخلت مرماه أهداف سهلة كان يمكن صدها بسهولة " .

هذا كل ما في الأمر .. حديث عادي يمكن أن نجريه كل يوم بلهجتنا العامية , لماذا أذن نجد صعوبة في كتابته باللغة الفصحى ؟ .. خذ مثال آخر عن سوسن وصديقتها . سوسن تريد أن تحدث صديقتها عن عرس ابنة خالها فتقول :

" كان عرس ابنة خالي الخميس الماضي , وقد ذهبت إليه مساءا برفقة عائلتي , كانت المصابيح تزين الشارع ومدخل المنزل , والموسيقى تصدح في الأرجاء , وبعض الشباب والفتية يرقصون أمام الدار . وكانت ابنة خالي قد عادت لتوها من الصالون , وقد بدت وكأنها نجمة سينمائية .. الله على ما يفعله الماكياج ! .. الخ " .

أرأيتم ؟ .. ما أسهل ذلك , مجرد حديث عادي .. فلماذا يعجز الكثيرون عن كتابته مع أنهم بلابل عندما يتعلق الأمر بالكلام والثرثرة اليومية .

أين السحر يا ترى ؟ ..

أود أن أسألك سؤالا أولا ؟ .. هل يمكنك التكلم بدون توقف ؟! .. جرب ذلك , تكلم بسرعة وحاول أن لا تتوقف , وأتحداك أن تنجح في ذلك . فنحن كبشر مضطرون رغما عن أنوفنا لأن نتوقف وقفات قصيرة لكي نتنفس .

والحال نفسه ينطبق على الكتابة . فالسحر والسر في الكتابة الجيدة يكمن ببساطة في تقسيم الكلام وتقطيعه وفي أن تتيح لقلمك مجالا للتنفس .

لا تكتب عبارات طويلة لأنك ستفقد التركيز سريعا وستضيع منك الأفكار في زحمة الجمل والكلمات المنسابة بلا توقف . قم دائما بتقطيع أوصال الكلام إلى جمل وعبارات قصيرة يسهل ربطها مع بعض من دون أن تتوه عنك الفكرة أو تبتعد عن الحدث الرئيسي . وهذه الطريقة للأسف قلما يطبقها المبتدئين , فتراه يكتب قصة أو مقالا كاملا في فقرة واحدة !! .

عليك دائما أن تستعمل الفارزة "،" والنقطة "."

لكن متى أستعمل الفارزة ؟ ..

أستعملها عندما يكون الكلام مسترسلا عن نفس الموضوع أو الحدث , أعتبر الفارزة كأنها النفس الذي تتنفسه , فمع كل وقفة للتنفس ضع فارزة.

طيب متى أستعمل النقطة ؟

أستعملها عندما تريد إنهاء جملة أو حدث أو فقرة معينة والانتقال بالكلام إلى جملة أو حدث أو فقرة جديدة . تماما مثلما نفعل في الكلام العادي , فترانا أحيانا عندما نسرد حدث معين نأخذ وقفات , والفارزة والنقطة هي وقفات , الأولى وقفة قصيرة جدا والثانية وقفة طويلة بعض الشيء .

قد تجد الأمر محيرا في بادئ الأمر , أعني متى تستعمل الفارزة ومتى النقطة ؟ .. لكن ثق بأنك بالممارسة ستجيد استعمالها حتى بدون تفكير , فقط ضع في بالك أن الفارزة هي وقفة قصيرة تربط بين عبارتين في نفس سياق الكلام , أما النقطة فهي نهاية جملة أو فقرة , عندما ننهي جملة ما ونبدأ جملة جديدة نضع نقطة .

ولنأخذ بعض الأمثلة الحية , لنبدأ أولا مع الكاتب الكبير المنفلوطي , ولنأخذ مقطعا من إحدى قصصه القصيرة وأسمها الصياد , هنا الصياد الفقير يتكلم عن القناعة , وعن طبيعة علاقته بربه , فيقول :

لا فرق بيني وبين الغني إلا أن الناس لا ينهضون إجلالا لي إذا رأوني، ولا يمدون أعناقهم نحوي إذا مررت بهم، وأهون به من فرق لا قيمة له عندي ولا أثر له في نفسي، وما يعنيني من أمرهم إن قاموا أو قعدوا، أو طاروا في الهواء، أو غاصوا في أعماق الماء، ما دمت لا علاقة بيني وبينهم، وما دمت لا أنظر إليهم إلا بالعين التي ينظر بها الإنسان إلى الصور المتحركة.

لا علاقة بيني وبين أحد في هذا العالم إلا تلك العلاقة التي بيني وبين ربي، فأنا أعبده حق عبادته وأخلص في توحيده فلا أعتقد ربوبية أحد سواه، ولا أكتمك يا سيدي أني لا أستطيع الجمع بين توحيد الله والاعتراف بالعظمة لأحد من الناس، ولقد أخذ هذا اليقين مكانه من قلبي حتى لو طلع علي الملك المتوج في مواكبه وكواكبه، وبطانته وجنده، لما خفق له قلبي خفقة الرهبة والخشية، ولا شغل من نفسي مكانا أكثر مما يشغله ملك التمثيل.

أنظر وتمعن هنا في محل الفارزة ومكان النقطة من هذا المقطع الأدبي الرائع . ولنأخذ مثالا آخر .. هذه المرة قصة قصيرة جدا للفيلسوف جبران خليل جبران حيث كتب يقول :

تلاقى الجمال و القبح ذات يوم على شاطئ البحر. فقال كل منهما للآخر : " هل لك أن تسبح؟".

ثم خلعا ملابسهما، وخاضا العباب. و بعد برهة عاد القبح إلى الشاطئ وارتدى ثياب الجمال ومضى في سبيله.

وجاء الجمال أيضا من البحر، و لم يجد لباسه، وخجل كل الخجل أن يكون عاريا، ولذلك لبس رداء القبح، ومضى في سبيله.

ومنذ ذلك اليوم، والرجال و النساء يخطئون كلما تلاقوا في معرفة بعضهم البعض.

غير أن هنالك نفرا ممن يتفرسون في وجه الجمال، ويعرفونه رغم ثيابه. وثمة نفر يعرفون وجه القبح، والثوب الذي يلبسه لا يخفيه عن أعينهم.

أنظر هنا كيف قام الكاتب بتقطيع قصته إلى جمل قصيرة تسهل عملية القراءة مع التزامه بالفارزة والنقطة .

ودعونا أخيرا نأخذ مثالا معاصرا بقلم الكاتبة المبدعة أحلام مستغانمي :

التاسعة والربع , وأعقاب سجائر.

وقبل سيجارة من ضحكتها الماطرة التي رطبت كبريت حزنك.

كنت ستسألها , كيف ثغرها في غيابك بلغ سن الرشد؟

وبعيد قبلة لم تقع, كنت ستستفسر: ماذا فعلت بشفتيها في غيبتك؟ من رأت عيناها؟ لمن تعرى صوتها؟ لمن قالت كلاما كان لك؟

هذه المرأة التي على ايقاع الدفوف القسنطينية, تطارحك الرقص كما لو كانت تطارحك البكاء. ما الذي يدوزن وقع أقدامها, لتحدث هذا الاضطراب الكوني من حولك؟

كل ذاك المطر. وأنت عند قدميها ترتل صلوات الاستسقاء. تشعر بانتمائك إلى كل أنواع الغيوم. إلى كل أحزاب البكاء, إلى كل الدموع المنهطلة بسبب النساء.

أنظر عزيزي القارئ إلى هذه الأمثلة لهؤلاء الكتاب المبدعين الفطاحلة , أنظر كيف التزموا في كتاباتهم بالفارزة والنقطة , وكيف قسموا النص إلى جمل وفقرات , من أجل الخروج بنص أدبي منسق.

وإذا كان استعمال الفارزة والنقطة محببا وواجبا فأن استعمال النقاط الشارحة بكثرة هو أمر مكروه ومعيب للكاتب ومنفر للقارئ . لا تتخم نصوصك بهذه النقاط كأن تكتب :

"كنت في طريقي إلى المدرسة ... ورأيت رجلا عجوزا ملقى على الرصيف ... وقد أجتمع الناس حوله ... سمعتهم يقولون بأن سيارة مسرعة صدمته وألقته بعيدا على الرصيف ... المسكين لا أظنه سينجو" .

هذه عبارة متعبة للعينين , تذكرني بسؤال الامتحانات حينما كنت طالبا في المدرسة : "أملأ الفراغات التالية"!.

شخصيا لا أرغب أبدا في قراءة قصة مكتوبة بهذا الشكل , والأفضل أن تكتب بهذا الشكل :

"كنت في طريقي إلى المدرسة , رأيت رجلا عجوزا ملقى على الرصيف , وقد أجتمع الناس حوله . يقولون بأن سيارة مسرعة ضربته وألقته على الرصيف .. المسكين لا أظنه سينجو" .

عادة نستعمل النقاط الشارحة في نهاية الكلام المرسل أو الذي له تكملة في فقرة أو سطر جديد , أو الكلام الذي نريد أن ندع للقارئ تخيل تكملته , كأن نقول :

" ليت الحب لم يطرق قلوبنا ..
لما اكتوينا بناره وتلوعنا بأحزانه " .

خلاصة القول , عليك باستعمال الفوارز والنقاط لتقطيع الكلام , وستجد حينها بأن الكتابة أضحت غاية في السهولة .

تقطيع أوصال الكلام , وتقسيم النص إلى فقرات , سيكون محببا للقارئ أيضا , لأنه سيجد سهولة في القراءة , ولن تتعب عيناه ويتشوش نظره وهو يلاحق الكلمات بين الأسطر المتقاربة والمتداخلة مع بعض في الفقرات الطويلة . لذا نصيحتي الرئيسية لك : لا تكتب فقرات طويلة , لا تكتب نصف صفحة في فقرة واحدة , بل حاول قدر الإمكان تقسيم ما تكتبه إلى فقرات صغيرة .

لا تقم بتجسيم الأصوات

الأمر الآخر الذي عليك تجنبه في الكتابة قدر المستطاع هو تجسيم الأصوات بالحروف , وهذا ما أراه بكثرة للأسف في الحوارات القصصية . كأن يقول محمد لصديقه محسن :

- " يبدو أنك كنت سهرانا البارحة ؟ "
فيرد محسن : "ههههههه .. نعم كانت ليلة حمراء ! " .

هذه عبارة ركيكة إلى أبعد الحدود , الأفضل أن نقول :

فيرد محسنا ضاحكا ملء شدقيه : "نعم كانت ليلة حمراء ! " .
أو قهقه محسن ساخرا : " نعم كانت ليلة حمراء ! " .
أو أجاب محسن مبتسما بخبث : " نعم كانت ليلة حمراء ! " .

مثال آخر :

تعارك سليم مع صديقه كامل بسبب تنافسهما على الفوز بقلب سلوى , ووجه سليم لكمات قاسية لكامل .. دووم دااام دوووم .. ورد عليه كامل بنطحة قوية من رأسه .. طااااااااخ .. فيما راحت سلوى تصرخ وتولول : آاااااااااه .. يااااه .. انجدونا .

قد تظن عزيزي القارئ أني أبالغ في المثال أعلاه , لكن ثق بأن هناك من يكتبون بمثل هذا الأسلوب ! . وهذا أمر مؤسف , لأن اللغة العربية تعطينا وسائل كثيرة للتعبير عن الأصوات بالكلمات المناسبة من دون الحاجة إلى "ههههههه" و "طااااخ" وأضرابهما من التعابير الركيكة التي تقلل من قيمة النص المكتوب وحرفيته . 

لا تكرر نفسك

من الأخطاء التي تقع عيني عليها كثيرا هي تكرار الكلمات والجمل والأفكار عدة مرات في نفس الفقرة أو النص .

مرة قرأت لكاتب أجنبي نصيحة يقول فيها : "لا تكرر نفس الكلمة مرتين داخل جملة واحدة" . وفي الحقيقة هي نصيحة أعتبرها ثمينة وقد طبقتها على الدوام . مثلا لا تقل :

"قبل أن أغادر المنزل أقفلت شبابيك المنزل وسقيت حديقة المنزل" ..

ما هذا ؟ .. كم مرة ستكرر لنا كلمة المنزل ؟ .. هل تريد أن تدعونا إلى عشاء في منزلكم ! .

من الأفضل أن تقول :

"قبل أن أغادر المنزل أقفلت الشبابيك وسقيت الحديقة " ..

جملة سهلة وبسيطة , فنحن نعلم من سياق الجملة بأنك تتحدث عن شبابيك منزلك وحديقته وليس شبابيك الجيران وحديقتهم قطعا.

أعمل بهذه النصيحة قدر الإمكان وسترى كم سيتحسن أسلوبك في الكتابة.

الأمر الآخر المهم , ولعله أهم من تكرار الكلمات , هو تكرار الأفكار .

لا تكرر نفس الفكرة أو المعلومة مرتين في نص واحد , القراء ليسوا أغبياء وليسوا بحاجة لإعادة وتكرار الشرح عشر مرات ليفهموا ! .

لا تقل : " الخفافيش مخلوقات ليلية . الخفاش لا يطير إلا في الليل , وهو يطارد فرائسه في الليل فقط" ..

ما هذا ؟ .. لم يبقى سوى أن تغني لنا : "ليلي يا ليل" !! .. لقد أخبرتنا في البداية بأن الخفافيش مخلوقات ليلية , لذا من المعلوم أنها تطير في الليل , ومن البديهي أنها تطارد فرائسها في الليل .. لا يحتاج ذلك ذكاء كبير ..

الأفضل أن تقول : الخفافيش مخلوقات ليلة , تترك أوكارها وكهوفها حالما يحل الظلام لتبحث عن فرائسها الصغيرة" .

هذه عبارة جيدة وفيها معلومات كثيرة عن الخفاش في عدة كلمات فقط .

طبعا هذه مجرد أمثلة مختصرة للتوضيح , فهناك للأسف , الكثيرون ممن يلحون في تكرار الفكرة داخل المقال حتى تصبح ممجوجة ويمل القارئ منها . القارئ يريد فكرة جديدة لأن الفكرة القديمة قد وصلت وهضمناها وانتهت .. أعطنا شيئا جديدا , إذا كنت لا تملك الجديد فلا تكتب , أفضل وأريح لنا ولك .

راجع ما تكتبه وأصقله بأستمرار

بعض الأعزاء ينطلقون في الكتابة بلا توقف , وينتهون من المقال أو القصة بسرعة البرق , من دون أن يكلفوا أنفسهم عناء إعادة النظر فيما كتبته وسطرته أناملهم , كأنهم واثقون من أنهم لم يخطئوا ولو بكلمة . وهذا برأيي من أعظم الأخطاء وأكبرها جسامة بالنسبة للكاتب .

سمعت مرة قولا مفاده أن الكتاب الموهوب بالفطرة يكتب لمرة واحدة , ترى الكلمات تتطاير من بين أصابعه من دون أن يطرف له جفن ومن دون أن يراجعها أبدا . وسمعت بعض المغرورين يقولون بأن الكاتب الجهبذ لا يراجع أبدا ما كتبه لأن جميع ما يكتبه يكون رائعا وكاملا من المرة الأولى . وأنا بصراحة شديدة لا أصدق هذا الكلام . ولقد أطلعت على مخطوطات أصيلة مكتوبة بخط اليد لبعض كبار الكتاب والموسيقيين والشعراء وكلها تحمل في جوانبها هوامش وتصليحات وتغييرات , فتجده يجر خطا على عبارة هنا , ويعيد كتابة أخرى بصورة جديدة هناك , ويضع خطوطا حمراء على بعض الكلمات كأنه غير مقتنع بها , لا بل قد يشطب صفحات كاملة , وقد يغير الأحداث , ويعدل النهاية الخ ... وهذا هو ديدن الكاتب الناجح , يعود ويراجع ويصلح ويصقل وصولا إلى الشكل الأنسب والأكمل . وهذا ما أفعله شخصيا , فأنا قد أعود لقراءة ما كتبته عشرة مرات , وعندما اقرأ ما كتبته فأنا أحاول أن أجعل نفسي قارئا عاديا وأتصور ماذا سيكون رأيي في النص , ومع كل قراءة أقوم بإصلاح أو تغيير شيء حتى أصل إلى نتيجة مقنعة إلى حد ما , وحتى هنا , بعد كل هذا التصليح والتنقيح , تجدني أحيانا بعد أن أنشر المقال أندم على بعض الأمور وأتمنى لو كتبتها بصورة مغايرة .

خلاصة القول .. راجع ما تكتبه وأصلح أخطاءك وعدل عباراتك حتى تصل إلى النص الأقرب للكمال .

اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ

هذه هي النصيحة الأهم والقاعدة الذهبية , بدون أن تقرأ للآخرين لن تتعلم أبدا أن تكتب , أهتم بقراءة الروايات والقصص القصيرة على وجه الخصوص , ولا تقرأ لمجرد القراءة , بل تمعن وقم بدراسة أسلوب الكاتب , أنظر كيف يصف الأشخاص والأشياء , وكيف يدير الحوارات بين شخوصه , وكيف يربط بين الأحداث , وكيف يعلل الأمور , وكيف يوقت المفاجآت الخ ..

وحاول أن تحفظ الكلمات الجديدة والجيدة التي تظن بأن لها وقع جميل ويمكن أن تفيدك مستقبلا في نصوصك . ولا بأس في أن تجعل لنفسك دفترا صغيرا تدون فيه هذه الكلمات ومعانيها والغاية من استعمالها .

خلاصة القول أن القراءة هي أفضل وسيلة لتعلم الكتابة وهي المفتاح لصناعة كاتب محترف من الدرجة الأولى .

اترك الكتابة حينما يتعب دماغك

الدماغ مثل الجسد , يصيبه الإرهاق , وعند حدوث ذلك فأنه يفقد التركيز والمقدرة على الإبداع والابتكار , لذلك عندما تشعر بأن دماغك متعب , أو فارغ , فعليك أن تترك الكتابة فورا , لا تحاول أبدا أن تجبر عقلك على العطاء حين يكون ذلك مستعصيا , لأنك بالنهاية لن تحصل منه على شيء , وحتى لو حصلت على شيء فسيكون ركيكا وقبيحا .

شخصيا أجلس أحيانا خلف الكمبيوتر وهناك صفحة بيضاء ناصعة على الشاشة أمامي تنتظر مني أن أكتب شيئا , لكني لا أجد شيئا لأكتبه , ولا كلمة .. ولا حرف! . قد تكون لدي فكرة عما أحاول كتابته , لكني لا أجد المدخل , وعبثا أحاول , أكتب سطرا ثم أمسحه , وعلى هذا المنوال قد أقضي بضعة ساعات غير مثمرة . وعلى العكس منذ ذلك أحيانا يكون عقلي صافيا ومرتاحا فتجدني أكتب بسرعة كأن عقلي ينبوع صاف يفيض بالكلمات والجمل .

ونصيحة مني حاول أن تكتب في الصباح , لأن العقل يكون في أفضل حالاته وفي أوج نشاطه , أما في المساء فهو يكون متعبا مثله مثل الجسد الذي يحتويه.

أين أجد مواضيع ؟ وكيف اكتب عنها ؟

سؤال وجه لي مرات عديدة من قبل القراء .. أين يمكن العثور على مواضيع ؟ .. وماذا نفعل إذا لم نكن نعرف سوى اللغة العربية ولا يمكننا قراءة اللغات الأجنبية للحصول على مواضيع متميزة ؟ .

والجواب هو أن المواضيع والأفكار موجودة في كل مكان , في حياتنا اليومية , في تقارير التلفاز , في الصحف والمجلات , في الكتب المركونة في المكتبات العامة يعلوها الغبار ولا تجد من يقرأها .. في مخيلتك وعقلك .

يمكنك أن تزور الصحف الالكترونية الشهيرة , وتبحث بين أخبارها وعناوينها على ما يجذبك ويعجبك , يمكنك أن تزور صفحة الحوادث , يمكنك أن تبحث في المجلات والكتب القديمة .. حتما ستجد موضوعا يعجبك وتود الكتابة عنه , وليس شرطا أن يكون موضوعا أجنبيا , بل أن بلداننا العربية تعج بالأفكار والمواضيع .. شخصيات .. فنانين .. جرائم .. أحداث غريبة .. أماكن مخيفة .. جواسيس .. أفلام .. حوادث تاريخية الخ ..

والآن وقد حددت موضوعك , الخطوة التالية أن تبحث عن المصادر ..

البعض للأسف لا يفرق ولا يميز بين النقل , وبين الاقتباس , وبين المصدر , وبين الإبداع الابتكار . فتراه يبحث عن موضوع كامل متكامل لينقل ويقتبس منه ما يشاء ويضع عليه أسمه فقط , وهذا لعمري أشبه بالسرقة والسطو على جهد وتعب الآخرين , وليس هو الطريق الصحيح للوصول إلى الاحتراف في الكتابة , بل هو طريق خاطئ يعلمك على الإتكالية والأنانية .
ما عليك فعله , بعد أن تجد موضوعك , هو أن تبحث في أكثر من مصدر , وهو أمر متاح بفضل محركات البحث . الخطوة التالية هي جمع وغربلة المعلومات من المصادر . ومتى ما حصلت على ما يكفي من معلومات يأتي دور الخطوة الثالثة والتي ترتبط بالفقرة الأولى من مقالنا هذا .. أي الهدف والمقدمة .. وهنا يجب أن تركز على أن تكتب بأسلوبك الخاص , لا تنقل أبدا , ولا تعتمد على جهد غيرك , ضع لمستك الخاصة على الموضوع لكي تستحق أن يوضع أسمك عليه , ضع فيه من روحك وأفكارك ومشاعرك , وستجد بالنهاية بأن الموضوع الذي كتبته أصبح متميزا ولعله تفوق حتى على المصادر التي أخذت عنها الفكرة .

الغاية ليست مجرد الكتابة والنشر , بل صنع شيء متميز يشعرك بالرضا والفخر .

ما الغاية من الكتابة ؟ هل سأغدو مليونير ؟

الجواب هو كلا , لن تغدو مليونيرا , لا بل أن الواقع يخبرنا بأن معظم الكتاب , حتى المشهورين منهم , عاشوا حياة الفقر والفاقة , وبعضهم لم يشتهر وتحقق أعماله إيرادات ضخمة إلا بعد موته ! .. والواقع يخبرنا أيضا أن أولئك الذين أصبحوا أغنياء أو مليونيرات بسبب كتاباتهم لا يشكلون سوى نسبة ضئيلة جدا من مجمل الكتاب . وعليه فإذا كنت تكتب لتصبح غنيا فنصيحتي هي أن تبحث عن مجال أو عمل آخر يقودك إلى الغنى , لأن الكتابة ليست هي السبيل , خصوصا في عالم عربي أصبحت فيه الثقافة وصناعة الأدب ذكرى من الماضي .

لكن الكتابة قد تكون خطوة من بين مجموعة خطى في طريقك نحو الغنى والشهرة , الكتابة تساهم في بناء شخصيتك , وقد تغدو بفضلها يوما صحفيا شهيرا , أو مقدم برامج مرموق , أو شخصية اجتماعية ذات مكانة , أو محللا تستضيفه القنوات الفضائية , أو حتى سياسيا يؤثر في مجرى الأحداث في بلده . الكتابة تعلمك الإبداع والابتكار , تعلمك كيف ترتب أفكارك وتنسق عباراتك و وتنمق حديثك , تعلمك كيف تكون مؤثرا في أفكار ومشاعر الآخرين ...

عن نفسي أنا لست كاتبا مشهورا ولا أحد يعرفني لشخصي , ولست باحثا عن الشهرة أو الجاه , لكن الكتابة بالنسبة لي كانت ومازالت وسيلة وطوق نجاة للهروب من واقع بائس سئمت التفكير فيه , الكتابة أخذت بيدي حينما كنت في أسوأ لحظاتي , الكتابة رفعت معنوياتي , جعلتني أفخر بنفسي , وعلمتني الصبر والقناعة والرضا . وفوق كل شيء زادت ثقافتي , وعظمت إنسانيتي ... جعلتني شخصا أفضل .

وعليه فأنت تكتب لا لتصبح مليونيرا , بل لتصبح شخصا أفضل .

ملاحظة : كاتب هذا المقال لا يعد نفسه كاتبا محترفا , ولا مرجعا في الكتابة , لكن ما كتبته هنا هو خلاصة خبرتي وتجاربي الشخصية .

شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر