تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
مقالات من نفس القسم
أحدث مواضيع النقاش
تجارب الرعب والغرائب
تجارب من واقع الحياة
اختبارات عقلية

الكتاب الملعون (قصة مملكتين) الحلقة 3 -الرحيل

بقلم : بائع النرجس - جمهورية مصر العربية
للتواصل : noor. rady@yahoo. com

صراع بين النور والظلام


ظهرت أولى خيوط الفجر، وأخذ طائر الكروان يصدح في الأرجاء معلنًا بداية يوم جديد، ومن بعيد وخلف أشجار
النخيل أخذ قرص الشمس بلونه الأحمر الدامي المختلط باللون البرتقالي الغامق يتسلل في هدوء، وكأنه يخشى الظهور للعلن، وهناك أسفل أشجار النخيل التي امتدت إلى عنان السماء وقف الشيخ (عبد الله) وقد ارتدى حلة بنية اللون، وأخذت النسمات تطاير خصلات شعره الأبيض خلفه في صمت في حين أخذ هو ينظر إلى الطريق الممتد بين الأشجار، وكأنه ينتظر ظهور شخص ما، ومن خلفه وقف جواده صاحب اللون الرمادي يتابع الطريق هو الآخر وما هي إلا ثواني حتى انتصبت أذناه إلى الأمام فصهل بقوة فربت عليه الشيخ قائلًا:

- هونأً يا صديقي ماذا هناك؟ .. هل ترى شيئا لا أراه !

وما كاد ينهي حواره مع جواده حتى ظهر من بعيد شبح فارس ينهب الأرض نهبًا بجواده وهو يقترب منهما بسرعة كبيرة، وما ان اقترب أكثر من الشيخ حتى ابتسم وقال في نفسه:
-أخيرًا أتيت لقد إنتابني الشك بأنك لن تأتي !
توقف الفارس أمام الشيخ وهبط من على جواده الأحمر النارى وانزل اللثام عن وجهه وظهرت ملامحه وهنا هتف الشيخ:
- ما الذي أخرك هكذا؟

أجابه (خمري)وهو يلهث، والكلمات تكاد تخرج متقطعة:
- أنها شقيقتي يا عماه تريد أن تأتي معنا وتصر على ذلك

رفع الشيخ حاجباه وهتف وقد تبدلت ملامحه الهادئة:
- وماذا فعلت معها؟

- خدعتها وقلت لها اذهبي واحضري اغراضك، وما إن اختفت من أمامي حتى أسرعت أنا بجوادي إلى هنا و تركتها خلفي تضرب أخماسا بأسداس .

هنا هدأت ملامح الشيخ، وعاد وجه إلى سيرته الأولى وقال:
- لا داعي لإضاعة المزيد من الوقت، وهيا بنا فالشمس تكاد أن تنشر في الدنيا نورها
قاد الإثنان جواديهما، وأخذا يترجلان في هذا الطريق الممتد بين أشجار النخيل حتى اختفيًا عن الأنظار ولم يلحظا أبدا هذا الفارس الذي اتشح بالملابس البيضاء، وقد أخفى وجه وركب جوادًا اسود اللون وهو يتابعهما بعينيه من فوق ربوة عالية تتيح له محيط واسع من الرؤية، وقد وقف بصمت عجيب، وأخذت النسمات تتلاعب بتلابيب ملابسه، وكأنه مشهد أسطوري وقرص الشمس يستمر في الصعود بلا توقف
نعم بلا توقف
* * *
آخذًا الاثنان يسيران بجواديهما بين الجبال والأشجار العالية المتشابكة الأغصان مخترقين الوديان بين حشائش السفانا العالية وها هي طيور أبو قردان البيضاء تحلق في السماء فزعة منهما لإقتحام خلوتها، ومرت هكذا الأيام وتظهر الشمس وتغيب والاثنان يقفان حينا ويتابعان حينا آخر حتى وصلاً إلى بركة امتلأت بالمياه عن آخرها وإرتصت على شاطئها الطيور ونبتت حولها زهور من مختلف الأشكال والألوان، وقد انعكست على صفحتها أشعة الشمس الذهبية مما أعطاها منظرًا ساحرًا، وفي هدوء نزل الشيخ من على جواده، وتركه ليأكل الحشائش أما هو فقد اتجه إلى الماء وحمله بين كفيه وشمه لعله يكون مسمومًا هكذا علمته الحياة في الخلاء، ووجد أنه صالحًا للشرب فشرب حتى ارتوى وبعدها ملأ قربته التي كان يحملها وغسل وجه ولحيته البيضاء ثم نظر إلى (خمري)وقال له وهو يشاور له بالنزول:

- اهبط يا بني فالماء عذب وطعمه حلو جدًا
ما ان سمع ذلك حتى هبط بسرعة من على جواده وركع على البركة وشرب حتى روى ظمأه وملأ قربته هو الآخر ثم تمدد على ظهره وأخذ يراقب قلب السماء الصافي، وأخذ يتابع أسراب الطيور التي تحلق هنا وهناك وقال:

- عماه حدثني أكثر عن المملكتين فأنا أحب أن اعرف المزيد

قبع الشيخ على حافة البركة وأخذ ينظر إلى صفحة الماء الصافية وقال بصوته الجهوري وكأنه يعود بذاكرته إلى غياهب الزمن
- سأحدثك عن مملكة الظلام
صمت الشيخ ليبتلع ريقه أو ليتذكر ما كان من أخبار هذه المملكة وأكمل وهو ما زال ينظر إلى صفحة الماء التي اهتزت ببطء

- إنها أسوأ مملكة تعرفها أو تسمع عنها فملكتهم تحكمهم بسوط وطوق من حديد لا لين ولا هوادة مع الشعب وكل شيء لديها مباح ومسموح
قاطعه (خمري) وهو يهتف:
- وأين اختفت هذه المملكة وتوارت عن الأنظار ونسيها كل العالم فأنا لم اسمعها قبل ذلك أبدًا، ولم يذكرها أحد أمامي يوما ما؟

- الحقيقة أنها لم تختفي أبدًا بل هي موجودة في مكان،  فلا أحد يعلم أين تقع هذه المملكة بالتحديد ولكنها موجودة وللعلم أن الكتاب الملعون هو شوكة هذه المملكة الغاشمة، وبدونه فهي ضعيفة ولا يظهر لها أي صوت بين الممالك التي حولها

ملكة الظلام امرأة مستبدة تحكم مملكة الظلام وتسيطر علي شعبها..

- يالها من مملكة غريبة
- الأغرب أن ملكتهم قد وضعت لعنة على هذا الكتاب الملعون
-وما هي فحوى هذه اللعنة؟ 
- لو تحرك الكتاب من مكانه في لحظة ستعرف مكانه، وستزحف إليه بكل ما أوتيت من وسائل ومهمًا كلفها الأمر لاستعادته مهمًا كان الثمن، ولن تتراجع أبدًا فالشر بداخلها ساكن كالوحش الرابض الذي ينتظر إشارة لينطلق ويقتل كل من حوله بلا هوادة أو رحمة
- أهي بمثل هذه القسوة؟
- بل أكثر فما سمعته عنها أقل بكثير مما أخبرك به الآن
- من يصدق هذا يا عماه مملكة تحكمها أمرآة قاسية وكتاب به علوم حضارات غابرة؟

- لن يصدقها أحد يا ولدي ، ولكنها هي الحقيقة الوحيدة التي اعرفها الآن فحاول أن تتقبلها كما هي ولا يرفضها عقلك
صمت الشيخ ليبتلع ريقه ثم أضاف

- لا داعى لنتحدث عنها أكثر وهيا بنا نسرع فالوقت يسرقنا
ما كاد الشيخ ينهي حديثه حتى هب واقفًا وامتطى جواده وكذلك فعل (خمري)، وانطلاقا يشقان طريقهما حتى اختفيا في الأفق ولم يلاحظًا أبدا هذا الفارس الأبيض الملثم الذي أخذ يتابعهما عن كثب في صمت عجيب، وكأنه نمر مفترس ينتظر ساعة الهجوم
نعم ساعة الهجوم .... القاتل
* * *

أكمل الإثنان طريقهما وسط الصحراء بصعوبة بالغة خصوصًا في هذه العاصفة الرملية التي أخذت تشتد شيئًا فشيئًا، وأخذت حبات الرمال تصفع وجهيهما بلا هوادة أو رحمة، تاركة ألم بعدها هنا وهناك فقال (خمري) في صعوبة وهو يشير إلى وجهة أحد الجبال وقد رفع أحدهم ذراعيه أمام وجهه لعله يستطيع منع اصطدام حبات الرمال اللاسعة  عنه :

- عماه يبدو أننا لن نستطيع أن نكمل طريقنا وسط هذه العاصفة ويبدو أنها لن تتوقف الآن ، دعنا نحتمي بالجبل ربما يكون هناك ملجأ نستقر فيه حتى يهدأ الجو
سمعه الشيخ في صعوبة فالرياح أخذت تصفر في الأذان فقال بصوت عالي :

- معك حق يا ولدى هيا بنا فالرؤية باتت صعبة والرمال تتطاير في كل مكان
شق الإثنان طريقهما إلى الجبل في صعوبة بالغة حتى وصلاً إليه ومن حسن الحظ أنهما وجدًا كهفًا ما فاحتميا به وأخذا ينفضان ما علق بهما من رمال ناعمة ثم جلسا و قال (خمري) وهو يتابع المشهد من مكانه:

- يالها من عاصفة عاتية!
- هكذا هي الصحراء يا بني

  أستدار (خمري)محاولا إدارة دفة الحديث:
- لقد حدثتني عن مملكة الظلام حدثني إذا عن شقيقتها مملكة النور
حاول الشيخ أن يستند بظهره على حائط الكهف وقال:
- آه مملكة النور
صمت وكأنه يحاول أن يتذكر شيء ما ثم قال بصوته الجهوري، وهو يلاحظ مدى الشغف في عيني (خمري)، وكأنه طفل صغير يستمع لحكاية قبل النوم
- كل ما سمعته عنها أنها مثل أي مملكة عظيمة بها قصور ضخمة وعالية، وأبراج عظيمة تناطح السحاب وشلالات عالية وبحيرات رائعة، وحيوانات كثيرة من كل شكل ولون، وطيور ملونة ومجارير مائية امتلأت بالأسماك الرائعة، ويعمل أهلها بالزراعة والصناعة، وهم مسالمون لا يحبون الحرب، ويحبون الخير وكل أهلها متعاونون وكلهم أسرة واحدة
مملكة النور.. افضل الممالك علي الاطلاق واكثرها روعة تمتاز بطبيعة خلابة مثل الجنان

خمري وهو يسأل بسرعة مقاطعا الشيخ :
- وهل حاكمها مثل ملكة الظلام ينتقل بين الأجساد هو الآخر
- لا فكل ما سمعته أن ملكهم الأكبر قد مات، وجاء غيره وغيره كلهم من نسل واحد وكلهم عادلين، ومحبين للشعب والشعب يبادلهم هذا الحب، ومع مرور الأجيال في هذه المملكة أخذوا يتوارثون حكاية الكتاب الملعون التي أنجزته ملكة الظلام، ويعرفون مدى خطورته على العالم اجمع وهنا يتمنى كل حاكم منهم أن يعيد الكتاب ويدمره في فترة حكمه قبل أن تحصل عليه ملكة الظلام، وبهذا يخلده تاريخهم
- هل زرت يا عماه هذه المملكة يوما ما؟
- أبدا ولكن هناك من وصل إليها ونقل إلينا أخبارها وما رآه هناك
صمت الشيخ و التفت إلى الخارج ثم قال:
يبدوا أن العاصفة قد توقفت فقد ظهرت الشمس مرة ثانية، وسكنت الرمال هيا بنا يا بني نكمل طريقنا فالرحلة أمامنا طويلة، وفي الطريق سأقول لك كل شيء تحب أن تعرفه
أبتسم (خمري)واكتفى بذلك وركب الاثنان جواديهما وآخذا يسيران في قلب صحراء مقفرة لا ماء فيها ولا زرع ومن بعيد وخلف أحد التلال الرملية وقف الفارس الملثم يتابعهما في صمت عجيب  ... ومخيف
* * *

مال قرص الشمس للمغيب وأخذت كل الطيور تعود إلى أعشاشها وأخذ الليل يزحف في بطء ويفرش ستاره الأسود على كل شيء، ومن بعيد و على بصيص الضوء الأخير للشمس ظهر (خمري) وعمه وقد وصلاً إلى أطلال هذه المدينة المهجورة، وما ان وصلاً إليها حتى غابت الشمس بنورها وعند ذلك هبط الشيخ من على جواده وتبعه ابن آخيه، وأخذ الشيخ ينظر إلى هذه الأطلال وقال بعد فترة تأمل فيها:
- سنبيت هنا الليلة فلن نجد مكان أفضل من هذه الأطلال
نظر (خمري) حوله وكأنه بنظره البسيط يخترق حجب الظلام ليرى ما خلف الجدران المهدمة،  و قال و هو يتسأل وقد رفع حاجبيه:
- ترى أين ذهب أصحاب هذه الأطلال؟
ربت الشيخ على كتفه و قال وهو ينظر إلى الأطلال الباقية من هذه المدينة المهجورة
- يا فتى الكثير من الإجابات عندما نعرفها نتمنى لو لم نعرفها يوما ً أو حتى نسأل عنها أبدًا .. أراد خمري أن يقول شيئا ما لكن عمه قاطعة قائلا ً وهو يجلس بجوار أحد الجدران 
- هات يا ولدى بعض الخشب حتى نشعل النار
ما هي إلا ثواني حتى أحضر بعض الأخشاب وأشعلاً النار، وكان يجلس أمام عمه ليسأله وقد تراقص على وجهه ليهب النار:
- ماذا لو تمكنا وأحضرنا هذا الكتاب يا عماه قبل ملكة الظلام وقبل هذا المدعو (جعفر)؟
أجابه الشيخ وهو يعبث بعصاته في النار ليزيد اشتعالها
لو فرضنا أننا تمك ..
قاطعه (خمري)وهو يهب واقفًا وكأن هناك شيء ما جذب أنتباهه
- أنتظر!
لقد أحس بأن هناك حركة ما أو صوت يأتي من خلف أحد الجدران، فأشار للشيخ بالصمت وأخذ يسير بخفه وهدوء ناحية الصوت، وما أن اقترب منه حتى قفز بسرعة وخفة ليرى صاحب الصوت و عندما رآه تسمر مكانه واتسعت عيناه على آخرهما ،وأخذ الشيخ ينادى في قلق
- ماذا هناك يا ولدى خلف الجدار؟
ولم يرد وطالت غيبته وظن الشيخ أن هناك مكروهاً ما قد أصابه ،فوقف وأمسك بعصاته وأخذ يبحلق في الجدار بصمت وأخذت الثواني تمر وكأنها دهورا ً طويلة ومملة وزادت دقات القلب، واصبح في رأسه ألف هاجس وهاجس يقفز و يلعب بأعصابه بلاً توقف .. نعم بلاً توقف
* * *
لمح خمري مخلوق ضخم وفي الاغلب هو تنين ..

في هذا الكهف تحرك هذا المخلوق المجهول صاحب الحراشيف الخضراء وهو يخور بين الحين والآخر، وأنفاسه الكريهة تنتشر في المكان بشكل كبير والرطوبة عالية وعلى هذا البصيص الخافت من الضوء المتساقط من فوهة عالية في أعلى الكهف الانبوبى أمسك بصندوق خشبى مزخرف بأجمل الزخارف والرسومات، وفي هدوء حاول هذا المخلوق أن يضع الصندوق المزخرف بجوار الكتاب الأسود على هذه الصخرة الرمادية اللون، ولكنه لم يدرك أن المكان لا يتسع لهما معًا، فتزحزح الأخير وسقط أرضًا، وانتشر الغبار وفتح الكتاب على مصراعيه وظهرت كلمات ونقوش وصور ملونة عجيبة وهنا لاحظه المخلوق فمال عليه وأخذ الزبد يتساقط من فمه على الأرض وأمسك بالكتاب بين يديه وكأنه يتأمله أو يفهم ما فيه، وما هي إلا ثواني من التأمل حتى تراجع به إلى الظلام الدامس وترك سؤال محير
- هل أدرك أهمية الكتاب؟
* * *
ترى هل ستتحرك مملكة الظلام بعدما تحرك الكتاب كما تقول لعنتها؟
هل ستخرج من سكونها وتبدأ الحرب للحصول على الكتاب؟
هذا ما سنعرفه في الحلقات القادمة إن شاء الله.




تاريخ النشر : 2016-10-08

تم تحرير ونشر هذا الموضوع بواسطة : توتو
قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق