الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

سلسلة لعنات ابدية الكتاب الملعون الحلقة 4 (ظهور الشر)

بقلم : بائع النرجس - جمهورية مصر العربية
للتواصل : noor. rady@yahoo. com

تفاصيل مثيرة ستحدث في هذه الحلقة اقرأ لتعرف المزيد

كانت السماء قاتمة اللون فقد اختفى منها قرص الشمس وكأنه سرق، وقد اتشحت بالسواد بالرغم أن ساعات قدوم الليل لم تحن بعد، وكانت هناك في الفضاء غيوم كثيفة مقبضه كئيبة تبعث في النفس الخوف، ومع هذا الجو المرعب أخذت مجموعة كبيرة من طيور الغربان تحلق بعيدًا وتدور مرة ثانية وكأنها لا تبالى لهذا الطقس المخيف ثم ارتفعت فوق هذه الأبراج الرمادية وأخذت تصدر أصواتها المزعجة بين الحين والأخر لتضفي على هذا المكان مسحة جدية من الكآبة المرعبة.

 ولكن سكان هذه الأبراج فيما يبدو أنهم لا يبالون بهم ولا بأصواتهم وكأنهم معتادون عليهم، وعندما نقترب من نافذة أحد الأبراج، نري هناك حركة فيما يبدوا أنها مريبة فقد أخذ احدهم يجرى بسرعة كبيرة وهو يصعد الدرج ثم يدلف إلى الأروقة وهو يلهث حتى وصل إلى قاعة سقفها عالى جدا ً وكأنه يخترق السماء، وفي نهاية هذه الغرفة الدائرية ذات النوافذ الزجاجية العملاقة قبع عرش كبير الحجم من الصخر فيما يبدو وقد زين على شكل أفعى عملاقة مخيفة، وقد جلست امرأة قد غطت رأسها بوشاح أسدلته قليلا على وجهها، فلا تتضح معالمه مع هذه الظلال التي سقطت عليه، ولم يتضح منه غير سوى الفم الصغير وهذا الأنف المستقيم الحاد ، مع هذا العنق المرمري الطويل نسبياً، وهذا القد الممشوق، وقد ظهرت برداء غريب يتميز بلون زيتوني واخضر غامق وتقبض بكفها صولجان على شكل زنبقة زجاجية تختبئ بين الأشواك أخذ الرجل الملهوف يقترب بسرعة منها وهو يتلقف أنفاسه بصعوبه، ثم انحنى بسرعة واعتدل بسرعة ليهتف:
اخبر الجندي الملكة ان وحوشها قد تحرروا


-سيدتي.. عندي أخبار عاجلة.
لم تفتح الملكة فمها، ولكن الرجل سمعها في رأسه تقول:
- هات مالديك أيها الجندي.. واعلم أني أحب أن اسمع ما أريد أن اسمعه وإلا ----
ابتلع الرجل ريقه في صعوبة وقد أحس بجفافه من أثر كلمات الملكة، وبعدها تمالك نفسه وتابع وهو يتمنى أن تنشق الأرض وتبلعه من أمام عينيها:

- لقد تحرك الحيوانين المجمدين منذ العصور الغابرة يا سيدتي.
ما ان سمعت هذا القول حتى هبت واقفة وهتفت هذه المرة عبر فمها، وظهر صوتها الحاد وكأنها أصابتها صاعقة:
- ومتى تحركا؟
- الآن يا سيدتي.. والجميع ينتظر أوامر مولاتى.
لم يتبين للرجل نظراتها التى خبأها ظل هذا الوشاح، ولكنها قالت:
- اذهب..وسأتي خلفك حالاً.
هرول الرجل بسرعة.. وما هي إلا ثواني وكان قد اختفى من أمامها ،و في هدوء الثعابين وقفت هي وكأنها تفكر و لم يطل صمتها ، رفعت صولجانها إلى سماء القاعة وقالت وهي تبتسم في جزل، حتى أصبحت قريبة لابتسامة شيطانة أتت من الجحيم المستعر:
- تحضر يا كتابي الغالي وتحرك من مكانك أكثر، فقد عرفت مكانك وها أنا قادمة إليك مهما كان الثمن.
رفعت صولجانها أكثر.. حتى بات وكأنه سيلامس سقف القاعة وصاحت أكثر:
- مهما كان الثمن.
ورعدت السماء بقوة هادرة.
* * *


تمر الثواني ثقيلة على شيخنا، وهو ينتظر(خمري) الذي طال غيابه وراء هذا الحائط المهدم، وبعد أن أكل التفكير عقل الشيخ، يظهر صاحبنا وبجواره كلب يعرج وقد ظهر عليه الألم؛ فإحدي ساقيه قد أنكسرت، فهتف الشيخ بعد أز اختفى القلق من ملامحه:
- ما هذا يا بنى؟
يبتسم في عذوبة ويقول وهو ينظر إلى الكلب:
- أنه صديقي الجديد.. فكما ترى يا عماه قد كسرت ساقه وأعياه التعب ولن اتركه هنا وحيداً، سأجبر ساقه وسيكون مشاركا لنا في رحلتنا.
- يا بنى الرحلة صعبه، عالجه واتركه هنا أفضل له ولنا.
ينظر إلى الكلب الذي يهز ذيله، وتلتمع عينيه في هدوء وكأنه يترجاه ألا يتخلى عنه.
ولكن الشيخ يهتف بصوته الأبوى:
- لا تفكر يا بنى.. اتركه هذا في صالحه صدقني .

حول النار جلس(خمري) وبجواره الكلب، وقد أخذ صاحبنا يعالج ساقه المكسورة وأخذ الشيخ يتابعهما في صمت، وضوء النار يتراقص على وجهيهما، وفي السماء ارتفع القمر بدرًا وكأنه ينظر إليهم في صمت عجيب.
وأثناء ذلك هتف الشيخ:
- سنبيت هنا الليلة وفي الغد سنكمل رحلتنا.
صمت قليلا ثم اكمل في هدوء:
- سنكمل رحلتنا بدون الكلب المكسور
لم يعلق (خميى)  واكتفى بالصمت وترك كل شيء للغد.

* * *


أخذ هذا الفارس يجرى بجواده في هذه الشوارع المرصوفة بصخور ارتفع عنها صوت حوافر الجواد في رتابة، وأخذ ينحنى من شارع إلى آخر في هذه المدينة ذات البيوت البيضاء والأبراج العالية والبيوت الضخمة والحدائق الغناء والشلالات المائية العالية التي تضفي على المكان مشهداً أسطورياً، وماهي إلا ثواني حتى وقف أمام قصر منيف البنيان ، عالي الابراج يحتل ربوة عالية، ثم هبط من على جواده وأخذ يصعد الدرج حتى وصل إلي رواق ،ثم أنحنى إلى بهو عملاق على شكل دائرة كاملة بها نوافذ كبيرة مرتفعة ، تحتل أجزاء كبيرة من الجدار الدائري ، وقد زينت برسومات بديعة المنظر، مما زاد المكان جمال، وفي قبالة المدخل قبع عرش ملكي كبير و عليه جلس شاب وسيم الملامح بشعره الاسود الغزير الذي استرسل خلفه، مما زاده وسامة خصوصا مع هذا القوام الرياضي وعينيه السمرواتان ،ولونه الخمري ، وبجواره وقف شيخ كبير في السن قد تخضر شعر ذقنه باللون الابيض والأسود، وكذلك شعره الذي ارتفع منه جزء كبير من مقدمة رأسه، فظهرت أرضيتها الناصعة ،وكان يمسك بذراعه عصا كبيرة تشكلت رأسها على شكل رأس كبش ذو قرنين، أنحنى الفارس أمامهما في هدوء، وقال وأنفاسه تتلاحق من شدة المجهود الذي بذله:
ملك مملكة النور العدو اللدود لملكة الظلام


- سيدي ملك مملكة النور..
أومأ الملك الشاب وهو يبتسم في عذوبة..ورفع الفارس رأسه وهتف بسرعة:
- لقد وصلتنا رسالة من جاسوسنا في مملكة الظلام.
ولت الابتسامة العذبة، وولت محلها ملامح أخرى وهتف الملك الشاب:
- ما فحوى هذه الرسالة؟
- أنها تقول أن الحيوانين تحركا، وأن هناك حركة غير عادية في البرج الملكي وكأنهم يفعلون شيء ما يحيطونه بالسرية التامة.
قاطعه الملك قائلاً:
ولم يعرف بعد، ما هذا الشيء الغير العادي؟
قال الفارس برتابه وهو يهز رأسه:
- أبدا يا سيدي؛ فهم يحيطون الأمر بسرية تامة.
أخذ الملك يفكر بسرعة، وفي رأسه مليون فكرة اختلطت ببعضها، ولكنه أشار للفارس بالانصراف ،وقدغادر المكان بسرعة.. وماان لاحظ العجوز ذلك، حتى أنحنى على الملك وقال بصوت هادىء:
- يبدو يا سيدي ما كنا نخشاه قد وقع.!
قال الملك وهو شارد البصر:
- إلى الآن لم نعرف بالتأكيد.

- يا سيدي.. طالما تحركا الحيوانين المجمدان، لابد أن تكون اللعنة التي وضعتها الملكة على الكتاب قد تحققت، وقد تحرك الكتاب من مكانه ، و قد عرفت هي بسحرها أين مستقره وستذهب عاجلاً أو أجلاً للحصول عليه وتستغله لصالحها.

هتف الملك وهو يفكر في كلام وزيره وقد اتسعت عيناه وهو يتخيل مصير البشر وهذه الملكة تسيطر على الجميع بواسطة علوم الكتاب ومع سحرها الأسود ،وبعين الخيال رأى مصير بشع للجميع.

- عندك حق أيها الوزير.
- وما الذي تأمر به يا مولاي ؟
فكر الملك بسرعة ليصل إلى قرار، وما هي إلا هنية بسيطة حتى هب واقفًا وقال:
- ابعث إلى جاسوسنا هناك، واخبره أن يخبرنا بأي جديد يحصل عليه على الفور، وبمنتهى السرعة.

صمت الملك قليلاً فهتف الوزير:
- حاضر يا سيدي.
لملم الوزير تلابيب ملابسه، وغادر المكان وهو يهرول، وبعث الرسالة إلى الجاسوس مع حمامة زاجلة طارت لتحلق في الفضاء، في حين وقف الملك وهو يقول وعيناه تلتمعان :
- بمنتهي السرعة.. فليس هناك وقت لنضيعة.
وأخذ يفكر في سؤال واحد آلا و هو :
- ترى أين مكان الكتاب الملعون؟
وأخذ يفكر
ويفكر
بدون توقف.

* * *


كان الجو بارد.. والضباب ينتشر في كل مكان بدرجة كثيفة، ومن وسطه يظهر الشيخ (عبد الله) وهو يركع على ركبتيه ويشرب من هذه البحيرة التي أنتشر الضباب على سطحها فلا يظهر آخرها من أولها، وفي هدوء أخذ الضباب ينقشع شيئًا فشيئًا وظهر سطح البحيرة وظهرت الصخور التي هنا وهناك، ومن بعيد ظهرت أشباح كبيرة وضخمة أتيه،  ومع اقترابهم أخذت ملامحهم تتضح، وبهت الشيخ مما يراه واتسعت عيناه وتوقف عن الشرب وسقط الماء من بين أصابعه وأخذ قلبه ينتفض بين ضلوعه، وأخذ يبحلق فيما يراه وكأنه ثبت في مكانه فلم يحرك ساكنا ،حتى مع اقتراب هذا الركب منه، الذي تصدره مخلوقان من أضخم المخلوقات التي رآها يوما ما، وما هي إلا ثواني حتى كان المخلوقان أمامه ويمران بجواره دون أن يمساه بسوء، العجيب في الأمر أكثر انهما يسيران على وجه الماء دون أن تهتز صفحة البحيرة !! وسأل نفسه وهو مندهش مما يرى ؟! وقلبه يرتعد من الخوف ،ويشعر بجيش ضخم يمر أفراده من جانبه ومن خلاله وكأنه شبح لا وجود له، فلا يلاحظه احد وسأل نفسه!؟
- ترى هل هذا حقيقي؟

لم يلقى الجواب ،بل بقى ينظر حوله وأمامه حتى أنتهي الركب وفي نهايته ظهر مخلوق آخر ضخم لدرجة كبيرة ولكنه غريب عن السابقين ،فلونه فضي وينفث البخار من أنفه، وهناك على ظهره استقر شخص ما لم تظهر ملامحه جيدا، لأنه كان في الأعلى وفي هدوء، أخذ يمر المخلوق الفضي من جواره ولكن -----
رأي الشيخ عبدالله جيشا من الاشباح يمر من خلاله


وقع شيء ما على صفحة البركة، وغاص في الماء أمام الشيخ وهنا دفع الشيخ ذراعه في الماء واخرج هذا الشيء بسرعة، ووجده صولجان ذهبي غاية في الروعة والجمال وفي نهايته زنبقة سوداء استقرت بين الأشواك، أخذ يقلبه يميناً ويسارًا وهو مبهور بجمال صنعه، وفجأة احس أن احدهم يضع يده على أعلى كتفه، فاستدار بغته فوجد شبح مختفي ملامحه وكأنها مطموسة تمامًا، فارتعب من منظره وإهتزت ذرات جسده ،عندما مد هذا الشخص يده ذات الأصابع الطويلة الرفيعة التي تحاكى أصابع الأموات إلى الصولجان، وفي صمت تركه الشيخ فأمسكه هذا الشخص المجهول الهوية وابتعد بسرعة وكأنه يطير من على الأرض ،وارتفع في الهواء وطارت أسماله خلفه ورفع الصولجان إلى السماء التي رعدت بقوة وبرقت ثم أخذت مقدمة الصولجان تنفتح شيئاً فشيئًا، حتى أنفتحت الزنبقة عن آخرها وصدر منها ضوء قوى يعمي الأبصار، حتى أن الشيخ لم يستطع أن ينظر بل وضع ذراعه على عينيه وأخذ يصرخ قائلاً:
- عيناي---عيناي – أين أنت يا (خمري) يا ولدى؟
أخذ الكلب ينبح وهو ينظر إلى الشيخ، و(خمري) يصرخ على الشيخ وهو يهز جسده المسجى قائلاً:
- عماه استيقظ.. أنه كابوس.
هب الشيخ من رقدته، وهو غير مصدق لما رأى !! وفتح عينيه وقال و هو يسأل:
- هل أطفأت النار يا ولدى؟
-أبدًا يا عماه.. فالنار ما زالت مشتعلة.
مد الشيخ يداه أمام عينه وهو يرتعش وهتف بسرعة:
- (خمري) أنا لا أرى كفاي !
أنتفض (خمري) وكأن صاعقة أصابته، وهتف وهو منزعج:
- ماذا؟!
هتف العجوز وهو يبكي و الكلمات تخرج منه مهتزة :
- لا ارى شيئا ، لبد عميت يا ولدي
و أخذ يهتف بهيستيريا :
- لقد عميت .
ضمه (خمري) لصدره، وقد أخذ العجوز يصرخ و يبكي و هو يكرر :
- لقد عميت.
وضاع صوته في هذا الفضاء اللانهائي .

* * *


أخذ هذا العنكبوت يهتز بين خيوطه، وهو يراقب ملكة الظلام وهي تقف أمام الحيوانين الضخمين في هدوء ،تتأملهما في صمت وقد تراقص على وشاحها والجزء الظاهر من وجهها أنعكاس هذه الشعلات المضيئة حولها، وأخذت تقترب من احدهما، وقالت وهي تلامسه بأناملها الطويلة:
- أخيرًا تحررتم أيها النمران المسيفان.
صمتت ثم تابعت وهي تراقب عين الحيوان القطي:
- ظننت أن هذا الوقت لن يأتي أبدا، ولكنه أتى أخيرًا وسنحصل على الكتاب.
زمجر النمر الضخم، وفتح فمه فظهرت أنيابه الحادة وسال الزبد من شدقه، وطوح رقبته يميناً ويسارًا، فارتسمت شبه ابتسامة على ثغر الملكة ،فقالت وهي تربت عليه:
- صبرًا يا عزيزى لا تتعجل؛ فلقد عرفت وجهة الكتاب ،وسنذهب جميعا خلفه ،ولن يوقفنا شيء مهما كان.
اخذت الملكة تتغزل في حيوانتها المفترسة في وسط القاعة

هتف احد الرجال المرافقين لها:
- أهذا صحيح يا مولاتي؟
- نعم صحيح؛ فقد عرفت وجهة الكتاب، وعرفت اين يقبع بالتحديد.
- وأين سنتجه يا مولاتي؟
- إلى اجمل بلاد الشرق كافة.
صمتت وكأنها تريد أن تضيف شيء ذو قيمة في الحديث، فاستدارت وقالت:
- إلى مصر.
- إلى مصر أم الدنيا وساحرة الشرق.
سألها الرجل مرة أخرى؟؟ وهو يرفع حاجباه إلى أعلي:
- وأين استقر الكتاب في مصر؟
تقدمت الملكة خطوة أو اثنان إلى الأمام، وقالت بصوت مسرحي وهي تشير بيديها:
- هناك بين الصخور والجبال في الصحراء المصرية.
تقدمت أكثر وكأنها ترى مقر الكتاب، وتابعت في حماس ولهفة زائدة، وهى تشير بأصبعها إلى المجهول:
- هناك الكتاب ينتظرني .. نعم ينتظرني أنا أراه، أنه يدعونى.
توقفت الملكة فجأة، وتمالكت رباطة جأشها وهتفت وهي تنظر إلى الرجل المرافق لها:
- هيا لبوا الدعوة، وأعدوا الثور الحديدي ، ودعونا ننطلق إلى مصر أم الدنيا.
أنطلق الرجل وراح يفعل ما أمرته به ملكته، ولم يسمعها وهي تتمتم وتقول بصوت منخفض:
- هيا نسبق من سبقنا ،فهناك من شد الرحال نحو الكتاب ولن يحصل عليه قبلي.
اعتصرت قبضتها ،وهتفت بصوتها المنخفض:
- إنه ملكي أنا وحدي ..
 نعم وحدي --- ولن أدع غيري يحصل عليه مهما كان ،وسيدفع الثمن غاليًا.
كانت الملكة خبيرة بأمور السحر الأسود الملعون، فكانت تستخدمه لصالحها دائمًا.
ترى ما الذي سيحدث في المستقبل؟


* * *


وقف الملك في هذه الشرفة الكبيرة ذات النقوش والمنحوتات الغريبة والرائعة في نفس الوقت، يراقب هذا الشلال العالي، وتلك البحيرة المترامية الأطراف بصفحتها الزرقاء، وأشجارها المورقة، وزهورها مختلفة الألوان والأشكال.
وقف الملك يتابع كل ذلك في صمت مهيب، وكأنه في بئر من التفكير لا يستطيع الخروج منه ليدرك العالم من حوله، فلم يشعر بوزيره وهو يقترب منه، ثم ينحني قليلًا ويقول بعد أن اعتدل بسرعة:
- عذرًا يا سيدي، ولكن هناك خبر عاجل.
أنتبهت حواس الملك بعد ان سمع ذلك، حتى قال دون أن يلتفت إليه:
- لقد تحركت الملكة بجيشها وحيوانيها وثورها الحديدي.
فتح الوزير فكيه مندهشًا وهتف:
- كيف عرفت يا مولاي؟
- إنه مجرد تخمين يا وزيري، ولكن مالا أستطيع تخمينه. هو أين مستقر الكتاب، وإلى أين تتجه الملكة بجيشها؟
أجابه الوزير بسرعة:
- إنها تتجه إلى مصر.
التفت الملك بسرعة إليه وقال وهو يسأل:
- ولكن أين يستقر الكتاب في مصر؟ فهي بلد كبيرة و واسعة جدا.
قبض الوزير على عصاته واقترب قليلا ً من الملك وقال:
لقد أخبرنا جاسوسنا أن الكتاب يستقر في الصحراء الشرقية، وبالتحديد في جبل يدعى (جبل الأموات) وهناك يستقر الكتاب في صمت.
ما ان أنتهى الوزير من حديثه حتى ألقي الصمت بردائه عليهما، ووقف ينتظر في ترقب، وأخذ الملك ينظر بشرود إلى لا شيء، وأخذ الوزير يراقبه بعيناه هو الآخر وكأنه ينتظر أن يتكلم، حتى نطق الملك وقال:
- أخبر الفرسان أنه لدينا اجتماع فوري الآن على المائدة المستديرة، فالأمر مهم جدًا.
لملم الوزير نفسه وأخذ عصاته وفر من أمام الملك بسرعة واختفى عن ناظره، ثم نظر الملك مرة ثانية إلى البحيرة والشلال، وأخذ يفكر ويسأل نفسه:
- كيف أسبق ملكة الظلام إلى الكتاب لأدمره؟
- نعم كيف؟

* * *


أحتضن (خمرى) الشيخ (عبد الله ) بقوة وكأنه يخفف عنه ما حدث، وسأله
وهو يكاد يبكى لبكاء الشيخ:
- كيف حدث هذا يا عماه؟
هز الشيخ رأسه بقوة وهو يبكي والدموع تتساقط حارة من عينيه العمياء:
- لا أعرف يا بني ! لابد أنه هذا الكابوس الملعون هو السبب.
أندهش (خمرى)!! و هتف:
- أي كابوس؟
لملم الشيخ تلابيب نفسه وأخذ نفسًا عميقا، لعله يستطيع أن يتقبل الأمر وقال:
- نعم لقد رأيت كابوسًا غريبا ً، فيه ركب كبير وبه أشباح جنود وحيوانات ضخمة، و-----
صمت الشيخ عن الكلام، وأمسك بكتف (خمري) من أعلى وقال في أهمية وهو يرفع هامته إلى أعلى، وكأنه سيخبره عن أمر في غاية الأهمية:
- لقد خرجت الملكة للبحث عن الكتاب!
بهت (خمري) واتسعت عيناه عن اخرهما، وسأل بسرعة:
- وكيف علمت؟
- لقد رأيتهم وأنا اخمن أن الملكة على علم بأمرنا، فهي تستخدم السحر الأسود ببراعة، وربما تكون هي السبب في فقداني للبصر.
صمت الشيخ ليبتلع ريقه، وقال والنسمات تداعب وجهه:
- إنها الكابوس؟ 
- نعم يا بني.. إنها الكابوس فقد رأيتها وعرفتها.
لم يتكلم (خمري)، بل دب الرعب في قلبه واهتز كيانه من الخوف، واطبق الصمت على الاثنان وكأنهما قطعه منحوتة لا حياة فيها، إلا أن الكلب أخذ ينبح وينبح بلا توقف
بلا توقف..
وأخذ صوته يتردد
ويتردد.

يتبع ...


تاريخ النشر : 2016-10-19

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : توتو
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر