الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الكتاب الملعون الحلقة 6 (المتاعب الرهيبة)

بقلم : بائع النرجس - جمهورية مصر العربية

عندما يتحطم الدرع ويسقط السيف .. فهذا ليس معناه أنك خسرت

أخذت الملكة تنظر إلى صفحة هذه البركة التي عكست ضوء القمر وصورة النجوم في صمت ، وفى هدوء النمور اقترب منها شخص مدجج بالسلاح ، وما إن اقترب حتى وقف خلفها تماماً وقبل أن يفعل أي حركة ، قالت له الملكة وهى ما زالت على جلستها:
ماالذى جاء بك فى هذه الساعة ؟ 
تعلثم وقال محاولاً السيطرة على تلابيب نفسه و هو يجلس إلى جوارها لينظر إليها ويقول:
- سيدتى إنني أر-----
قاطعته و هى ترفع كفها أمام فمه قائلة فى برود عجيب خالي من أى انفعال:
- أنا أعرف ما تخفيه.. فلا داعي لكثرة الحديث يا (يزبك) ووفر مجهود الحديث عليك.
اقترب منها أكثر حتى أن أنفاسه الحارة أخذت تصطدم بوجهها ، وهمس وكأنه ثعبان خرج من الجحيم:
- أتعرفين أنني ---
صمت ليبتلع ريقه فى صعوبة بالغة ، واستجمع شجعاته وتابع:
- إني أحبك؟!

لم تتكلم الملكة وطال صمتها ، وظن صاحبنا أن دهوراً مرت عليه فى لحظات الصمت هذه فقال مرة أخرى :

- أنا على يقين أنك تعرفين أنني المخلص الوحيد هنا الذى لا يريد شيء غير حبك ، وأريد أن أقف بجوارك وأساندك حتى نهاية عمري.

صمتت الملكة مرة أخرى ولم تعلق على كلامه بل سألت نفسها:
- كم مرّ على من السنين لم يلمسني رجل فيها ؟؟
صارح يزبك الملكة أنه يحبها .. وشاركها العشق والغرام

فى تردد أمسك كف الملكة وقبلها فى رفق، فوجدت نفسها تذوب معه ، وفي هذه اللحظة نسيت أنها ملكة ، وأن هذا أحد أتباعها ، وتراخت كل عضلات جسدها، وهجم عليها الآخر وكأنه أسد جائع يلتهم فريسته..
نعم فريسته.
فقد كان الاثنان بعيدان عن العيون ، ولم يكن هناك غير القمر شاهد عليهما
نعم القمر فقط.

* * *

وقف هذا الفارس الأبيض يراقب مدخل الكهف الذي أغلقته الصخور فجأة، وهنا انحدر بجواده بسرعة وأخذ يستعجله في السير حتى وصل إليه ، وهبط من على ظهر جوداه وأخذ يزيح الأحجار وكأنه يريد أن يفتح مدخل الكهف مرة ثانية ، ولكن بعد فترة خارت قواه وتلاحقت أنفاسه وتساقط العرق الغزير منه ، وهنا جلس على الصخور وصدره يعلو ويهبط من شدة المجهود الذى بذله ،ومرّت ثواني وكانت عيناه تدور فى محجريهما ، ثم وقف كالمجنون وأخذ يحاول مرة ثانية إزاحة الأحجار ولكنه فشل..
فأعاد الكرّة مرة ثانية وكان الفشل حليفه أيضاً.


وأخذ يحاول بدون ملل ، ولكنه فى كل مرة يفشل ، فالصخور كبيرة جداً و كثيرة، وفي النهاية وبعد محاولات عديدة سقط على ظهره من فرط التعب و المجهود ، وكأنه استسلم لهذه النهاية ، وهنا انحدرت الدموع من عينيه ، ولم يدرك أن من يبحث عنهما مازلوا علي قيد الحياة داخل الكهف ، ولم يتخيل يوماً ما أنه سيلقاهم مرة ثانية فى هذه الحياة ، وأخذ يبكي ويبكي وقد اعتدل ودفن رأسه وسط كفية بجوار حصانه الذى أخذ يراقبه فى صمت والنسمات تطير خصلات شعره الغزير الذى انسدل على رقبته.

* * *
أخذ الملك يقاتل هذه الذئاب بشجاعة لا نظير لها ، ومع استمرار المعركة أخذت قوى الجميع تضعف شيئاً فشيئاً ، فالذئاب لا تتوقف عن الهجوم بل من يقتل منها يأتي بدلاً منه عشرة ، وهكذا ظن الجميع أن النصر سيكون من نصيب الذئاب لا محالة ، فقد أخذت أعدادهم تتكاثر حتى أن بعضهم قد استطاع الوصول إلى ساق (ظفير) من الخلف ، وانغرزت الأنياب الحادة فى اللحم وسالت الدماء الحارة.

 وضربه (ظفير) ضربة قوية حملته من مكانه وألقت به بعيداً وقد سقط جثة هامدة ، وعندما رَأَتْ الذئاب الدماء هجموا عليه وأصابوه فى فخذه وصدره وكاد يسقط بينهم ، إلا أنه أخذ يطوح سلاحه يميناً ويساراً بدون توقف ، وأخذت أنفاسه تتلاحق بسرعة ، ورأسه كان يدور من كثرة ما فقده من دماء.

 ولاحظ (سوماز) من مكانه ما يحدث لصديقة ، فهرول إليه بسرعة وأخذ يدافع عنه ببسالة وبمنتهى القوة والعنف ، أخذ يقتل و يقتل كل ذئب يقترب منهما ، وكأنه آلة مصنوعة للقتل فقط ، وأثناء وطيس هذه المعركة الحامية ، هجم عليه ذئب وغرس مخالبه فى ظهره وصرخ (سوماز) بشدة من الألم الذي شعر به في هذه اللحظة الرهيبة ، وهنا فتح الذئب فمه ذي الأنياب الحادة، والزبد يتساقط من شدقيه ، ثم انقض على كتف (سوماز) بوحشية وخرجت الدماء منه منفجرة كبركان ثائر.

 وحاول أن يسقطه من على كتفه و لكن الألم كان شديداً جداً ، وأنشغل بأمره ونسى أمر صديقه ، وهنا تكاثرت الذئاب الوحشية عليه وعلى صديقه ، ولاحظ الملك ماحدث فحاول أن يساعدهما ويتجه إليهما ، ولكن كثرتهم منعته من الوصول إليهم ، فانشغل بأمر الدفاع عن نفسه ، فقد وثب أحدهم على صدره وغرس أحد مخالبه فيه ، ولم يكفه ذلك بل حاول أيضاً قضم كتفه ونجح، وتساقطت دماء الملك على الأرض ، وتكاثرت الذئاب من كل صوب ومن كل جانب ، وكأنهم أمواج لا تنتهي أبداً.
أخذ الملك يقاتل الذئاب بشجاعة وكاد أن يفقد حياته..


 وأخذ الملك يحاول الدفاع عن نفسه ولكنه سقط فى النهاية ، فقد خارت قواه وخذله جسده من فرط المجهود الذى بذله فى الدفاع نفسه ، ونظر للنجوم التي لمعت فى السماء ، وتزاحمت عليه الذئاب ، فغابت النجوم وظهرت الأنياب الحادة ، وهنا عرف الملك أن الموت قادم بين هذه الأنياب ، فحاول أن ينهض ولكنه لم يعد يشعر بجسده ، فقد تراخى تماماً ، فحاول أن يقاوم وينهض، ولكنه فشل فى محاولته ، ومرت اللحظات صعبة ومخيفة، ولكن حدث شيء غريب!!

 لقد هدأ كل شىء فجأة!! وكأن هناك أحدهم أمرهم بالتوقف فتوقفوا؟! وسمع الملك عواء ذئب يأتي من حوله، وما هي إلا ثواني حتى اختفت جميع الذئاب من حيث أتت ، وكأنهم لم يكونوا هناك منذ لحظات قليلة ، اندهش الملك لما حدث؟! حتى أنه لم يصدق ذلك ونهض فى صعوبة بالغة، و رأى صاحبه(سوماز) يحاول هو الآخر النهوض ، فتوجه إليه في خطوات ملأها الإجهاد والتعب، وقد انتشرت فى جسده الجروح ، وأخذت الدماء تتساقط منها بدون توقف ، وما أن وقف أمام صاحبه حتى قال له:
- هل أنت بخير يا صاحبي ؟
أجابه و هو يتحسس بعض جراح ذراعه :
- أظن ذلك ، المهم سأعيش.
وهنا سأل الملك:
- أين صاحبنا الثالث ؟
- أكيد هنا أو هناك.

وهنا سمع الاثنان صوت واهن ، فعرفوا أنه من صاحبهم المفقود، فأخذا يبحثان عنه حتى وجداه ، وقد انتشرت به الجروح البالغة، فانحنى له الملك بسرعة ، وأخذ ينظر إلى وجه صاحبه الذى اختفت ملامحه تماماً تحت هذه الدماء الحمراء القانية، وقال بعد أن تفحص جسده بسرعة:

- لا تخف أيها الشجاع فجروحك ليست بالغة لاتقلق ، ولكنك مجهد ومتعب من فرط ما بذلته من مجهود وأنت تدافع عن نفسك يا بطل.


صمت الملك ونظر إلى (سوماز) وقال له:

-يجب أن نبقى هنا يوم أويومان حتى تلتئم هذه الجروح ، وحتى يستطيع صديقنا التحرك بحرية معنا.

هتف (ظفير) وهو في شدة الألم
- لا لا لا.. فليس هناك وقت ، اذهبوا أنتم.
قال الملك:
- لا تتحدث الآن.. لن نتخلى عنك مهما كانت النتائج.

حاول (ظفير) أن يقول شيئاً ما ، لكن الملك وضع إصبعه على فمه إشارة بالصمت ، وهنا قال (سوماز:)

- العجيب أن الذئاب كما أتت ذهبت !!!

قال الملك:
- لا نعلم ولكن فيما يبدو أنهم ليسوا عاديين ، إنهم مسحورين بسحر ما ، ولا نعرف من الذي قطع حبل التواصل بين الذئاب وصاحب السحر، أكيد هناك أمراً غريباً يحدث من حولنا.

 أكمل (سوماز:)
- وهذا الأمر يدعو إلى القلق.
قاطعة (ظفير) بكلمات ضعيفة:
 - وهل الذئاب ستعود ثانية ؟

 أجابه (سوماز:)
- - لا تفكر فى الأمر يا صديقي ، وتأكد أن النهاية لم تحن بعد ، ومازال هناك وقت لنرى  فيه حياة جديدة ويوم جديد إن شاء الله، ولو مجرد ساعات قليلة نشم فيه هواء عليل ، المهم الآن أن تسترد صحتك.

- وساد الصمت علي الجميع حتى نظروا لبعضهم فى شرود وسألوا أنفسهم:
- ترى.. من أرسل هذه الذئاب؟ وماالذي ينتظرنا بعد؟
وكان الجواب مخيفاً لأقصى حد -- ومرعب.

 * * *

- انطلق هذا الثعلب يجري بسرعة ، وكأنه خائف من شيء ما في قلب هذا الكهف الأنبوبي ، وقد ظهر فى نهايته ضوء خافت ، وفجأة ظهرت يد وكأنها جاءت من باطن الأرض ، وأمسكت بهذا الجزء من الأرضية ، وظهر رأس (خمري) وأخذ يحاول أن يرفع جسده فى صعوبة ، حتي صعد إلى أرضية هذا الكهف المعلق ، ثم انحنى بسرعة وجذب عمه إليه ، وسقط بعدها على ظهره وأخذ يتنفس بصعوبة من فرط الجهد المبذول ، وقال بكلمات متقطعة:

-  وصلنا أخيراً..ظننت أنني سأقبع طيلة حياتي مع هذا الحائط.
وفى هذه الأثناء كان (خمرى) يمسك كلبه وقال:
- مادام الله معنا لا تخف يا سيدي من أى شيء.

نبح الكلب وهو متوجه ناحية مدخل الكهف، وكان الكهف ضيق لدرجة أنه لا يسمح بوقوف أى شخص فيه ، فزحف (خمري) على بطنه وقال لعمه:
- هيا يا سيدي دعنا نخرج من هذا المكان فأنا أكاد أشعر بالاختناق منه.
أجابه الشيخ:
- هل ترى أي مخرج أمامك يا بني ؟
- نعم أراه.. سنزحف إلى الخارج فالكهف ضيق كثيراً.

صمت (خمري) ونظر إلى المخرج وقال:
- اتبعني يا سيدي..أمسك بي وازحف خلفي.

وبالفعل كان الشيخ يزحف خلفه ، وفي المقدمة كان يوجد الكلب الذي عندما شاهده الثعلب فر هارباً من المكان ، ومرت دقائق وفجأة توقف (خمري) عن الزحف ، وهنا قال الشيخ في قلق:

- لماذا توقفت يا بني ؟
- في الحقيقة لا شيء ولكن خطرت على بالي فكرة مزعجة.
- ما هي؟
- ماذا لو وصل المدعو(جعفر ) إلى الكتاب قبلنا؟؟كيف سيكون الوضع؟
- لا تفكر في شيء يا بني لم يحدث بعد لكي لا يتعبك التفكير ، دعنا نعمل ما علينا ونبذل جهدنا للوصول قبله ، هيا هيا بسرعة.. وضع في رأسك شيء واحد ، هو أن نسرع بكل طاقتنا للوصول قبله إلى الكتاب.

نظر (خمري) بشرود وقال:
- عندك حق يا عماه.

- إذن أسرع ولا تضيع الوقت، فالرحلة أمامنا طويلة.

بسرعة أخذ(خمري) يزحف للخروج ، ووصل إلى المخرج وطل برأسه للخارج ، وعندما  فعل ذلك ، التقطه شيء ما بقوة خاطفة!! حتى أنه لم يستطيع أن يقول أي شيء أو يحذر عمه الذى أخذ يزحف وهو ينادي:

- (خمري) أين أنت يا بني ؟
- و لم يتلقى أي جواب على سؤاله..

- بنى أين أنت فالقلق أخذ ينهش قلبي ، ولكنه لم يسمع أي شىء غير نباح الكلب المستمر.
 وهنا صاح الشيخ:
- ماذا يحدث هنا ؟
- وكان الصمت رهيب ، فقد صمت الكلب  صمتاً يشبه صمت القبور ، وأخذ قلب الشيخ
 ينبض بعنف وبدون توقف ، حتى أنه كاد أن يقف من الفزع.

* * *
ركب الفارس الملثم ذي الملابس البيضاء جواده ،  وانطلق على غير هدى وأخذ يجري بسرعة بدون توقف ، حتى سمع عواء ذئب ، و رأى قطيع من الذئاب يمشي أمامه ويسبقه بدون أن ينظر إليه ، فتعجب للأمر!!  وبدافع الفضول انطلق خلفهم ، ووقف فوق أحد التلال ، وتحت شجرة (الجميز) العالية وقف الفارس ينظر إلى هذه المعركة الرهيبة بين الذئاب وبين الثلاث رجال ، فتعجب لبسالتهم وشجاعتهم!! وفجأة توقفت الذئاب ، وذهبت من حيث أتت ، ورأى أن الثالث منهم مثخن بالجراح ، ولا يقوى على الوقوف ، وهنا قرر أن يقترب منهم لعله يتعرف على هويتهم ، وأخذ يتسلل فى خفة النمور،  وقد أخذ يقترب ويقترب في صمت و --- خفة .

 * * *
أخذ الملك يداوي جروح صاحبه في براعة ، وفجأة انتبه لحركة ما تأتي من خلف هذه الشجيرات، فتوقف عما كان يفعله، وقال موجهاً حديثه إلى (سوماز:)
- يبدو يا صديقي أننا لسنا وحدنا بالمكان ، وهناك أحد يتلصص علينا.

فزع (ظفير) وهتف وقد اتسعت عيناه:
-هل عادت الذئاب ؟
- لاتقلق هذه ليست حركات ذئاب ، إنه بشري.
-هتف (سوماز:)
- ؟وماذا يريد هذا المتسلل

- لا أعرف .. وهذا ما نريد أن نعرفه ، يجب أن نكمل ما كنا نفعله لكي لا يكتشف أننا عرفنا بوجوده ونمسك به.

صمت الثلاثة ..  وأخذ الملك يتابع  بطرف عينيه تحرك هذا الشبح من شجرة لشجرة ، وقد أخذ يقترب منهم أكثر وأكثر ، لدرجة أن الملك يستطيع القبض عليه بسهولة لقربه منهم ، وهنا قفز الملك وركب جواده فى خطفة عين ، وانطلق كالسهم ليقبض على ذلك الشبح الذى أطلق ساقيه للريح ، ولكن الجواد كان اسرع منه ، فقد اقترب منه بسرعة ، وهنا قفز الملك من على جواده ليمسك به ، وتشابك الاثنان وسقطا أرضاً.


 وأفلت الآخير بعيداً عن الملك الذي تدحرج بعيداً ، ثم هبَّ واقفاً بسرعة ، وهنا تبين شكل الشبح إنه الفارس الأبيض ، وبسرعة انتصب واقفاً ، وأخرج من وراء ظهره سيفان حدان وطوحهما فى الهواء ، كعلامة تحذير غير مباشرة للملك الذي جذب سيفه هو الآخر من وراء ظهره ، ودار الاثنان حول بعضهما ، ثم هجم الاثنان وتقارعت السيوف ، وأخذ يتردد صليلها فى الأجواء ، وقد أخذ الاثنان يتقاتلان في مهارة ، نظر الملك إلى عيني الفارس عندما اقترب منه ، فوجد شبح الابتسامة على عينيه ، فقال وهو يصد أحد ضرباته:
- ستبتسم أكثر عندما أنزع أحشائك أيها الماكر الخبيث.


لم يتكلم الفارس الأبيض بل واصل ضرباته المتتالية بدون توقف ، وهجم الملك في شراسة وزادت ضرباته القوية ، والآخر كان يصد ببراعة لا مثيل لها ، وهنا قال الملك مرة أخرى:
- لا أعلم أين تعلمت الدفاع والقتال بهذه البراعة ؟! ولكني على يقين تام  أن من علمك هذا فارس مقدام لا يهاب الموت ولا يدرك معنى الخوف.
خاض الملك معركة شرسة مع هذا الفارس العنيد .. واشتعل صليل السيوف البراقة


لم يتكلم الفارس الأبيض وقام بصد ضربة قوية من الملك على أحد سيفيه وهو على ظهره ، ثم دار بمهارة وسرعة خاطفة خلف الملك ، وأمسك سيفه الآخير وكان أن يضعه  في ظهر الملك ، ولكن الملك كان ماهر في الدفاع والهجوم ، فقفز قفزة بهلوانية استقر بها خلف الفارس ، فاستدار الآخير بسرعة وقرر أن يضرب ساق الملك ، فارتفع الملك من على الأرض ، وقبل أن يرجع إلى الأرض بسرعة تعثر فى أحد الصخور ووقع ، وانتهز الفارس هذه الفرصة ، وحاول أن يسدد ضربة قوية ، ولكن الملك صدها بسرعة وبسرعة عاود الوقوف مرة ثانية ، وأخذت السيوف يصدر الشرر منها فى كل مكان ، وأخذت حركات الدفاع والهجوم بين الاثنين تأخذ طابع السرعة ، وفجأة قفز الملك على الفارس ووقعا على الأرض ، واستقر الملك فوق صدر الفارس وتواجهت العيون ، ووجد الملك أن هناك شىء غريب فى عيون هذا الفارس الملثم ، لدرجة أنه نسي نفسه ، وهنا أزاحه الفارس عن صدره ، وقررأن يفعل  شىء بعد أن فقد سيفيه. 

لقد قرر الهرب ، ولكن الملك أمسكه من قدمه وقال:
- هل ستذهب قبل أن أعرف سر هذه العيون ؟
حاول الفارس فى عناد أن يفلت ، ولكنه لم يستطيع ، وفى هذه اللحظة ظهر (سوماز) وقال بصوته الأجش:
- ما الذي يحدث هنا ؟
وهنا توقف الفارس من تملصه  ونظر إليه ، وانتهز الملك هذه الفرصة وبسرعة جذب لثام الفارس ومعه غطاء رأسه ، وكانت هناك مفاجأة ؟! وهتف و قد اتسعت عينيه :
- رباه !!
- فتاة؟!!
و كانت مفاجأة للملك و (سوماز!!)

* * *

اقترب أحد اتباع ملكة الظلام ، وبسرعة دخل إلى خيمتها وهتف:
- مولاتي هناك شاب ما ومعه كلب خرج من الكهف الذى نعسكر حوله ، و
ولم يكمل حديثه ، بل وقف مندهشاً ينظر إلى قائده (يزبك) وهو يرقد على بطنه وقد تعرى منه جزء كبير!! وقد ارتسمت عليه علامات الفزع وهو ينظر إلى الحارس ، ومرت ثواني ثم نظر إلى أسفل منه وكأن شىء ما هناك ، واتسعت عيناه غير مصدق فتعلثم بالكلمات قائلاً:
- أين ذهبت لق---
لم يكمل حديثه ، وظهرت الملكة من أحد الأركان و هي بكامل زينتها ، حتى وجهها الخزفي فى مكانه وقالت:
- اقبض على كل من يخرج من الكهف ، فهناك شيء ما يجمع بيننا.

- انحنى الحارس وغادر الخيمة بسرعة ، لملم (يزبك) ملابسه و قام واقفاً ، وقرر أن يسألها عن شىء ما في رأسه..

و لكنها قالت له و هي تعطيه ظهرها:

- لا تسأل كيف حدث هذا؟؟ فأنت أقل بكثير حتى تعرف كيفية حدوث ذلك.
ظهرت الملكة وهي بكامل زينتها ..وبدت ليزبك وكأنها جبل شامخ لا يستطيع الوصول له يوماً


-بهت (يزبك) وأحس أن الملكة بالنسبة له جبل شامخ ، يكاد يصل إلى عنان السماء و هو فى حجم النملة الصغير .. وهنا تابعت:

- انصرف الآن ..  وكن على ثقة أنه لو عرف أحدهم بما حدث هنا ، فسيقطع لسانك حتى قبل أن تفتح فمك .

-صمتت وصمت معها كل شيء ، حتى أن (يزبك) وقف يحملق فى ظهرها و كأنه تمثال ، و طالت نظراته ، ثم أحنى رأسه  وقد أحس أن حجمه صغير جداً و ضئيل مقارنة بها ، و خطى بضع خطوات ليخرج من الخيمة ، و قبل أن يصل إلى بابها أوقفته الملكة و هي تقول بدلال الثعابين وخبث الشياطين :
- .. أوه نسيت أن أخبرك بشيئاً
- توقف في مكانه و كأنه قد تسمر ،  ثم رفع رأسه فى بطء ونظر إليها.
وبدون أن تلتفت إليه أو تنظر له قالت:
- لقد كنت اليوم أكثر من رائع .

- وما أن قالت هذه الكلمات حتى نظرت له وتقابلت العيون ، ونظر إليها بشيء من الرهبة والخوف وشعر أن هناك ابتسامة ما تختفي وراء هذا القناع الخزفي ، ثم تركها وغادر المكان والخوف منها قد ملأ قلبه ، بعدما كان ينبض حباً لها.

 * * *

زحف الشيخ (عبد الله) حتى أحس بالهواء يقبل جبينه ، و تحسس حوله ورفع رأسه إلى أعلى وسمع نباح الكلب يأتي من بعيد فهتف:
- بنى أين أنت ؟ أجبني
وهنا أمسك بكفه أحدهم وجذبه من هذا النفق  فتألم ، وعندما  سمع (خمري) صوت الشيخ يصرخ :
- أيها الجرذان دعوه وشأنه إنه شيخ هرم .

صاح الشيخ و هو يلتفت حوله برقبته وقال فى قلق :
- من هؤلاء يا (خمري) ؟
ضربه أحدهم فى جانبه بخشونة قائلاً:
- لا تسأل أيها العجوز .

حاول (خمري) أن يتملص منهم وقال وهو يصرخ بأعلى صوته:
- كيف تتجرأ وتفعل هذا في شيخ كبير بالسن لا يستطيع الدفاع عن نفسه؟؟ تعال وقاتل من في مثل قوتك أيها الخنزير.

ضحك الرجل الآخر فى سخرية وظهرت أسنانه الصفراء وقال:

- هذا لو أعطينا لك وقت لتقاتل أساساً ، ادعو الله أن ترى شمس الغد أيها البطل الشجاع.

ضحك جميع الرجال من حوله فى همجية وهم يجرون الشيخ جراً ، وصاحبنا يصرخ وهو يحاول أن يتملص منهم ويصرخ:
- دعوني أيها الوحوش.

والكلب خلفه يجرونه من رقبته وهو ينبح ويعض الحبل ، ولكن لم يبالي الرجال به أو بصاحبه أو بوهن شيخنا ، وبعد وقت قصير وقفوا جميعاً أمام الملكة التي جلست على عرشها بوجهها الخزفي وقالت:

- يالك من شاب وسيم الطلعة ، قوي الجسد ، أحب أن أعرف .. من أنت ؟ ومن أين أتيت؟ هذا ليس والدك وهذا ليس كلبك.

لم يرد عليها بل أطبق الصمت عليه ، ونظرت إليه وأخذت تنظر إلى عينيه ، ثم أشارت له بكفها وقالت:
- لا تحب أن تجاوب ، ولكن لا داعي لأن أسمع منك شيئاً لأني عرفت كل شىء عنك يا --
صمتت ثم قالت بخبث:
- يا (خمري)
اندهش (خمري) و عمه !! ونبح الكلب وكأنه يفهم ما يحدث حوله ، وهنا هز (خمري) رأسه بقوة وقال فى قرارة نفسه:
- لا بد أنه كابوس إنه بالتأكيد كذلك !! إني واهم واهم واهم---
أجابته الملكة ببساطة:
- بل أنت تعيش الواقع ، فلا داعي لتكذب نفسك.
وصمت الكلب ، وهنا رفع الشيخ رأسه إلى أعلى وقال وهو يمسك بعصاته:
- أرى عنقاء تعيش منذ آلاف السنين، والخراب خلفها دائماً وتسعى دائماً إلى الشر.

قاطعته الملكة وقالت بغضب هادر وقد فهمت ما يقصده الشيخ:

- خذوا هذا العجوز والشاب والكلب ، وضعوهم فى سجن العظام وضعوا عليه قفلي الخاص.

وصمتت وقالت وهي تستدير لتدخل خيمتها:
- فسوف يكملون الرحلة معنا ، فهدفنا واحد.
وكان الكل يعرف أن الهدف هو الكتاب..
نعم الكتاب الأسود.

* * *

- وقف الملك غير مصدق لما يراه !!! فتاة في غاية الجمال، التي لم تكن غير (ليلى ) شقيقة (خمري)و كانت تتوارى خلف هذا اللثام الأبيض ، وعندما نظر الملك إلى لون عينيها ذاب فى نجواها ، مثل قطعة السكر التى تذوب وسط فنجان من الشاى الساخن ، وغاص فى بحر الهوى ، وأخذ يهوى إلى الأعماق ، ويهوى وما أنقذه سوى صوت (سوماز) وهو يصرخ:
- لا تدع نعومة الأفعى تقتلك على حين غرة يا مولاي.
كانت المفاجأة صادمة !!عندما عرف الملك أن الفارس العنيد الذي كان يقاتله ماهو إلا فتاة جميلة .. وكانت ليلي شقيقة خمري


-انتبه الملك للموقف بسرعة!! ووجد أن (ليلى) أخرجت أحد الخناجر كان مثبت بساقيها ، فاطاح به الملك فى ضربة خاطفة ، وهنا استعد الاثنان وأخذا ينظران لبعضهما في تحدي ، وفجأة أخرجت (ليلى) سيفان  كانا مثبتان خلف ظهرها ، وضربتهما ببعضهما فصدر منهما الشرر، فابتسم الملك ووقف فى مكانه ثابتاً ، وهي تجري لتهجم عليه ، ولكن (سوماز) أمسك بسيفه الثقيل وصد ضربة (ليلى) فى قوة ، ولكنها كانت مثل لاعبي السيرك فاستغلت طريقته فى الصد وقفزت فى الهواء ، وارتكزت على ذراعيها ودفعت جسدها في الهواء لتلف دورة كاملة بعدما كعورت جسدها ، وهبطت خلفه موجهة ضربتها التالية إلى ساقيه ، ولكنه قفز إلى أعلى بغاية السرعة وهجم بسيفه على عنقها ، ولكنها تفادت ضربته ، وحنت ظهرها إلى الخلف بمنتهى المرونة ، وقفزت للخلف وهبت واقفة وصرخت وهى تهجم عليه ، وسددت له ضربة خاطفة جرح فيها كتفه ، فسال خيط رفيع من الدماء الساخنة فنظر إلى جرحه وقال وهو يجز على أنيابه فى غيظ وغضب، وقال وهو يمسك مقبض سيفه فى قوة يكاد يعتصره في يده:

- أنتي لستي فتاة بسيطة ، بل أنتي شيطانة محترفة ، وسأريكي الأن كيف تقاتلي الفرسان ؟
-ابتسمت فى سخرية ، و اغتاظ صاحبنا أكثر ثم صرخ وهو يهجم عليها ، وأصبح أكثر شراسة وأكثر انفعالاً ، وأصبح يسدد لها الضربات بمنتهى السرعة والعنف ، ولكنها كانت بارعة فى الصد والرد ، وكأنها لا تتعب ، وفجأة أخذت تضربه هى بسيفيها بمنتهى السرعة والقوة ،وجعلته يتراجع إلى الخلف ولم يلاحظ هذه الصخرة التي قبعت خلفه ، وأثناء تراجعه تعثر فيها واختل توازنه ، وسقط على ظهره وانتهزت (ليلى) الفرصة وأطبقت سيفيها على عنقه ، فهتف الملك:
- لا أرجوك ، لا أريد أن أفقده.

توقفت (ليلى) ونظرت إليه في تردد قليلاً ، وشعر الملك بموقفها فقال لها:

 لعله يضع حل لهذا الموقف ، فقد طار بغرامها... اتركيه يعيش ، وارحلي في سلام وصدقيني .. لن نسبب لك أي متاعب.

أجابته وأنفاسها تتلاحق من فرط المجهود الذي بذلته فى هذا القتال:
- وما أدراني أنكم لن تتسببوا لي فى متاعب آخرى ؟
- أعدك بشرفي.

-مرت ثواني و(سوماز) ينظر إلى عيون (ليلى) وهى تنظر إليه ، ثم أخرجت نفس حار وقالت:

- لك فرصة أخرى لترى صباح الغد.

-هنا تنفس (سوماز) الصعداء بعدما أبعدت السيوف عن عنقه ، وابتعدت عنه لتصافح الملك الذى قال لها:
- أنا (حكيم) جئت من بلاد بعيدة.
-نظرت إلى عينيه وأحست بعدم الصدق ، ولكن العجيب أن هناك شىء ما بداخلها يدعوها للاطمئنان له ، فقالت له بكل بساطة وعذوبة:
- وأنا (ليلى) من هنا.

-طال سلام الملك لها وأحست بحرارة يده ، فجذبت كفها فى رقة من بين أصابعه ، وقالت:
- أعتقد أن نبيل مثلك لا يخرج منه هذا السلوك لفتاة ضعيفة مثلي.
-بهت الملك وهتف:
- وكيف عرفت أني من النبلاء ؟
- ملابسك ياسيدي تدل علي ذلك ، فهي تبدو كملابس الملوك.  
لم يسمع الاثنان صوت (سوماز) وهو يقول بسخرية:
- فتاة ضعيفة ، قولي شيطانة من شياطين الجحيم.
صاحت (ليلى ) قائلة له وهى ترفع أحد حاجبيها وتنظر له بطرف عينيها:
- أتقول شيئاً يا هذا ؟
نظر إليها فى غيظ ورفع جانب من شفتيه ، وقال وهو يضغط على أسنانه:
- لا أبداً لا أقول شىء.
قال لها الملك وهو يجلس بجواره على أحد الجذوع:
- دعك منه ، ودعيني أتعرف عليك أكثر.

صمت ليبتلع ريقه ونظر إلى جبهتها الوضأة وقال:
- ماذا تفعل فتاة رقيقة مثلك في هذه البرية ؟

أحست بالراحة بجواره ، وأحست بالآمان لطلاوة حديثة ورزانته ، وشكله المليح ، فقررت أن تقص عليه قصتها وهو أخذ ينصت باهتمام ، وبين الحين والآخر يرفع حاجباه من هول ما سمعه ، وفوجئ الملك بالأمر وقرر ألا يصرح لها بموقفه من الكتاب ، لعلها تبقى معه بدلاً من أن تتركه وترجع للمدينة ، فشد من أزرها وواساها فيما حدث لأخيها ، وقال لها:

- أنا أعمل بالتجارة وأقوم بالترحال إلى بلاد كثيرة ، )عجم وعرب والسند والهند( وأماكن غريبة وناس أغرب ، وشاهدت من الأهوال ما يشيب له أجنة داخل بطون أمهاتهم ، ورغم ذلك أحب السفر كثيراً ، واليوم هجم علينا قطيع من الذئاب وكان معي صديقاي ، وقد جرحت الذئاب ثالثنا والجراح غائرة للغاية.
- وماذا فعلتما له ؟
- لا شيء ؟
- أمن الممكن أن أراه ؟
- تعالي اريك إياه.

- قام الاثنان ليختفيا بسرعة ، وخلفهما (سوماز) الذي كان يهمهم بكلمات ويزمجر .ويضرب الأرض بقدميه فى غيظ ، حتى اختفى الجميع من المكان

* * *
فى هدوء أخذ قرص الشمس يزحف بخجل من وراء هذه الأشجار، وقد اختفت الطيور من السماء وانعدمت أصواتها ، ولم يكن هناك غير صوت بعض الغربان الذي أخذ يتردد بين الحين والآخر في رتابة كئيبة ، ومن بعيد .. ظهر جيش الظلام وهو يستعد للرحيل ، وقد تقدمه هذا الثور الحديدي بملكته ، التي أخذت تنظر من وراء قناعها للأفق ، وتكاد تلوح ابتسامة على وجهها ، وخلفها كانا النمران المسيفان ومن عليهما ، وفي الخلف كان القفص العظمي الذي يضم (خمري) والشيخ والكلب ، وقد أمسك خمري بقضبانه ، وأخذ يتابع الموقف في صمت ، وأخذ بوق الرحيل يزعق من بين الحين والآخر، والطبول تدق ، والرايات السوداء التي رسم عليها شكل قناع الملكة كرمز للملكة ، وسيفان متقاطعان ترفرف فى الهواء ، وأخذ الكل يتحرك في بطء ، وهنا سأل الشيخ:
- بنى إننا نتحرك أليس كذلك ؟
- نعم يا عماه..
نبح الكلب فى قوة وكأنه يعلن وجوده ، فربت صاحبه على رأسه وقال له:
- إهدأ يا صديقي .
هتف الشيخ:
- كيف يهدء وهو أسير يا بني !
- عندي يقين من الله أننا سننجو إن شاء الله من هذا الجيش المخيف ، وفي أقرب وقت.

رفع الشيخ رأسه إلى أعلى وكانه يشم الهواء وقال:
- إلى أين نحن نتجه اليوم ؟
- سمعت أقوال تتردد بينهم أننا مقبلين على وادى الهياكل.

هتف الشيخ وكان صاعقة ما اصابته:
-  وادى الهياكل!!!
التفت إليه (خمري) بسرعة عندما سمع لهجة عمه وقال له:
- نعم يا عماه ما الذي فزعك هكذا ؟
- أنت لا تعلم ماذا يوجد فى وادى الهياكل ؟
- ما الذى يوجد هناك ؟
- ليس هناك وقت للشرح ولكن دعنى اخبرهم اولا والا هلكنا جميعاً
ثم صاح الشيخ بصوت عالي
- توقفوا .. سنهلك جميعاً لو دخلنا وادي الهياكل في الصباح.

ونبح الكلب هو الآخر بصوت عالي وأخذ يردد نباحه ، والشيخ يصرخ وقد ضاع صوته بين أصوات الطبول التي تقرع بدون توقف ، وصرخ (خمري) هو أيضا ً، ولكن هيهات صوت الطبول أعلى منهم ، وأخذ الجيش يسير بدون توقف وكأنهم لا يسمعون شيئاً ، وعلى مرمى البصر ظهر وادى الهياكل ، بكل مافيه من هياكل عظمية مختلفة لكائنات ماتت منذ زمن بعيد ، ولم يبقى منها غير العظام البيضاء الناصعة ، ومن الوهلة يبدو أن هناك شيء ما مخيف بين جنبات هذا الوادي.
شيء يحمل فى طياته معنى الموت.


يتبع ....




تاريخ النشر : 2016-11-22
تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : توتو
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر