تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
مقالات من نفس القسم
أحدث مواضيع النقاش
تجارب الرعب والغرائب
تجارب من واقع الحياة
اختبارات عقلية

الكتاب الملعون (الحلقة 7) طريق الرعب

بقلم : بائع النرجس - جمهورية مصر العربية

طريق مرعب يخبيء الكثير من الخفايا

ألقت الشمس أشعتها الذهبية على (ليلى) وهى تداوي (ظفير) , الذي أخذت جراحه تنزف بشكل رهيب , وسألها الملك وهو ينظر إليها نظرات اعجاب:
- هل لك خبرة أيضاً في التداوي ؟
لم تتكلم .. بل نظرت إلى جراح (ظفير) , ثم توقفت ونظرت حولها بسرعة , واتجهت إلى بعض النباتات وقطفت بعض الأوراق منها ومضغتها جيداً , ثم أرجعتها فى كفها لتضعها على جراح (ظفير) , وقبل أن تلمسه أمسك ذراعها (سوماز) وقال فى حزم:

- ما الذي ستفعليه به و هو فى هذه الحالة بعدما فقد الوعي تماماً ؟
نظرت إلى ذراعها , ورفعت حاجبيها وقالت له وهي تنظر فى عينيه:
-  إنك تؤلم ذراعي يا هذا ..
ترك ذراعها بعد ثواني من الصمت , وأخذ ينظر في عينيها وقال:
- لاتفعلي أي شيء به قبل أن تخبرينا بما تنوين فعله بهذا المسكين .
 
- ألا تثق بي ؟
- كيف أثق بفتاة تقاتل الرجال و بمهارة الفرسان؟؟  ثم أنني لا أعرفك سوى من دقائق معدودة.

شعرت (ليلى) أنه أحرجها بكلماته هذه , فقالت في عصبية:
- أنت معك حق , على أي حال كنت أحب أن اساعد فقط لا أكثر .

وهمت لتلقي ما بكفها , إلا أن الملك أمسك كفها بسرعة وقال في محاولة منه لتلطيف الجو:

- (سوماز) لا يقصد الإهانة لك .

أشاحت بوجهها بدلال , وقالت وكأنها تتحاشى النظر إلى عيون الملك التي تنبض بالحب:
- ما الذي يقصده إذن ؟
هم (سوماز) ليقول شيء ما بغضب إلا أن الملك أوقفه بإشارة من يده , وقال:

- إن صديقي قال ما قاله من منطق خوفه على صاحبه , فالتمسي له العذر .

ثم  تمايل قليلاً و مد أنامله ليجذب وجهها فى رفق إليه حتى أصبحت عيناها أمام عينيه , وقال بعذوبة وهو يرسم بسمة رقيقة على وجهه:
- ثم إن العفو من شيم الكرام .

ابتسمت واحمر وجهها , وهي في قرارة نفسها تسأل؟؟ ما هذا الرابط العجيب الذي يربط بينها وبين (حكيم) , ويجعل قلبها يدق بعنف كلما نظرت في عينيه؟! واكتفت بالابتسام وولت هاربة لتضع الأوراق الممضوغة على جراح (سوماز)  التي أخذت تصعد منها الأدخنة , وغضب (سوماز) مما يشاهد , وهتف فى غضب هادر:
- ؟ما الذي تفعلينه!


نظرت إليه في صمت ..  ورأت الملك يهز رأسه إلى الأسفل , فأكملت ما كانت تفعله , وهنا قال الأول:
- أتتركها تقتل رجالك يامولاي , إنها-----

بسرعة وضع الملك كفه على فم (سوماز) ليسكته , ولاحظت (ليلى) ما حدث , فنظرت بسرعة إليهما فوجدت الملك يبتسم ويقول:
- أكملي ما تفعلينه , و دعك من هذا المتذمر.
استدارت لتتابع عملها , و هنا جذب الملك صاحبه بعيداً , وأزاح كفه عن فمه , فقال الآخر
- ما الذي تفعله يا مولاي ؟
- اصمت أيها الغبي ولا تقل لي مولاي مرة ثانية , فأنا من الآن تاجر وأنتم مساعداي , هل نسيت ؟
- ولم كل هذا ؟
- لأمر ما في نفسي ؛ لا أريد أن تعرف حقيقتي الآن .

وفجأة!! سمعا الاثنان صوتها يأتي من خلفهما:
- هل أنهيتما حديثكما السري ؟
هتف الملك:
- منذ متى و أنت هنا ؟
قالت له وهي تعطيه ظهرها وتمشى بعيداً:
- لا تخف من شىء ؛ فلم أسمع أي شىء منه.
تنهد الملك وقال:
- الحمد لله .

اندهش (سوماز) من أقوال الملك وأفعاله!! وتركه يلحق ب(ليلى) , ليقف بجوار (ظفير) ولحق بهما (سوماز) , وكانت هناك مفاجأة ألجمتهما وجعلتهما يقفان محدقان أمامهما!! حتى أن الملك اقترب ببطء وأخذ يتحسس جراح فارسه , في حين اتسعت عين (سوماز) وقال وهو مندهش:
- إذن أنت ساحرة!! كنت أعلم بذلك.

صرخت فيه وهي غاضبة:
- انتبه لكلامك يا هذا .. و لا تتمادى بأكثر من حقك في حق غيرك .

وقال الملك وهو في شدة الاندهاش:
- عجباً كيف فعلت هذا ؟! فليس هناك أي آثر للجروح على الإطلاق.
قالت (ليلى) ببساطة:
- لكل شىء تفسير ,  وليس هذا سوى علاج , وسر من أسرار القدماء , علمني إياه جدي فقد كان معجزة في الطب , وما هذا إلا أحد وصفاته , وهذا العلاج له أثرسحري ؛ فهو يجعل الجراح تختفي بسرعة , ويختصر الوقت , ويحفز الجلد على التكاثر ببساطة.

هتف (سوماز) وهو يشير إليها بالسبابة:
- بل إنه سحر و شعوذة .

صاحت هي قائلة وقد عقدت جبينها:
- هل تحب أن  تشاهد السحر؟
- هيا إذا اظهري على حقيقتك.

أحست في هذه اللحظة أنها أخطأت بقولها هذا , فتنحنحت وقررت الرجوع عن موقفها بسرعة , وقالت:
- إذا لم يكف فارسك -----
تلعثمت وقالت مرة ثانية:
- إذا لم يكف زميلك عن مضايقتي فسوف أذهب بعيداً.

هتف الملك وكأنه لم يسمع سوى الجمله الأخيرة
- لالالا.. أرجوك ابقي معنا .

استعجب (سوماز) وقال وهو يقطب جبينه:

- سيدى إنك -----
- اصمت وكف عن مضايقتها .

اقترب منها الملك وقال لها:
- أرجوا ألا تكترثي بحديثه .

لم تعلق .. ولكن تأوه (ظفير) فاتجهت أنظار الجميع إليه بسرعة ، وانحنوا عليه ، فقال (سوماز:)
- يبدو أنه يفيق..

قالت (ليلى) في ثقة:
- سيفيق .. ولكن لن يستعيد طاقته الكاملة إلا بعد فترة راحة.

سأل الملك:
- وما مدة هذه الفترة ؟

- لن تقل عن يوم على الأقل.

وهنا قال الملك فى قرارة نفسه:
- ولكن هذا سيجعلنا نتأخر كثيراً عن مواصلة رحلتنا .


ولم يعرف الملك أن هذا التأخير ربما يكون فى صالحه وصالح من معه!!  ولا أحد يعلم ما الذي سيحدث في المستقبل؟؟ فالغيب بيد الله ..
نعم بيد الله وحده .


* * *

وضع الثور الحديدي إحدى قوائمه على هذا الهيكل العظمي فسحقه سحقاً ، ومع كل خطوة كانت تتحطم ألآف الهياكل التي انتشرت في هذا الوادي بصورة كثيفة ، وكأنه مقبرة جماعية ، ولقد شق الوادي شق بين جبلين ، وزحف جيش الظلام إلى داخل الوادي في بطء  وفى حركة روتينية ، والكل كان ينظر إلى الهياكل العظمية المنتشرة بطول الوادي بدهشة وخوف رهيب يزحف  إلى  القلوب في كل خطوة!! وأخذت الغربان تنعق بصوت مزعجِِ ،  وقد ارتصت على جانبي الوادي ، وأخذ بعض الجنود يتابعون جموع الغربان وينظرون بقلق مبهم  إلى  نهاية الوادي ، ويتمنون لو كانت النهاية أقرب من ذلك ، وأثناء ذلك  أخذت الخيول التي تجر القفص العظمي تقفز إلى أعلى وكأن أصابها مس من الجنون ، وصاحبها يحاول السيطرة عليها  وجرها  إلى داخل الوادي وهي رافضة ، وأخذ يضربها بالسياط حتى انصاعت لأمره  وهي غاضبة ، صمت الجميع حتى الطبول صمتت ولم يكن هناك غير صوت الغربان وصوت تهشم الهياكل التي لا تنتهي ، وأثناء ذلك قال (خمري) وهو يمسك بقضبان القفص وينظر إلى الهياكل المهشمة:

- هذا الوادي ما هو إلا مقبرة كبيرة انتشرت فيها الهياكل من كل الأشكال والأجناس.
قال الشيخ وهو في حالة لا توصف من الفزع والخوف:
- أتمنى أن نخرج من هنا سالمين ، ومن بين هذا الوادي المخيف ، وإلا سوف تزيد هذه الهياكل مجموعة أخرى جاءت لتموت هنا في صمت .

- ماذا حدث لأصحاب هذه الهياكل من أجل أن يموتوا هنا داخل هذا الوادي ؟؟
- ماتوا يا بني بصورة رهيبة ومؤلمة.
- هل زرت هذا الوادي يا عماه  من قبل  ؟
- أبداً يا بني .. ولا أمتلك الجرأة  أن أدخله ، ولكن هناك من أخبرني به ، وحذرني منه .

- وما السر الذي يحتويه هذا الوادي؟
صمت الشيخ قليلاً .. وكأنه يريد أن يضيف المزيد من الخوف على حديثه ، وقال بصوت جهوري:
- إنه الموت في أبشع صورة .. .. إنه الموت فى صورة حياة .


وأطبق الصمت بينهما ، إلا شيء واحد لم يصمت بعد ، ألا وهو صوت تهشم الهياكل تحت عجلة القفص العظمي ، وهناك في الأعلى على النمران المسيفان قال (سيور) لزميله:
وادي الهياكل .. أتعس الأماكن التي يمكن أن تطأها قدم بشر!!

- ياله من وادي كئيب .

أضاف زميله (يزبك) قائلاً:
- صدقت يا عزيزي .. فالهياكل منتشرة على كل حجر وكل بقعة .

- يبدو أن هذا الوادى ما هو إلا مقبرة عظيمة .

- ماالذي تعنيه بقولك هذا؟
- لا شيء يا أخي العزيز ..  ولكن يبدو أن النهاية أقرب مما تصورت أنا.
-  نهاية من؟
- لا تهتم .. فأنا أحياناً أقول أي شيء في أي شىء ، لا تهتم بحديثي يا صاحبي .

أطبق (يزبك ) على شفتيه بعد هذا الحديث ، وبعد فترة من الصمت قال:
- ترى .. هل سنصل إلى نهاية هذا الوادي المخيف؟

وسمع (سيور) السؤال ، ولكنه لم يستطيع أن يضمن له الجواب ، واختار الصمت ، وأخذ ينظر إلى النهاية البعيدة للوادي ، ومن خلفه أخذ الجيش يسير فى رتابة وفي حركة واحدة منتظمة ، حتى أصبح الجيش كله وكأنهم بنيان مرصوص ، أحد الجنود انفك رباط حذائه فتخلف عنهم ليربطه ، وأثناء ذلك اقتربت منه (سحلية) صغيرة ذات لون أخضر لامع ، وأخذت تطلق صوت يشبه الصفير، ربط الجندي حذائه وقام واقفاً ليلحق بالجيش ، ولكن (السحلية) أخذت تصدر صوت رفيع مزعج ، فنظر الجندي إليها وابتسم وأكمل طريقه ، ولكنها تبعته ، فنظر للخلف مرة ثانية فوجدهم أكثر من واحدة ، وأخذوا يصدرون أصواتاً مزعجة ، وهي بجواره فقال لها:
- ارجعي إلى قطيعك ، فهم يصرخون عليكي .
وأكمل طريقه ، ولكنها لم تتوقف عن القفز بجواره وملاحقته ، وتوقف الجندي فوقفت هي الآخرى ، وهنا قال لها:
- هل تريدين أن تأتي معي؟


توقفت السحلية عن القفز ، وأصدرت صوتاً ، فظن الجندي أن هذا معناه الإيجاب ، فانحنى على ركبتيه لينظر إلى عينيها الحمراء ، و قد كان هذا خطأ كبير..
نعم خطأ سيكلفه حياته .

 أخذ يربت على رأسها وكأنها حيوان أليف ، ولم يلاحظها وهي تكشر عن أنيابها الحادة ،وتراجعت للخلف وقفزت لتقضم أنفه!!  فجلس يصرخ من شدة الألم ، وتقافزت عليه باقي السحالي ، وما هي إلا ثواني حتى أصبح هيكل بلا لحم أو شحم ، ومن كل ثقب وجحر خرج المزيد منها!! والمزيد!! هاجمين على جيش الظلام من كل صوب ومن كل جانب ، وعلا الصراخ إلى عنان السماء ، وسالت الدماءالساخنة بدون توقف
وظهرت هياكل جديدة تضاف إلى مجموع هياكل الوادي المخيف ..
أو وادي الهياكل .


* * *


جلست (ليلى) بجوار (ظفير) لتتابعه عن قرب ، أما (سوماز) فقد أخذ الملك بعيداً وكأنه يريد أن يقول له موضوعاً مهماً يدعو للبعد عن (ليلى) ، وعندما نقترب قليلاً منهما نسمعه يقول له وهو يرفع حاجبيه لأعلى:
- ؟سيدي أتثق بهذه الفتاة

ابتسم الملك وتابع:
- ولم هذا السؤال ؟
لم يجاوب على الملك ، ولكنه قال وكأنه لم يسمعه:
- أتعلم أن أي كارثة في الكون تكون خلفها المرأة.

- عزيزي(سوماز) لا داعي لهذا التشاؤم .

- ولكن يا سيدى إنها----

- لا داعى لأن نخوض في هذا الحديث أكثر من ذلك ..
صمت الملك لبرهه ثم أضاف:
- أحب أن اصحح أفكارك ، المرأة نصف الكون ، ووراء كل عظيم إمرآة أعظم منه ، ولولا وجود الانثى لما ولدت هذه الحياة العظيمة ، ولما كنت أنت موجود بهذه الحياة .

ثم تركه الملك وعاد ليقف بجوار (ظفير) تاركاً صاحبه يسأل نفسه:
- ما الذي جعل الملك يثق في هذه الفتاة بهذه السرعة ؟
لم يعلم أن هناك شىء ثالث قد وجد طريقه بين الملك و(ليلى) ، وقد أخذ ينمو في كل دقيقة تمر عليهما .
ولم يعلم أنه عندما يوجد هذا الشيء ، يذوب عنده كل الحدود ، وينحني له أعظم العظماء عن طيب خاطر .


* * *


وضع الملك كفه على كتف (ليلى) ، فلم تلتفت إليه أو تحرك ساكناً ، وكأنها لم تحس به ، فهزها قائلاً:
- (ليلى)..
انتبهت إليه ونظرت وحزن الدنيا كله في عينيها:
- أنت هنا ؟
- أعلم سبب هذا الحزن في عيناك .
حاولت أن تبتسم ابتسامه زائفة وهتفت:
- حقاً !!
- ألا تثقين بي ؟
تحركت بعيداً عنه وأعطت ظهرها له ، وقالت بصوتها الرقيق:
- ليس هذا ما قصدته بقولي .

اقترب الملك منها وقال بهدوء:
- لا عليك .
صمت هنية ، ثم أضاف:

- أعرف أن فقدانك لأخيك وعمك لشيء محزن ، ولكن الله بعثنا لنكون بجوارك في هذه اللحظات .

استدارت إليه لتنظر في عينيه ، وترى وجهه الوضاء وهي تقول:
- لست أفهم ما تعنيه ؟

تلعثم الملك قائلاً وقلبه يدق بعنف بين ضلوعه:
- كل ما أعنيه أننا سنرد لك الجميل ، وسنعود للبحث عن عمك وأخيك مهما كلفنا الأمر .

- ولكن هذا صعب في الوقت الراهن ، خصوصاً أن معكم الآن شخص مريض .
- ألم تقولي أنه سوف يستعيد قوته خلال هذا اليوم .
- نعم.
- إذن فهناك دائماً أمل موجود .

كان قلبها ينتفض بين ضلوعها ، وكأنه أصبح يدق فقط لسماع صوت (حكيم)
وهمست وهي تنظر إلى ابتسامته العذبة التي حلقت بها فى عالم بعيد:
- ولكن بهذا سوف أجعلكم تتأخرون عن تجارتكم وأعمالكم .

-لالالا.. أبداً ليس هناك أي تأخير .

أحست (ليلى) ساعتها أنها تذوب مثل قطعة السكر في كوب الشاي بين جنابات الملك ، وأخذ هو ينظر إليها في صمت ، وأخذ يتابع نظراتها ، وفجأة سمعا صراخ (سوماز) وهو يقبل مهرولاً ، وهتف وأنفاسه تتلاحق من فرط المجهود:
- سيدي سيدي ..
قال له الملك في قلق وهو يرفع حاجبيه:
- ماذا هناك ؟
- لقد اختفى ..
 اتسعت عينا الملك وهتف بسرعة:
- ما معنى اختفى ؟ وأين اختفى ؟
قالت (ليلى):
- لعله تعافى وذهب هنا  أو هناك .
هز رأسه بالنفي قائلاً:
- ابداً لقد بحثت عنه فى كل مكان ، ولم أعثر له على آثر .

وما أن سمع الملك هذا الكلام ، حتى اندفع مهرولاً إلى المكان الذي كان يرقد فيه صاحبهم قبل أن يختفي ، ومرت ثواني وهتفت (ليلى) وهى تشير إلى الأرض:
- انظروا !!

نظرا الاثنان إلى حيث تشير ووجدا آثار ، تحسسها الملك بسرعة وقال وهو ينظر إلى ناحية الشرق:

- يبدوا أن صاحبنا لم يذهب بطوع أمره ،  بل حمله شيء ما ترك آثاره على الأرض .
صمت الجميع ونظروا حيث ينظر الملك وفي رأسهما سؤال واحد:

- ترى .. ما الشيء الذى حمل (ظفير) وفر به هارباً بدون صوت ، تاركاً وراءه  آثاره فقط؟
وكان الجواب لا يعلمه غير الله .


* * *


ساد الهرج والمرج بين جنود مملكة الظلام ، وأخذت المخلوقات الصغيرة المتوحشة تهجم عليهم من كل صوب وجانب وكأنهم بلا نهاية ، وقد أخذوا ينهشون اللحم بلا توقف وأخذت صرخات الآلم تعلو في الاجواء ، وأخذت الدماء تسيل من الأجساد بدون توقف ، وهنا توقف النمران ونظر (سيور)و(يزبك) إلى الخلف ، ولم يصدقا هذا المشهد المخيف فالدماء في كل مكان وصرخات العذاب مدويه تثقب الآذان ، وعند ذلك الحد توقفت الملكة بثورها الحديدي وتجمدت نظراتها لثواني قليلة ، وكأنها لا تشعر بما يحدث حولها ، ومرت الثواني ثقيلة مرعبة والجنود يتساقطون فى استمرار ،  وفجأة رفعت صولجانها إلى السماء ، فغيمت السماء بسرعة وتكاثفت السحب السوداء فوقها ، وأخذ البرق يظهر بين الحين والآخر!!!  وهنا قالت بصوتها الحاد وهي ترفع ذراعيها إلى السماء ، في مشهد عجيب وقد أخذت أثمالها تتطاير خلفها:


- بحق الملك والملكوت ، ومن خلق الحياة والموت ، استجيبى لى أيتها السماء ، وبحق سحر (إفنين) الرهيب ، أبعدي هذه الأمواج الشريرة عن جيشي .

صرخت أكثر ورعدت السماء أكثر
- أبعدي الآلآلآلآلآلآلآلآلآلآلآلآلآلآلآن.

وما أن انتهت من صراخها ، حتى أخذت هذه الحيوانات الصغيرة تقذف إلى الخلف لتصطدم بصخور الوادي ، وكأن هناك أيدي خفية تحملها إلى أعلى وترمي بها أعلى الصخور!!!  وهكذا استمر الحال الحيوانات يتكاثر عددها بدون توقف ، ولكن هناك شيء خفي يمنع وصولهم إلى الجنود ، وهنا سمع (سيور)و(يزبك) فى عقليهما صوت الملكة
 يقول بعد أن هدأت ثورتها:
- أتركوا الجرحى ودعونا نمر من وادي الموت هذا بأسرع ما يمكن .

هتف (سيور) في غضب:
- كيف هذا ؟
قاطعته الملكة في صرامة هذا المرة ، وقد ظهر صوتها وهي تنظر إليه بنظرات نارية تكاد تخترق درع صدره:
- لا تنسى موقعك أيها القائد ، ونفذ ما أمرتك به ولا داعي لكثرة الحديث .

انتهز (يزبك ) الفرصة ليثبت للملكة طاعته العمياء لها ، وقال بخشونة لصحابه:
- افعل ما أمرتك به أيها القائد .


نظر إليه الأول في صمت ، وتمنى لو تتاح له الفرصة فيطيح رقبته بسيفه ، وكم كان يمقته ويمقت نظراته البغيضة ، وكان يشمئز منه ، فهو يعلم أن هناك شيء بينه وبين الملكة ،ولكنه لا يستطيع أن يقول له شيء ، فابتسم من جانب شفتيه في سخرية وقال:
- أمرك يا سيدتي .


كان الخير من طابعه ، ولكنه لم يستطيع يوما أن يغير قدره ، فلقد ولد في مملكة الظلام وانتخبته الملكة ليكون أحد ذراعيها ، وهذا لعنفه وقوته وإخلاصه ، وعندما تحدى الملكة ورفض أن ينصاع لها ، تذكر ما فعلته به وبعد تفكير منه طويل منه قاطعته الملكة:


- فيما تفكر.. لما لم تصدر الأمر إلى الآن ؟
تعلثم (سيور) عندما سمع قول الملكة فقال بكلمات متقطعة:

- أبداً يا سيدتي لا شيء .


ثم لملم أشلائه الضائعة في بحر الذكريات الحزينة ،  وصاح وقد أخذ الحزن منه مبلغاً و ظهرعلى قسمات وجهه الخشنة ، وهو يصيح فيما بقى من الجيش:

- هيا يا رجال أعيدوا ترتيب صفوفكم بسرعة ، واحملوا أسلحتكم وواصلوا طريقكم  ، ولا تتوقفوا و---------

صمت قليلاً وأحس أنه يتمزق إرباً ، فابتسم (يزبك) ابتسامة صفراء ، وكأنها ابتسامة شيطان رجيم ، والتمعت عيناه عندما أحس بعذاب صاحبه ، وقال له بهدوء الذئاب:

- لما توقفت أيها القائد تابع أوامرك .

نظر له (سيور) نظرة نارية ، وتمنى لو كادت أن تخترق قلبه فينقلب قتيلاً ، وضغط على أسنانه ، وارتفعت حرارته واتسعت عيناه ، ولكنه استجمع قواه وشجاعته وقال وهو ينظر للأمام ، وكان يتابع الثور الحديدي الذى بدأ في التحرك ، وقد أحس أن الكلمات ثقيلة مثل جبل عالي:
- اتركوا الجرحى ، فلا داعي لأن نثقل أنفسنا بهم .

ذهل جميع الجنود المصابين وغيرهم!!! وتردد الجميع في تنفيذ الأمر، ونظر بعضهم إلى الجرحى في صمت وجرت الدموع في عيون الجرحى وكأنها تتوسل إليهم بعدم تركهم فى هذا المكان المخيف ، وارتعشت الأجساد وانتفضت القلوب ، وأمسك بعضهم بأنامل البعض الأخر، وبالملابس ، في محاولة يائسة ألا يتركوهم ، وحاول البعض الآخر من الجرحى أن يقف ؛ حتى لا يبقوا في هذا المكان ، ولكن جرحهم كان أقوى منهم ، فقد سقطوا على الأرض مرة ثانية ، ومرت الثواني ثقيلة والحركة بطيئة ، والجميع يتحركون في صمت عجيب ملأه الحزن الرهيب على زملائهم ، وصراخ بعضهم مناديين عليهم:
- لا تتركونااااااااا..


وعلى مضض ، دهست الأقدام القلوب ، وارتصت الصفوف ، واستعدوا للرحيل تاركين خلفهم أصدقائهم جرحى ، في أشد الحاجه إلى المساعدة ، ليلقوا مصيرهم المرعب في وادي الهياكل ، وما أن تحركوا مبتعدين عنهم ، حتى توقف السحر وهجمت الوحوش الصغيرة على الجرحى ، وعلت الصرخات وأخذت تتردد في كل الوادي بدون توقف..
صرخات حملت كل معاني العذاب .
حزن خمري كثيراً علي مصير هؤلاء الجنود التعساء.. 



ومن داخل القفص العظمي أخذ (خمري) يتابع المشهد وهو قابض على قضبان القفص ، والكلب ينبح والدموع تتراقص في مقلتيه ، حزناً على هؤلاء الجنود وعلى مصيرهم الحزين ، وأخذوا يبتعدون ..
ويبتعدون
ويبتعدون
حتى اختفوا في الأفق ، تاركين وراءهم من كانوا يوماً أصحابهم ، فرائس لهذه الوحوش الصغيرة..
نعم وحوش بلا قلب
وحوش قاتلة .


* * *


فتح (ظفير) عيناه في صعوبة ، وارتعشت الرؤيا أمامه ، ومع الوقت بدأ كل شىء يظهر ويتضح تدريجياً ، فقد وجد نفسه في وسط أطلال لمدينة مهجورة وغريبة البنيان ، وكانت الأشجار تتخلل هذه الأطلال بشكل عجيب ، وتنتشر هنا وهناك ، وكأن هناك شخص وزعها بالتساوي منذ زمن بعيد ، فقد بدت الأشجار معمرة لدرجة أن أشعة الشمس لا تستطيع أن تتخللها ، وتصل إلى الأرض ، وكانت النباتات المتسلقة منتشرة بشكل كبير على القباب والأعمدة الرخامية في صراعها الأبدي للوصول إلى أشعة الشمس ، هنا سأل نفسه:
 
- ترى أين أنا ؟ وما هذه الحضارة؟ وأين أهل هذه المدينة المهجورة؟


وأحس بأن جسده مخدراً لا يستطيع التحكم به ، فانتظر قليلاً ليشاهد ما حوله ويرتب أفكاره ، وحاول النهوض ولكنه فشل ، وفي هذه المرة ليس لأن جسده مخدر؛ بل  لأنه اكتشف أنه مقيد في الصخور .


وكانت مفاجأة له!! فحاول أن يتخلص منها ، ولكنه كان قد مقيد بطريقة محكمة ، فنادى على الملك (حكيم) ، لكن لا مجيب ، ثم نادى على صاحبه ،لكن لا مجيب أيضاً ، وكرر النداء أكثر من مرة ،  لكن لا مجيب غير الصمت ،  تعصب وانفعل واحمر وجهه ، وحاول أكثر من مرة أن يتخلص من القيود ولكن لا فائدة ، وفي محيط رؤيته طل عليه وجه مشعر ذي عيون بنية ، وأنياب ، وأنف أفطس ، وما أن نظر إليه حتى صرخ (ظفير) بكل  قوة ، حتى كادت أن تتمزق حنجرته...
وضاعت صرخته في هذه الغابة الكثيفة والمظلمة .


* * *


ركع الملك على الأرض ، وأخذ يدقق بنظره في هذه الآثار المتناثرة هنا وهناك ، ثم وضع أنامله في بعضها ، وبعد فترة صمت مرت كالدهر ... وقف وضرب كفيه ببعضهما ، وقال بثقة وهناك بريق ما في مقلتيه:
- هذه الآثار مازالت ساخنة.

هتفت (ليلى) بسرعة:
- يعني ذلك أن الخاطفين كانوا هنا منذ وقت قصير .

 تابع الملك اتجاه الآثار بعيناه وأضاف قائلاً:

- من الواضح أن أصحاب هذه الآثار ليسوا آدميين على الإطلاق .

- ماالذي تعنيه يا سيدي ؟
هكذا سأل صاحبه فأجابه الملك:
- أقصد أن أصحاب هذه الآثار هم مجموعة من القرود الضخمة .
همست (ليلى) بسرعة:
- كنت أعلم ذلك .

نظر إليها (سوماز) في غيظ ، ثم عدل نظره إلى الملك وسأله:
  -وما العمل الآن يا سيدي ؟
- يعني أننا سنستعيد (ظفير) من هذه الحيوانات ، بأي ثمن .
- إذن لا داعي لأن نضيع وقت .

انطلق الثلاثة بين الأشجار، ثم سلكوا طريقاً صاعداً حول جبل عالي ، وأخذوا يلفون حول الجبل بشكل حلزوني ، وقد استقر في أسفله نهر صغير يجري بسرعة رهيبة ، ومع الوقت أخذ هذا الطريق الصاعد يضيق عليهم شيئاً فشيئاً وهنا سألت (ليلى) والقلق قد بدأ ينهش فيها:
- إلى أين نصعد فالمنحدر بدأ يضيق علينا كلما صعدنا؟

هنا قال لها الملك محاولاً أن يطمئنها:

- لا تنظري إلى الأسفل ، وأعطى ظهرك إلى الصخور، وامشي بحذر .

فعلت ما طلبه الملك منها ، ولكنها نسيت أمره بعدم النظر إلى الأسفل ، وتفتت بعض الصخور الصغيرة من تحت أقدامها ، وأخذت تهوي إلى الأسفل بسرعة كبيرة لتغيب عن العيون ، فنتفض قلبها بين ضلوعها في قلق ، وأخذت النسمات تتلاعب بخصلات شعرها ، فالتصقت بالصخور بظهرها من شدة الخوف ، وأخذت تتحسس خطواتها ،  وتبعها (سوماز) ، ولم يلاحظ الجميع هذه المنطقة الضعيفة من ذلك الطريق الصاعد ، وهي تتشقق تحت أقدامه وتتساقط أجزاء منها ، وما إن مرت (ليلى) عليها حتى تهاوت أكثر، وما أن وضع (سوماز) قدمه عليها ، وأحست الصخور بحجمه الضخم ، حتى تهاوت بسرعة وسقط معها صاحبنا ، وصرخت (ليلى) وانحنت بسرعة لتقبض على كفه فى رد فعل سريع ، وأخذت تتابع الصخور التي تهوي إلى الأسفل في فزع ، وتمسكت به أكثر، وكان الطريق ضيقاً لدرجة أن الملك لم يستطيع أن يفعل شيئاً حيال الأمر، ووقف يتابع الموقف وهو عاجز ، إلاّ أنه أمسك بها وقال لها في هدوء:

- تمسكي به ولا تتركيه ليسقط أرجوك .



تساقط العرق من جبينها ، وشعرت أن قلبها سيخرج من الرعب ، وحاولت أن تتمسك به أكثر ، ولكنه كان ثقيلاً جداً ، لدرجة أنها بدأت تتألم وظهرت الدموع في عينيها ، ومرت اللحظات ثقيلة كالدهر وتمنت لحظتها أنها لو كانت بقوة عشر رجال لتجذبه إلى أعلى ، وهنا تلاقت العيون ورأت عيناه  وكأنها لأول مرة تنظر إليهما ، وحاولت أن تقبض أكثر على كفه ، ولكن أصابعه أخذت تفلت شيئاً فشيئاً منها ، فظهرت دموعها أكثر وارتفعت حرارتها وزادت قطرات العرق ، واهتزت من داخلها وكأنها كتكوت سقط في بركة ماء فى ليلة شتاء قارصة ، وبين هذه الدموع رأت ابتسامة ارتسمت على وجه (سوماز) وهو يهمس لها:
- لا تحاولي أكثر ..  فقد حان وقت الفراق.

حاولت أن تستميت على قبضته ؛ ولكنه سقط بفعل وزنه الثقيل إلى الأسفل بسرعة كبيرة ،  وهي تتابعه وتصرخ بكل ما فيها:
- لااااااا..
وأخذ جسد(سوماز)يهوي
ويهوي
بدون توقف ..  إلى مصير مجهول لا يعلمه غير الله .

* * *

مال قرص الشمس للمغيب تاركاً الدنيا للظلام ، وأخذ يختفي بين أشجار النخيل ، وأخذت الطيور تعود إلى أعشاشها لتنتظر خروج الشمس من جديد ، وعلى ضوء هذا القرص الشاحب نرى هذا الغريب يركب جواده وقد أخذ ينهب به الأرض نهباً ، وكأنه على عجلة من أمره ، صاعداً هذه التلال الرملية ، وهابطاً من تلال أخرى ، وبعد فترة من الصعود والهبوط والسير في الوديان وبين النباتات العالية والصخور القابعة في كل مكان ، جذب لجام جواده بقوة فتوقف في ثانية مخلفاً غباراً كثيفاً حوله ، وما أن توقف حتى قال الغريب:
- توقف (خوف) دعنا نرتاح هنا الليلة .


أخذ الجواد يصهل وكأنه فهم كلام فارسه ، وأخذ ينبش الآرض بقائمته الأمامية ، الذي هبط فارسه من على ظهره وأخذ يحمل بعض الأشياء ويضعها على الأرض ، ثم ربطه في أحد الصخور وانطلق ليجمع بعض الأخشاب ليشعلها .
فجلس وعلى ضوء النار المتراقص أخرج خريطة من بين طيات ملابسه ، وقال بصوت عال وكأنه يتحدث مع شخصاً معه:
- إلى أين وصلت معه يا (جعفر) ؟

أخذ ينظر بتمعن  ثم وضع إصبعه على نقطة ما عليها ، وهتف:
- ها أنا هنا الآن ، وأريد أن أصل إلى هذه النقطة وبأسرع وقت ممكن.

ثم أضاف وهو يطوي الخريطة وينظر إلى النجوم بوضاحة:

- يبدو أن الوقت قد حان ، وسنصل قريباً إلى ما كنا نتمناه منذ زمن طويل.
صمت مرة أخرى ليبتلع ريقه ، وأكمل فى لهجة شيطان مارد خرج من الجحيم:
- وبعدها سأكون آخر شىء ينتظره الجميع .
ثم ضحك ضحكة مخيفة مرعبة لأقصى حد ممكن وهتف:
سأكون أسوأ وأبشع كوابيسهم .
وأخذ يضحك
ويضحك بدون توقف .


* * *



توقف الثور الحديدي بملكة الظلام ، وتوقف خلفها النمران المسيفان وهما يزئران بصوت مزعج ، وعبر رأس قائديهما سمعا صوتها يقول:
- سنخيم هنا الليلة أصدرا الأمر بذلك .

حركت النسمات خلجات الملكة خلفها ، وطارت بعيداً عن ظهر ثورها وهبطت على الأرض وهي ممسكة بصولجانها العجيب ، وأخذت تترجل بعيداً ، في حين أشار (سيور) إلى الجيش بأن يخيموا هنا الليلة ويشعلون النار، ثم هبطا الاثنان ، واتجه يزبك بسرعة إلى ملكته وحاول أن يقترب منها ، أما صاحبه فقد اتجه إلى القفص العظمي ، ونظر إلى أصحابنا ، ونبح الكلب ثم أخذ يهز ذيله و(خمري) يتابعه وينظر إليه ، فتلاقت العيون في صمت وكأن هناك شيء ما يحدث بينهما ، أو كأنما أراد (سيور) أن يقول شيء ما وهو يقترب أكثر ويمسك قضبان القفص بقبضته ، وطالت النظرات ، ثم قرر أن يبتعد فى هدوء تاركاً صاحبنا في حيرة من أمره ، واختفى بين الجنود ، فقال الشيخ وهو يتحسس ظهر (خمري):
- ماذا هناك يا بني؟
أخذ النمران المسيفان يزئران بصوت مزعج جداً.. 

أجابه وهو يهز رأسه:

- لا أعلم يا عماه .. ولكن هناك شيء غريب في هذا القائد ، وكأنه جاء ليطمئن علينا ، وأكاد اجزم أنه كان سيقول لي شيء ما ؛ فقد قرأت هذا في عينيه ، ولكنه تردد لسبب لا أعرفه وتركنا وعاد لشأنه بين الجنود ..
صمت قليلاً ثم شرد ببصره وتابع:
- يبدو من نظرته أن هذا القائد له وجه خفي وراء هذه الملامح الجافة القاسية لا يعرفه أحد .
-  فهمت قصدك يا بني ..

فجأة التفت إلى الشيخ وقد غير لهجته إلى لهجه حماسية ، وهتف وكأنه اكتشف أمر ما كان لا يعرفه:
- اسمع يا عماه ..  لن يطول حبسنا هنا.
انتبهت حواس الشيخ عندما سمع ذلك ، فرفع حاجباه وسأل بلهفه:

- وكيف هذا ؟

قال له بصوت خافت:
- سأكسر هذا القفل ونهرب في منتصف الليل والجنود نيام.

-هل تستطيع تنفيذ ذلك حقاً ؟

- نعم يا عماه استطيع إن شاء الله ، ولكن أرجو أن يأتي  منتصف الليل سريعاً
دعا الشيخ ربه ، وتمنى أن ينجح (خمري) في مخططه ، وأن يهربوا من هذا القفص العظمي مهما كان الثمن ، حتى لو كان الثمن --------
حياته .


* * *


 وما أن رأى (ظفير) هذه الوجوه صاحبة العيون الحمراء ، والشعر البني الكثيف ، في محيط رؤيته ، حتى انتفض قلبه من الرعب وكأن صاعقة كهربائية أصابته ، وصرخ من هول المفاجأة ، ولم يصدق ما تراه عيناه ، وتساءل في نفسه:
- من أين أتت هذه الغوريلات الضخمة والمرعبة ؟! 
- لابد أنه  كابوس مزعج .


ثم أغمض عيناه بقوة لعله يستيقظ منه ، وبعد ثواني فتحهما ولم يتغير المشهد من حوله ، مازالت العيون الحمراء تحدق فيه بصمت عجيب ، وكأنهم مجموعة من التماثيل التي أتقن النحات نحتها ، فابدع في إضفاء جو البشاعة والرعب والعنف ، على هذه الوجوه ذات الأنياب الحادة والزبد المتساقط من الآشداق الثاغرة وهذه الأنوف الفطساء ، وهنا عرف أنه يعيش واقع مرعب لا مفر منه ، ولا مهرب وهو مقيد .


وما أن استسلم للأمر ، وتوقف عن حركاته وصراخه ، حتى أخذت هذه الحيوانات الضخمة تزمجر وتصرخ بأصوات مزعجة ، وتضرب صدورها ، وبعضهم يمسك بصخرة صغيرة ويضرب بها صخرة أكبر ، كان المشهد مخيف ومرعب لأقصى الحدود ، وارتج صاحبنا من الداخل ، عندما أيقن أن الموت قادم لا محالة بين أنياب هذه المخلوقات الشرسة ، وفجأة سمع صوت يشبه الصراخ يقول:
- توقفوا يا أولاد وابتعدوا عن الأضحية .

خطفت ظفير غوريلات برية قاسية.. تابعة لأحد الاطلال المهدمه .. 

وما أن سمعت هذه الحيوانات هذا الصوت حتى هدأ كل شيء فجأة ، وصمت الجميع وابتعدت في الحال عنه ، فأخذ يبحث بنظره عن مصدر الصوت ، حتى رأى سيدة عجوز شمطاء تظهر من أحد القصور المهدمة ، وهي تستند على عصا ثبت عليها جمجمة بشرية لطفل صغير ، وأخذت تقترب وتجر خلفها أسمالها الرمادية الكئيبة ذات الرائحة القذرة ، وفوق شعرها قبعت قطعة قماش ثقبتها الجرذان في كل مكان بلا ترتيب ، فظهرت خصلات شعرها الأبيض الذي يتضح من مظهره أنه لم يغسل من سنين ، اقتربت منه أكثر ونظرت إليه بوجهها الذي يحاكي وجوه الموتى بنحولة ، وابتسمت فظهرت أسنانها السوداء المحطمة أو ما بقي منها بالتحديد ، وقالت بصوتها الرفيع:

- لا تخشى شيئاً يا سيد الزمان فأنت في أيدي أمينة.

نظر إليها في توجس وخيفة من منظرها البشع ورائحتها المنفره ، التي تشبه رائحة الجثث المتحللة:
- من أنت ؟ ولما أحضرتموني هنا؟ ولماذا تربطوني هكذا ، وأنا لم أفعل لكم شيء؟ وما سر هذه القصور ؟ ولماذا أنا -----------

قاطعته ضاحكة وكأنها أم ابليس وقالت:
- يبدو أن ضيفنا كثير الأسئلة .
ثم توقفت عن الضحك فجأة وتبدلت ملامحها وكانها ابليس نفسه ، وقد احمرت عيناها واقتربت منه حتى شم رائحة فمها العفن وهي تقول:

- أنت هنا في الأرض المفقودة ، لم يدخلها بشري وخرج منها أبداً .

ثم ابتعدت عنه وهي تضحك بشكل هيستيري ، وتوترت أعصاب (ظفير) ، وارتفع الدم إلى دماغه فلملم نفسه ، ووجد نفسه يصرخ فيها بشدة وقوة ، وكأنه ليس أسيراً أبداً:
- كفى .


صمتت العجوز ونظرت إليه نظرة حادة وقد اتسعت عيناها على نحو يلقي الرعب فى أعتى الجبابرة ، جعلته يتعلثم وهو يتردد فى قوله:
- لم --- لم  أقصد الإزعاج ولكني ---

ابتلع ريقه في صعوبه بالغة وحاول أن يسيطر على نفسه وعلى خوفه ورعبه ، وسأل:

- لم أنا هنا ؟
لم تجاوبه العجوز ..  بل اكتفت بالنظر إليه طويلاً ، ثم أدارت ظهرها إليه  وتركته في حيرة من أمره ، ثم قالت وهي تنظر إليه بطرف عينيها:


-اليوم هو العيد المئوي على وجودنا هنا ، وفي كل ذكرى لابد أن يكون لنا أضحية ، فهذه طقوسنا .

صمتت قليلا ً ثم صعدت على صخرة  برز منها جزء على شكل لسان ، ووقفت على الحافة ورفعت ذراعيها إلى أعلى ، وتناثرت أسمالها خلفها في مشهد مهيب ، وقالت بصوتها العالي الذى يشبه الصراخ:

- هذه الأضحية لابد أن تكون بشرية .

انتفض (ظفير) ووقع قلبه حينما قالت:
- وقد شرفناك لتضحي بنفسك من أجل ذكرانا الجليلة.

وأخذت تضحك والغوريلات تصرخ وتخبط بالصخور، وهو يحاول أن يتخلص من قيوده ، ولكن لم ينجح أبداً ، وأخذ الوقت يمر سريعاً وكأن الكل قد اتفق على نهايته..
نهايته كأضحية بشرية لمجموعة من الحيوانات المتخلفة .


* * *


احتضن الملك (ليلى) فى رفق والدموع تسقط من عينيها وكأنها حمم حارة صادرة من بركان ثائر، وكل خلجة فيها تهتز بعنف ، وفي مخيلتها صورة(سوماز) وهو يهوي إلى الأسفل ، وقالت بكلمات تتسم بالحسرة والندم:
- لقد فقدته ..
قال لها الملك:
- لقد فعلت ما بوسعك ، ولكنه كان أثقل من أن ترفعيه.

- أبداً لقد أفلته من يدي ، ربما لو كنت تمسكت به أكثر لكان من الممكن أن ينجو .

- لا ياعزيزتي .. كان سيسقط بأي طريقة .. فالله هو الذي كتب هذه النهاية له ، وليس بيدنا أن نغير بأمر الله .

وهنا نظرالملك فى عينيها وقال وهو يهمس:
- لابد الآن أن نمسك أعصابنا ونكمل طريقنا ، وإلا ّ لحقنا به في نفس المصير .

ثم مد أنامله ليمسح دموعها ويقول:
- لا أريد لهذه العيون الزرقاء أن تختبىء خلف فيضان من الدموع أرجوك .

هزت رأسها علامة بالإيجاب ، في حين هو تركها وأخذ يسير أمامها وقال:

- هيا بنا نكمل مهمتنا ، فمصير العالم كله مربوط بنا الآن .


تحسست خطواتها وهي تمشي خلفه وتحاول أن تطرد صورة (سوماز) من عينيها وهو يهوي إلى الأسفل ، ومرت دقائق من السير في صمت مهيب ، وفجأة انقطع الطريق ، وتوقف الملك ونظر إلى الأعلى وقال:

- يبدو أنه حان وقت التسلق ،، هل تستطيعن التسلق إلى أعلى ؟
- نعم استطيع .

أخذ الملك يتسلق الصخور وخلفه كانت هي ، وأثناء ذلك قال لها:
- لا تنظري إلى الأسفل مهما كان الدافع لذلك .

وبعد فترة من التسلق الصامت قال الملك:
- يبدو أن النهاية قد أتت اخيراً .


وبالفعل صعد الملك ولحقت به ليلى إلى النهاية ، ولكن لفت نظرها شيء ما يقع في الأسفل ، فلحقت به بنظرها كردة فعل طبيعية ، وما أن فعلت ذلك حتى رأت منظر الأرض وهي بعيدة جداً في هذا الأرتفاع الشاهق ، حتى دارت بها الدنيا في الثواني التالية ، وأحست أن هناك سحابة سوداء تزحف على عينيها ورأسها ، وتوقف الزمان بالنسبه لها ، ووجدت نفسها فجأة حرة في  الهواء ، فقد تركت الصخور ليهوي جسدها في الأسفل ، وهى غير واعية لما يحدث ، وهنا تذكرت فجأة شيء واحد تردد أمام عينيها ، ألا وهي:

صورة (سوماز) وهو يهوي إلى الأسفل بسرعة رهيبة ..
ويهوى بلا توقف .
* * *
هل سيموت (سوماز)؟  
هل ستسقط (ليلى) لينتهى دورها هنا ؟
ما هو مصير (خمري ) ؟؟ وكيف ستغير الأحداث القادمة مصيره

صديقي القارىء أعدك بمزيد من التشويق والأحداث المخيفة
تابع الحلقة القادمة وكن واحداً من أبطالنا .


يتبع ،،،،،،،،


تاريخ النشر : 2016-12-01

تم تحرير ونشر هذا الموضوع بواسطة : توتو
قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق