الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

مذكرات زول ساي ـ يحلنا الحله بله

بقلم : فيصل الدابي المحامي - قطر
للتواصل : [email protected]

تعددت حوله الروايات ، لكن في الحقيقة لا أحد يعلم من هو بله !!

تكاثرت عليّ تجارب الحياة ، و كان من المفترض أن أزداد علماً من كل تجربة مررت بها أو مرت بي ، لكنني كنت أكتشف ، و باستمرار ، أنني كلما أزددت علماً أزددت جهلاً ، و لشدما ازدادت حيرتي في السنوات الأخيرة ، فكلما اشتبكت في جدال مع زوجتي العزيزة تقول لي : (يحلنا الحله بله) و كلما تجادلت مع أحد أصدقائي السودانيين يقول لي بضيق شديد : (يحلنا الحله بله) و كنت أفهم عندها أن المقولة المشهورة تعبر عن المثل السوداني العتيد الذي يُضرب لك حينما يشتبك معك زول "عكليتة" اشتباكاً بدنياً أو كلامياً مفتوحاً و تعجز عن التخلص منه بكل الوسائل والسبل ، أو يُضرب عندما يتورط الإنسان في مشكلة عويصة لا مجال للهرب منها بأي حال من الأحوال !

لقد تم وصفي مراراً و تكراراً ببله ، إلى درجة أنني قد بدأت أعتقد لأسباب معقولة أنني قد أصبحت مسكوناً بشخصية بله المجهولة الهوية ، و التي صارت تدخل إلى بالي و تقيم فيه بلا استئذان ، و تتجول في الخلايا الرمادية بدماغي كما يحلو لها ، و من ثم أخذت عشرات الأسئلة الحائرة تتردد في ذهني بلا توقف : من هو بله ؟! و ما هي الورطة التي وقع فيها ؟! و كيف تم حله منها ؟! و من هو الذي قام بحله منها ؟

سألت الكثير من العجائز السودانيات عن لغز بله فخرجت بقصص عجيبة ..

ففي رواية أولى :

سمعت من عجائز مدينة كوستي أن بله كان شاباً بلطجياً يقلع حق الناس عينك عينك ، و كان مولعاً بالسكر و بإضاعة النقود في النوادي المشبوهة الكائنة في طرف الحلة ، فأراد أحد الشباب المسالمين أن ينتقم منه ، فروَّج أسطورة في الحلة مفادها أن الفقر سيتجسد ذات يوم في هيئة أحد شباب الحلة ، و سيظهر في وسط السوق ، و هو يرتدي جلابية سوداء ، و سيكون جيبه خالياً من النقود ، و أن كل من يراه سيصاب بالفقر ، و سينتقل فقره إلى أولاده و أحفاده ، و أن كل من يساهم في القبض عليه و تغطيسه في النيل مائة مرة و جلده ألف جلدة ، سوف ينعم بالغنى الذي لا يزول .

ذات يوم ظهر بله في وسط سوق الحلة و هو يرتدي جلابية سوداء ، فاندفع نحوه كل رجال الحلة و هم مسلحين بالعصي فهرب منهم ، إلا أن الرجال تكاثروا عليه في نهاية المطاف و قبضوا عليه ، ثم اقتادوه إلى النيل و قاموا بتغطيسه فيه عشرين مرة حتى كاد يموت من الغرق ، و هنا تدخل أحد أصدقاء بله و قال لأهل الحلة ، تذكروا أن الفقر لا يحمل نقوداً في جيبه ، دعونا نفتش جيبه لنتأكد من شخصيته ، عندها قام صديق بله بتفتيش جيب بله الخالي من النقود و قد أسقط فيه قرشاً بخفة يد لم يلحظها أحد ، ثم أخرج القرش من جيب بله و لوح به في الهواء ، و بهذه الحيلة وحدها تم حل بله من شر أهل الحلة .

في رواية ثانية :

سمعت من عجائز مدينة كسلا أن بله هو محتال كبير ، فقد تزوج امرأة ، و حينما اكتشف أنها لم تعجبه و بعد فشله بالتخلص منها بكافة الوسائل و السبل ، تظاهر بالجنون المطبق ، ففرت منه على عجل و هي تحمد الله على نجاتها من شر المجانين ، و هكذا فإن التظاهر بالجنون هو الذي أنقذ بله من ست القيد و الذلة .

في رواية ثالثة :

قال لي أحد عجائز مدينة سنار أن الخليفة عبد الله التعايشي كان قد أصدر في عهده قانوناً يمنع سف التمباك أو الصعود ، و كان يسمى التابا (و لهذا يقولون أولاد التابا عند الشتم ) ، و قد قضى القانون المذكور بسجن كل من يسف التابا ، و حينذاك ادعى شخص ما بأن بله يسف التابا ، و منثم تم إلقاء القبض على بله و تقديمه لمحكمة الخليفة .

شعر بله بالفزع فانحنى إلى الأرض و ملأ يده بالتراب ، و قال للخليفة : إذا أنا سفيت التابا الترابا دا في خشمي ، فضحك الخليفة من خفة دمه و سرعة بديهته ، و أمر بإطلاق سراحه فوراً و إهدائه كيساً من التابا الطازج .

في رواية رابعة :

سمعت من عجائز مدينة القضارف أن بله هو والد شخص يدعى البليلة بله البلولة ، و أن ولد بله قد قتل سائق قطار بعد أن دهس عدداً من الأبقار التي كان يرعاها ، و أن محكمة الموضوع قد حكمت على ولد بله بالإعدام شنقاً حتى الموت ، إلا أن المحكمة العليا قد حلت ولد بله من ورطته عندما خففت الحكم من الإعدام إلى السجن المؤبد ، بحجة أن أي شخص عادي من أهل حلة ولد بله كان سيشعر باستفزاز شديد مفاجئ يدفعه إلى قتل المستفز إذا قام بقتل أبقاره ، و هكذا فإن حكم المحكمة العليا هو الذي حل ولد بله من الإعدام .

في رواية خامسة :

أكد لي أحد "جلاكين" مدينة عطبرة أن القصة و ما فيها هي أن بله كان مديوناً ديناً ثقيلاً ، و أنه تزوج مغتربة مع سبق الإصرار و الترصد ، و من ثم حلت المغتربة بله من كل ديون أهل الحلة .

في رواية سادسة :

أكدت لي إحدى جلكينات مدينة الأبيض أن بله هو شخص كان يرغب بشدة في أن يصبح محامياً ، إلا أنه لم يستطع إكمال الابتدائي لظروف خاصة ، لكنه أصر مع ذلك على أن يصبح محامياً ، ومن ثم تفرغ تماماً للدفاع عن كافة أهل الحلة و تمثيلهم في أي منازعات تنشب مع أي "حِلال" أخرى على سبيل التبرع ، و دون أي طلب من جانبهم .

ذات يوم أراد شاب من أهل الحلة أن يخطب فتاة من حلة مجاورة ، فتبرع بله بالذهاب مع أهل الخطيب لمقابلة أهل الخطيبة ، و هناك انبرى بله لوالد الخطيبة بسيل من الأسئلة الاستفزازية من قبيل .. ابرز لنا قسيمة زواجك من أم العروس ، قدم لنا شهادة بحث العروس ، أثبت لنا أنها بكر و ليست مطلقة أو أرملة .. !!

و كانت النتيجة أن تلقّى بله و الخاطب و الوفد المرافق له علقة تاريخية ساخنة ، لم يتخلصوا منها إلا بالهرب إلى خارج حلة الخطيبة ، و هكذا فإن الهرب كان هو الشيء الوحيد الذي أنقذ جلد بله من السلخ في ذلك اليوم المشهود .

في رواية سابعة :

قال لي أحد مواطني مدينة دنقلا أن بله كان مجنوناً جنوناً مطبقاً ، و تم تقييده بالسلاسل في أحد "المسايد" ، و كان "الفقرا" يضربونه كل يوم بسيطان العنج لإخراج الشيطان من جسمه الواهن ، إلى أن توفاه الله ، و من ثم فإن الموت كان هو الذي حله بله من القيد والذلة .

في رواية ثامنة :

زعم المحامي السوداني القدير (زيكو) الذي يعمل بالمحاماة في دولة الامارات العربية المتحدة أنه عليم ببواطن القصة الحقيقية لبله ، فقد أكد له جده لأبيه أن بله كان رجل دين ، و كان يدرس الأطفال في خلوة تقع على ضفاف النيل الأبيض الذي كان يعج بالتماسيح آنذاك ، و ذات يوم قال أحد كبار شيوخ المنطقة لبله أنك ستموت قريباً ، و سيتسبب التمساح في مقتلك ، أصيب بله بالرعب وأصبحت تنتابه كوابيس تمساحية مخيفة تنتهي بأكله و ابتلاعه و إختفائه في بطن التمساح .

ضاق بله ذرعاً بتلك النبوءة التمساحية المزعجة ، و قرر الفرار من القدر التمساحي الرهيب ، فهرب على جناح السرعة من ضفاف النيل و لجأ إلى دارفور ، حيث تنعدم الأنهار و تنعدم التماسيح ، و هناك عمل بله بمزاج في خلوة لتدريس الأطفال بمنطقة أضان الحمار بعد أن تخلص نهائياً من الوساوس القهرية التمساحية .

و ذات يوم قام أحد أطفال الخلوة برسم تمساح مستخدماً الطين ، و غرز على ظهره قطع من الزجاج الحاد ، وطأت قدم بله الحافية ظهر التمساح الطيني ، فأصيب بله بجرح بليغ في قدمه و ما لبث الجرح أن التهب التهاباً فظيعاً و تسبب في وفاة بله قبل إيصاله للمشفى ، و هكذا فإن التمساح الطيني الذي رسمه طفل عابث كان هو الذي حل بله من الكوابيس التمساحية المخيفة التي كانت تطارده في كل ليلة ، و لا ينقذه منها الا صياح الديكة في الصباح الباكر .

أخيراً ..

يُمكنني القول أن البحث الدؤوب عن خفايا شخصية بله قد زودني بقصص عجيبة متضاربة ، فأقمت من حيرتي و حولتها من تل صغير لا يُرى بالعين المجردة إلى جبل شاهق يسد الآفاق ، و يُمكنني التأكيد بأنني و رغم كل تجاربي و خبراتي في الحياة ، مازلت عاجزاً عن فهم قصة بله ، فكل القصص العجيبة التي سمعتها عن بله ، و إن كانت تتفق في جوهرها على حبكة واحدة هي حبكة الوقوع في المأزق الصعب ثم الخروج منه بصعوبة بالغة ، إلا أن اختلاف تفاصيل شخصيتها المحورية كان و ما زال يُضفي غموضاً أسطورياً على شخصية بلة ، إلى الدرجة التي صار فيها بله ينتمي إلى الشخصيات الخرافية السودانية الأخرى مثل "امات طه" اللاتي كاد البحث عن أصلهن و فصلهن يصيبني بجلطة دماغية و سكتة قلبية في ذات الوقت .

فيصل الدابي/المحامي


تاريخ النشر : 2016-12-21
تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر