تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

عازف الأحزان

بقلم : H.H - فلسطين
للتواصل : Hiba_abdulhadi@hotmail.com

وجدت نفسي أقف أمام البحر ، من يجالس البحر ليلاً غير عشاق مدينتنا ؟


جلست انظر حولي بتوتر محاولاً إخفائه خلف ابتسامه مصطنعة ، ليست أولى تجاربي على المسرح لكنني ومن الصغر لم استطع أن اعتاد رهبته يوماً ، عدوي اللدود بدأ يغزو جبهتي متسللاً إلى وجهي ، ذالك الضوء الساطع المسلط على جسدي أضاف حرارة لا تطاق و جعل جميع من بالمسرح يقبع بالظلام ، يداي ترتعشان لكن لا بد لي أن أبدا .

لحظات و بدأ دوي أنغام عزف أناملي يتراقص إلى أذانهم ، عندها فقدت نفسي و انطلقت يداي بلا هوادة و نسيني الوقت لساعات معدودات ، اعزف فيها منتشياً تاركاً عالمكم وراء ظهري ، نسيني التوتر أو نسيته لا يهم ، الحان أنا نفسي صرت أتعجب كيف اصنعها و من أين آتي بتلك المقطوعات و من بين كل كم العتمة حولي لا أرى سوى تلك العينان ، عيناها تكسر سطوع الضوء و تناظرني ، تسكنني وتنتشلني من بين الآلاف ، تأسرني و تأمرني بالمزيد ، أزيدها و أغدقها طرباً و هي تحنو علي بالمزيد كل شي يصمت سوى تلك الألحان تأبى إلا أن تبعثرنا أنا و تلك العينين من جديد ، تقف أناملي عن العبث أخيراً ، اغرق أنا بالظلام، يلفني ذاك السواد مثلهم ويبدأ صوت لهيب تصفيقهم يلهيني بضع لحظات ، تهرب هي بعينيها بعيداً تتركني لرعشة يداي و لعرق يغزوني و لظلمة أهابها من جديد .

أعود أدراجي بين الأزقة الباردة المعتمة معلناً الحداد منكساً لأعلام نجاحي اليوم كسابقه لا أريد سوى تلك العينان . مشيت لا اعلم إلى أين أو كم من الوقت قد مضى ؟ وجدت نفسي أقف أمام البحر ، من يجالس البحر ليلاً غير عشاق مدينتنا ؟ فها هي تحتضنه لتسرق قليلاً من الدفء و تلك اليدان صامدتان كأنما حرم عليهما الفراق و أنا كالطفل التائه ابحث عن عينا ملاك بين كوم من أعين شياطين ، أغمضت عيناي و تمنيت أن تكوني لي حتى لو كنت وهماً ، نمت ليلتها على كوم من حطام نفسي ، أتتني في الحلم يومها ، كانت بهية الطلة لها نفس زرقه العينين شعرها الذهبي يتمايل كتمايل جسدها ، يكسوها ثوب ابيض حاكه فنان ، طوق رأسها بورد جوري احمر صغير ، تقترب منى أكثر تنشر عطر أنفاسها على وجهي و تهمس لي : لمن كانت كل تلك الألحان ؟

أجبتها بتردد : أنا اعزف لتلك العينان ، كررت موضحاً و قد أطرقت راسي خجلاً : أنا اعزف لعينيكِ أنت ، طوقتني بيدها و بصوت قيثارة حزين : لن تعزف لغيري بعد اليوم ، أطلقت لها وعداً و قسماً أني لن اعزف لسواها و كررت قسمي ثلاثاً ، أفقت من كابوسي الجميل باسماً اغني طرباً : لا أرى بالكون سواها ، عشقت أميرة أحلامي حد الجنون .

أتتني كل يوم بعدها بالحلم سكنت أحلامي و لأجلها سكنت أنا الأحلام ، أن عزفت كان لأجلها و أن الفت مقطوعة كانت عن سحر عينيها هي نفسها أحبتني ، كانت تطلب أن أطيل العزف و أطيل النوم حتى صرت لا أصحو من غيبوبتي و أن صحوت أصارع نفسي لأعيد لي النوم .

خزانه أدويتي تحوي كل أنواع المهدئات و المسكنات و أي قرص كفيل أن يشعرني بالنعاس لو حتى قليلاً. مكتبتي استوطنتها كتب تفسير الأحلام و صرت أؤمن بالأشباح و الأرواح و كل ما لا تراه عين إنسان ، مر على حبي لها عامان ، خسرت عملي و فقدت جسدي اقبع بالضوء الخافت على سرير بزاوية غرفتي قلما أغادره و عشت بها و من اجلها ، حتى أتى ذلك اليوم الذي  أغمضت عيناي جاهداً محاولاً النوم و بعد عدة محاولات غططت بنوم لم يطل ، لم أرها و لم تأتي ، أفقت و أعدت محاولات النوم مراراً علها تأتي ، انتظرتها أسابيع فشهور ! لم تأت ، هجرتني دون وداع حتى دون سبب يدعو للهجران و لأجلها هجرت أنا النوم بعدها .

عدت لعملي ذلك العازف الحزين اقبع تحت بقعة الضوء نفسها ، أبعثر الحاني لساعات أعود أدراجي مطأطئ الرأس هزيل الجسد لأسكن وحدتي من جديد لم تأت و لم تشفق على حالي لم تزرني بعدها لو لمرة ، علي أن التمس لها عذراً ، علي أن أهبها السماح ، نسيتها أو تناسيتها لا يهم لم تعد تقبع يومياتي هجرتها كما فعلت ، عدت لأنهي ما تبقى من حياتي و حيداً ..

بضع أعوام مرت و أنا منسي داخل جسدي أصارع الحياة لتعطيني حقي بالوجود ، عادت لي بعد كل ذلك الغياب لكنها لم تأتني هذه المرة بالمنام ، ضوء المسرح غطاني و غطى بقعة دائرية حول جسدي ، منهمك بالحاني أحيكها سويةً لأسعد أذان أكوام المستمعين ، أنا نفسي لا اشعر بشيء حولي حتى رايتها من جديد ، توقف صوت الحاني توقفت أصابعي عن العزف دون أمر مني ، كل جزء من جسدي تمرد على عقلي ، تسلل إلى أذناي صوت الدهشة و الاستنكار من أناس أتوا ليستمعوا إلى عزفي لا لحماقاتي ، لم أبالي بشكواهم ، قلبي يخفق بشده أنا أراها من جديد حاولت النظر متداركاً سطوع الضوء واضعاً يدي فوق عيناي لأتمكن من الرؤية بوضوح اكبر ، أكاد لا اسمع شيئاً سوى صوت خطوات حذائي على خشب المسرح سرت مقترباً أكثر فأكثر ، أنا أراها بوضوح تجلس علي كرسي كباقي الحضور، صرخت لماذا عدت ؟ أجيبيني! يقاطعني صوت من الخلف ، ماذا تفعل ؟ لم اعره أي اهتمام و تابعت لم عدت ؟ أجيبيني ؟

تنظر إلي بدهشة ، تنظر حولها لا تعلم أن كنت أخاطبها ، تشير بإصبعها نحو نفسها و تهمس :أنا ؟ أتخاطبني أنا ؟ يعلو وجهي الغضب و أبدا بالبكاء كطفل سلبت لعبته للتو : تسألني أن كنت أخاطبها ؟ و هي من أضاعتني ما يقارب العامين  ،تتجاهلني و أنا من كنت اعزف لعينيها أجمل الألحان ، تهجرني و تأتي مستنكرة مخاطبتي إياها ، جمعت شتاتي ووقفت انظر لعينيها للمرة الأخيرة ثم وليت خارجاً ..

كانت عتمة الليل قد بدأت تفترش شوارع و أزقة المدينة ، مشيت خارجاً أتلحف معطفي فالبرد قارص و كل الطرق مبتلة ، أجفف دمع غدر بي أمام الجميع من اجل أنثى أنكرتني أمامهم ، لقد آمنت بها ، على صوت خطوات مسرعة من خلفي ، حطت يد على كتفي معترضة طريقي ، التفت إليها كنت اعلم بقراره نفسي أنها هي ، أكملت سيري متجاهلاً ، أعادت محاولتها و لم التفت هذه المرة ، لكنني أغمضت عيناي و رجوتها الرحيل لكنها أصرت البقاء ، أرادت أن اخبرها عن سبب ما فعلت منذ قليل كررت سؤالها مراراً ، تجاهلت إنكارها غير مصدق لكنها مازالت تصر أن أبوح لها سبب ما فعلت ..

انطلقت مندفعا اسرد لها مكنون جوفي كاملاً ، أخبرتها عني و أخبرتها عنها سردت لها قصة عشقنا عن عامين سكنا أحلامنا أسرارنا و ذكرياتنا عن هجرها لي عن قسوتها ، شكوت لها و دفعت كل الألم الذي سكن قلبي أخرجته و انفتحت عقد لساني ، و سقطت دمعة من عينها ، أهي دمعة ندم ؟ دمعه شفقة ؟ أي نوع من دمع عينيها قد يرضيني ، لكنها كانت دمعة اصدق و اقوى ، و بدأت هي بالكلام أخبرتني بصوت مرتجف :

كان لي شقيقة فهي توأمي ، صمتت كأنها تتذكر شيئا ما ، كانت تبكي و تبتسم بنفس الوقت ، أحبتك كثيراً ، أحبت عزفك و ألحانك عشقتك حتى الجنون ..

مدت يدها لتمسك يدي كانت يداها ترتجفان حزناً أم برداً لا اعلم ، أكملت :

اذكر أنها كانت ليلة ماطرة كالليلة ، قبل خمسة أعوام  كنت و هي نقف عند ناصية الشارع تلك بعد حفلة من حفلاتك ، كانت قد ابتاعت تذكرتين لي و لها لتراك ، أحبت مقطوعاتك بصدق ، توادعنا بعدها كأنها أحست برحيلها  ، قبلتني و احتضنني و قالت بدلع طفولي مصطنع : احبك يا نصفي الأخر ، تركتني و تركت عالمنا خلفها رقدت بجسد ميت و لعامين غائبة حاضره تتنفس هواءنا و يخفق قلبها مثلنا ، نائمة كأميرة أبت أن تستيقظ دون قدوم أميرها ، ثم رحلت بعدها لقد رحلت للأبد .

توقفت عن الكلام ، أزاحت دمعها عن وجنتيها بكلتا يديها كأنها تستعيد تماسكها الذي فقدته للحظات ، نظرت إلى عيناي مباشرةً ابتسمت لي عانقتني بشدة ثم مشت مبتعدة ، و أنا أقف غارقاً بذهولي .


تاريخ النشر : 2016-12-25

تم تحرير ونشر هذا الموضوع بواسطة : حسين سالم عبشل
قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق