تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
مقالات من نفس القسم
أحدث مواضيع النقاش
تجارب الرعب والغرائب
تجارب من واقع الحياة
اختبارات عقلية

الكتاب الملعون الحلقة 10 (عودة المفقود)

بقلم : بائع النرجس - جمهورية مصر العربية

إثارة وشغف لا ينتهي ..


ملخص ماسبق :

قديماً كان يوجد كتاب ملعون يضم أسرار الحضارات السابقة ، من يمتلكه قد امتلك أسرار الماضي والحاضر والمستقبل ، تسعى خلفه ملكة الظلام بجيشها الجرار حتى تصل إلى الأراضي المصرية محطمة كل شيء في طريقها ، وفي طريق آخر يسعى ملك مملكة النور هو وصاحباه للحصول أيضاً على الكتاب قبل الملكة ، ويسعى جعفر وخمري والشيخ عبد الله كذلك وراء هذا الكتاب ، ويسقط خمري والشيخ عبد الله في قبضة ملكة الظلام ، ويفقد الملك حكيم صاحبه سوماز ، و عندما يخرجوا من مأزق يسقطوا في آخر ، وأخيراً وصلوا لمملكة جن الماء ، وكذلك ملكة الظلام وصلت هي وجيشها إلى فخ صنعه جعفر بسحره الأسود ، وكانت لحظات فارقة للجميع .

* * *

وقفت الملكة بجيشها أمام هذه البحيرة الهادئة وأخذت تنظر إليها بصمت ، وكأنها تريد أن تخترق أعماقها المظلمة بنظرها الحاد ، ولكن جنودها كانوا عطشى .. حيث أنهم لم يبالوا بموقف ملكتهم من الأساس ، وتوجهوا بسرعة إلى الشاطىء وأخذوا يشربون الماء بنهم شديد من فرط عطشهم ، في حين أخذ أحد النمران يصدر صوتاً مزعجاً ويقفز و(سيور) يحاول تهدئته ، النمر الآخر أيضاً اتخذ نفس الموقف ، وأخذ يزمجر بصوت مزعج ويحاول الابتعاد عن المكان هذا ، أما (خمري) لو اقتربنا منه أكثر مخترقين صفوف الجنود .. لرأينا الشيخ (عبد الله ) يمسك بعصاته بجانبه ، وها هو الكلب ينبح بقوة ويقفز على قضبان القفص ويحشر رأسه ، فربت الشيخ على رأسه وقال لصاحبنا :

- يبدو أن صديقنا يرى شيء ما يزعجه !!

نظر (خمري) من خلال القضبان وقال وهو مندهشاً :

- لا يبدو أن هناك شيء غير عادي ؛ فالجو صافي للغاية ، وها هم أمام بحيرة ماء عذب يرون عطشهم .

رفع الشيخ رأسه إلى الهواء وقال :

- ربما ترى الحيوانات مالا نراه نحن يا ولدي ..

- أعلم يا سيدي .. لكن ربما لا يكون شيئاً مهماً يا عماه .

عقب الشيخ قائلاً :

- أو ربما هو شيئاً مهماً يابني .

ثم صمت أخيراً ، وأخذ الكلب ينبح بلا توقف ، وبعيداً عنهم .. وعلى شاطىء البحيرة تحديداً ، أخذ الجنود يشربون ويغسلون وجوههم بالماء البارد وهم يبتسمون ، وأخذ بعضهم يملأ زجاجته ليروي عطشه بعد ذلك ، وأثناء انشغال الجميع حدث شيء ما حرك صفحة الماء بقوة !! و قد لاحظ ذلك أحد الجنود فمال على زميله وقال له بصوت خفيض :

- أرأيت ذلك ؟!

أجابه زميله وهو يبتسم :

- رأيت ماذا ؟!

أشار الأول إلى سطح البحيرة وقال له :

- انظر .. ألا ترى هذا الضباب ؟!

نظر الثاني إلى البحيرة وقال متعجباً :

- عجباً هل هناك ضباب في منتصف النهار ؟! .. هل هذا حقيقي ؟

وما أن انتهى الأخير من حديثه .. حتى أخذ سطح الماء يهتز بعنف وقوة ، وظهر دخان خفيف من الفقاقيع وكأن البحيرة تغلي ، وفزع كل الجنود من الأمر واتسعت عيونهم ، وهنا قال (سيور) وهو يحاول السيطرة على نمره :

- سيدتي .. ما الذي يحدث هنا بالضبط ؟

نظرت له الملكة وقالت بثبات أعصاب عجيب :

- أعطي الجميع الأوامر بالتراجع فوراً والبعد عن البحيرة .

لم يضيع (سيور) وقتاً ولم يفكر حتى بل صرخ بجنوده قائلاً :

- تراجعوا .. ابتعدوووا عن البحيرة فوراً .
كانت تعويذة جعفر عبارة عن اخطبوط بحري عملاق !!


ارتعب الجنود خوفاً وهولاً مما يحدث للبحيرة ، وأخذوا يهرولون بسرعة مبتعدين عن شاطىء البحيرة ، وأثناء ذلك أمرت الملكة بتراجع النمران بعيداً وسار الهرج والمرج بين الجميع ، ولكن فجأة تذكر أحد الجنود انه ترك زجاجته على الشاطىء ، فقال لصديقه وهو يلتقط أنفاسه بسرعة :

- لقد نسيت زجاجتي على الشاطىء ..

هتف زميله بسرعة وهو يرفع حاجبيه :

- إياك أن تفكر بالعودة !!

قال له بسرعة وهو يتركه ليعود إلى الشاطىء :

- وهل هناك قول آخر غير ذلك ؟

صاح عليه زميله ولكنه لم يسمعه ، بل أخذ يهرول حتى وصل إلى المكان الذي ترك فيه زجاجته ، والتقطها بسرعة كبيرة لكي يعود مجدداً لصف جيشه ، وجذب نظره شيء ما يتحرك بسرعة أسفل سطح البحيرة ، فثبت مكانه وأخذ يتابع المشهد ، وأخذ يتحرك هذا الشيء بسرعة أكبر ،  فأكل الرعب قلبه وأطلق ساقيه للريح ، وأخذ يركض وقد سقطت الزجاجة من يده ولم يبالي بها ، وصاح منادياً على زميله الذي توقف لينظر إليه وقد اتسعت عيناه رعباً ، في حين ارتسمت ابتسامة على وجه الأول ، والتي سرعان ما اختفت عندما نظر إلى عيني زميله الذي فتح فمه رعباً ، وقد وقف في مكانه هو الآخر وتسمر ، وهنا التف شيء ما حول وسطه ووقف كل شيء !! ، وأخذ الكل يتابع في صمت هذا المشهد المخيف والمرعب لأقصى حد ممكن أن تتخيله ، وهنا هتف (خمري) وقد أخذ الرعب يسري في عروقه كالماء الذي يسري في البحيرة :

- ربااااه ما هذا ؟!!!

وكان الرد مرعب بمعنى الكلمة .

* * *

اتسعت عين الملك (حكيم) وهو ينظر لمن أمامه ، ومرت دقائق كالدهر الثقيل ، ثم ابتسم وهو يقول :
- أهذا معقول ؟! .. أنجوت من الموت ؟؟

أجابه و هو يمد ذراعه له ليساعده على الوقوف :

- سيدي هل من المعقول أن أراك هنا ؟!

مد الملك ذراعه له وساعده على الوقوف ، ثم احتضنه في قوة وأخذ ينظر إلى وجهه وقال وقد نسى أمر الحرب :

- لقد اشتقت إليك كثيراً ، ظننا أننا فقدناك من على الحافة .

ابتسم (سوماز) وقال :
- عمر الشقي بقي يا سيدي .

نظر إليه الملك وسأله وقد اختفت ابتسامته :

- ولكن كيف نجوت من الموت ؟!

- لهذا قصة طويلة يا سيدي ..

صمت ثم سأل الملك قائلاً :
- ولكن ما الذي أحضرك إلى هنا يا مولاي مع جن الماء ؟! .. وأين (ظفير) و(ليلى) ؟؟

ابتسم الملك وقال :

- ولهذا أيضاً قصة طويلة وليس هذا وقت القصص .

هتف (سوماز) وهو ينظر حوله :
- ماالذي سنفعله الآن ؟ ومع من نقاتل ؟!

أجابه الملك بحزم وقد أخذ قراراً سريعاً :

- لا قتال بعد اليوم .. دعنا نوقف هذه الحرب مهما كان الثمن .

هتف الآخر وقد رفع حاجبيه :

- وكيف هذا ؟!

هتف الملك بصوت عالي :

- سنحاول أن نوقف الجميع عن القتال .

وهنا نظر الاثنان لبعضهما وكأن كل واحد منهما يقرأ ما في دماغ الآخر ، ثم صرخا بأعلى صوتهما في وقت واحد وبصوت قوي :

- توقفووووا

وأخذ الصوت يتردد في الفضاء اللانهائي ويسري بين الجنود بلا توقف ..

* * *

هتف الشيخ (عبد الله) وقد وصلت إلى مسامعه صرخه رهيبة ، لدرجة أنها هزت وجدانه  وجعلته يرتعب وقال :

- ماذا هناك يا بني ؟! .. ماالذي حدث يابني ؟ وما سر هذه الصرخة المخيفة ؟!

أجابه (خمري) وقد اتسعت عيناه في رعب ، وأخذ الخوف منه مبلغاً :

- إنه أضخم وحش بحري رأيته في حياتي ؟!!

أمسك الشيخ كتف (خمري) وقال:

- رباااه .. نجنا من هذا الموقف الرهيب ولا تتركنا له ..

- ليتك تراه يا عماه .. أنه أكبر اخطبوط عملاق قد لا تراه حتى في كوابيسك ، يمتاز بأذرع طويلة لزجة فيها الكثير من الماصات المرعبة ، وله عينان تلقي الرعب في كل مكان .

اختطف الاخطبوط هذا الجندي من وسطه ، وقد لف أحد أذرعه عليه ثم أخذ يشده إلى الماء ، وقد كان الكل يتابع هذا المشهد في رعب ، والجندى يصرخ وأخذت باقي الأذرع تضرب وتمسك ، وسادت حالة رهيبة من الهرج والمرج ، وأمسكت أحد الأذرع قدم أحد النمران ، الذي أخذ يحاول التخلص منها بكل قوته ، وسقط راكبه على الأرض ، وقفز النمر الثاني بعيداً عن الأذرع القاتلة ، أما الملكة فقد وقفت في مكانها تراقب المشهد في صمت ، وفجأة وبدون أي مقدمات .. صرخت الملكة صرخة عظيمة في جنودها وهي تقول :

- اهجموا أيها الجنود ولا تتراجعوا ، ألقوا بخوفكم بعيداً عنكم  وتحصنوا بشجاعة الأبطال .

وما أن ألقت الملكة هذه الكلمات الحماسية بين جنودها .. حتى سرت بينهم كالسحر ، فهجموا بالرماح والسيوف والنبال على هذا الوحش الضخم الذي استشاط غضباً ، وأخذ يطوح بأذرعه الثمانية في كل مكان يستطيع أن يصل إليه ، فتملص منه النمر الذي كان يمسكه وهرب بعيداً وأخذ يطلق صوتاً مخيفاً ، وبعد فترة من الهجوم والضغط .. أخذ الوحش موقف التراجع ، فأخذ يتراجع إلى الخلف ويتراجع والجنود تهجم عليه أكثر ، وقد زادهم رجوعه حماساً ، وما أن عاد إلى الماء حتى فعل شيء غير عادى لوحش ضخم مثله أمام هؤلاء الجنود الصغار بالنسبة له ، لقد غاص في الماء واختفى تماماً ، وأخذ الجنود ينظرون إلى صفحة الماء غير مصدقين ما حدث أمامهم ، وبعد دقائق ظن فيها الجنود أنهم فازوا بهذه المعركة ، وأن النصر كان حليفهم ، فصاحوا صيحات النصر ، وأخذوا يتقافزون مثل الصغار فرحين بانتصارهم ، ولم يعرفوا ما يخبئه المستقبل لهم بعد .

* * *

وفي قلب البحيرة وفي هذا البرج المنيف تحديداً .. جلس ملك جن الماء على مائدة مستديرة ذات نقوش رائعة ، وأمامه جلس ملك جن الأرض بلحيته الكبيرة البيضاء وجسمه الممتلئ ، وجلس على يمينه الملك (حكيم) ، وخلفه وقفت (ليلى) و(ظفير) و(سوماز) ، في حين جلس بعض الأمراء والقادة ، وأخذ الكل يتحدثون ويهمهمون بعصبية ولا يستمعون لبعضهم ، وهنا انتفض الملك (حكيم) من مكانه وضرب سطح المائدة بقبضته وصاح :

- كفى ...

صمت الجميع ونظروا إليه فتابع قائلاً :

- لقد أتينا إلى هنا حتى نضع حد لهذه الحرب وأن نستمع إلى بعضنا ، فلا داعي لنضيع الوقت في كلام ليس منه طائل .

قاطعه ملك جن الماء قائلاً في غضب :

- إن الأشجار من حقنا نحن جن الماء .. وليست لأحد غيرنا .

قفز ملك جن الأرض من مكانه قائلاً في غضب :

- كيف تقول هذا ؟! .. إن الثمار من حقنا .

ساد الهرج مرة ثانية ، وأخذ الغضب ينهش قلوبهم ، وأخذوا يتحدثون ويضربون المائدة ، هنا قالت (ليلى) موجهه حديثها إلى (ظفير) :

- يبدو أن صاحبنا سيفشل في مهمته ..

نظرإليها بغضب وهتف :

- لن يفشل أبداً .

قالت له وهي ترفع أحد حاجبيها وتلوح شبح ابتسامة ساخرة على ثغرها :

- سنشاهد الحين ..

ثم أخذت تتابع الملك( حكيم) وهو يهتف مرة أخرى في غضب :

- توقفوووا

صمت الجميع مرة ثانية ، ونظروا إليه في صمت وقد علا وجههم الغضب ، فقال لهم :

- لا داعي أن نتكلم ونغضب على بعضنا ، دعونا نستمع لبعض ، ونقي أولادكم ويلات هذه الحرب التي لا تنتهي .

لم يعقب أحدهم بشيء .. بل اكتفوا بالصمت منتظرين قول الملك الذي أكمل قائلاً :

- يبدو أن هذه الأشجار تقع في أرض محايدة و........

استشاط الكل بعد سماع حديثه ، وأخذ الكل يتكلم ويعترض ، وهنا ابتسمت (ليلى) ل(ظفير) بشماته فاغتاظ واتسعت عيناه ، وحاول أن يقول لها شيئاً ما ، ولكنه سيطر على أعصابه  واكتفى بمتابعة المشهد مرة آخرى وملكه يقول :

- اسمعوني ..

صمت الكل من جديد وتابع قائلاً :

- نعم اسمعوني أولاً .. وإذا لم أقل كلاما يعجبكم فساعتها نتحدث ونتناقش ونصل إلى حل .
قام الملك حكيم بعمل هدنة بين الجان (elf) وانتهت الحرب للأبد ..


هز الجميع رؤوسهم بالموافقه فتابع الملك كلامه قائلاً :

- وبما أن الأشجار في مكان محايد .. فالأفضل أن نفكر كيف نستغل هذه الأشجار لمصلحة بلديكما أنتما الاثنان ؟  دعونا نأخذ هدنة لخمسين عاماً قادمة ، ولو أثمرت خلالها الأشجار ستكون ثمارها مناصفة بينكما وسترعونها سوياً ، ومن يخل بهذا الاتفاق يكون متنازلاً عن حقه فيها ولا شيء له ، وقبل كل شيء فكروا في شعبكما ، و عدد الأسر التي فقدت راعيها ، وكم أم أصبحت ثكلى على أولادها ، وكم ابن انتظر أباه أن يعود من هذه الحرب ولم يعد ، الحرب لا تجلب إلا الخراب والتراجع إلى الخلف ، دعوا شعبيكما يعيشوا في سلام ، دعوه يفكر كيف يبني ؟ .. كيف ينهض ويتقدم إلى الأمام بالعلوم والسلام ؟ وليس الحرب ..

صمت الملك .. وأخذ ملك جن الماء يتحدث مع أتباعه وكذلك فعل جن الأرض ، ثم توقفا فجأة ونظرا إلى الملك (حكيم)  فقال لهما :

- ها .. ما رأيكما ؟

نظر ملك جن الماء إلى خصمه ، ورفع أحد حاجبيه وبرم شاربه ، وظن الجميع أنه سيرفض .. ولكنه هتف :

- موافق !!

وقف ملك جن الأرض وقال وهو يبتسم :

- وأنا أيضاً موافق !!

تصافح الاثنان وهما يبتسمان ، وهنا نظر (ظفير) إلى (ليلى) في تشفي ، فأشاحت بوجهها بعيداً ، وهكذا جلب أصحابنا السلام بين جن الماء وجن الأرض ، وأنهوا هذه الحرب التي دامت لسنين بدون توقف .

* * *

فوق هذه الصخرة وقف (جعفر) بحصانه ينظر إلى الآفق الممتد بلا نهاية ، وعلى مدد الرؤيا شاهد أحد الجبال شامخاً فهمس لنفسه :

- لقد اقتربنا يا عزيزي ولا يفصلني عنك الكثير ، وسألمس بكفي أوراقك ، وستطالع عيناي كلماتك .

ثم اكتفى بالصمت وقد أخذ ينظر إلى الجبل وكأنه سيخترقه بنظره ، وقد رسم على وجهه شبح ابتسامة شيطان خبيث أتى من الجحيم .

* * *

فجأة و بدون مقدمات .. خرج هذا الأخطبوط العملاق من الماء ، وهجم على جيش ملكة الظلام مجدداً وأخذ يطيح بهم في كل مكان ، ويضرب بهم الصخور بدون رحمة وهوادة ، وانطلقت الصرخات من الحناجر، ووقفت ملكة الظلام تنظر إليه دون أن تتكلم ، في حين أخذت أذرع الاخطبوط تضرب بقوة وعنف كل ما يأتي فى طريقها ، ثم أمرت ثورها الحديدي أن يهجم عليه ، واشتبك الاثنان ، و طارت الملكة في الهواء مرتفعة بعيداً عن ثورها ، وتمكن الاخطبوط من الثور .. وقذف به بعيداً ناحية القفص الذي يضم بين جنباته صاحبنا ، فصرخ عندما شاهد الثور يندفع في اتجاهم :

- عماااه !!

وضاع صراخه وتحطم القفص بقوة ، ونهض الثور واندفع ليقاتل مرة ثانية والبخار يخرج من منخاره وكأنه بركان غاضب ، تاركاً خلفه (خمري) الذي نهض من بين الحطام وهو يترنح ، وقد سال خيط من الدم من رأسه وفمه ، وقد أحس أن العالم من حوله غير مستقر، وأن صداعاً رهيباً يعصف برأسه ، ولكنه سرعان ما استعاد توازنه ، واستطاع أن يسيطر على أعضائه ، وأخذ ينظر حوله باحثاً عن عمه ، فسمع نباح الكلب فنظر ناحيته فوجده يقف بجوار عمه الذي ارتمى على بطنه ، فجري باتجاهه والخوف عليه قد أخذ ينهش قلبه ، فهتف وهو ينحني له ليطمئن عليه :

- عماه .. هل أنت بخير ؟!

رفعه إليه وحاول أن ينظر له .. فقال له بأنفاس متقطعة تقطع القلوب :

- ليس هناك وقت ياولدي .. فقد حان وقت الرحيل أخيراً .

نظر إليه وقد ترقرقت الدموع في عينيه و هو ينظر إلى صدره وقد انغرست فيه عظمة كبيرة من القفص ، والتي انفصلت عنه لتستقر في صدره ، وقد انتشرت الدماء بشكل كبير ..

- لا تبكي يا ولدي ، ارحل و اتركني هنا .

- لا لن أتركك هنا .

- لا داعي لهذا .. فلا يضر الشاه سلخها بعد ذبحها ، اهرب يا بني ولا تدع هذه الفرصة تفوتك ..

أزاح الشيخ يد (خمري) واستجمع أنفاسه الأخيرة  وهو يهتف :

- اهرب .. اهرب ..

وقف (خمري) وهو في قمة الحزن على مصير الشيخ ، ثم خطى خطوتين ونظر إليه مرة ثانية فوجد أنه قد فارق الحياة !!  فعاد إليه بسرعة واحتضنه وأخذ يبكي ويصرخ عليه ، ومرت ثواني ثقيلة كالدهر .. ثم توقف فجأة ووضعه على الأرض ووقف في بطء ، وأخذ الكلب يهز ذيله بجواره ويصدر صوتاً وكأنه يواسيه ، ثم انطلق الاثنان بعدها ليختفيا بعيداً عن الجيش ، مستغلين انشغالهم بالقتال مع هذا الوحش البحري الضخم والمخيف ، وفجأة أضاء صولجان الملكة وغشي النور البصر ، وتوقف كل شيء بعدها ، ثم عاود الضوء إلى الخفوت وقد اختفى معه هذا الوحش البحري ، ثم عادت الملكة إلى ظهر ثورها الحديدي ، وتقدمت ناحية البحيرة الذي أخذ مائها يغلي ويفور ليختفي مع الوقت ، حتى اختفى تماماً ، وأخذ كل ما تبقى من جيشها يحاول الوقوف وإعادة الصفوف مجدداً ، وتركوا جرحاهم كالعادة وأكملوا طريقهم وكأن شيئاً لم يحدث معهم .
 
* * *

جلس (حكيم) ورفاقه في هذه الشرفة ذات التماثيل الرخامية البديعة والنباتات المتسلقة ذات الزهور المختلفة الألوان ، وهناك تقبع في الخلفية هذه البحيرة الجميلة ، وأشعة الشمس التي تنعكس على صفحتها بشكل أسطوري ، وقد كانوا يستمعون إلى (سوماز) وهو يقول :
- عندما سقطت من على الجرف وأخذت أشاهد وجه (ليلى) وهي تبتعد إلى الأعلى وأنا أهوي إلى الأسفل ، حتى ظننت أن النهاية قادمة لا محالة ، ولكني سقطت فى الماء ، و وجدت نفسي أسبح مع التيار ، وظننت أنني نجوت من السقوط للموت في الماء ، فبرغم محاولاتي المستميتة للخروج .. كان التيار شديداً جداً ، وأخذت اصطدم في الصخور حتى بدأت أفقد الوعي ، وأخذت أرى كل شيء مموه ، و رأيت مجموعة من الحيوانات الضخمة ترتاد الماء لتشرب ، ثم فتح أحدهم فمه وظهرت أسنانه الضخمة والتقمني بعدها على الفور ، وأظلمت الدنيا وغبت عن الوعي تماماً .

* * *

لفظ هذا الحيوان الضخم صاحب العنق الطويل (سوماز)  فجأة خارج فمه ، فأغمض صاحبنا عينيه ليتحاشى نور الشمس القوي ؛ فعيناه لا تستطيع تحمل ضوء الشمس ؛ لأنه مكث فترة طويلة داخل فم هذا المخلوق ، ثم رفع ذراعه من على عينيه حتى يخفف الضوء قليلاً ، حتى استعاد القدرة على الرؤيا ووضح المشهد أكثر ، وكان كل شيء حوله مموه ،  فوجد حوله مجموعة من الأشخاص ينظرون إليه في دهشة ، وسمع أحدهم يقول وهو يشير إليه :

- إنه من البشر

حاول أن ينظر إليهم بشكل أوضح ، حتى تتبين ملامحهم ، ولكنه كان يواجه صعوبة في الرؤية بشكل أوضح ، فقد كان يراهم وكأنهم أشخاص بلا ملامح ، وأخذت الرؤية تتضح تدريجياً  فظهرت ملامحهم ، كانوا عبارة عن ثلاثة أشخاص لهم عيون واسعة ذات لون أخضر ، وأذان طويلة من الجانبين ، ووجوه بيضاوية بيضاء تحاكي وجوه الملائكة ، وشعور طويلة ذات لون أبيض تنسدل خلف ظهورهم ، وملابسهم المزركشة ذات الألوان الزاهية ، وهنا قال صاحبنا متسائلاً :

- أين أنا ؟

- أنت في أرضنا أيها البشري .

حاول (سوماز) أن يقف وسأل مرة آخرى :

- وأي البلاد هذه ؟!

أجابه الآخير قائلاً :

- أنت فى بلاد ال......

قاطعه أولهم  قائلاً :
- الأفضل أن نذهب به إلى الملك لينظر في أمره .

صمت الثلاثة قليلاً وكأنهم يفكرون .. ثم قال أوسطهم :

- عندك حق .. الأفضل أن نذهب به الملك .
أرض الجان .. من أفضل وأجمل الأراضي علي الاطلاق .. تمتلك خير وفير ونساء تمتاز بجمال خلاب للغاية ..


ساعد الثلاثة (سوماز) على الوقوف ، ثم أمر أحدهم أحد هذه الحيوانات الضخمة بإشارة معينة فبرك على الأرض ، وصعد على ظهرة صاحبنا ورافقه آخر ، وركبا الآخران حيواناً آخر وانطلقوا متجهين إلى قصر ملكهم ، ولم يعرف صاحبنا إلى الآن من هم ، ولا إلى أى بلد يتجهون ، وبعد ساعات من السير تحت أشعة الشمس المحرقة .. وصلوا إلى غابة ضخمة من الأشجار العالية والضخمة ذات الغصون المتشابكة ، وبعد أن توغلوا فيها .. رأى صاحبنا مجموعة من الأشباح تتقافز هنا وهناك بين الأغصان ، وظن أنهم مجموعة من القرود أو أنهم ربما مجموعة من حيوانات النمس ، ونظر فوقه .. فرأى أن أشعة الشمس لا تستطيع أن تتخلل هذه الأغصان المتشابكة والمورقة ، وقد انتشرت الطيور الملونة والمغردة بين الأغصان ، وبين الحين والآخر يصدر هذان الحيوانان صوتاً مخيفاً ، ومع التوغل بانت ملامح هذه الأشباح التى تتقافز بين الأغصان ، إنهم مجموعة من الأطفال في مختلف الأعمار ، متشابهين في الشكل بشعورهم البيضاء الناصعة ، وعيونهم الخضراء الواسعة ، وقد أخذوا ينظرون إليه في استغراب ، وبعضهم كانوا يقذفونه بالثمار ، وبين الحين والآخر يطلقون الضحكات العالية ، ومن بعيد ظهرت مدينة كبيرة تحتل جذوع هذه الأشجار ، فقد نحتت بها منازل وقصور ذات نوافذ زجاجية وشرفات بديعة المنظر ، وقد وقف أصحابها جميعاً يتابعون الركب وهو يتجه إلى قصر الملك ، الذي احتل أضخم جذوع الأشجار وأطولها ، وعلى مقربه منه .. توقف الحيوان الذي يحمل صاحبنا ، ثم برك وهبط صاحبنا وترجل ، حتى وقف أمام رجل من ملامحه نعرف أنه كبير بالسن ، يضع على رأسه تاجاً من الذهب والماس يمتاز بتشكيل نباتي جميل المنظر ، وقد زينت وجهه لحية بيضاء قد وضع فيها بعض القطع الذهبية ، وبيده كان يقبض على غصن أخضر به أوراق وزهور جميلة يانعة ، وكان بجوراه تقف إمرآة سبحان الله في جمالها !! حتى مع شعرها الأبيض المسترسل خلف ظهرها ، وبجواره من النحاية الآخرى .. وقف شاب في مقتبل العمر بقوام رياضي وحلة بديعة الألوان والنقوش ، انحنى الرجلان أمام ملكهم ، ووقف (سوماز) ينظر وهو منبهر بالمكان ، وبما يحدث ،  فابتسم الملك وقال موجهاً حديثه لصاحبنا :

- أهلاً بك يا بني في ديارنا ..

ثم ابتسم ومد ذراعه ليسلم عليه :
- لقد شرفتنا .

تردد صاحبنا .. فلم يتوقع أن ينجو من الموت ليأتي إلى هنا ليلاقي الترحيب ،  ولكنه لم يفكر كثيراً .. بل صافح الملك وقد وثق به :

- في الحقيقة الشرف لي يا مولاي .

أخذه الملك إلى داخل القصر وقال له :

- التمس لأطفالنا العذر إذا كانوا استقبلوك بشكل غير لائق .

لم يسمعه صاحبنا ..  بل أخذ ينظر حوله وهو مندهش بما يراه داخل هذا القصر !! ،  وقد كان أجمل شيء يمكن أن يراه إنسان في حياته ، فقد كان مزين بالرسوم والستائر والتماثيل المرصعة بالماس والذهب في كل مكان ، وأخذ يقول له :

- أحب أن ارحب بك فى بلادنا يا بني ... بلاد جن الأرض .

وهنا بهت صاحبنا وكأنه ضربته صاعقة وهتف :

- جن الأرض ؟!!

- نعم يا بني جن الأرض .. وأنا أشعر بخوفك هذا الذي لا داعي له ، فنحن مسالمين ولا نحب إيذاء غيرنا ، وأهلاً بك ضيف كريم في قصرنا مهما طالت مدة مكوثك عندنا .

- وأريد أن أعرفك على ابني (رمال) .. إنه الوحيد لدي .

لم يتحدث صاحبنا و كأن القطة أكلت لسانه ، فتابع الملك وهو يربت على ظهره :

- اليوم أنت متعباً ، لا نريد منك أي شيء لتخبرنا به عن قصتك ، كل ما عليك أن تفعله اليوم يا بطل .. هو أن تأكل وتغتسل وتنام ، وبالغد نسمع منك كل شيء عنك .

حاول صاحبنا أن يقول شيء ما .. ولكن الملك قال :

- لا داعي لتقول أي شيء ، وسيهتم بك ابني (رمال) وسيكون لك خير رفيق .

هتف الأمير(رمال) وقال :

- بعد إذن مولاي ..

أشار له الملك فغادرالأمير وبصحبته (سوماز) ، وأخذا يصعدان الدرج ليصعدا إلى غرفة سوماز المرجوة ، وفي نفسه كان يوجد سؤال واحد :

- ترى .. ماذا حدث لأصحابي من بعدي؟

والإجابة كانت عند الله وحده .

* *

هل سيهرب خمري  أم سيسقط مرة ثانية في قبضة الملكة ؟
من هي الأميرة يمامة ؟ وما هي قصتها ؟ وما هو دورها في روايتنا ؟
هل سينتهي دور الشيخ عبد الله هنا ؟
ما هو دور الأمير رمال في الأحداث ؟

لتعرف الإجابات لا تشغل بالك .. انتظر الحلقة القادمة لتقاتل مع أبطالها ، وانتظر المزيد من التشويق والإثارة ..

سؤال الحلقة :

هل سيقابل خمري اخته ليلى في الحلقة القادمة ؟؟ .. أم أنه يوجد المزيد من الأحداث ؟


تاريخ النشر : 2017-01-08

تم تحرير ونشر هذا الموضوع بواسطة : توتو
قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق