تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
مقالات من نفس القسم
أحدث مواضيع النقاش
تجارب الرعب والغرائب
تجارب من واقع الحياة
اختبارات عقلية

التحنيط الذاتي عند البوذيين

بقلم : حسين سالم عبشل
للتواصل : Husseinsalem900@gmail.com

صورة لمؤمياء كاهن بوذي مارس التحنيط الذاتي

 ليس من المستغرب أن نسمع عن حوادث  ظهور الأشباح في المتاحف ، فهذه المتاحف تعج بكل ما هو قديم و اثري و ربما ارتبطت بأمور ما ورائية أيضاً ، فكلنا سمعنا عن لعنات الفراعنة و المومياء الملعونة ، و لهذا تم عمل فلم من أنتاج هوليوود بعنوان ليلة في المتحف ، و يتحدث الفلم بشكل كوميدي عن حارس يقضي الليل بحراسه المتحف و يكتشف أن التماثيل و المومياوات تدب بها الحياة عند منتصف الليل ، و قصتنا اليوم ليست عن لعنه الفراعنة و مومياواتها و أنما عن مومياء من نوع أخر ، حصلت هذه الحادثة في احد المتاحف بجمهورية بورياتيا جنوب إقليم سيبيريا التابع لروسيا ، ففي ليلة باردة من عام 2016 م و بعد أن أغلق المتحف أبوابه ، شعر الحراس بوجود حركة داخل المكان و عند مراجعتهم لأشرطة كاميرات المراقبة ، ظهار لهم ما لم يكن بالحسبان ، حيث التقطت كاميرات رصد الحركة لقطات لما يبدو أنه مومياء راهب بوذي تتحرك داخل المتحف ، و عندما فتح الحراس الأبواب وجدوا الجثة في مكانها بالضريح الزجاجي ، و الغريب بالأمر أن الصور التي التقطتها الكاميرا واضحة كما عرضها مدير المتحف و صرح بذلك للأعلام .

الصورة التي التقطتها كاميرا المراقبة ويظهر فيها الراهب يتحرك وفي الاعلى صورة المتحف

ورغم أن الشكوك تحوم حول هذه الحادثة حيث يعتبرها البعض مجرد خدعة بغرض زيادة عدد الزوار و جلب الشهرة للمكان ، إلا أن هناك من يعتقد أن الراهب لم يمت و لكنه انتقل إلى حاله روحية عليا و أصبح مقدساً .

فما قصة ذلك الراهب و كيف تحول لتلك الحالة ؟

المومياء تعود للراهب البوذي لاما داشي ايتيجيلوف الذي ولد في روسيا عام 1852م ، حيث تربى و تعلم في معبد بوذي و أصبح زعيم للبوذيين بروسيا و لمع نجمه و اشتهر بعهد روسيا القيصرية و شارك في احتفالات عائلة رومانوف الحاكمة بذلك الوقت و افتتح معبد بوذي في مدينة سان بطرسبرج الروسية عام 1913م بحضور عدد من أمراء العائلة الحاكمة ، لكن هذا الوفاق مع السلطة الحاكمة لم يدم طويلاً ، ففي عام 1917 م اندلعت الثورة البلشفية و تم القضاء على الأسرة القيصرية و قامت الدولة السوفيتية الشيوعية التي حاربت جميع الأديان والمعتقدات الروحية وبضمنها البوذية طبعا ، مما اضطر الراهب ايتيجيلوف للتخفي و إغلاق مقراته .

صورة للراهب ابتيجيلوف اثناء حياته وبعد مماته وتحوله إلى مومياء

وفي عام 1927 م توفي ايتيجيلوف بعد أن مارس طقس التحنيط الذاتي لفترة من الزمن وتم دفنه في حجرة صغيرة تحت الأرض بدون علم السلطات بذلك الوقت ، وقد فتح أتباعه قبره عام 1955م لكنه لم يكن قد أكمل التحول ، و تم إخراج المومياء عام 1973م و هذه المرة كان التحول قد تم بنجاح باهر ، حيث أن مومياء الراهب كانت بوضعيه  جلسه القرفصاء أو ما يسموه الرهبان بجلسة زهرة اللوتس .

صورة مقربة لمومياء الراهب تظهر ان جسده مازال سليم بصورة كبيرة

الغريب بالأمر أنها كانت طرية و أعضاء جسده الداخلية لا زالت سليمة نوعاً ما و حتى مفاصلة لينة و يُسهل تحريكها ، و كأن الجثة لشخص مات قبل 36 ساعة و لم يؤثر بها طول الزمن ، و تم وضعه في ضريح زجاجي و أصبح مزاراً للناس .

لكن كيف استطاع الكاهن تحنيط نفسه و ما هو طقس سوكو شينبوتسو ؟

بعد وفاه بوذا مؤسس البوذية ، انتشرت أفكاره وتعاليمه بالهند و الصين و امتزجت مع الهندوسية  و انتقلت لليابان و وصلت إلى ولاية ياما جاتا اليابانية و كان ذلك في بداية القرن 11  و كانت بدايتهم في منطقة دايو المحاطة بالجبال و أشهرها جبل يودونو  ، حيث كان الرهبان يعيشون حياة التقشف و الزهد و ممارسة التأمل و تحمل الألم ، وكانت لهم القدرة على تحمل الماء شديد البرودة و البقاء بدون طعام لفترات طويلة جداً ، و هناك تأسست مدرستهم التي أطلق عليها اسم فاجريانا و تعني كلمة الحقيقة و يطلق على أتباعها لقب شينجن .

طقس التحنيط الذاتي  Sokushinbutsu  :

السوكو شينبوتسو هو طقس كان يمارسه زعماء البوذيين بين القرن 11 و حتى بداية القرن 19 ميلادية ، إلى أن تم منعه من قبل الإمبراطور ميجي عام 1877م .

الامبراطور ميجي .. امبراطور اليابان .. عهده شهد تحديث اليابان وجعلها قوة عظمى

عندما يتقدم الراهب البوذي بالسن و يشعر انه محتجز داخل جسده الضعيف ، فأنه يقوم بتجويع نفسه وأكل القليل من الطعام و شرب بعض الخلاصات العشبية التي تساعده على فقدان الشحوم من جسمه ، و بعد فترة يدخل الراهب إلى قبر مخصص له و يموت بذاك المكان و بعد فترة يخرجه أتباعه و يضعوه بالمتحف .

مراحل طقس التحنيط الذاتي  Sokushinbutsu:

طقس السوكو شينبوتسو يستمر لمدة 1200 يوم ، أي حوالي 3 سنوات و ثلاثة شهور ، و له ثلاث مراحل هي كالتالي :

1 – المرحلة الأولى :

التخلص من الدهون هي اهم عامل في نجاح التحول

عندما يبلغ الراهب سن الثمانين أو التسعين و يقرر عمل طقس السوكو شينبوتسو ، فأنه يتبع نظام غذائي قاسي جداً ، حيث يمتنع عن الأكل المعتاد من رز و لبن و غيرها من الأكلات ، و يكتفي بأكل المكسرات و التوت البري و بعض البذور ، وذلك للتخلص من الدهون ، وهذه العملية تعد أهم عامل في نجاح التحول . هذا طبعا إضافة إلى ممارسة التمارين الجسدية المرهقة من اجل التخلص من دهون الجسم ، و تستمر هذه المرحة ألف يوم.

2- المرحلة الثانية :

شجرة يورشي التي يشرب منها الرهبان وهي سامة جدا

في هذه المرحلة يقلص الراهب أكله إلى ابعد الحدود ، حيث يقتصر طعامه على جذور الأشجار و بعض أوراق أشجار الصنوبر الحادة ، و يتوقف عن ممارسة التمارين الجسدية و يستبدلها بالتأمل العميق ، لان هذا التأمل يساعده على نسيان الم الجوع و يساعده في الانتقال للمرحلة الأخيرة ، أثناء ذلك يشرب الراهب شاي اليورشي  Urshi  و هو شاي مستخلص من شجرة ذات أوراق سامة تستعمل في طلاء أواني الفخار و الأثاث ، و لكن الرهبان يستخدموها في هذا الطقس بحيث يشرب الكاهن الشاي المستخلص من أوراقها ، لأنها تسبب فقدان السوائل من الجسم ، و تزيد التبول و القيء و الإسهال ، كما يترسب سمها بجسم الكاهن طوال هذه الفترة ، من اجل حفظ جثته من الحشرات و البكتيريا لاحقاً.

3- المرحلة الثالثة و الأخيرة :

بعد هذه المعاناة الطويلة من الجوع و الألم يتسلق الراهب احد الجبال و يدخل في حجرة ضيقة جداً بالكاد تتسع لجسده حيث يغلق عليه أتباعه الحجرة و يتركون له أنبوب مصنوع من قصب الخيزران لكي يتنفس منه ، و يظل هناك بلا طعام أو شراب بما يشبه الدفن حياً ، و يقضي الراهب أيامه الأخيرة بالتأمل العميق و يقرع صباح كل يوم جرس وضع معه بالحجرة لكي يعلم أتباعه انه ما زال حياً ، و عندما يتوقف عن قرع الجرس ، يعرف أتباعه انه قد مات ، فيقومون بنزع أنبوب التنفس من الحجرة و يغلقوها بأحكام ، و بعد ألف يوم ، يفتح الأتباع باب الحجرة و يخرجون جثته التي صارت مومياء ، أي أن الراهب نجح في التحول إلى سوكو شينبو تسو ، ثم ينقلوه إلى المعبد و يتم تقديسه و معاملته على انه لا زال حياً ، فيتم تغيير ملابسه سنوياً و يوضع في ضريح به أنواع من البخور للمحافظة عليه ، حيث يزوره الناس و يقدسوه .

نلاحظ الاهتمام بالمومياء من ناحية النظافة و تغيير الملابس

أظهرت الدراسات الحديثة بالأشعة السينية أن بعض المومياوات تحتوي على أحجار صغيرة ، ربما ابتلعها الرهبان للتخفيف من الم الجوع.

طقس التحنيط حياً ليس بالأمر السهل ، فمنذ القرن 11 إلى بداية القرن 19 ، لم ينجح سوى 24 راهب بالتحول إلى مومياء ، و قد فشل الكثيرون في ذلك ، نتيجة عدم قدرتهم على تحمل المشقة خصوصاً أن أعمارهم قد تجاوزت الثمانين عام ، أضافه إلى طقس اليابان شديد الرطوبة الذي يتسبب في تلف المومياء ، كما أن تربة اليابان لاذعة و بهذا فمن الصعوبة بقاء المومياء سليمة .

الرطوبة و عوامل أخرى تسببت في تلف اغلب المومياوات

أما أول من نفذ طقس التحنيط الذاتي فهو الراهب كوكاي و الذي عرف لاحقاً بلقب  كوبو دياشي ، حيث عاش باليابان قبل ألف عام وهو مؤسس مدرسة الشنجون ( كلمة الحقيقة ) .

و كان الراهب تيتسو ريوكاي  أخر من يقوم بهذا الطقس ، حيث تم دفنه في عام 1878 م ، و بعد ألف يوم لم يستطع أتباعه أن يخرجوه من ضريحه ، لان قرار منع هذا الطقس كان قد صدر عام 1877م من الإمبراطور ميجي ، و خوفاً من اعتقالهم ، تسلل أتباعه لضريحه سراً و اخرجوا المومياء و وضعوها بمعبد نانا جاكو و غيروا تاريخ الوفاة إلى 1862م بحيث يكون قبل صدور هذا القرار .

مومياء الراهب شاينيو كاي أشهر مومياء باليابان

أما بخصوص المومياء الأشهر باليابان ، فهي مومياء الراهب شاينيو كاي الموجود في معبد داين شي بوو في منطقة منت يودو ، حيث كان حلم هذا الراهب منذ الصغر أن يتحول إلى مومياء مقدسة ، وقد فشلت محاولته الأولى لأنه لم يستطع التحمل ، لكن في عام 1784م استطاع تحقيق حلمه وهو بعمر 96 عام عندما ضربت مجاعة شديدة بعض مناطق اليابان ومات بسببها مئات الآلاف من السكان ، فقرر ذلك الراهب صعود للجبل والتحول ، لأنه شعر انه بعمله هذا سوف يساعد بزوال المجاعة ، و بعد 3 سنين انتهت المجاعة عام 1787م و نجح الراهب بالتحول لمومياء ، لهذا يقدسه اليابانيون ويحترموه لأنه يمثل روح المثابرة و التضحية .

المومياء المهربة التي عثر عليها بمنغوليا

و لكن ليس جميع المومياوات تنال الحظ الوافر من التقديس ، فهناك منها من تعرض للسرقة و التهريب بغرض بيعها في السوق السوداء ، و هذا ما حصل في يناير عام 2015 م في محافظة سونجون خير خان بمنغوليا ، حيث تم ضبط مومياء حاول المهربون تهريبها على أنها بضاعة مغطاة بجلود الحيوانات ، و تم أخذها و وضعها في متحف اولان باتور عاصمة منغوليا .

و قد صرح الباحثون أن المومياء تعود لراهب عاش بالجزء الشرقي من الهند قبل 200 عام ، و تبدو المومياء بحاله ممتازة ، حتى ظن الناس أن الراهب ربما كان في حالة تأمل عميق و ربما يفيق ويعود للحياة.

ملاحظة :

- اعتقد الرهبان بذلك الوقت أن هذا النوع من التحنيط هو نوع من الانتقال إلى مرحلة من مراحل التأمل وليس انتحار.

- الدراسات الحديثة أثبتت أن تلك المومياوات ليس بها حياة ، و لم يثبت بالتاريخ أن أي منها عاد للحياة مرة أخرى. 

المصادر:

10 Facts You Should Know About Self-Mummification listverse

The Gruesome and Excruciating Practice of Mummifying

Sokushinbutsu - Wikipedia

Buddhist mummies - Wikipedia


تاريخ النشر : 2017-01-17

تم تحرير ونشر هذا الموضوع بواسطة : اياد العطار
قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق