تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الزهرة السامة

بقلم : بائع النرجس - مصر

الجاسوسة التي خانت وطنها وتحولت قصة حياتها لفيلم سينمائي

خطوات قليلة تفصلها عن الموت ، الدموع تتساقط من عينيها و كأنها بركان يلقي بحممه الساخنة على وجنتيها ، الألم يعتصر قلبها .. تقف في غرفة ليست بكبيرة بها عدة أشخاص تكاد لا تميز وجوههم من كثرة الدموع ، الغرفة رمادية رائحة الموت تسكن بين جنباتها ، تكاد تجزم أنها تسمع أصوات بكاء و صراخ أناس لاقوا مصيرهم الأخير في هذه الغرفة الكئيبة .. لم تتوقع يوماً منذ أن ولدت أن تدخلها بأي حال من الأحوال ، فهذا بعيد عن تصوراتها و خيالها المريض ، كل تاريخ حياتها كان يمر أمام عينيها و كأنه شريط سينمائي ، في حين أخذ أحدهم يقول لها شيئاً ما ، لكنها لم تسمعه و قد ركزت نظرها على ذلك الشخص الذي وقف ينتظرها لينهي حياتها بعد لحظات معدودة ، و أخذت الدقائق تمر و كأنها دهر ، و تمنت مليون مرة أن يتوقف الزمان عند هذه اللحظة ..

 دق قلبها بعنف ، انهارت و لم تستطيع السير بعدما اقتادها شخصان بالقوة إلى مصيرها المحتوم ، لم تستطيع الصراخ فهي تعلم جريمتها جيداً ، و تعرف أن ثمن جريمتها هو حياتها ، و رغم علمها أقدمت عليها بلا تردد ، انهمرت الدموع مدراراً ، و هنا يعجز قاموس الكلمات عن وصف هذه اللحظة .. لحظة الإقبال على الموت ، ذلك الشيء الذي يعجز أمامه أعتى الجبابرة ، و يخر أمامه ملوك الأرض ، تاركين خلفهم كل شيء ، و في صمت توضع الأنشوطة حول عنقها ، تنظر لمن حولها و كأنها تترجاهم في صمت مهيب ، و لكن دموعها و توسلاتها الصامتة لم تشفع لها ، و قبل أن يجذب (عشماوي) أرضية المشنقة لتسقط إلى الهاوية ، تذكرت جريمتها منذ البداية و كانت بداية غير أي بداية ، و راحت تتذكر .. و تتذكر

* * *

هبة سليم

ولدت وترعرعت في ترف 

عندما تسمع هذا الاسم لأول مرة تظن أنه اسم سينمائي لممثلة ما .. و لعلمك لم يخب ظنك أيها القارئ فهي ممثلة من نوعٍ خاصٍّ جداً .. تعال لنتعرف عليها أكثر

نحن نتحدث هنا عن عام 1967م ، إنها ( هبة عبدالرحمن سليم عامر ) ، مواطنة مصرية كان والدها يعمل وكيلاً بوزارة التربية و التعليم ، و من الطبيعي أن تعيش حياة المترفين ، حيث أنها كانت تقطن في حي المهندسين ، ذلك الحي الذي اشتهر في ذلك الوقت بأعالي القوم .. كانت حياتها فارغة مثل أي فتاة في سنها ، لا تحلم غير بالأزياء و الماكياج و الموضة ، ولا أحاديث لها مع أقرانها ذوات الحسب و النسب غير ذلك ، كانت في ذلك الوقت قد حصلت على شهادة الثانوية العامة بنجاح ، و كانت من رواد نادي الجزيرة ..

في هذا الوقت كانت مصر على صراع محتدم مع إسرائيل ، و تعاني من النكسة التي كلفت مصر الكثير ، و كانت نفوس المصريين محطمة و رغم ذلك لم تبالي (هبة) بما يحدث حولها ، بل واصلت أحلامها الوردية و سعت لتحقيقها ، و كانت أول خطوة هي أن تسافر إلى باريس .. أخذت تشحذ كل طاقتها لتنفيذ ما عزمت عليه ، و أخذت تلح و تتوسل متحججة بأقرانها في النادي و بأنها ليست أقل منهم في شيء .

و تمر الأيام حتى يتساقط سور رفض الأب أمام إصرارها العجيب ، و كانت هذه أولى خطوات النهاية في مشوار حياتها ، فقد كان القدر يخبئ لها المزيد من الأشياء التي لم تكن تتخيلها أبداً ..

الرحلة إلى بلد النور (تذكرة النهاية)

سافرت إلى فرنسا

هذه باريس .. عاصمة النور و الحرية في كل شيء ، كانت تتكلم الفرنسية بطلاقة و هذا ما ساعدها على الانطلاق بهذا المجتمع الذي لا حدود فيه ، و وجدت أن الدراسة مختلفة كل الاختلاف عن مصر ، فهي من تحدد المواد التي تدرسها و متى تمتحن فيها ، كانت الحياة في باريس بالنسبة لها هي الجنة في الأرض ، و لهذا لم تضع حدوداً لها و لا لعلاقاتها الجامعية أو الشخصية ، بل باتت منطلقة و مندمجة مع الجميع .. يهود غير يهود لا يهم ، المهم الاستمتاع بالوقت لأبعد الحدود ، و تمادت أكثر و أكثر حتى انخرطت معهم ، و صارت تحضر حفلاتهم و تأكل من طعامهم ، و ذلك من خلال صديقة لها بالجامعة من أصل يهودي .

و لأن إسرائيل كيان صهيوني متشابك و متكتل لخدمة هدف واحد ، كان من الطبيعي ألا يضيعوا هذه الفرصة الذهبية ، و ساقوا عليها ضباطاً من الموساد كانوا يحضروا هذه الحفلات الخاصة بانتظام ، و يغسلون مخها بشكل غير مباشر ليغيروا أفكارها و يجعلوها تشاهد أفلاماً عن إسرائيل لترى كم هو بلد حضاري ، و أن الصورة السيئة التي أطلقها العرب عليهم ما هي إلا محض افتراء ..

و لا ننكر أن أحوال هذه الفترة بسبب النكسة ، و إشاعة أن جيش إسرائيل جيش لا يهزم ، و أن أمريكا هي حامي الحمى و لن تترك صغيرتها تهزم أمام المصريين قد ساعدهم كثيراً في مسعاهم ، و بهذا رسخت صورة إسرائيل في ذهنها أن جيشها لا يهزم .. و أثناء ذلك ساعدها أستاذها الجامعي لتمدد فترة دراستها في فرنسا إلى عامين ، و أثناء هذه المدة نجح الموساد بتجنيدها لتجند بدورها الطلاب المغتربين في باريس .. حيث أنهم أغدقوا عليها الأموال و وعدوها بتحقيق أحلامها ،  و من المؤكد أن صاحبتنا لم تنظر إلى الهدايا أو علب الماكياج الغالية الثمن أو إلى الملابس المترفة ، و لكنها كانت مقتنعة تمام الاقتناع أن إسرائيل هي الحلم القادم لها .. و هكذا نسيت كل أفكارها و قناعاتها عن بلدها التي عاشت و ترعرعت فيه !!

فاروق الفقي

و بدون تفكير قررت أن ترد صاحبتنا الجميل لهم بشكل مختلف ، و لم تتردد كثيراً ، بل سعت إلى تجنيد (فاروق الفقي) أحد الضباط في أول رحلة لها للعودة إلى مصر ، بعد أن عرف ضابط الموساد من خلال حديثها أنه يحبها و يطاردها فقرروا الاستفادة من هذه العلاقة ، لهذا أصلحت علاقتها به و بدأت تستغله لصالحها ، حتى أنها وافقت على خطبته لها ، و حضر الخطبة لفيف من الضباط ، و كانت حديث رواد نادي الجزيرة و الأوساط الراقية آنذاك ..

 أخذت هبة تسأل فاروق عن أماكن الصواريخ المصرية و قواعدها ، و باستغلال أنوثتها و دلالها الذي يفوق الوصف ، و ذكائها الحاد و ثقافتها نجحت في تجنيده لصالح الموساد و هي بدورها لم تضيع الوقت ، بل كانت ترسل المعلومات بكل إخلاص ، و الخرائط العسكرية بدون توقف ..

ضابط في مهب الريح

 بعد إعلان الخطوبة بدأت تفتعل معه الكثير من المشاكل ليبرر لها غيابه بسبب عمله على الجبهة ، و من خلاله و بشكل غير مباشر عرفت أن هناك صفقة مصرية روسية لمجموعة من الصواريخ سيكون لها تأثير قوى عند القوات المصرية في الحرب المقبلة أي حرب أكتوبر 1973

منظومة سام المصرية المضادة للطائرات

بدأت هي باستدراجه ، و هو بكل بساطة أخذ يحضر لها الخرائط و يشرح لها مكان قواعد الصواريخ ، و هي بكل أمانة ترسل المعلومات بكل دقة إلى الموساد الإسرائيلي ، فقد أتقن الموساد تدريبها جيداً ، و رغم ذلك كانت تعامله بتعالي واضح ، و تسخر منه و من ثقافته المتواضعة ، و كان دائماً ما يشعر بالنقص و بصغر حجمه أمام ثقافتها الغربية ، و لهذا كان يعد لها مفاجأة ليتفاخر بعمله ، و أخذها لشقته ليكشف أمامها قواعد و مخازن أسلحة ، و بدون تأخير ترسل الأخبار لفرنسا ليرسلها بدوره ذلك الضابط إلى إسرائيل و يتأكد الجانب الإسرائيلي من صحة المعلومات ، و هنا تطلب من الضابط الإسرائيلي أن يرعاها ، و أن يقدر مدى أهميتها

و كانت الصاعقة أن ضربت هذه القواعد قبل أن يجف الاسمنت في البناء ، و تكرر الأمر أكثر من مرة ، و حار الجانب المصري و المخابرات ، و عرفوا أنه لابد أن يكون هناك جاسوساً ما بين صفوف الجيش ..

قامت المخابرات المصرية بدائرة كبيرة من التحريات الخاصة و السرية و لم يصلوا للجاسوس الخفي ، حتى قال أحد الجنود أن المكان الخاص بالضابط (فاروق) يوجد عليه لاسلكي ، و لا يعرف سبب وجوده ، و بالكشف و بالتضييق عليه اعترف بكل شيء ، و استغل من قبل الجانب المصري كعميل مزدوج لفترة ، ثم أعدم .. و عرف بأمره أنور السادات و انكشف أمر (هبة)

سقوط الزهرة السامة

صورة تجمع هبة مع فاروق في امسية ساهرة

حارت المخابرات كيف تقبض على (هبة) - التي كانت في فرنسا - قبل أن ترحل إلى إسرائيل إذا عرفت بأن أمرها قد انكشف ، و كان هناك حلان لا ثالث لهما .. الأول استدراجها إلى مطارات (ليبيا) حيث كان يعمل والدها في مجال التعليم هناك ، أو تصفيتها حيث أنها خطر كبير فقد بدأت بتجنيد الكثير من العرب المغتربين في فرنسا و قررت المخابرات المصرية تنفيذ الخطة الأولى ..

سافر الفريق (رفعت جبريل) لإحضارها إلى مصر ، و كان لابد أن يساعدهم والدها بدون أن يعرف ، فأخبروه بأن ابنته قد تورطت في خطف طائرة مع منظمة فلسطينية ، و أن السلطات الفرنسية ستقبض عليها ، و يجب تهريبها من فرنسا حتى لا يزج باسم مصر في هذا الموضوع .. وافق الأب على الفور ، و كانت الخطة أن يدخل المشفى بحجة أنه مريض مرض شديد و يريد أن يراها قبل موته ..

 وصلت البرقية إلى (هبة) ، لكنها عندما أخبرت الموساد بالأمر رفضوا سفرها بسبب شكهم أن في الأمر مكيدة ، لذلك أرادوا التأكد من مرض والدها فأرسلوا له برقية على لسان هبة أن يحضر إلى باريس تاركاً طرابلس ، لكن المشفى رفض بحجة أن حالته حرجة ، حاول الموساد بكل الطرق أن يحيلوا بينها و بين السفر لكن المحاولات كلها فشلت ، و لم تجد (هبة ) بداً من السفر إلى طرابلس .. و وقعت الزهرة فور وصولها إلى المطار الليبي ، فسرعان ما طوقها الضباط المصريين و حملوها حملاً بعد أن سقطت في الأرض من صدمتها ، فقد أخبروها أنهم ضباط مخابرات مصرية ، و أنهم عائدين إلى القاهرة ، و كانت تنتظرهم الطائرة التي سرعان ما انطلقت لمقر (هبة ) الأخير ..

غولدا مائيررئيسة الحكومة الاسرائيلية حاولت انقاذ هبة لكن الرئيس الراحل السادات امر بأعدامها

و هناك داخل السجن خصصت زنزانة خاصة لها ، و بداخلها كانت تجلس (هبة) و كان لديها أمل أن ترسل إسرائيل من  ينقذها من مصيرها المحتوم ، فقد أقنعوها بذلك و كيف لا و هي من قدمت خدمات جليلة لهم ، و جندت الكثير في الخارج ، و كلفت الجيش المصري الكثير من الخسائر في لحظات حرجة من حرب 1973 !!

أمام المحققين اعترفت بكل شيء في كبرياء و شموخ ، و هي تنفث دخان سيجارتها التي تحترق بين أناملها البيضاء الغضة ، و قد لبى المسئولون في وقتها كل طلباتها و لم يعترضوا حتى يحصلوا منها على المعلومات بأفضل شكل ، كل مستلزماتها الخاصة بها أحضرت إلى زنزانتها من قناني عطور و علب الماكياج و غيرها ، و علم الجميع بخبر سقوط أخطر جاسوسة ، و تبرأ منها جميع أهلها إلا خالاً لها لم تكشف المصادر ما هو اسمه حفاظاً عليه ، حيث أنه كان من المشاهير ، و كان يزورها باستمرار ..

و في السجن كانت السجينات الأخريات يقذفنها بأفظع الشتائم أثناء مرورها من أمام الزنازين الخاصة بهن ، و كأنهن يرين أنفسهن أفضل منها ، حيث أنها خانت وطنها و هن مهما فعلن فإنهن لم  يقمن بخيانة الوطن ..

و أمام القضاء صدر الحكم عليها بالإعدام بسبب ما اقترفته ، و كان الحكم صاعقة لها ، كيف لم تنقذها إسرائيل لحد الآن ؟! و بدأ الأمل يتسرب منها ، و حاولت أن تقدم التماساً بتخفيف الحكم لكنه قوبل بالرفض .. في هذه الفترة كان يزور مصر هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي ، كان في مقابلة مع السادات ، و استغل الفرصة ليطلب العفو عن (هبة) بأي شكل ترضاه الحكومة المصرية ، سواء بتبادل أسرى أو حتى تخفيف الحكم ، خصوصاً أن هذا الطلب كان يمثل جولدا مائيير شخصياً ، لكن السادات كان يمتلك ذكاءً جعله يرد عليه على الفور :

- لقد أعدمت

- متى ؟

- اليوم

و كانت صدمة لهنري و لإسرائيل ، و أشار السادات إشارة ما معناها : (نفذوا حكم الإعدام فوراً)

لم تكن (هبة) أعدمت بعد ، لكنها أعدمت في نفس اليوم ، و أسدل الستار على الزهرة السامة (هبة سليم ) أخطر جاسوسة مصرية

هوامش :

فيلم الصعود إلى الهاوية حيث ادت الفنانة الراحلة مديحة كامل دور الجاسوسة

لقد قدمت السينما المصرية القصة مع تغيير الأسماء و بعض الأحداث ، و لم تكن كالقصة الأصلية ، و من الجدير بالذكر أن الفنانة (مديحة كامل) التي قامت بدور هبة سليم لم تكن أول فنانة ترشح لهذا الدور بل عرض أولاً على (سعاد حسني) التي رفضته خوفاً من أن يكرهها الجمهور .. و كان هذا الفيلم فاتحة خير على بطلته ، و تصدر الشباك لأسابيع ، و يعد من أفضل الأفلام التي تحكي عن الجاسوسية في وقتها ، و قد تعرّض الفيلم لنقطة شذوذ (هبة) الجنسي ، و هذا ما لم أجده في مصادري ، و خلافاً عن ذلك فالفيلم جيد ، و أنصح الجميع بمشاهدته .

مصادر :

هبة سليم - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

المجموعة 73 مؤرخين - القصه الحقيقة للجاسوسه هبة سليم

تاريخ النشر : 2017-01-27

تم تحرير ونشر هذا الموضوع بواسطة : اياد العطار
قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق