الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الفالنتاين الأخير

بقلم : H.H - فلسطين
للتواصل : [email protected]

قامت بعدها بشق جزء من جسد الفتاه وسط صرخات من كليهما

بمطعم فاخر مفروش بورد الجوري الأحمر بإحدى المنتجعات البعيدة عن ضوضاء المدينة ، اقترب عازف كمان من طاولة احد الضيوف و بدا بعزف مقطوعة حب للعاشقين الجالسين على تلك الطاولة ، نهض الرجل بزيه الأنيق من مقعدة و جثى على ركبته حاملاً علبة خاتم ماسي ، فتح العلبة الحمراء بيدين راجفتين ، فارتسمت بسمة خجل على وجه فتاته الحسناء ، صفق من في المطعم من حضور ، ثم أومأت الفتاة برأسها موافقة طلبه أمام جميع رواد المطعم ، تعانق العاشقان و حاملين بجوفهما قلباً يرتجف فرحاً ، ألبسها خاتمها الماسي و تناولا بعدها عشائهما وسط ضحكات بهجة و وعود لم تنتهي إلا بانتهاء السهرة.

انطلقت المركبة الصغيرة بسرعة على الطريق السريع المعتم محملة بالعاشقين متشابكين الأيدي و متشبثان بغدٍ جديد ، غدٍ يحمل بين طياته أحلام مستقبل يتشاركونه معاً ابتداءً من الليلة ، بريق الخاتم الماسي الذي احتل مكانه ببنصرها تواً ، كان وحده ما يضيء الطريق المعتم أمام بصرها ، أما هو فقد غرق بأحلام يقظة كانت هي عنوانها ، بيت دافئ ، طفل يشبهها و صباح مليء بالقبلات ، بلحظة سهوٍ منه و تأمل منها ، اعترضت طريق مركبتهما شاحنة صغيرة ، كان الاصطدام بين المركبتين قوياً ، مرعباً و سريعاً ، صرخ الرجل بصوت مرتجف ! ثم حل السواد أمام عينيه على الفور ، توقفت المركبتان تماماً وسط الشارع الخالي ، كان الدخان الأبيض المتصاعد من محرك السيارة هو سيد الموقف آن ذاك ، نزل شخص ما مسرعاً من الشاحنة و توجه نحو المركبة وسط الظلام ، كان هذا آخر مشهدٍ رأته آنا بموقع التصادم قبل أن تغيب هي الأخرى عن الواقع .

فتح الرجل عينيه ببطء ، بدأت الرؤية الضبابية لعينيه تتضح أكثر فأكثر ، غرفة بالية مطلية جدرانها المتهالكة باللون الزيتي القاتم ، هو يرقد على سرير حديدي ، أمامه تستلقي آنا على سرير مشابه مغمضة العينين ، و قد غطت الدماء الجافة جزء لا بأس به من وجهها المتورم ، حاول النهوض و التعديل من وضعية جسده لكن يده المقيدة إلى السرير بأصفاد حديديه منعته من الحركة، صرخ بصوت متقطع مشبع بالألم و الخوف : من هناك ؟ أين هو الآن و لما مقيد بالسرير؟  ما هذا المكان المقيت ؟ كانت تلك الأسئلة تنهش بعقله و تبعث بنفسه الحيرة و الخوف ، مر الوقت عليه كالدهر ، حتى فُتح الباب الخشبي ، أطلت امرأة تلبس رداءً طويلاً اسود اللون برأسها ، ما أن رآها سام حتى فتح فمه على مصراعيه من الدهشة ! صبت المرأة الماء بالكأس الموضوع على المنضدة الخشبية المجاورة لسريرة و اقتربت منه و بيدها حبة مسكن للآلام ، كما ادعت أمامه و بصوت هادئ: تناولها يا عزيزي ليزول الألم .

ابعد يدها عن فمه بيده و قال : أجننت ما الذي تفعلينه الآن ؟ هيا أزيلي القيد عن يدي حالاً ! ابتسمت بهدوء مصطنع : حسناً أظن برفضك للدواء لا تمانع قليلاً من الألم الجسدي ، حكت رأسها بيدها كأنها تفكر : لا أظن انك اختبرت الألم النفسي يوماً يا سام ، أو الم القلب المحطم مثلاً ؟ على أي حال سنبدأ الحساب المتأخر بيننا عندما تستيقظ أميرتك الصغيرة ، وداعاً إلى الآن.

صرخ سام : انتظري ! أرجوكِ أزيلي القيد عن يدي ، دعينا نذهب ، سأعطيك ما تريدي من مال ، لن اخبر أحداً ، لن يعلم احد عما حدث هنا ، أعدك بذلك ، اقسم لك أننا سنرحل و لن تسمعي عنا شيئاً.

نظرت إلى عينيه للحظات و كأنه وجه لها صفعة بما قاله لها تواً ثم خرجت و أقفلت الباب الخشبي خلفها.

بصوت هامس يقطع سكون السرداب قاتم اللون : آنا عزيزتي ، آنا أرجوكِ استفيقي ، بدأت دمعه تتسلل من عينه إلى وجنته ، هو الآن بوضع لا يحسد عليه ، جسد يمتلئ برضوض و ربما كسور ، أمامه تستلقي من أحبها جثة دون حراك ، مقيد الحركة ، و تحتجزه إنسانة مهووسة أحبته و سبب لها الأذى مراراً ليبعدها عن طريقه.

لم يستطع النوم أو حتى التفكير بما عليه فعله ، أفكار سوداويه تعصف بمخيلته ، خوفه يزداد لما لم تستفق آنا إلى الآن ؟ ما الذي يحمله الغد ؟ ما الذي تخطط له تلك الشيطانة ؟ قاطع صوت أفكاره صوت أنين يصدر من جسد حبيبته المتمددة دون حراك ، ثم خرس الصوت تماما كما بدا ، مما جعله يوقن أنها ما زالت على قيد الحياة ، و أعطاه حفنة أمل في أنها ربما تستمع لما يقوله : آنا عزيزتي ، أنا هنا بجانبك ، أرجوكِ أن كنت تسمعينني أجيبي .

بعد وقت طويل من الصمت الخانق أو كما بدا له حينها ، فتح الباب الخشبي مجدداً ، اقتربت المرأة منه و مسحت على رأسه ، كيف حال طفلي المدلل اليوم ؟ وضعت أمامها طبق حساء ساخن و بدأت بغرف معلقه منه لإطعامه ، عض على شفتيه بقوة لإغلاقهما و أزاح برأسه بعيداً عنها ثم صرخ : لا تقتربي مني أبداً ، رمت الطبق من يدها أرضاً و بدأ الاثنان بالصراخ و تبادل التهم و الشتائم ، و وسط صراخهما تحركت الفتاة المستلقية على السرير المجاور فاصدر السرير الحديدي صريراً كان كفيلاً بإخماد الحرب الكلامية بين الطرفين ، تأوهت الفتاة ألماً ثم نادت بصوت مخنوق : ماء ، أريد ماءً .

نهضت المرأة بكبرياء و مشت نحو المنضدة الخشبية ، سكبت ماءً بالكأس الموضوع عليها و أمالت رأس الفتاة لتسقيها ، صرخ سام : آنا ، أرجوكِ تكلمي ، هل أنت بخير ؟ تأوهت الفتاة : أين أنا ؟ من أنتِ ؟ ابتسمت المرأة بخبث واضح : أنا من سرقت رجُلها ، اسمحوا لي أيها الثنائي الرائع أن أقيم لكما حفل عقد قران متواضع ، التفتت إلى الرجل : أمل انك لا تمانع حفلاً مبدئياً على شرفكما يليق بقصة هيام وليدة اليوم ، ثم حدثت نفسها و هي تفرك كفيها حماسا : اعتقد أن الاحتفال قد بدأ للتو ! ثم خرجت من القبو على عجل ..

بغرفة واسعة خلعت الثوب الأسود عن جسدها و رمته أرضاً ، لبست ثوبا ابيضاً مطرزاً و جلست أمام مرآة عاجية اللون ، سرحت شعرها الأسود بعناية ، تعطرت و لبست قرطاً و عقداً لؤلؤياً ، طبعت قبلة على المرآة ثم قالت محدثة نفسها : لن تأخذك دخيلة مني ما دام قلبي يخفق دماً ، أنت لي و ستظل ملكي لأخر يوم نحياه .

دخلت بعدها القبو تتبختر كطاووس متباه ، تفوح من جسدها رائحة عطر نفاذة و هي بكامل زينتها ، أزاحت الطاولة الخشبية لمنتصف الغرفة ثم استلت من خزانة خشبية أسندت إلى الحائط حقيبة سوداء اللون ووضعتها عليها ، كان الوضع مأساوياً بحق ، آنا تتأوه من آلام كسور لم تجبر و تمتزج صرخاتها بدموع مرة الطعم ، هو يحاول تهدئتها و التخلص من سواره الحديدي الذي منع عنه الحركة ، نهضت المرأة و اتجهت نحو الفتاه المتمددة ، صفعتها بقوه و صرخت : وفري بكاءك لما تبقى من الليلة.

فتحت الحقيبة السوداء و بعناية فائقة رتبت المباضع أمامها ، اختارت أحدها ثم اتجهت نحو مرقد الفتاة ، نظرت لسام نظرة لا تخلو من خبث و قالت: سأطرح عليك بضع أسئلة أعرف أنا إجابتها مسبقاً ، أن أجبتني إجابة خاطئة مررت المبضع على جسدها لأخلق شقاً فيه ، أهذا واضح ؟ اممم يبدو انه صعب الفهم ، حسنا دعني أوضح الأمر لك أكثر ، أن كذبت أو تمنعت عن الإجابة ستحصل على النتيجة نفسها ، شقا بجسدها البض ، أذن أنت من سيقرر أن كانت أميرتك الحسناء ستعيش أم تموت الليلة.

السؤال الأول: هل تحبها ، اقصد هل تحب آنا ؟

صمت مفكراً و تراء له أن أجاب بلا قد يرضي شيئاً من غرورها فلا تؤذها ، بتردد واضح : لا ، لا أنا لا أحبها ..

مررت المشرط على يد الفتاة بسرعة ، صرخت الفتاة من شدة الألم و بدأت الدماء الحارة تسيل من الجرح.

أرجوكِ لا تفعلي ، صرخ بها ، لكنها لم تكترث لتوسلاته .

السؤال الثاني ، أأحببتني أنا يوماً ؟

وسط دموع انهمرت من عينيه : نعم أحببتك لكنني لم استطع .

لم يتسنى له أن يكمل إجابته ، حتى مررت المشرط على يد الفتاة مرة أخرى و قالت بصوت عالٍ : إجابة خاطئة .

وسطت صرخات أطلقتها آنا متوسلة الرحمة ، توسل سام للمرأة بعيونٍ باكية : أرجوكِ توقفي لا تؤذيها ، دعي الفتاة تذهب ، لا ذنب لها ، أنا من اخطأ بحقك ، أتوسل الكي ، دعينا ننهي المسالة بيننا ، لم تكترث .

السؤال الثالث : هل تظن أنني مجنونة يا عزيزي ؟ ثم أضافت ، فكر جيداً قبل الإجابة ، فإجابتك الخاطئة ستترك أثراً لا يمحى على وجهها !

قال بصوت منفعل : لا لست كذلك ، أنا من كان مجنوناً ، اسمعيني أنا جد آسف ، أنا لا أعلم ما تنوين فعله و لا أعرف بما أجيب ؟ أرجوكِ توقفي ، أرجوكِ .

مررت المشرط بقوة أكبر لكن على وجهها المتورم هذه المرة ، ملأ صوت قهقهتها القبو ممتزجاً بصراخ الفتاة : أنا مجنونة ، نعم أنا مجنونة و ما سأفعله بأميرتك الليلة سيثبت لك مدى جنوني ، إجابة خاطئة للسيد النبيل للمرة الثالثة على التوالي ، توجهت بعدها للمنضدة و رمت المبضع الملوث بدماء الفتاة و استلت أخر بدا أكبر حجماً .

ما حدث بعد ذلك كان مروعاً بحق ، ظلت تغدقه بالأسئلة و كلما أجاب أو صمت ، كانت إجابته إجابة خاطئة و قامت بعدها بشق جزء من جسد الفتاة وسط صرخات و توسلات تنبعث من كليهما حتى انمحت ملامح وجه آنا الجميلة و غطت الدماء جسدها الضعيف .

هل ملت لعبتها حتى توقفت أو اكتفت ؟ لا يهم قامت بعدها بنزع الخاتم الماسي من أصبع الفتاة المضرجة بدمائها ، تفحصته و مسحت الدماء عنه قبل أن تضعه بإصبعها ، اقتربت منه و طبعت قبلة على وجنته ثم همست بصوت دافئ بأذنه : الخبر الجيد أننا قد تخلصنا منها يا عزيزي و إلى الأبد ، فأهلاً بعودتك ، الخبر السيئ انك ستظل حبيس القبو لفترة لا باس بها حتى تستعيد بها رشدك ثم ستصبح مجدداً ملكاً لي وحدي ، إلى أن يفرقنا الموت ، ثم غادرت القبو تاركة الفتاة تنزف دماً أو ما قد تبقى بجسدها من دماء لتنام ليلتها هانئة بعودة حبيبها إلى أحضانها ..

في اليوم التالي كانت آنا قد فارقت الحياة تاركة حب حياتها يحدث نفسه أمام جسدها كالمجنون ، يندب حظه السيئ ، يلقي اللوم على نفسه ، يتوعد تلك الشيطانة يرتجف ، يصرخ ، يبكي ، يتألم ، مشاعر لا يمكن وصفها دون تجربتها ، أن يموت من تحب أمام عينيك لخطأ أنت ارتكبته يوماً .


تاريخ النشر : 2017-02-14

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر