الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الذاكرة .. حينما تكذب!

بقلم : وليد الشهري - المملكة العربية السعودية
للتواصل : [email protected]

بعض ذكرياتنا التي نسلم بها قد تحتوي امور لا تمت للواقع بصلة!

جميعنا نمتلك مخزونًا هائلًا من الذكريات التي تراكمت – وتظل تتراكم - على مدى أعمارنا ، والتي تتراوح بين السعادة والجمال ، والحزن والكآبة ، ونظل نتذكر بعضًا منها ، بينما يقبع الكثير – إن لم يكن الأكثر - في غياهب العقل الباطن متواريًا عن أنظار وعينا.

وجميعنا نحتفظ بذكرياتٍ لا نرى للشك في وقوعها بحذافيرها مجالًا، ونعدّ النقاش حول مدى واقعيّتها ضربًا من الجنون، ولكنّ الدراسات والأبحاث تقول أن بعض ذكرياتنا التي نسلّم بصحتها التامة قد تحوي بعض المشاهد والأحداث التي لم تحصل في الواقع، بل قد تكون مختلقة من العدم أصلًا .. أستطيع أن أرى الدهشة على وجوهكم.

يحدث هذا بسبب الإيحاء الذاتي أو الخارجي، الذي يتسبب في ما يُعرف بـ "الذاكرة الكاذبة"، وقد ظهر هذا المصطلح لأول مرة على لسان الباحثة الأمريكية في شؤون الذاكرة البشرية والمتخصصة في علم النفس المعرفي "إليزابيث لوفتوس"، ويمكن تعريف "الذاكرة الكاذبة" بأنها عبارة عن ذكريات تعرّضت للتشويه أو "الفبركة"، وفي بعض الحالات تكون الذكريات مختلقة أصلًا، وهذا المصطلح يختلف عن مصطلح "متلازمة الذاكرة الكاذبة" ، إذ تكون المتلازمة أكثر تأثيرًا وأشد وطأة في حياة صاحبها بطبيعة الحال.

في أواخر القرن الماضي أجرت الباحثة المذكورة آنفًا دراسة تختبر فيها مدى تأثير الإيحاء على مصداقيّة الذاكرة، فقامت بعرض مقطع فيديو على المشاركين يظهر فيه ارتطام سيارات ذاتية القيادة ببعضها، ثم وزّعت المشاركين على مجموعتين، وطرحت على المجموعة الأولى السؤال التالي: "كم كانت سرعة السيارتين في تقديرك حينما هشّمت بعضها ؟!"، بينما طرحت على المجموعة الأخرى السؤال نفسه مع استبدال عبارة "هشّمت بعضها" بـ "ضربت بعضها".

وبعد أسبوع من هذه الدراسة، تم استحضار المشاركين، وإعادة السؤال عينه عليهم، بالإضافة إلى سؤال آخر وهو: "هل شاهدت زجاجًا متناثرًا في ذلك المقطع ؟!"، فكانت المجموعة التي طُرح عليها السؤال الأول بصيغة "هشّمت بعضها" أكثر ميلًا للإجابة بـ "نعم" على السؤال الثاني، نظرًا لما توحيه صياغة السؤال من شدّة الاصطدام، بخلاف المجموعة الأخرى التي كانت تميل إلى النفي.

وقبل عدة سنوات، قامت الباحثة نفسها بالتعاون مع مجلة "سلايت" الإلكترونية بإجراء دراسة واسعة النطاق شملت أكثر من 5000 شخص تهدف إلى اختبار مدى قدرة أولئك الأشخاص على تذكر بعض الأحداث السياسية السالفة.

تقوم الدراسة على عرض أربع صور أمام كل فرد من المشاركين، على أن تكون إحدى تلك الصور الأربع مفبركة، وسؤالهم عمّا إذا كانوا يتذكرون ما يظهر فيها، والصورة المفبركة كانت للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وهو يصافح الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، فلم يحدث أن التقى الرئيسان فضلًا عن المصافحة.

العجيب أن أكثر من نصف المشاركين في تلك الدراسة أجابوا بأنهم يتذكرون ما ظهر في الصورة المفبركة، بل راح بعضهم يصف ذلك الحدث، ويتحدث عن مشاعره في تلك اللحظة.

الايحاء يلعب دورا في تشكيل ذكرياتنا

ومن خلال الدراسات المذكورة أعلاه، أثبتت الباحثة "إليزابيث" أن الذاكرة قابلة للتضليل والخداع عن طريق الإيحاء، سواءً من خلال التلاعب بالألفاظ أو المشاهد كما حدث من خلال الدراسات المذكورة أعلاه، أو غيرها.

وفي دراسة ملفتة أجراها باحثون من جامعة "غولا" الأمريكية على 1600 طالب من الجامعة نفسها، أظهرت النتائج أن %20 من الطلاب يحملون ذكريات ليس لها أساس من الواقع، أي ليست إلا وهمًا محض.

الجدير بالذكر أن نظرية "الذاكرة الكاذبة" تعرّضت لحملة تشكيكية من قبل بعض القانونيين، إذ سيؤدي اعتماد هذه النظرية - حسب قولهم - إلى التقليل من قيمة الشهادة كدليل قضائي.

وفي الختام ..

أقترح عليكم أن تستحضروا في أذهانكم مشهدًا لا تنسونه من مسلسل أو مسرحية أو فيلم كرتوني قديم، وتحاولوا تذكر تفاصيل ذلك المشهد بدقّة، ثم تشاهدوه عن طريق "اليوتيوب" – إن أمكن – وتقارنوه بما شاهدتموه في أذهانكم، أجزم بأن أكثركم - على الأقل - سيقع في فخ "الذاكرة الكاذبة" .. دمتم بخير.

مصادر :

What Is a False Memory?

False memory - From Wikipedia

الذاكرة الوهمية

الذاكرة الكاذبة!

خداع الذاكرة والعلل النفسية في ميزان العدالة

تاريخ النشر : 2017-03-12

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر