الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

رحلة فتاة حالمة

بقلم : آية البرازي - زحل
للتواصل : [email protected]

سمحت لنفسي بالتحرر .. لا قيود تكبلني بعد الآن


أتأمل شوارع المدينة بلهفة ، و كأنما أودعها لآخر مرة ، أنظر عبر نافذة الحافلة المغبرة إلى قرص الشمس المختفي خلف الشفق ، رياح الزوال المصحوبة بحرارة الصيف تداعب بشرتي .. و مشاعري .
شعور غريب كان يتملكني ، مزيج من الفضول المتبوع بقلق و خوف من المجهول ...


توقف الباص و دلفت إلى المطار لأتسمر أمام بوابته الرخامية الضخمة ، لبثت مكاني أحدج بالناس من حولي للحظات .
كان الكل منشغلاً بنفسه غير آبه بمن حوله ، رجال و نساء ، أطفال و شيوخ يتناوبون على الدخول و الخروج و قد غرزت حقائبهم على أكتافهم أو بين أيديهم .. منهم المسافر و منهم الراحل أو المرافق ، و لكل منهم قصته و تجربته الخاصة .


دخلت مجرجرة حقيبتي الحمراء خلف ظهري ، حملقت في الأرضية الملساء المشبعة بروائح المواد الحافظة ، و أنا أفكر :
إنها أول مرة لي هنا...
أولُّ رحلة لي ، أول تجربة ، و أول محاولة للهروب من بين قبضتَي هذا الجحيم .

انتظرت على الكراسي بينما أتفحص جواز سفري ، لم أكن راضيةً تماماً عن الصورة الشمسية التي اتخذت كصورة شخصية لي ، فشعري الأشعث جعلني أبدو كعجوزة في الستين من عمرها .


مرت حوالي الساعتان قبل أن أسمع صوت المسؤولة يتردد عبر أبواق المركز معلنة وصول الطائرة المتجهة نحو كندا -بلاد القيقب - حملت جسدي بوهن متجهة نحو البوابة الرئيسية حيث اصطف جميع المسافرين .

على إحدى مقاعد الطائرة الجلدية جلست، و لن أخفي السعادة العارمة التي اختلجتني كون مقعدي بجانب النافذة ، مما يتيح لي فرصة الاستمتاع بمنظر السماء خارجاً ، أرخيتُ مفاصِلي و بسطتُ ساقاي إلى الأمام قبل أن أطلق تنهيدة طويلة ، تنهيدة تعبر عن مشاعري المبعثرة في هذا الحين .


رفعت نظري إلى الأعلى لأحدق بالواقف قربي بعد أن شعرت بحركة أحدهم جانبي .. كان شاباً أجنبياً فارع الطول ، أبيض البشرة ، أنيق المظهر يرتدي نظارات سوداء طبية ، ثبَّت حقيبته أعلى المقعد قبل أن يريح نفسه عليه ممسكاً بكتاب ضخم ، حاولت تدقيق النظر لكنني لم أستطع تمييز عنوانه بسبب الإضاءة الخافتة للممر .
ارتفع صوت القبطان معلناً بَدْء الرحلة ، فأسرع الكل لشد حزام الأمان خاصته ، و قد كنت السَّباقة لفعل ذلك .


ارتفعت عجلات الطائرة بعد إقلاعها لتهتز معها أركان المقصورة ، شعرت بالقشعريرة الباردة تسري على طول عمودي الفقري ، و لم أستطع إخفاء الشحوب الذي سرعان ما صبغ ملامح وجهي .
ارتفعت سبابتي تلقائياً نحو الأعلى و رحتُ أردد الشهادة في محاولة مني لتمالُكِ أعصابي .

شعرتُ فجأة بيد دافئة تربِّت على كتفي ، التفت و لم تكن سوى يد الجار الشاب الجالس بجانبي .
نظرت إليه لأبتسم ببهوت و قد بدا وجهي متصنماً كالمومياء ، ابتسم هو بالمقابل مطبطباً على كتفي و كأنما يطمئنني بأن كل شيء سيكون على ما يرام .


مرَّ الوقت بسرعة ، و لم أشعر بنفسي إلا وقد غططت في نوم عميق لم يوقظني منه سوى صوت المضيفة التي كانت تأخذ طلبات الركاب لوجبة الفطور .
طلبت كوباً من اللبن و بعض رغيف الخبز لأسد به رمقي ، لكنها عللت بعدم وجود الخبز و حاولت إغرائي ببعض الكعك بالمقابل .

شعرت بالخزي و الخجل يكتسحان ملامحي ، فمهما حاولت بجد لا أستطيع إخفاء طبيعتي و عاداتي المستشرقة التي اعتادت تلك المأكولات الشهية ذات الطعم اللاذع المشبعة بالدهون و السعرات الحرارية .

نظرت إلى راحة يدي التي غدت برتقالية اللون و قد كساها لون الحناء الطاغي ، ثم إلى ملابسي الرخيصة رديئة الذوق .
شعرت ببعض الضيق من شكلي ، و أخذت ذكريات خريفي ترسم نفسها أمامي ..


لقد كنت دائماً تلك الفتاة الريفية الساذجة و البسيطة ، الفتاة الحالمة التي وثقت أنها تستطيع تحقيق الكثير لكنها لم تفعل شيئاً يذكر .
كنت الإبنة الصغرى لعائلتي و عكس باقي إخوتي فقد كنت الفتاة المتمردة التي تأبي الانصياع .
لم يكن ليوافق أبي الإمام المتدين و شيخ القرية ، على ذهاب ابنته النجيبة لبلاد أجنبية ، بل و تفضيلها التخصص بمجال الموسيقى و الفنون الجميلة عوض إتمام دراستها بجامعة الأزهر .
حاولوا ترويضي طبقاً لأذواقهم لكنني لم أروض قط و ظللت تلك الفتاة المتوحشة التي تعشق الاختلاف .


رفعتُ غطاء النافذة محدجة بالضباب الذي تكاثف مكوناً بعض السحب .. شعرت بالسكينة و أنا أراقب زرقة السماء الصافية ممعنة النظر إلى الأراضي الشاسعة التي تراصت قرب بعضها كقطع دومينو .

كل مشاعري السلبية تبددت ، و لم أشعر بنفسي إلا و قد شقت ابتسامة عريضة طريقها على ثغري .. قربت أطراف أصابعي من سطح النافذة ، لأطبِقَ عليها يدي متلمسة زجاجها البارد .

سمحت لنفسي بالاستمتاع بنشوة ذاك الشعور ، سمحت لنفسي بالتحرر .. لا قيود تكبلني بعد الآن ، و لا قوانين تفرض علي بإسم المجتمع الطاغي ، لا اتهامات كاذبة تنطق بإسمي ، و لا شتائم جارحة توجه كالسهام نحوي .


اتسعت ابتسامتي و رحت أردد في نفسي :
" إنها أول رحلة لك يا آية ، رحلة نحو الخلاص ! "

تاريخ النشر : 2017-05-07

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر