الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

(شربات جولا) .. موناليزا القرن

بقلم : مصطفى سيد مصطفى - مصر
للتواصل : https://www.facebook.com/mostafa.ahlawy.22

من تكون صاحبة الصورة الاشهر في القرن العشرين

ما هو أبشع شيء في هذه الحياة ؟ الفقر ؟ الجوع ؟ المرض ؟ الجهل ؟ كل ما سبق ليس بالإجابة الصحيحة ولكن الإجابة الصحيحة هي الحرب, و قد تتساءل يا صديقي لماذا الحرب هي الأبشع ؟ فأقول لك لأن نتائج الحرب تصيب الإنسان بكل ما سبق (الفقر , الجوع , المرض , الجهل) فلا تكاد الحرب تنتهي و تضع أوزارها في مكانِ ما حتى تجد هناك الطفل اليتيم و السيدة الأرملة و الأم الثكلى و الشاب المتشرد . فلا تصدق يا عزيزي من يقول أن الحرب تقوم من أجل المواطن , فهيهات هيهات , فالمواطن هو المستفيد الأخير من هذه الحرب إن لم يكن المتضرر و ليس المستفيد , و لكي أدلل على وجهة نظري هذه فتعالوا معي لنتعرف على بطلة موضوعنا : إنها الفتاة الأفغانية الجميلة (شربات جولا Sharbat Gula)

من هي شربات جولا ؟

في عام 1979 غزا السوفيت افغانستان فاندلعت حرب استمرت 10 سنوات

قبل أن نعرف من هي (شربات جولا) يجب أن نعرف نبذة صغيرة و بسيطة عن الحرب السوفيتية الأفغانية التي كانت سبباً في تشريدها و تشريد الكثير من الشعب الأفغاني بالإضافة الى موت العديد من المواطنين الأفغان , فالحرب السوفيتية الأفغانية هي حرب حدثت بين المقاتلين في أفغانستان و يُسمَّون بـ (المُجاهدين) و بين الحكومة الأفغانية المدعومة من الإتحاد السوفيتي. و كانت الولايات المتحدة تدعم المقاتلين (المجاهدين) في أفغانستان في محاولة للإطاحة بالحكومة الشيوعية ومنع إنتشار الشيوعية . و قد جرت أحداث الحرب من ديسمبر 1979 حتى فبراير 1989.

أما بطلتنا (شربات) فقد ولدت قبل الحرب عام 1972 في أفغانستان و تنحدر أسرتها من عرق (البشتون)* و أثناء اشتداد الحرب في عام 1984 تعرضت القرية التي تقطن بها (شربات) و أسرتها لقصف الطائرات و نتيجة لذلك لقي والداها حتفهم , و اضطرت (شربات) ذات الـ 12 عام إلى النزوح إلى واحد من مخيمات التهجير في باكستان مع جدتها العجوز و أخواتها الثلاثة (روبينيا، زهيدة، علياء).

و هكذا استقرت (شربات) و أخواتها و الجدة العجوز في مخيم (ناصر باغ) - الواقع على الحدود الأفغانية الباكستانية - رغبةً في الأمان و أملاً في العودة للوطن.

لاجئة المخيم البسيطة التي أصبحت حديث العالم

المصور ستيف ماكوري في شبابه

بوصول (شربات) و من تبقي من أسرتها إلي مخيم (ناصر باغ) الباكستاني عام 1984 اشتدت الحرب و ازداد عدد اللاجئين الأفغان في باكستان و تنافست وسائل الإعلام الدولية في تغطية الأحداث , و بدورها أرسلت مجلة (ناشيونال جيوغرافيك) مصورها (ستيف ماكوري) لتغطية الأحداث في الجانب الباكستاني و كانت مهمته تكمن في تصوير اللاجئين خصوصاً الأطفال ليوضح و يبين أن الطفل هو الخاسر الأكبر من الحرب.

و هكذا كان ماكوري يتخفي في الزي المحلي حتى لا يجذب إليه أنظار الفضوليين , و قاده حظه السعيد إلى مخيم (ناصر باغ) فقام بالتقاط بعض الصور للأطفال و توجه إلى مدرسة المخيم و استأذن المعلمة أن يلتقط عدة صور للتلاميذ فوافقت , و هنا لفت نظره تلك الفتاة الجالسة , رأى صاحبة تلك العينين الخضراوين والتي جمعت الجمال والحزن والخجل والخوف والحاجة والصمت والانتظار والأمل . فقام بالتقاط الصورة الشهيرة لـ (شربات) و انهى مهمته . و قد قال (ماكوري) لاحقاً عن تلك الصورة : "عندما قمت بتحميض الفيلم الخاص بالصورة علمت بأنها ستصبح صورة مميزة، وعندما قدمتها لمحرر مجلة ناشيونال جيوجرافيك، وثب من مقعده وصاح : (هذا هو غلافنا القادم)".

صورة الغلاف الشهيرة

وبالفعل اصبحت الصورة غلاف المجلة في عدد يونيو 1985 و تحولت من مجرد غلاف لمجلة ناشونال جيوجرافيك إلى أهم وأنجح الإنجازات التي حققها المصور ستيف ماكورى و فاز بسببها بالعديد من الجوائز .

و قد هزت هذه الصورة الرأي العام العالمي و أطلقوا عليها أسم (الموناليزا الأفغانية) .. بل وصل الأمر ببعض الناس أن شبهوا (ماكوري) برسام الموناليزا (ليوناردو دافنشي) !

و كانت (شربات) تبلغ وقتذاك 12 عاماً و أود التنويه أن اسمها لم يكن معروفاً للمصور ولا للصحافة فكما قلنا أطلقت الصحافة عليها (الموناليزا) أو (الفتاة الأفغانية).

وعرفت الصورة بأنها " الصورة الأكثر شهرة عالمياً " في تاريخ مجلة ناشيونال جيوغرافيك حيث لفتت الصورة الانتباه للحرب الدائرة في أفغانستان واكتسبت شهرية عالمية بعد نشرها , كما تم استخدام الصورة على نطاق واسع في منظمة العفو الدولية و الكتيبات والملصقات والاعلانات والتقاويم في مختلف أنحاء العالم .

ماكوري و رحلة البحث عن الموناليزا

بعد انتهاء ماكوري من مهمته بنجاح عاد إلي الولايات المتحدة و قد أصبح واحداً من أشهر مصوري العالم في تلك الفترة , و بعد عدة سنوات انتهت الحرب الطاحنة عام 1989 و قد بقيت شربات في باكستان عدة سنوات حتى تزوجت و عادت إلى موطنها أفغانستان عام 1992 .

عاد باحثا عن الفتاة التي كانت سبب شهرته

و منذ بداية التسعينات كان ماكوري يبحث بحثاً حثيثاً عن (شربات جولا) أو (الموناليزا) - لأنه لم يكن يعرف اسمها بعد - لأن فضوله دفعه ليعرف مصير تلك الفتاة الغامضة التي جلبت له الشهرة و لكن كل محاولاته باءت بالفشل , فقد كانت أفغانستان في تلك الفترة مغلقة أو شبه مغلقة أمام وسائل الإعلام الأجنبية إلى أن حدثت تغيرات في الساحة السياسية الأفغانية بإزاحة حكومة طالبان و أعوانها المحليين على يد الحكومة الأمريكية عام 2001 - و هذا ليس موضوعنا- .

بهذا أصبح لماكوري الحرية في الدخول إلى أفغانستان و لم يكذب خبراً فقد انتقل ماكوري بصحبة فريق عمل شبكة (ناشيونال جيوغرافيك) إلى أفغانسان للبحث عن (الموناليزا) , وقد كان ماكوري على علم سابق بأن مخيم ناصر باغ -الذي كانت تقطن فيه شربات- أوشك أن يتم إغلاق أبوابه مما يزيد من تعقيد مهمة البحث و لم يتوقف الأمر هنا , فقد واجه فريق العمل صعوبة أخرى ألا و هي ادعاء بعض النساء إنهن (الفتاة الأفغانية) وادعاء بعض الرجال أن تلك (الفتاة الأفغانية) هي زوجتهم و ذلك بعض عرض صورة شربات جولا للعامة حتى يتعرفوا عليها و بهذا كانت عملية البحث تتأخر أكثر و أكثر .

الطريق إلى الموناليزا ليس سهلاً

قادته رحلته إلى مخيمات اللاجئين

أثناء البحث المستمر عن (الموناليزا) أتت سيدة أفغانية إلى ماكوري و شاهدت الصورة و تعرفت على الفتاة التي في الصورة بسرعة فقالت هذه السيدة إنها أم تلك الفتاة، و كان الفريق بحاجة للتوجه لبيت هذه السيدة للتأكد من ادعاءها , و عند وصولهم لمنزل هذه المرأة أرادوا الدخول إلا أن العادات هناك لا تسمح بأن تظهر المرأة للرجال الغرباء , بالإضافة أن زوج هذه المرأة كان خارج المنزل وبالتالي لا يمكنهم الدخول بدون إذنه و هكذا عاد الفريق إلى مقره خالي الوفاض بانتظار حلول الصباح ليذهبوا مرة أخرى ليستأذنوا الزوج في الدخول إلى البيت لرؤية من تدعي إنها (الموناليزا).

في اليوم التالي تمكنوا من أخذ موافقة الزوج و دخل ماكوري و سأل هذه المرأة بعض الأسئلة ليتأكد من هويتها و قام بتصويرها بعض الصور و قد لاحظ التطابق و الشبه الكبير في لون العينين إلا أنه لاحظ تغير كبير في شكل الفم و الوجه و بالتالي أرسل ماكوري صور هذه المرأة إلي المعمل ليتأكد إذا كانت هذه هي (شربات جولا) أم لا , و للأسف جاءت النتائج سلبية و تأكد (ماكوري) أن هذا الادعاء كاذب كغيره من الإدعاءات , و بعد تفكير قال ماكوري لنفسه :"يجب أن تستمر يا ماكوري في البحث فقد أوشكت أن تصل إلى الموناليزا".

في هذه اللحظة لاحظ ماكوري أن هناك مكان لم يذهب إليه بعد , انه مخيم (ناصر باغ).. فهيا بنا إلي هناك

مخيم ناصر باغ و اقتراب الوصول للموناليزا

توصلوا إلى شقيقها

قبل أن يتوجه ماكوري الى مخيم ناصر باغ قام بالبحث عن معلمة المدرسة في المخيم التي كانت حاضرة لحظة تصويره للموناليزا , و بالفعل وجد المعلمة و قامت باصطحابه للمخيم و هناك لاحت لماكوري بعض الذكريات حيث لم يتغير شكل المخيم او المدرسة إلا في بعض التفاصيل البسيطة , فقد تحولت الخيام القماشية إلى مباني صغيرة وفيما عدا ذلك بقي كل شيء كما كان عليه في عام 1984.

قام ماكوري بمساعدة المعلمة بالبحث في سجلات المدرسة القديمة أملاً في العثور على ما يدلهم على (الفتاة الأفغانية) و لكن لم يعثرا على ما بحثا عنه , و لم يجد ماكوري و المعلمة إلا أن يعرضا صور (الموناليزا) على فتيات المدرسة عسى أن تتعرف عليها إحداهن , و بالفعل ما ان رات إحدى الفتيات الصورة حتى قالت: انها تعرف هذه الفتاة حيث اصبحت الآن امرأة و تزوجت و انتقلت الى مدينة اخرى. و قامت هذه الفتاة بوصف العنوان الجديد للـ(موناليزا).

في اليوم التالي انتقل ماكوري و فريقه بصحبة المعلمة إلى العنوان الذي وُصف لهم و تقابلوا مع شقيق (فتاتنا الأفغانية) وقد كان لدى ماكوري و فريق ناشيونال جيوغرافيك علم مسبق ببعض المعلومات التي من خلالها سيتم التأكد بأن هذه المرأة هي نفس الفتاة التي التقط لها ماكوري الصورة عام 1984، و بالفعل وافق الشقيق أن يتقابل الفريق مع شقيقته .

قابل الفريق هذه المرأة وشرع بإلقاء الأسئلة عليها فسألوها إن كانت الفتاة الوحيدة التي صورها ماكوري في ذلك اليوم ؟ فأجابت بالنفي و قالت انها اخر فتاة تم تصويرها في ذلك اليوم , وسألوها أيضا إن كانت تتذكر تلك الصورة ؟ فكانت إجابتها أنها تتذكرها تماما وبأن الوشاح الذي كانت ترتديه كان محروقا من طرفه وأضافت أن هذه هي الصورة الوحيدة في حياتها فلم يقم أحد بتصويرها قبل ذلك ولا بعد ذلك.

الفتاة الافغانية وقد اصبحت امرأة .. نفس نظرة البؤس

و هكذا تأكد ماكوري و فريق البحث أن هذه المرأة هي (الموناليزا) التي يبحثون عنها ، لكن الشك ظل قائماً، فقاموا بتصوير هذه المرأة ثم قاموا بعرض الصور على خبراء مختصين قاموا بإجراء مجموعة من الأبحاث العلمية والفحوصات التقنية للتأكد بشكل جازم من حقيقة "الفتاة الأفغانية"، وقد كانت النتائج إيجابية وتؤكد بأن المرأة التي تدعى "شربات جولا" هي نفسها الفتاة التي قام ماكوري بتصويرها في مخيم (ناصر باغ) عام 1984 أي إنها (الموناليزا الأفغانية).

مع زوجها واطفالها وشقيقها .. شربات جولا .. اصبحت جدة الآن

بالطبع انتشر خبر العثور على (الموناليزا) في وسائل الإعلام العالمية بسرعة كانتشار النار في الهشيم و مرة أخري عادت صورة (شربات جولا) على أغلفة الصحف و المجلات و لكن هذه المرة صورتها و هي كبيرة , و قد تغيرت ملامحها فقد ظهرت شربات بعينين خضراوين ذهب بريقهما و تقاطيع وجهها ما زالت حزينة لم تختلف عن الصورة الأولى مما يدل على أن البؤس لم يغيب عن حياتها , و تظهر في ملابسها الرثة التي تدل على حالتها الاقتصادية السيئة , تلك هي شربات جولا أو كما كان يطلق عليها "الفتاة الأفغانية"،التي عكست للعالم معاناة شعب بأسره وأصبحت رمزاً لمعاناة الأطفال جرّاء الحروب و عندما كبرت أصبحت رمزاً لمعاناة الأم التي ما زالت تتحمل الحياة حفاظاً علي مستقبل ابناءها.

و لكن تساءل بعض الباحثين عن أمر غريب في القضية وهو : كيف أن شربات جولا وعائلتها لم يروا يوماً هذه الصورة - ولو بالصدفة - ولم يعرفوا بوجودها أيضا على الرغم من أنها كانت تباع في المحال الأفغانية وتوضع على أبواب استديوهات التصوير ؟!.

خاتمة

أتوجه بسؤالي هنا للقارئ , يا ترى كم (شربات جولا) في وطننا لم نسمع عنها في الإعلام ؟ , كم فتاة تجاهلتها و ظلمتها العادات البالية ؟ كم فتاة زاد بؤسها عن الحد و أرادت أن تعبر عن رأيها و لكن من تجد المساعدة ؟ هل إذا رأيت فتاة تعيش في هذا البؤس ستساعدها أم ستتجاهل ذلك كحال معظم الناس في بلادنا ؟

هوامش

البشتون : مجموعة عرقية من جذور شرق باكستان تقطن جنوب وشرق أفغانستان وبمناطق الشمال الغربی الحدودية والمناطق الفيدرالية المدارة قبلياً بغربی باكستان. يتميز البشتون بلغتهم البشتو وممارستهم للبشتونية (بشتونوالی) أو الحفاظ علی السنن والرموز التقليدية السمحاء لديهم وهم من يطلق عليهم (الافغان). يعتنق البشتون ديانة الإسلام کافة. تعتبر القومية البشتونية من الشعوب الآرية (هندو-اوروبية) التي حافظت على نقاء دمها الى يومنا هذا ويظهر جليا فيهم خصائص العرق الآري من صلابة الجسم وضخامة الحجم.

المصادر :

شربات جولا – ويكيبيديا

قصة الفتاه الافغانية صاحبة اجمل عيون

ستيف ماكوري – ويكيبيديا

سر البريق فى عيني "الموناليزا الأفغانية" وشكلها بعد 30 عاماً

صورة الأفغانية "شربات جولا" التي شغلت العالم

تاريخ النشر : 2017-05-11

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر