الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الشيطان العاشق : تنبؤات جاك كازوت

بقلم : اياد العطار
للتواصل : [email protected]

أنا أرى المستقبل كأني انظر في مرآة!

كانت ليلة باردة من ليالي شهر يناير 1788 . تلبدت سماء باريس بسحب سوداء كثيفة وانهمر المطر بغزارة مجلجلا فوق سقوف المنازل الخشبية وحجارة الطرقات الخاوية , ودوى هزيم الرعد مزمجرا يتوعد كأنه صدى لذلك الغضب الذي يعتمل في أفئدة الناس , فالأوضاع متردية , وفرنسا حانقة تترقب حدثا مزلزلا يهز كيانها.. ولم يكن هذا الغضب والترقب غائبا عن أذهان أولئك الرجال والنسوة المتأنقين الذين اجتمعوا ذلك المساء العاصف لقضاء سهرة ممتعة بدعوة من الأمير دي بوفو , وكان رجلا محبا للثقافة وأهلها , وقد دعا بعض أذكى رجالات باريس في مجال العلم والفلسفة والأدب , إضافة لثلة من سيدات المجتمع الراقي .

دعا الامير إلى حفله نخبة المثقفين في فرنسا

ويبدو بأن الجو العاصف في الخارج قد تسلل إلى طبيعة الحديث الدائر في الداخل , فاحتدم النقاش بين تلك النخبة المثقفة حول سبل الارتقاء بالمجتمع ليسود العقل ويحل المنطق محل الجهل والخرافة الضاربة أطنابها في ربوع البلاد , وتحدث البعض عن ضرورة قيام ثورة شاملة لا يكون فيها مكان سوى لحكم العقل والمنطق .إلا أن هذا الحديث المفعم بالحماسة والفلسفة سرعان ما أتخذ طابعا هزليا بعد أن أملئت البطون بأطايب الطعام وأترعت الكؤوس بالنبيذ الباريسي المعتق الذي أراقه الأمير بسخاء في كؤوس ضيوفه , فتطرق الحاضرون بالسخرية إلى الدين ورجاله , لا بل تطاولوا على الذات الإلهية , فنهض أحدهم وقد لعبت الخمر برأسه وهتف قائلا : "أنا متأكد بأن الله غير موجود , وبأن هوميروس – صاحب الإلياذة – مجرد رجل أبله" . فيما تندر آخر مستشهدا بكلام حلاقه الخاص الذي حدثه قائلا : "سيدي الكريم , رغم أني حلاق بسيط , إلا أني لست أقل إلحادا من غيري" .. فضج الحاضرون بالضحك .

ونهض الأمير دي بوفو رافعا كأسه عاليا وداعيا لشرب نخب العقل الذي سيحل عصره لا محالة ليحرر الناس من قيود الأوهام والخرافات . لكن بعض الحضور من كبار السن , علقوا على كلامه بحسرة وأسف , قائلين بأن أعمارهم لن تطول حتما ليشهدوا ذلك العصر المجيد لأن التغيير المرتقب سيأخذ وقتا طويلا حتى يتبلور في أذهان الناس البسطاء .وهنا قاطعهم صوت جهوري أجش : "سادتي الأعزاء , كونوا مطمئنين وراضين , جميعكم ستشهدون تلك الثورة العظيمة التي تترقبونها وتصبون إليها , أنتم تعلمون بأني متنبئ نوعا ما , وأنا أكرر مجددا : جميعكم ستشهدونها" .. فألتفت الجميع نحو صاحب تلك الكلمات , ولم يكن سوى السيد جاك كازوت , ذلك العجوز الغامض المنزوي بعيدا في ركن قصي , والذي لم ينطق حرفا واحدا منذ بداية السهرة وحتى هذه اللحظة , وكان معروفا بين صفوة المثقفين بكونه أديب غريب الأطوار , له رواية شهيرة أسمها "الشيطان العاشق" تتحدث عن السحر وكيانات العالم الآخر , وتطارده إشاعات بكونه عضو في جماعة سرية.

"جميعكم ستشهدونها .."

وبرغم الغموض الذي يحيط بالرجل , فأن أحدا لم يأخذ كلامه على محمل الجد , بل ظنوه يمزح , فضجوا ضاحكين, ونهض الأديب والشاعر نيكولاس تشامفورت رافعا نخبه وقال متهكما : "هذه أنباء جيدة!". فيما تحدث رجل آخر موجها كلامه للسيد كازوت : "سيدي العزيز , لا تكن ساحرا علينا الليلة".

كازوت لم يأبه لهذه التعليقات الساخرة , بل مضى يقول : "لا بأس أيها سادة , أسخروا كما تشاءون , لكن ربما هناك المزيد في جعبتي لأطلعكم عليه . فهل تعلمون ماذا سيحصل خلال تلك الثورة المرتقبة ؟ وما سيحدث بعدها ؟ وماذا سيجري لكل واحد منكم ؟".

الفيلسوف والرياضي الشهير المركيز دو كوندروسيه نظر للسيد كازوت باستخفاف واضح وقال : "فيلسوف مثلي لن يضره سماع متنبئ مثلك". فضحك الحاضرون مجددا. أما كازوت فرمق الماركيز بنظرة مشفقة وقال : "أنت يا سيد دوكوندروسيه سوف تموت على الأرضية الحجرية الصلدة لزنزانتك , ستموت بالسم الذي تجرعته لكي تهرب من يد الجلاد , السم الذي سوف تجبرك الثورة المرتقبة على أن تحمله معك طوال الوقت".

كان جوابا صادما, و ساد الصمت لبرهة قبل أن يتدارك أحدهم الموقف ويهب قائلا بأن السيد كازوت واهم كبير وأنه يمشي خلال نومه , فعاود الحضور الضحك . ونهض آخر وقال موجها كلامه للمتنبئ العجوز : "سيدي .. هذه الرواية التي قصصتها علينا للتو ليست ممتعة بقدر روايتك "الشيطان العاشق" , ولا أدري أي شيطان وضع في رأسك هذه الأمور عن الزنزانة والسم والجلاد؟ .. وما علاقة هذا كله بحديثنا عن الفلسفة وتطلعنا لعصر العقل والمنطق!".

المركيز دو كوندروسيه

فهز كازوت رأسه أسفا وقال : "أضحكوا كما تشاءون , لكن الأمر تماما كما أخبرتكم .. وكل ما سيحدث سيكون بأسم الفلسفة .. وبأسم الإنسانية .. وبأسم الحرية .. وكل ما سيحيق بكم سيكون تحت حكم العقل وسلطان المنطق , لأنه حينها ستكون للعقل معابد , ولن تكون في فرنسا معابد أخرى غير معابد العقل".

فعقب تشامفروت على هذا الكلام ساخرا : "آمل يا سيد كازوت بأنك لن تكون واحدا من كهنة تلك المعابد".

فأجابه السيد كازوت بنبرة حزينة : "كلا سيدي , ليس لدي أمل في ذلك , لكن أنت من ستكون واحدا منهم , وسوف تقطع شرايينك بالشفرة 22 مرة , ولن تموت إلا بعد أشهر".

وسرت في القاعة همهمة, وترددت ضحكات خجولة هنا وهناك لكنها سرعان ما خمدت , وأصبح الجو مشوبا بشيء من عدم الراحة , لكن كازوت كان عازما على أن يمضي في نبوءته المرعبة , فأشار بأصبعه إلى طبيب مشهور وقال: "أما أنت يا سيد فليكس فيك دازير .. فلن تفتح شرايينك بنفسك , بل ستتوسل لكي يفتحونها لك , ست مرات في نهار واحد , وذلك لكي تضمن نجاحك بالانتحار , وسوف تموت في تلك الليلة ".

نيكولاس تشامفورت

وراحت جميع الأنظار تطارد أصبع السيد كازوت كأنه سيف القدر يجندل الرجال يمينا وشمالا ..

"وأنت يا سيد دي نيكولاي , ستقضي نحبك على خشبة المقصلة" : قال كازوت , ثم أشار لرجل آخر وتابع : "وأنت كذلك يا سيد بايلي".

الشاعر الفرنسي جان انطوان روشر لاحظ بأن جميع الذين ذكرهم كازوت بنبوءته هم من أعضاء الأكاديمية العلمية الملكية فعلق على ذلك ساخرا: "يبدو بأن السيد كازوت لا يطارد سوى رجال الأكاديمية , فأنا سعيد حقا لكوني لست عضوا فيها".

فجاءه الرد سريعا وصاعقا : "أنت! .. أنت ستموت أيضا على خشبة المقصلة".

فقام رجل من بين الحضور وتساءل باستغراب: "ما تقوله يا سيد كازوت غير معقول البتة , من سيفعل بنا هذه الأمور الشنيعة ؟ .. هل ستتعرض فرنسا لغزو المغول أو التتار؟".

فأجابه كازوت : " لا أبدا سيدي , ما سيسود فرنسا آنذاك هو حكم الفلسفة وحدها , وحكم المنطق وحده , وهؤلاء الذين سيعاملونكم بهذا الشكل سيكونون فلاسفة مثلكم , وستتردد على أفواههم نفس الكلمات العميقة التي كنتم ترددونها قبل قليل , ونفس الثوابت والمبادئ , وسيقتبسون من حديث نفس الفلاسفة العظام الذين ذكرتموهم في مجلسكم".

فسأله أحدهم : "ومتى سيكون ما ذكرته سيدي؟".

فقال كازوت : "لن تنقضي ست سنوات حتى يتحقق كل ما أخبرتكم به".

جان فرانسوا دي لاهارب

وتساءل الناقد والكاتب المسرحي جان فرانسوا دي لاهارب : "وأنا ماذا سيحل بي ؟".

فأجابه كازوت : "أنت ستصبح متدينا" . وكان لاهارب شديد الإلحاد . فضج تشامفروت ضاحكا عند سماعه ذلك وقال : " أنا مطمئن الآن على حياتي , فإذا كنا سنموت عندما يصبح لاهارب متدينا فهذا معناه بأننا من المخلدين!".

وقالت دوقة جارمونت في محاولة لتلطيف الجو : "نحن النساء سعيدات , لأن لا شأن لنا بالثورات , صحيح إننا نشارك ببعض الأمور البسيطة , لكن بالتأكيد لا احد سيقوم بمهاجمتنا , فجنسنا اللطيف ..".

فقاطعها كازوت قائلا : "جنسكم اللطيف سيكون بلا مفعول هذه المرة سيدتي , ولن يتم استثنائكم من شيء , ستعاملون كالرجال تماما ".

فقالت الدوقة بتعجب : "ما تقوله غير معقول , كأنك تحدثنا عن نهاية العالم".

فأجابها كازوت : " أنا لا أعلم شيئا عن نهاية العالم , لكني أعلم يقينا , بأنكِ سيدتي الدوقة , ستقادين إلى المقصلة مع سيدات أخريات في عربة الجلاد وأيديكن مقيدة".

فقالت الدوقة بكبرياء : "في هذه الحالة أتمنى أن يتم اقتيادي بعربة فخمة مطلية بالسواد".

فقال كازوت وهو يهز رأسه أسفا : " كلا سيدتي , السيدات عاليات المقام من أمثالك سيذهبن في عربة بائسة مكشوفة وأيديهن مقيدة خلف ظهورهن".

دوقة جارمونت

فتساءلت الدوقة بارتياب : "سيدات عاليات المقام .. من تقصد ؟ .. نساء السلالة الحاكمة!!".

فأجابها كازوت : "ونساء أعظم منهن شأنا".

هنا بدا الاستياء واضحا على معظم الوجوه , خصوصا صاحب الحفل الأمير دي بوفو المقرب من البلاط , وحاولت الدوقة تلطيف الجو مجددا فقالت : " أظن بأني على الأقل سأحظى بكاهن اعتراف قبل موتي".

فأجابها كازوت نافيا : "كلا سيدتي .. لن تحضي بواحد , في الحقيقة أيا منكم لن يحض بواحد . الشخص الوحيد الذي سيكون معه كاهن قبيل إعدامه تكرما عليه هو ... ". وتردد في إكمال عبارته. فحثه الآخرون على الكلام , وألحوا في معرفة هوية ذلك الشخص , فتابع على مضض: "وسيكون ذلك الكاهن هو الأخير المتبقي من أجله , وسيكون ذلك الشخص هو ملك فرنسا".

وهنا سرت صرخة مكتومة بين السيدات , فيما نهض الرجال غاضبين , وأحتد الأمير دي بوفو قائلا : "سيدي العزيز , لقد آن لهذه المزحة أن تنتهي , لقد طالت أكثر من اللازم , ومضيت أنت بها بعيدا".

كازوت لم يقل شيء , بل وضع قبعته على رأسه وهم بالمغادرة , لكن قبل أن يترك القاعة تداركته الدوقة بسؤال : "سيدي المتنبئ , لقد أخبرتنا عن مصائرنا , لكنك لم تذكر شيئا عن مصيرك".

فأجابها قائلا : "سيدتي , هل قرأتي كتاب المؤرخ فلافيوس عن حصار الرومان لأورشليم – القدس -".

قالت : "بالتأكيد , لكن حدثني عنه كأني لم اقرأه".

قال : "خلال الحصار مضى رجل يدور حول أسوار المدينة لسبعة ليال متتالية , على مرأى من المحاصرين للمدينة , والمحاصرون في داخلها . كان يبكي بلا توقف ويصرخ بأسى: "الويل لأورشليم" . وفي المرة الأخيرة التي دار بها حول أسوار المدينة صرخ قائلا : "الويل لأورشليم .. والويل لي" , وما أن أتم جملته حتى سقط عليه حجر كبير أطلقه منجنيق الأعداء فقتله بالحال".

فقالت الدوقة وقد دمعت عيناها : " فأنت ذلك الرجل سيدي , تحذرنا من الويل القادم إلينا ومصيرك لا يختلف بشيء عن مصيرنا".

فأجابها : "هو ذاك سيدتي" .. ثم مضى العجوز يجر خطواته المتثاقلة إلى الخارج.

 

وتحققت النبوءة

واندلعت الثورة الفرنسية

ومرت الأيام سراعا تطرد بعضها , ولم يكد يمضي عام على النبوءة حتى اندلعت الثورة الفرنسية , تلك الثورة التي حملتها سواعد الجياع والرعاع لكنها قامت أساسا على مفاهيم ومبادئ ما يعرف بعصر التنوير , وسقيت بأفكار فلاسفة كبار من أمثال جان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو , وقادها مثقفون من أمثال جورج دانتون وجان بول مارا و روبسبير ..

قامت الثورة أساسا على مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية ومحاربة الظلم والجهل , ودعت لتحكيم العقل والمنطق في كل شيء بعيدا عن الانقياد الأعمى للحكام ورجال الدين , لا بل أن شأن العقل صار عظيما في رحاب الثورة إلى درجة أن بعض اليعاقبة من أمثال جاك ايبير وانطوان مومورو أقاموا للعقل معبدا ومحرابا ..

لكن أنى للثورات من عقل! ..

ففي خضم الحماس والاندفاع الذي يتميز به الثوار عامة يضيع العقل تحت الأقدام ..

إذ هل من العقل أن يتم سحل الناس في الشوارع وتمزق أجسادهم بدعوى أنهم من موالي ومناصري النظام السابق , والكثير منهم أبرياء يجري اتهامهم بغية الانتقام وتصفية حسابات ومصادرة ممتلكات .. هل من العقل أن تنهب البيوت والمتاجر , وينحر الشيوخ والأطفال , ويهتك عرض ربات الخدور بأسم العدالة الاجتماعية ! .. ويتم إرسال آلاف الأبرياء إلى المقصلة ليتم قطاف رؤوسهم , ويحشر مئات الرهبان في زوارق ليتم إغراقها بمن فيها في نهر اللوار!! ..

صحيح أن الثورة الفرنسية كانت عظيمة الأثر في تاريخ العالم المعاصر, وأضحت نبراسا لجميع الثوار في مشارق الأرض ومغاربها , وعلى دربها , وتحت شعارها : "حرية, مساواة, أخوة" سارت جموع الجياع والمظلومين تقارع الطغاة في كل مكان . لكنها أيضا كانت ثورة دموية إلى أبعد الحدود , تدحرجت فيها الرؤوس كالأرز .. وأول الرؤوس التي طارت هي تلك التي نادت أساسا بقيام الثورة ! .. دأب الثورات دوما أن تأكل أطفالها .

تم ارسال الناس إلى المقصلة بالجملة

لا بل أن الثورة أرتقت إلى مصاف الجنون المطلق أثناء ما عرف بحقبة الرعب على يد روبسبير الذي أرسل الناس زرافات زرافات إلى المقصلة , وفي عهده تحققت جميع نبوءات كازوت :

- الماركيز دو كوندروسيه أصبح مناصرا قويا للثورة عند اندلاعها , لكنه انتقد تطرفها في إراقة الدماء , فألقي القبض عليه , وعثر عليه ميتا في زنزانته عام 1794 وقد تجرع السم ليتفادى المقصلة.

- نيكولاس تشامفورت تنكر لأصدقائه في البلاط وأصبح من اشد المناصرين للثورة وقام بتسخير ثروته الصغيرة في سبيلها , وكان من أوائل من اقتحموا سجن الباستيل , وترقى إلى منصب مرموق في نادي اليعاقبة , لكنه خسر كل شيء عندما انتقد انحراف الثورة عن أهدافها , وحاول الانتحار قبل أن يقبضوا عليه عام 1793 , فأطلق النار على رأسه لكنه لم يمت وأصيب بجراح في وجهه , وحاول الانتحار مجددا بضرب عنقه بشفرة تقطيع الورق مرارا وتكرارا , لكنه لم يمت أيضا وعثروا عليه غارق في دماءه وهو يقول : "أنا أفضل أن أموت حرا على أن أموت عبدا في سجن" , لكنه ولسوء حظه لم يمت إلا بعد أشهر على محاولة الانتحار بعد أن كابد ما لا يطاق من المذلة والألم.

- الطبيب فليكس فيك دازير مات عام 1794 , وطلب قبل أن يموت أن تفتح شرايينه.

- ايمار دي نيكولاي , كان مقربا من البلاط , وقطعت المقصلة رأسه عام 1794.

- جان بايلي , آخر عمدة لباريس في عهد الملكية , حاولوا إجباره على الشهادة ضد الملكة ماري أنطوانيت , لكنه رفض , فحوكم سريعا وقطعت المقصلة رأسه عام 1793.

حياتي لا تستحق كذبة

- جان انطوان روشر , كان متعاطفا مع الثورة , لكنه كالآخرين انتقد تطرفها لاحقا , فحوكم بتهمة التآمر وقطعت المقصلة رأسه عام 1794.

- دوقة جارمونت اقتيدت إلى المقصلة في عربة بائسة مكشوفة عام 1794 , وعندما وقفت على المنصة , وقبيل قطع رأسها بلحظات , سألوها : "هل أرسلتي أموالا إلى أعداء الثورة خارج فرنسا" . فأجابت : "كنت سأقول لا , لكن حياتي لا تستحق كذبة"!. 

- جان فرانسوا دي لاهارب , كان هو أيضا مناصرا شديدا للثورة , ومتملقا لقادتها في كتاباته , لكن ذلك لم يشفع له , وتم إلقاء القبض عليه عام 1794 للاشتباه في "التآمر" ضد الثورة . وفي السجن خاض لاهارب تجربة روحية عميقة حولته من ملحد معاند إلى متدين مجالد في سبيل الكنيسة . ولاهارب هو الشخص الذي كتب لنا النص الكامل لما حدث في تلك الليلة العاصفة تحت عنوان نبوءة كازوت (Prophétie de Cazotte) , كتبها قبيل وفاته عام 1803. لكنه ليس الشخص الوحيد الذي أشار إلى النبوءة , فقد وردت إشارات في مراسلات وكتابات رجال ونساء آخرين كانوا حاضرين في تلك الحفلة التي أقامها الأمير دي بوفو عام 1788 وجميعهم أكدوا حقيقة النبوءة.

لكن ماذا عن صاحب النبوءة ؟

شعارهم الهرم مقطوع الرأس

لسنوات طويلة طاردته إشاعات بأنه عضو في جماعة المتنورون (Illuminati) , وفي الواقع لم تكن تلك الاتهامات تخلو من حقيقة , ولم يكن كازوت الوحيد بين مثقفي عصره ممن وجدوا ضالتهم في تلك الحركات الفلسفية السرية التي تدعو في ظاهرها إلى حرية التعبير وتنوير العقول من أجل إقامة مجتمع مثالي خلاق , لكنها في الباطن – كما يزعم أعداءها – كانت وما زالت تقود مؤامرة عالمية كبرى تقف وراء جميع الفتن والحروب وحتى الأوبئة والكوارث التي ضربت البشرية في تاريخها المعاصر. والمتنورون هم صنو الماسون , ويمتاز المتنورون بشعار الهرم المقطوع الرأس الذي يظهر على عملة الدولار الأمريكي , ومن رموزهم البومة , وهناك صنم كبير للبومة موجود في البستان البوهيمي بالولايات المتحدة حيث يجتمع كل عام أقوى رجال العالم وأكثرهم تأثيرا في مجال السياسة والصحافة والمال وتقام طقوس ومراسم يشوبها الكثير من الغموض والجدل ( راجع مقالي حول البستان البوهيمي ) .

وبحسب البعض فأن المتنورون هم الذين يحكمون العالم من خلف الستار عن طريق فرض سيطرتهم على عالم السياسة والمال والإعلام . لكنني لست بصدد الخوض في هذا الجدل, وما تطرقت للموضوع إلا لارتباطه بحياة بطل قصتنا.

تمثال البومة في البستان البوهيمي

والظاهر من سيرة حياة كازوت أنه لم يكن عضوا في جماعة المتنورون , لكن جماعة سرية أخرى تدعى المارتينية "Martinism" والتي توصف بأنها طائفة مسيحية صوفية تسعى إلى أن يستعيد الإنسان قدراته التي منحها الله إليه ساعة خلقه والتي فقدها عند طرده من الجنة ونزوله إلى الأرض , وهي مثل غيرها من الحركات الباطنية لديها العديد من الأسرار والطقوس والمراسيم , ولديها أيضا تفسيرات معينة للنص الديني المقدس مغايرة لما هو متعارف عليه لدى التيار الديني التقليدي , أي أن للكلام عندهم ظاهر وباطن , الظاهر يعلمه الناس أما الباطن فلا يدركه سوى الخواص.

وهناك من يشكك في انتماء كازوت إلى المارتينية أيضا , ويستدلون على ذلك بالعداء الذي أبداه للثورة ووصفه إياها بأنها من عمل الشيطان , وهو موقف مغاير تماما لموقف المتنورين والمارتينين . والراجح أن الرجل كان منتميا فعلا للطائفة لكن تحولات فكرية طرأت عليه مع اندلاع الثورة الفرنسية , فأصبح ميالا أكثر للأفكار الرجعية , ومنتقدا قويا للفلاسفة , ومواليا على نحو متزايد للملكية . ومن غير المعلوم سبب هذا التحول , لكن أيا ما كان سببه فهو لم يرق طبعا للثوريين , فألقوا القبض عليه , وحكموا عليه بالإعدام , لكن أبنته إليزابيث استطاعت تهريبه من السجن , إنما ليس لوقت طويل , إذ سرعان ما أعيد القبض عليه , ويقال بأنه تنبأ بذلك , وأعطى وصفا دقيقا لهيئة الشخص الذي سيلقي القبض عليه وساعة حدوث ذلك , وقد كان كما قال .

وفي يوم 25 سبتمبر 1792 ارتقى العجوز جاك كازوت ببطء سلم منصة المقصلة , لم يكن خائفا ولا وجلا , وكانت آخر كلماته : "أموت كما عشت دائما , وفيا لديني ومليكي". وقد كان بعمر 72 سنة ساعة قطع رأسه . والعجيب أن إعدامه تم قبل جميع من تنبأ بموتهم , فكان تماما مثل ذلك الرجل الذي حذر سكان أورشليم من الويل القادم إليهم ليموت هو قبلهم جميعا.

الشيطان العاشق

جاك كازوت في شبابه

لا ريب بأنك عزيزي القارئ تتساءل الآن عن سر قدرة الرجل الخارقة في كشف أسرار المستقبل وسبر أغواره , فهل يعقل أن توجد نبوءة بهذه الدقة المتناهية , وهل للأمر علاقة بالسحر والتنجيم وكائنات العالم الآخر ؟ .. بالأحرى هل كان كازوت ساحرا ؟

للإجابة على هذا السؤال علينا أن نعود بالزمن إلى الوراء قليلا لنتعرف على جوانب من حياة كازوت ومسيرته الأدبية والفكرية الغير تقليدية.

ولد جاك كازوت في مدينة ديجون شرق فرنسا عام 1719 , كان والده موظفا بسيطا . وتلقى كازوت تعليمه العالي في معهد للرهبان اليوسوعيين ثم أنضم إلى البحرية وترقى في المناصب ليعين مفوضا عاما على بعض الجزر الفرنسية في البحر الكاريبي . وفي هذه الفترة من حياته لم يكن كازوت معروفا لدى الأوساط الأدبية والصالونات الثقافية الفرنسية , لم يكن قد كتب سوى قصتين قصيرتين في شبابه , باختصار لم يكن احد يعرفه ككاتب.

نبوغ كازوت في مجال الكتابة برز بعد تجاوزه سن الأربعين , تحديدا بعد عودته من جزر الكاريبي واستقراره في مدينة بييري شمال شرق فرنسا , إذ بدأ ينشر أعمالا في مجال القصة والأدب والشعر , وحكايات للأطفال , وقام بمساعدة راهب سوري بترجمة جزئية لحكايات ألف ليلة وليلة , وقد لاقت أعماله هذه رواجا وقبولا لدى جمهور القراء آنذاك , مما شجعه على دخول عالم الرواية , وكانت روايته الشيطان العاشق (Le Diableamoureux) عام 1772 هي أروع ما سطرته أنامله , حيث نالت إشادة النقاد قديما وحديثا لتفردها بالأسلوب والحبكة ولكونها سابقة عصرها في مجال أدب الخيال والرعب القوطي. والرواية تتحدث عن نبيل اسباني شاب , دون الفارو , يتنكر له الشيطان ويحاول إيقاعه في حبائله عن طريق إغواءه في هيئة خادمة حسناء , بيونتيدا , لكن الشاب يصمد بوجه جميع الإغراءات , ويرفض الدخول في أي علاقة إلا عن طريق الزواج الشرعي وبموافقة أمه.

كازوت شعر بفرحة غامرة لنجاح روايته , خصوصا وإنها حققت له مكانة مرموقة في الأوساط الثقافية . وفي ذلك الحين , أي عندما نشر روايته عام 1772 , لم يكن كازوت منتميا إلى أي جماعة أو طائفة سواء علنية أو سرية.

زائر غامض

زائر غامض طرق بابه

بعد عدة أشهر على نشر كازوت لرواية الشيطان العاشق , طرق أحدهم باب منزله ذات مساء . وكان الطارق رجلا غريبا يرتدي ثياب سوداء ويلف جسده بعباءة طويلة . فسأله كازوت : ماذا تريد سيدي ؟ .

لكن الغريب لم ينبس بكلمة , وإنما راح يرسم بأصبعه رموزا في الهواء , مما أثار دهشة كازوت فسأله : "عذرا , لكن هل أنت اخرس ؟ .. لو كنت كذلك فأنا آسف لأني لا افهم لغة الإشارة " .

بيد أن الغريب أستمر في صمته وأعاد رسم تلك الرموز في الهواء . فنفذ صبر كازوت وصاح به محتدا : " ماذا تريد مني ؟!".

فنظر الغريب إلى كازوت بدهشة وقال : "ماذا ! .. ألم تفهمني ؟ .. لقد ظننتك واحدا منا , ومن أصحاب المقامات العالية في جماعتنا ".

فقال كازوت : "مع أني لا افهم شيئا مما تقوله يا سيدي , لكني أؤكد لك بأني لست عضوا في أي طائفة أو جماعة".

فقال الرجل باستغراب : "إذا لم تكن كذلك , فكيف إذن عرفت كل هذه الأمور التي ضمنتها روايتك الشيطان العاشق , أعني أسرار الكابالا , وسحر وقوة الأرقام , وخبايا الشياطين والكيانات الخفية .. يصعب علي تخيل أن يكون ذلك كله من وحي خيالك .. هل أنت ماسوني ؟ " .

فكرر كازوت وبإصرار نفيه أن يكون عضوا في أي جماعة أو لديه علم بأمور السحر والشعوذة . فقال الغريب وهو يمط شفتيه : "الظاهر يا سيدي أنك أما عن طريق الحدس , أو عن طريق الصدفة , قد توصلت إلى بعض الأسرار التي لا يعرفها سوى الأعضاء من أصحاب المراتب العليا في جماعتنا . وعليك أن تكون حذرا من الآن فصاعدا في أن لا تميط اللثام عن المزيد من هذه الأسرار".

كازوت اقسم للرجل بأنه ليس مطلعا على أي أسرار , وأقتنع الرجل أخيرا بأن كل ما جاء في الرواية هو من بنات خيال كازوت , لكنه قال : " بما انك عرفت الكثير من هذه الأسرار بنفسك , فحري بي أن تعرف المزيد , فهل تسمح لي بأن أطلعك عليها ".

فأدخله كازوت إلى المنزل وجلس الرجلان يتحدثان حتى الفجر , وفي تلك الليلة الليلاء أطلع كازوت على أسرار وأمور وصفها هو لاحقا بأنها : " تجعل شعر الرأس ينتصب".

وفي الصباح غادر كازوت المنزل برفقة الغريب وذهبا إلى مدينة ليون , هناك التقى بزعيم الطائفة , مارتينز دي باسكوالي , وهو رجل شديد الغموض , لو بحثت عنه عزيزي القارئ في النت لوجدت قصصا وأخبارا متضاربة , فلا أحد يعلم من هو ولا أصله ولا فصله , عاش بأسماء عديدة , وكان لغزا بحد ذاته , وشخصا خطيرا جدا , وقد تنقل لسنوات من مدينة لأخرى لنشر دعوته.

ما الاسرار التي اطلع عليها كازوت ؟ .. وهل هو ساحر ؟

ولا يعلم سوى الله ما طبيعة الحديث الذي دار بين كازوت وذلك الزعيم الغامض . لكن المعلوم هو أن كازوت عاد من ذلك الاجتماع إنسانا مختلفا تماما , فأصبح يقضي أيام طويلة وحيدا حبيس حجرته , وصار أهله يسمعون أصواتا مريبة في المنزل , وأصبح مهتما بالتعرف على أسرار العالم الآخر وقراءة كتب السحر, أو كما كان يسميه هو : "السحر الرباني" , وفي تلك الفترة بدأ يخبر المقربين منه بأن الحجاب قد رفع عن بصره , وصار بإمكانه رؤية المستقبل كأنما ينظر في مرآة!.

وخلال السنوات العشرين التالية من حياته تنبأ كازوت بالكثير من الأمور والأحداث , لكن النبوءة الأشهر في سجله هي تلك التي تنبأ بها في حفل الأمير دي بوفو عام 1788 .

فهل كان الرجل ساحر ؟ .. أو بلغ مرحلة عالية من السمو الروحي بحيث رفع الحجاب عن بصره حقا ؟ .. أم إنها كانت حاسة سادسة وموهبة ربانية يهبها الله لمن يشاء ؟ .. أو لعل الأسرار التي أطلعته الطائفة عليها كانت تتضمن نبوءات مستقبلية ؟ .. كل هذه أسئلة تبقى من دون جواب ..

ختاما ..

رغم غرابة نبوءة كازوت , وهي بلا ريب مدهشة , إلا أني شخصيا أظن بأن التنبؤ بمسار الثورات ليس أمرا عسيرا , فجميعها تكاد تنسخ بعضها , إذ نادرا ما نرى ثورة بيضاء , ومعظمها يكاد يكون مجللا بالدماء . وأنا هنا لست ضد الثورات , بل أنا ضد الطغاة .. لكني أقول بأن أي تغيير للسلطة السياسية دون أن يواكبه تغيير وحراك اجتماعي وثقافي فلن يكون نافعا أو مجديا في شيء . فالشخص الذي تعود على رمي نفاياته في الطريق حتى بوجود سلة مهملات إلى جانبه لن يغير هذه العادة لمجرد تغير السلطة السياسية , والشخص الذي تربى على الولاء الأعمى للقبيلة والدين والقومية لن يصبح بين ليلة وضحاها إنسانا متفتحا يتحرى الأفضل والأصلح فيمن يحكمه بغض النظر عن الانتماءات ... التغيير الحقيقي يكون بتغيير القناعات وليس فقط بإسقاط الحكومات , ولهذا نرى في التاريخ ثورات عديدة كانت نتائجها عكسية , وثمارها مرة , لأن الأمم التي لا تقدر العلم والثقافة وحرية التعبير والتسامح , لن تقدر حريتها بالتأكيد , ولن نحتاج إلى كازوت ليتنبأ لنا بمصير ثوراتها.

ملاحظة : الخاتمة ليس فيها غمز أو لمز أو انتقاد مبطن لأي شعب أو أمة , ما كتبته يتحدث عن تجربتي الخاصة مع التغيير في بلدي.

المصادر :

La prophétie de Cazotte

The Jacques Cazotte prophecy

Jacques Cazotte - French Wikipedia

1792: Jacques Cazotte, occultist

Jacques Cazotte: The Man who Predicted the French Revolution?

Illuminati – Wikipedia

Martinism – Wikipedia

Martinez de Pasqually – Wikipedia

Cult of Reason and Robespierre

البستان البوهيمي والصنم الذي يلتهم الأطفال

تاريخ النشر : 2017-05-19

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر