الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

دي بي كوبر تحدٍ مستحيل وإختفاء محير.. أحد أعظم ألغاز التاريخ

بقلم : مازن - تونس
للتواصل : [email protected]

الرجل اللغز .. من يكون ؟ .. وأين انتهى به المصير ؟

- سيدي .. هناك مكالمة عاجلة واردة من طائرة بوينغ 727 التابعة لخطوط نورث-ويست، أظنّهم يواجهون خطبا ما حضرة الملازم.

- حسنا، أطلب تحويل الاتصال.. يا ترى ما مشكلتهم ؟ .. لم يمضي على أقلاعهم سوى دقائق ؟

- حاضر سيدي ..

الملازم المسئول عن أمن المطار تكلم لبرهة مع ربان الطائرة ثم امتقع لونه وصرخ قائلا : " ماذا تقول؟ .. قنبلة !! " . وما أن أنهى الاتصال حتى ألتفت إلى مساعده وقال : "علينا الاتصال بالفرق المختصة فورا ! الوضع خطير للغاية" ..

***

على متن الرحلة 305 لطائرة بوينغ 727 عام 1971

عاليا في الأجواء , على متن الطائرة , كان المكان هادئا نسبيا .. الحركة عادية كما ينبغي لها أن تكون خلال أي رحلة جوية روتينية ، لا شيء غريب .. صوت حديث هامس يقاطعه شخير أحد الركاب الذي غطّى وجهه بكتاب كان يقرأه للتو قبل أن يغفو، وصدى خافت لموسيقى منبعثة من سماعات صغيرة مثبتة بالكراسي يطرب لها البعض وهم مغمضي الأعين، وهناك ضحكات تعلو من حين لآخر لتعكر مزاج حبيبين يمسكان بأيدي بعضهما بخجل وهما يسرحان في عالمهما الخاص، وصوت خطى المضيفات وهن يترددن بين المقاعد رواحا ومجيئا ..

أما هو ، فقد جلس بهدوء وعيناه شاخصتان ترقب القادم والذاهب وأذناه تنصتان باهتمام بالغ لكل حركة وسكنة من حوله.. كان ينتظر مرور الصبيّ الصغير الذي يجري في الممر لكي يلتفت إلى المضيفة التي تجلس إلى جواره مرتعشة ثم يهمس في أذنها قائلا بنبرة متوعدة : "في حالة التأخر بتسليم الفدية ستتحول هذه الطائرة إلى ألعاب نارية في سماء سياتل".

وأظن بأن الأمور قد أتضحت لك الآن عزيزي القارئ , ولعلك تحدث نفسك بضيق : "أوه مقال ممل آخر عن اختطاف الطائرات" .. لكن رويدك ، لا تتعجل بالحكم .. فقصتنا اليوم ليست كبقية القصص والمقالات ، بل هي فريدة من نوعها .. لغز أعيى أذكى المحققين وتسبب لهم بالدوار .. معضلة لا حل لها تبخر أمامها كل جبروت مكتب التحقيق الفيدرالي (أف بي آي) وذكاء ودهاء أجهزة الاستخبارات والمخابرات الأمريكية .. إنّها واحدة من أعظم ألغاز القرن العشرين ، وقد زاد في شهرتها كونها بقيت إلى يومنا هذا بدون حل ، فأسمح لي أن أستفز ذكاءك لعلنا معا نصل إلى رأي أو تفسير منطقي لما حدث وكيف حدث في ذلك المساء البارد من يوم 24 نوفمبر 1971 عندما وصلت إلى السلطات تهديدات جدية تتعلق بسلامة رحلة جوية منطلقة من مطار مدينة بورتلاند ، حيث زعم أحد الركاب أنه يحمل قنبلة ، وفي حال لم يحصل على فدية مالية كبيرة سيقوم بتفجير الطائرة ..

قد تبدو هذه للوهلة الأولى حبكة عادية لعملية اختطاف طائرة ، لكنها ليست كذلك ، لا أبدا ليست قصة عادية ، بل هي أسطورة أمريكية أثبتت للجميع أنّ ما يحدث في الأفلام ليس بالضرورة مجرّد خيال ..

رعب في المقصورة الخلفية

يشبه رجال الاعمال في ملبسه وشكله

دان كوبر، كان هذا هو اسم الرجل المسجل في قائمة المسافرين والذي حجز في يوم عيد الشكر مقعدا في طائرة تنطلق من مطار بورتلاند الدولي وتتجه نحو مدينة سياتل في رحلة تدوم 30 دقيقة. كان يرتدي معطفا خفيفا واقيا من المطر، وبذلة وربطة عنق سوداء، كان يشبه رجال الأعمال في ملبسه وشكله. وقد وصفه بعض الشهود بأنّه في منتصف الأربعينات.

مع انطلاق الطائرة العملاقة التي شغر مقاعدها 36 راكبا فقط، كان دان كوبر جالسا في المقصورة الخلفية وهو يدخّن سيجارة بهدوء بعدما طلب بعض المشروبات، كان كل شيء يمضي بصورة عادية حتى فجر كوبر مفاجأة من العيار الثقيل بعد دقائق من الإقلاع وذلك بكشفه عن مخططاته الجهنمية لمضيفة الطيران التي تقف بجانبه ، فلورنسا شافنر، والتي تناولت منه ورقة لكنها لم تهتم لأمرها ظنا منها أنّ الأمر مجرد سخافة كتلك التي يقوم بها عادة الكثير من المسافرين الرجال معها، لكن سرعان ما فاجئها حين قال لها : " سيدتي، الأفضل لك أن تنظري لهذه الورقة .. بحوزتي قنبلة." ، فرفعت فلورنسا رأسها ونظرت في عينيه وعرفت في الحال أنّ الأمر جاد ، ثم نظرت إلى الورقة لتجدها مكتوبة بعناية وبحروف كبيرة، ووجدت فيها ما يلي :" لديّ قنبلة في حقيبتي، أريدك أن تجلسي بجانبي".

ونفذت ما أمرها بفعله، جلست إلى جانبه ثم طلبت منه بهدوء أن ترى القنبلة، ففتح حقيبته لترى بداخلها أسلاكا متشابكة حمراء بالإضافة إلى بطارية اسطوانية. أخبرها بأنّه يريد 200 ألف دولار وبعض الأغراض الأخرى ، وطلب التوقّف في سياتل أي المدينة التي كانت الطائرة متوجهة إليها من البداية : "ولا تهاون في ذلك وإلّا قمت بهذا بنفسي !".

كانت المضيفة تلتقط أنفاسها بصعوبة، تخيّلت الطائرة تنفجر ووالداها يعرفان بمقتلها وهما أمام التلفاز يتابعان الأنباء .. أخذت نفسا عميقا و تحركت متوترة نحو غرفة القيادة لتخبر قائد الطائرة الذي اتصل بدوره ببرج المراقبة الجوية الخاصة بمطار تاكوما (سياتل) والذي أعلم السلطات الفيدرالية ليدرك رجال الأمن أنّهم يواجهون خطرا محدقا كبيرا قد يتحول بسرعة لكارثة مدوية .. طائرة مخطوفة مليئة بالركاب وقد تنفجر في أيّ لحظة.. يا له مأزق ! .

تمّ الاتفاق على إيهام المسافرين بأنّ وصولهم لسياتل سيتأخر قليلا بسبب صعوبات فنية بسيطة وذلك تفاديا لحالة الهلع المؤكدة على متن الطائرة في حال انتشار الخبر ، وأتى أمر عاجل من رئيس طيران "نورث-وست أوريانت" الملكة للطائرة يشدد على التعاون التام مع الخاطف من قِبل طاقم الطائرة، بينما تحرّك الجميع لجمع الفدية المطلوبة ريثما تصل الطائرة إلى سياتل.. كيف لا وسمعة الشركة مرهونة بضغطة من زرّ تفجير.

لم يكن عصبيا، بل لطيفا نوعا ما.

أوه، يالك من مجرم يا دان كوبر، أنت شخص سيء ! أراهن على أنّ هذه الفكرة تدور في رؤوس أغلب القرّاء الآن.. لكن ماذا لو علمتم أنّ دان كوبر كان محترما أكثر من عشرات الركاب الآخرين ؟ فحسب فلورنسا المضيفة التي واجهت كوبر أكثر من الجميع، هو لم يكن مثل القرصان الشرير الذي لطالما تخوّف المضيفون من قدومه ولا مجرما عصبيا كما ظنّت في البداية.. بل كان يحاول تهدئتها، وحسب قولها فقد كان رجلا متخلّقا، طليق اللسان ومحترما، حتى أنّه أصر على دفع ثمن المشروبات التي اشتراها بل ودفع مالا أكثر من المطلوب ..

عموما، كان كوبر اجتماعيا وكأنّه في مهمة مهنية روتينية يتصرف خلالها بشكل طبيعي بل مثير للإعجاب.

"لم يكن عصبيا، بل لطيفا نوعا ما.. لم تبدو عليه أيّ من علامات الوحشية أو الإجرام، كان رصينا وهادئا طوال الوقت." هذا ما قالته مضيفة طيران أخرى. وما فاتكم أغرب، لقد قام بتقديم وجبات لطاقم الطائرة على حسابه !!

بقيت الطائرة تدور حول مضيق واسع بين جزيرتين لمدة لا تقلّ عن ساعتين، حتى أذنت شرطة سياتل وعملاء "اف بي اي" لها أخيرا بالتوجه نحو مطار تاكوما بعدما تمّ جمع مبلغ الفدية المطلوبة وتهيئة عناصر الطوارئ للمواجهة المرتقبة.

"يبدو أنّنا وصلنا لمطار تاكوما.." قالها الخاطف ببرود للمضيفة في إشارة لمطار سياتل بعد إعلامه أنّه تمت تلبية طلباته قبل دقائق من هبوط الطائرة. فما هو الجزء القادم من خطته ؟

مرة أخرى في الهواء.. الإقلاع مجددا ؟!

صورة للطائرة المخطوفة عند هبوطها في سياتل

عند الوصول لمطار تاكوما وجّه كوبر مكان الهبوط بنفسه وأمر قائد الطائرة بإطفاء الأضواء في غرفة القيادة تحسّبا لرصاص قناصة الشرطة، بينما توجّه مدير عمليات شركة الطيران نفسه نحو الطائرة في زيّ مدني لتسليم الفدية. عند وصول طلباته إلى يديه، سمح كوبر للمضيفين بمغادرة الطائرة وتحرير جميع المسافرين. وحالما فرغت الطائرة من الركاب و وجد كوبر نفسه وحيدا مع الطاقم المختص وراح يناقش معهم أمور تتعلق بالطيران مثل حالة الجو و سعة خزان الوقود وأدنى إرتفاع ممكن .. ليتبيّن للجميع بوضوح أنه يخطط لإقلاع مجددا .. وأفاد الطيار المساعد أنّ كوبر تناقش مع طاقم الطائرة كثيرا قبل أن يتفق معهم على وجهة محددة ألا وهي مكسيكو سيتي، كما حدد نقطة توقف معيّنة للتزود بالوقود وأوصى الطيار بالإقلاع بأمان، وأقلّ إرتفاع ممكن وأخفّ سرعة..

و أظنني تفطنت للتو إلى أنني لم أذكر قائمة طلبات الخاطف كاملة، فقد طلب كوبر ، إضافة للمال طبعا ، 4 مظلات هبوط (براشوت) !

لكن ماذا ينوي أن يفعل بأربع مظلات ؟ وإلى ماذا يخطط  ؟ ماذا لو كان ينوي القفز من إرتفاع شبه مستحيل ؟ الظاهر أننا على موعد مع مغامرة صعبة.

وبعد ساعتين من التوقف في مطار سياتل، أقلعت الطائرة مجددا وعلى متنها فقط كوبر، القائد ويليام سكوت، ومساعده راتاكزاك، والمضيفة تينا موكلو وكذلك مهندس طيران مختص. وكانت هنالك طائرتان حربيتان تتابع الطائرة المخطوفة بالإضافة إلى أبراج المراقبة.

وأثناء الطيران، أمر كوبر المضيفة بالتوجه لمقصورة الطيار والبقاء هناك بعد إقفال الباب، فنفذت ما طلبه وانضمت لطاقم الطائرة. ولم يبقى في الجزء الخاص بالمسافرين من الطائرة سوى كوبر نفسه ..

وبعد دقائق معدودة، وصل إنذار لغرفة القيادة مفاده أنّ الباب الخلفي للطائرة قد تحرّك.. وأن الضغط الداخلي للطائرة قد تخلخل وهناك حركة غير طبيعية في مؤخرة الطائرة .. ولأن طاقم الطائرة كانوا يعلمون بأن كوبر يمتلك مظلات قفز ، لذلك رجحوا بأنه فتح باب الطائرة وقفز في الهواء . وبالفعل حين ذهبوا للتأكد وجدوا باب الطائرة مفتوحا وقد اختفى كوبر .. وسرعان ما تلقفت السلطات الأمنية هذا الخبر من طاقم الطائرة .

وانطلقت بسرعة البرق عملية بحث واسعة ، سفن بحرية .. مركبات جوية .. مروحيات .. شرطة راجلة .. والجميع هدفهم واحد .. وهو اقتفاء أثر المجرم الهارب الذي وبلا شك هبط في إحدى الغابات المحيطة بالمكان الذي كانت تحلق فوقه الطائرة ساعة قفز منها .

البحث عن الخاطف

صورة المظلة التي استعمل كوبر واحدة مثلها للهبوط

بينما انطلق البحث المشدد كانت طائرة البوينغ قد هبطت في مطار رينو الخاص بمدينة نيفادا ليقتحمها رجال الشرطة ويتأكدوا من أنّ الخاطف قد اختفى فعلا من الطائرة. وطبعا إحدى أهمّ الخطوات التي وجب القيام بها هي فحص البصمات والتحقق من أي دليل قد يقودهم لهوية الخاطف، لكن عناصر الشرطة وجدوا 66 بصمة مجهولة الهوية بالإضافة إلى ربطة عنق كوبر ومظلتان إحداهما ممزقة .. والخلاصة أنهم لم يتوصلوا لشيء.

أما فيما يتعلق بعمليات البحث ، فقد كانت هناك بعض الاختلافات في تقدير المنطقة التي قد يكون كوبر هبط فيها . لكن معظم رجال الشرطة والخبراء اتفقوا على أن المكان الذي هبط فيه كوبر بواسطة المظلة من المرجح أن يكون غابات جنوب واشنطن، وللتأكد من ذلك قاموا بتجربة أسقطوا خلالها جسما يبلغ وزنه 91 كغ من الباب الخلفي لنفس الطائرة وفي نفس الظروف .. ليسقط بالنهاية في نهر لويس في الجنوب الغربي من واشنطن .. علما بأن القفز من طائرة ركاب كبيرة ومسرعة هو أمر خطير للغاية خاصة مع الظلام والحالة الجوية السيئة والسماء الملبدة بالغيوم التي ساهمت في عدم ملاحظة الطيارين الحربيين الذين كانوا يتابعون الطائرة لقفزة كوبر من الباب الخلفي والذي يمثل جسما صغيرا يصعب تبيّنه في مثل تلك الظروف، وكانت هناك شكوك لدى الشرطة في أن يكون كوبر قد تمكن من فتح المظلة أساسا!

صورة للغابة التي يعتقد ان كوبر هبط فيها

بعد أيام من اختفاء الخاطف، ومع يأس الشرطة من تحديد هوية الخاطف أو العثور عليه ، تم توزيع الأرقام التسلسلية للأوراق المالية التي أخذها كوبر كفدية على جميع البنوك والمؤسسات المالية والكازينوهات والأماكن التي يتم التعامل فيها بمبالغ مالية كبيرة ، أي أنّه وفي حال ملاحظة أي رقم متطابق فسيتم إبلاغ السلطات فورا.

لكن مرت سنة ولم يتصل أحد ! ..

فقامت الشرطة بنشر الأرقام التسلسلية وإعلانها لعامة الناس ، مع مكافأة تصل إلى 15 بالمائة من مبلغ الفدية .

طبعا هذه المكافأة سرعان ما سال لها لعاب المحتالين ، وحدثت بعض محاولات تزوير تتمثل في إدعاء البعض أنّهم يمتلكون أوراق مالية من مال الفدية ، ففي سنة 1972 قام رجلان بتزوير أوراق مالية من فئة 20 دولار وطباعة الأرقام التسلسلية لأموال الفدية عليها وذلك لغرض خداع مراسل مجلة نيوزويك للحصول على 30 ألف دولار منه، كما طلبا مالا مقابل إجراء الصحفي مقابلة مع رجل أدعيا بأنّه خاطف الطائرة.

الرسومات التي وزعتها الشرطة للخاطف بناء على اوصاف الشهود

واستمرت مساعي البحث عن كوبر ، وجرى استجواب الكثير من الأشخاص الذين زعموا رؤية كوبر، لكن في الحقيقة لم يكن بإمكان الشرطة التأكد من هذه المزاعم ، فهي لا تمتلك أية صورة للخاطف ، كل ما كان بحوزتها هو سلسلة من الأوصاف التي على أساسها تم عمل رسم تقريبي لشكل الخاطف ، الأمر الذي أربك محاولات الشرطة في تحديد هوية الخاطف الحقيقية، لتشتبه في الكثير من الناس الذي يحملون اسم الخاطف المطلوب وتستجوبهم بدقة.

لكن دعونا من هذه التفاصيل المملة .. فخلاصة القول هو أن جميع مساعي البحث والتحقيق والاستجواب باءت بالفشل وانتهت إلى طريق مسدود .. تبخر الخاطف في الهواء ! .. ولم يتبقى منه بالنهاية سوى أسم "دي بي كوبر"، وهو الأسم الذي حجز بواسطته تذكرة الرحلة ، وصار يعرف به ، وتداولته الصحف والمحطات العالمية ليتحول إلى رمز للقضية التي تعرضت لتطورات وترجيحات كثيرة محيرة بأتم معنى الكلمة.

" نحن نحاول أن نحلّ إحدى أعظم القضايا الغامضة في التاريخ، نحتاج مساعدتكم" .. هذا ما قاله العميل جيفري جراي مخاطبا الناس.

هل كوبر في عداد الموتى ؟

صورة لعمليات البحث المكثفة عن كوبر

يجزم المحققون أنّ إحتمالية نجاة كوبر من قفزته ضعيفة ، وذلك لصعوبة الظروف الجوية في ذلك الوقت، كما استبعدوا نجاحه في فتح المظلة ، فضلا عن مدى خطورة السقطة القاتلة.

"القفز والتوجه نحو البرية بدون خطة واضحة، على ارتفاع 10 آلاف قدم، دون معدات كافية، في ظروف رهيبة، ربما لم يتمكن من فتح المظلة أساسا" .. هذا ما قاله عميل "اف بي اي" المختص لاري كار، مشيرا إلى مدى تعقيد الموضوع.

" لقد اعتقدنا في البداية أنّ كوبر من ذوي الخبرة في القفز من المرتفعات، ربما جندي مظلات ! لكننا استنتجنا بعد سنوات من البحث أنّ هذا غير صحيح، إذ لا يمكن لخبير أن يقفز في منتصف الليل في جو ممطر معرضا نفسه لسرعة رياح رهيبة تبلغ 200 ميل في الساعة.. ببساطة، كانت مجازفة خطيرة" ..

الخلاصة أنّ المحققين وجدوا أنّه من الصعب جدا أن ينجو كوبر دون تخطيط مسبق وتوقع لمكان الهبوط أو شريك مساعد يستقبله ويسهل عليه، مما يفتح الباب لفرضية قوية مفادها أنّ الخاطف الذي حيّر العالم مات وانتهى.

لكن لحظة ..

ربطة عنق تركها كوبر وراءه في الطائرة

هب بأننا صدقنا بما تقوله الشرطة ، وسلمنا أنفسنا لراحة البال ونسينا غموض القضية بعد أن أطمئينا لفرضية أن كوبر مات أثناء القفزة الخطرة .. لكن أين الجثة يا جماعة ؟! ..

هل من المعقول أنّه وبعد التفتيش الدقيق للغابات والجبال لم يتم العثور على أيّ أثر للجثة ؟ و لا حتى بقايا .. كالملابس أو المظلة التي هبط بها ؟ أو رزم المال التي كانت بحوزته .. أليس هذا غريبا ..

قد يقول قائل بأن عدم العثور على الجثة لا يؤثر كثيرا على فرضية موت كوبر، إذ قد يكون مات وتم إخفاء جثته من قبل مجهولين أو حتى جرفتها المياه أو السيول وابتلعتها الأرض .. وهذا ممكن جدا ! .. وأظن بأن أغلبكم اطمئن لفرضية وفاة كوبر، لكن ليس جميعكم سيبقى مطمئنا بعد معرفة ما حدث في السنوات اللاحقة.. خاصة بعد 9 سنوات من الحادثة.

تطورات رهيبة

العثور على لافتة عائدة للطائرة المخطوفة

في سنة 1978 وعلى بعد 13 ميلا من مدينة كاسل روك التابعة لواشنطن، كان هناك صياد يلاحق غزالا ، وخلال المطاردة توقف الغزال للحظة ، فعاجله الصياد بطلقة ، لكن الغزال لم يصب وابتعد بسرعة ، ليخفض الصياد بندقيته وينحني واضعا يديه على ركبتيه لاهثا وهو يتمتم لاعنا . وفيما هو جاثي على ركبتيه منكسا رأسه من شدة التعب لاحظ شيئا غريبا مغطى بالتراب.. فوضع ما في يديه جانبا ونحى التراب عن ذلك الشيء ورفعه ليجده لوحا متوسط الحجم عليه كتابة، وبتنظيف اللوح جيدا تمكن الصياد من قراءة ما عليه فوجد بأنها تعليمات متعلقة بالطيران.

الصياد لم يكن غريبا عن المنطقة لهذا قفزت إلى ذهنه مباشرة أحداث قضية دي بي كوبر فأخذ اللافتة إلى الشرطة والتي بدورها اكتشفت شيئا جعل كل السلطات تتأهب مجددا للتوغل في أعماق الغابات، اللافتة كانت تحوي تعليمات لكيفية فتح باب خلفي لطائرة .. وقد هزّ الخبر أطوار القضية الهادئة وجعل المعنيين بالأمر يعيدون النظر في حساباتهم، لأنّ اللافتة التي تم العثور عليها تابعة لطائرة بوينغ 727 المختطفة، والتي قفز كوبر من بابها الخلفي. وتسبب العثور على اللافتة في تغيير بعض معطيات القضية وتشتت رجال الأمن مثلما قد يحدث معك الآن بالضبط أيها القارئ.

الأموال العائمة

في شهر فبراير من سنة 1980 كانت هناك عائلة صغيرة تقضي عطلتها بهدوء في مخيم قريب من نهر كولومبيا الذي لا يبعد كثيرا عن مدينة فانكوفر التابعة لواشنطن، عندما أفزعهم صراخ إبنهم القادم من بعيد وفي يده رزمة مال. فبينما كان الطفل براين إنغرام البالغ من العمر 8 سنوات يلعب بالقرب من النهر، عثر على رزمتين من المال تقدّر قيمتهما بـ 5800 دولار مدفونتين تحت التراب. الأوراق النقدية كانت مفككة وبعضها مقطّعة لكنها كانت في أربطة مطاطية.

تم استدعاء الشرطة ، وبعد اختبارات على الرزم المالية توصل الباحثون في "اف بي اي" إلى نتيجة مفادها أنّ هذه الأوراق النقدية تابعة للفدية ومرتبة كما تم تقديمها تماما. أدّى هذا الاكتشاف إلى تخمينات كثيرة، فقد خمّن المحققون والخبراء أنّ الأموال إنجرفت عبر مياه نهر كولومبيا في روافد متصلة ببعض لينتهي بها المطاف مدفونة، وهذا ما رجّحه كذلك فيلق القوات البرية الأمريكي الهندسي.

هذا الاكتشاف هدم كل أسس البحث الأمنية، إذ تبين الآن بأن كوبر سقط في مكان مختلف عما تمّ اعتقاده سابقا من قبل رجال الشرطة ، وأنهم طوال تلك السنوات كانوا يبحثون في المكان الخطأ.

هذا الاكتشاف الجديد قاد إلى احتمالين، الأول هو أن كوبر قد مات والنقود جرفها التراب ، والثاني هو أن كوبر حيّ وقد قام بمغادرة المكان.

والآن دعونا نجري مصارعة بين هاتين الفرضيتين ونرى من الفائز..

النقود التي تم العثور عليها عام 1980

فرضية الأموال العائمة لم تخلو من ثغرات، فلو كان كوبر مات والنقود تم جرفها، إذن لماذا لم تنجرف جثة كوبر ؟ ملابسه ؟ أغراضه ؟ ولماذا 5800 دولار فقط ؟ الفدية قيمتها 200 ألف دولار وكانت في حقيبة.. الأمر غير منطقي، بكل بساطة قد يوجد تلاعب في الموضوع يمكن أن يكون من طرف كوبر كما يمكن أن يكون من طرف أشخاص آخرين، ولما لا يكون من طرف حيوان ما تسبب في جرف الأوراق النقدية ؟ أو قد تكون الرزمتان سقطتا من حقيبة الخاطف بالصدفة عند القفز وبأكثر من طريقة ممكنة. أمّا بخصوص نجاة كوبر، فقد يكون بحث الشرطة في المكان الخطأ أعطاه حرية أكبر في التنقل لكن هل سيقوم بدفن مبلغ مالي بتلك القيمة.. كقربان مثلا ؟ قد تكون سقطت منه.. ولا يستبعد أنّ هنالك أطراف خارجية تدخلت في الأمر لكن الظروف كلها ركزت على نجاة دي بي كوبر من عدمه.

وفي سنة 1986 أثناء عملية بحث على امتداد الضفاف النهرية تم اكتشاف هيكل عظمي، لكن بعد الفحص أكّد الأطباء الشرعيون أنّه يعود لامرأة.

سلسلة التفاصيل المثيرة للجدل لم تنتهي هنا ، إذ تم العثور في سنة 1988 على مظلة هوائية بالقرب من أحد الأنهار، لكن خبراء "اف بي اي" أكّدوا أنها مظلة مرساة ، أي أنها مظلة تطلق أو تنشر من جسم متحرك بسرعة من أجل إبطاء وكبح سرعة ذلك الجسم لتوفير المزيد من السيطرة والاستقرار.

وفي سنة 2008، عثر أطفال على مظلة أخرى بالقرب من مدينة أمبوي التابعة لواشنطن. لكن تم التأكيد أنّها من مخلفات الحرب العالمية الثانية.

كل هذه التفاصيل قد تكون مثيرة لكنّها لا تمثل أيّ اختلاف في أطوار القضية ولا تغيّر شيئا إطلاقا.. لأنه بالنهاية فأن لافتة التعليمات الخاصة بالطائرة والرزم التابعة للفدية هي الأدلة المادية الوحيدة لعملية الإختطاف التي تم العثور عليها خارج الطائرة .

التذكرة التي حجز بها الخاطف مقعدا على الطائرة .. كتب اسمه "دان كوبر"

خلاصة القول أن الشرطة لم تتوصل إلى أي معلومة مفيدة عن الرجل الذي سمى نفسه دي بي كوبر .. ما هو أسمه الحقيقي ؟ .. لا أحد يعرف .. كل ما امتلكته الشرطة هو رسومات لوجه دان كوبر مبنية على الشهادات الأولية التي قدّمها الشهود في يوم الاختطاف، وحتى بعد سنوات كثيرة من البحث وتقدّم كوبر في العمر قدّمت الشرطة رسما افتراضيا جديدا لكوبر في هيئة رجل عجوز.

دي بي كوبر.. معلم لقّن المسئولين درسا لا ينسى

مثَل دي بي كوبر بداية النهاية لهذه الحوادث الغير مقيدة والتي تسببت في مشاكل كبيرة من جميع النواحي. فبإعتباره لغزا محيّرا وتحدٍ واضح لدولة قوية ذات أجهزة أمنية معقدة، كانت الفدية التي أخذها بمثابة الثمن المدفوع لتغيير كبير في الأمن الجوي الأمريكي والعالمي. فقد فرضت السلطات تفتيش المسافرين وحقائبهم، كما كسرت العديد من قواعد المراقبة التقليدية ، وتم تزويد طائرات بوينغ بأجهزة حماية خاصة وتقنيات جديدة. و إزاء هذه التحديثات حدث انخفاض كبير في عمليات خطف الطائرات ، ففي سنة 1973 حصلت 31 محاولة اختطاف طائرات أغلب أهدافها الإبتزاز للحصول على المال، مقابل محاولتين فقط في سنة 1974 كانتا من قبل مريضين نفسيين أحدهما حاول تحويل مسار الطائرة نحو البيت الأبيض من أجل قتل الرئيس الأمريكي .

من هو دي بي كوبر ؟

لعل هذا هو السؤال الأكثر إلحاحا بالقضية .. فقد دارت الشكوك حول العديد من الأشخاص المشتبه فيهم والذين لهم كفاءة في مجال الطيران وخاصة القفز من الطائرات، لكن ما إن يركز الباحثون مع شخص معيّن يستحق المتابعة الجدية حتى يخطف منه مشتبه آخر الأضواء. ولقد ادّعت امرأة تدعى مارلا كوبر أنّ الخاطف هو عمها، قائلة أنه توفّي في سنة 1999.

ريتشارد ليبسي .. هل هو دي بي كوبر ؟ ..

لكن ورغم تعدد القصص المحيرة والجذابة بشكل كبير، توجد قصة مثيرة ومريبة كانت هي الوحيدة التي شدت إنتباهي شخصيا بل انتابني شعور غريب حيالها.. وهي قصة ريتشارد ليبسي، وهو أب لأربعة أطفال اختفى في أكتوبر 1969 عن عمر يناهز 33 عاما وتم العثور على سيارته بعد ثلاثة أيام من إختفائه بالقرب من مطار محلي والمفاتيح بداخلها، وقد شاهده رجل وهو بصدد الصعود لطائرة متجهة إلى المكسيك لييأس الجميع من البحث عنه حينها وتغلق السلطات ملفّه. بعد عامين من الإختفاء وعند إنتشار رسومات كوبر الإفتراضية، لاحظت عائلة ليبسي وبدون شك وجود تشابه بين ملامح كوبر وملامح ريتشارد رغم أنّ الرسوم الافتراضية عادة ما تكون باردة الملامح، مؤكدة أنّ ملابس الخاطف مطابقة تماما لملابس ابنهم المفقود ، كما أنّ مواصفات الحذاء الذي كان يرتديه الخاطف هو نفس مواصفات الحذاء المفضل لدى ريتشارد. كان هذا التصريح من العائلة جدّيا وأكده الشهود..

الفرق الأمنية المختصة قالت أنّ تطابق أوصاف ريتشارد ليبسي مع الخاطف لا تكمن في المظهر المادي فقط، بل أنّ الخاطف تكلم بلهجة قابلة للتمييز وأنهم يعتقدون أنها لهجة سكان الوسط الغربي، و ريتشارد ليبسي ترعرع في مدينة شيكاغو التابعة لولاية إلينوي التي تقع بالوسط الغربي للولايات المتحدة الأمريكية. وقد تم اعتبار ريتشارد ليبسي متوفيا بصورة رسمية سنة 1976.

ويوجد إيمان راسخ لدى البعض بأنّ دي بي كوبر ما هو في الحقيقة سوى ريتشارد ليبسي. لكن لا يوجد دليل مادي ملموس يثبت ذلك.

ختاما

عندما تتمعن جيدا في قصة دي بي كوبر وتأخذك مخيلتك إلى تحويل كل سطر قرأته في هذا المقال إلى مشاهد مرئية تتواتر أمام عينيك وتتخيل تفاصيل الغابة المخادعة التي تلاعبت بأطوار القضية، ستجد قصة مثيرة جدا أنا أتمنى لو تتحول إلى فلم رائع بحبكة لا مثيل لها أرى فيه كل ما حدث في ليلة الواحد والعشرين من نوفمبر وأعرف كل ما دار بذهن كوبر وكل ما فعله ونهاية الأمر كيف كانت. حوادث الخطف والإختفاء دائما ما تكون صعبة، هل تعلمون أن ملف القضية تم إغلاقه رسميا بعد 45 سنة من البحث ؟ نعم، في 2016.. والحقيقة أنّه تم إغلاقه فقط على أوراق التحقيقات البغيضة. ولا أظنك عزيزي القارئ إهتممت بخرق كوبر للقانون والقبض عليه بقدر إهتمامك بكوبر نفسه ومصيره وهويته أو بقدر إعجابك به. دي بي كوبر بطل.. لكن بطريقة غير شرعية ؟ لايهم !

مصادر :

- D. B. Cooper - Wikipedia

- Unmasking D.B. Cooper

- Major break in the D.B. Cooper mystery

تاريخ النشر : 2017-06-26

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر