الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ماذا يفعل الرجال ؟

بقلم : Myra - سوريا
للتواصل : [email protected]

تجمدت أطرافه فأخذ يفقد إحساسه بيديه

 فتح باب منزله وخرج ، كانت لفحات الريح الباردة أول من استقبله ، ارتعشت أطرافه قليلاً وهمّ بالعودة إلى المنزل ليرتدي سترةً فوق ملابسه.

لا... لا... الرجال لا يبردون ، رنَت هذه الكلمات في أذنه ، فاستدار ورفع رأسه شامخاً وأكمل مسيره.

- يا لسخافتي ، أأبرد من بضع لفحاتٍ لا حول لها ولا قوة ؟

وراح يتصور نظرات والده -رحمه الله- الساخرة إليه لو رآه في مثل هذا الموقف ، طرد الصورة من رأسه بسرعة وحثّ قدميه على المسير متّخذاً الطريق الجبلية الوعرة ، وكان كلما صعد قليلاً راح البرد ينفذ إلى عظامه فينخرها ، في حين تجمدت أطرافه فأخذ يفقد إحساسه بيديه ويشعر أنه يمشي على قطعتين من الجليد الصلب لا حياة فيهما ، خفّت سرعته قليلاً قبل أن تلمح عيناه كهفاً صغيراً يبدو لناظره كحفرةٍ وجدت فجأة... وخطر له أن يدخله ليرتاح ريثما تخف حدّة البرد.

لا... لا... الرجال لا يختبئون ، كانت هذه الجملة كفيلةً بتغيير رأيه وإتمامه المسير دون هوادة ، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يلهث ، لقد أضناه التعب والطريق طويلة وتبدو بلا نهاية ، قدماه تجمّد الدم في عروقهما في حين بدت يداه وكأنهما لا تخصّانه وارتسمت أمامه صورة منزله الدافئ وأمّه التي لا بدّ أنها الآن تبحث عنه في كلَّ مكان.

- لا... لا... الرجال لا يستسلمون.

انتشله هذا الخاطر من أفكاره في حين راحت صورة والده المرحوم ترتسم أمامه شبحاً مقطّب الجبين ، أسرع بالوقوف متحاملاً وأغمض عينيه عن الصورة وأكمل السير ليتمم ما اعتقد أنه واجبه ، وللحظات شعر أن عينيه تحجرتا وأن الدماء راحت تنسكب مع الأمطار الخفيفة التي بدأت بالهطول ، وما بين الأمطار والدماء لاح له خيالٌ صغير ، أغمض عينيه وفتحهما من جديد ليتبيّن أنّ هذا الخيال ليس سوى ذئبٍ جائعٍ يلعق لسانه ممنيّاً النفس بوجبةٍ شهيةٍ جاءته دون دعوة ، توقّف عن المسير وشعر أن قلبه يدقُّ في رأسه ، المكان مقفر وهو وحيدٌ بلا سلاح، والهرب ليس وسيلة فلا مكان يهرب إليه.

- لا... لا... الرجال لا يخافون.

ولم يشعر إلا والذئب يقفز عليه ، ودار عراكٌ بينهما لا يدري كيف ، وتلقّى من العض والخدش ما يكفيه دهراً ، وفي لحظات ذهوله العنيفة تلك وقع بصره على حجرٍ قريب أردى به الذئب قتيلاً ، وعندما نظر إلى نفسه راعه ما لحق بها من تمزق وما فقدته من دماء ، استلقى أرضاً ونظر إلى الذئب الميت ثم رفع رأسه ليطالعه وجه والده ، وقبل أن ينطق الشبح شيئاً قال له: ماذا الآن ، هل ستقول لي أن الرجال لا يموتون ؟

وأغمض عينيه ولم يدرِ بنفسه إلا وهو في المشفى وحوله الطبيب والممرضات ، وعندما فتح عينيه كان أول من وقع عليه نظره هو وجه والدته الذي غسلته الدموع في حين راح إخوته الصغار ينظرون إليه بلهفة.

  • ولدي هل أنتَ بخير؟

وضمّته بشدة شعر معها بالألم وانتبه إلى أنّ جسده مغطى بالشاش في أكثر من مكان وأن رأسه معصوبة واستفاق على صوت والدته: ما الذي أخذك إلى ذلك الجبل اللعين ؟ أما يكفينا والدك؟ وبكت بحُرقة ، فضمّها متأثّراً وراحت دمعةٌ صغيرة ترسم طريقها على وجهه.

- لا... لا... الرجال لا يبكون ، طالعه الشبح مرةً أخرى مكفهرّاً.

أبعد أمه فجأةً وسألها: أمي ، ماذا يفعل الرجال؟

نظرت إليه أمه باستغراب في حين ضحك إخوته الصغار من السؤال وارتسمت علامات الحيرة على وجه الطبيب والممرضات فقد بدا السؤال نوعاً ما غبيّاً ، لكنه أردف متابعاً قال لي أبي : الرجال لا يستسلمون ، لا يبكون ، لا يخافون ، لا يبردون ، ألا يملك الرجال مشاعر؟ وإن كانوا لا يملكونها فكيف يحبّون ويعشقون ؟ كيف يعيشون ؟ هل علينا أن نتخلّى عن أحاسيسنا حتى نكون رجالاً ؟

ازداد استغراب أمه ، وحوّلت نظرها إلى الطبيب متسائلةً لكنه لم يحرّ جواباً ، في حين راح هو يفكّر بأسئلته ويحاول أن يجد من يجيبه عنها ، ولا زال يبحث.

تاريخ النشر : 2017-08-01

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر