الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

محمود أمين سليمان .. سفاح القرن العشرين المثقف !

بقلم : مصطفى سيد مصطفى - مصر
للتواصل : https://www.facebook.com/mostafa.ahlawy.22

السفاح الذي اشاع الرعب في القاهرة

هناك مقولة للكاتب الأمريكي الشهير دوجلاس هورتون تقول : "عندما تبحث عن الإنتقام عليك أن تحفر قبرين , أحدهما سيكون لك أنت " . و في التراث الإسباني هناك مثل شهير يقول " لذة الانتقام لا تدوم إلا لحظة " .

لعلك أدركت عزيزي القارئ من خلال تلك الكلمات أن الإنتقام نادراً ما تكون نهايته سعيدة للإنسان و بالفعل هذا ما حدث مع بطل قصتنا الذي كان حديث الشارع في مصر و الدول العربية في أواخر الخمسينات و أوائل الستينات من القرن المنصرم واشتهر بـ (سفاح القرن العشرين) , وكان يتمتع بذكاء و دهاء ساعداه في الهرب كثيراً و كاد أن يفلت من قبضة رجال الشرطة للأبد لولا أن جنون الإنتقام أعماه في اللحظات الأخيرة ...

لنتعرف على قصة هذا السفاح الفريد من نوعه .. ودعونا نرجع معاً إلى البداية .

البداية في لبنان : طفل سارق ثم شاب طائش

مدينة طرابلس في لبنان صورة قديمة جدا

تبدأ القصة عندما قام الشاب الطموح أمين سليمان (والد السفاح) بالهجرة من بلدته بصعيد مصر (مركز أبو تشت - محافظة قنا) إلى لبنان عام 1920 من أجل البحث عن مصدر رزق جديد و قام هناك بتأسيس شركة صغيرة لشحن البضائع , و قد استقر بمدينة طرابلس اللبنانية بجوار مقر شركته و هناك تزوج و رزقه الله بخمس بنات و ثلاثة أولاد منهم محمود (بطل موضوعنا) . و في مدينة طرابلس اللبنانية التحق محمود بإحدي المدارس الراقية . و كانت بداية عهد محمود بالسرقة في طفولته و هو بعمر 7 سنوات عندما سرق 4 ثمرات (خيار) و عندما اكتشفت والدته السرقة قامت بمعاقبته , و في واقعة أخرى قام محمود بسرقة 4 بنادق من مخزن أسلحة تابع لمعسكر الجيش البريطاني .

تم القبض على محمود لأول مرة و هو طفل بسن التاسعة عندما التحق بعصابة متخصصة في سرقة منازل الأثرياء و كان دوره أن يتسلق الأسوار العالية لرشاقته و خفة وزنه و لكن الشرطة قامت بتسليم محمود لوالده لحداثة سنه.

تكررت سرقات محمود حتى وصل إلى سن الشباب و جاء اليوم الذي إشترك فيه مع عصابته في سرقة منزل الرئيس اللبناني السابق (كميل شمعون) و قامت العصابة بقتل أحد حراس منزل الرئيس , و بعد هذه الحادثة تم إلقاء القبض على (محمود) فشعر (امين سليمان) بالخوف على مستقبل أسرته و أمواله في لبنان فقام بتصفية أعماله و عاد مع أسرته إلى مسقط رأسه في صعيد مصر , و بعد فترة وجيزة قام (محمود) بالهرب من السجن في لبنان لبراعته في الهروب و التخفي , وعندما علم برجوع أسرته إلى مصر قام بحزم أمتعته و عاد متخفياً إلى مصر .

المجرم المثقف

اختلط بالوسط الفني والنخبة المثقفة ذلك الزمان

بعد عودة محمود إلي مصر توفي والده , فقام محمود ببيع نصيبه من أملاك والده و اتجه إلى مدينة الأسكندرية و من هناك قام بجولة في عدة بلدان منها لبنان و لا يعلم سوى الله ماذا فعل محمود في تلك الفترة الغامضة من حياته .

و بعد حلِ و ترحال استقر محمود في القاهرة و قام بتأسيس دار نشر بعد أن تعرف على اثنين من الصحفيين و كانا يقدمانه للصحفيين و الفنانين على أنه الدكتور محمود أمين سليمان الأستاذ الجامعي السابق ويقولان عنه إنه استقال وافتتح دارا للنشر و كان تأسيس دار النشر علامة فارقة في حياة محمود الإجرامية .

فمن خلال إدارته لدار النشر دخل محمود في عالم الفن و السياسة فتعرف على عمالقة ذلك الزمان مثل المطرب الشهير (عبد الحليم حافظ) و الشاعر (كامل الشناوي) و الصحفي (مصطفي أمين) .. وقد عُرف محمود وقتها كرجل مثقف و مرموق .

وهنا يجب الإشارة إلى أن دار النشر كانت مجرد ستار لجرائم محمود , فكان من جهة يتقرب إلي رجال السلطة و الفن و من جهة أخرى كان يختار ضحاياه من الفنانين و المشاهير بدون أن يثير الشك .

و بالفعل بدأ محمود في مسلسل سرقة المشاهير , فكانت البداية عندما اقتحم منزل أمير الشعراء (أحمد شوقي) و قام بسرقة تمثال لنخلة ذهبية أهداها له أمير البحرين بمناسبة حصوله على لقب أمير الشعراء , و بعد ذلك قام بسرقة قصر المليونير (سباهي باشا) بالأسكندرية و فيلا كوكب الشرق (أم كلثوم) كما سرق أيضاً فيلا المليونير السكندري (بولفار) صاحب مصانع الغزل و النسيج .

علاقاته النسائية

شاهد فتاة جميلة واعجب بها

بعد استقراره في القاهرة و تأسيسه لدار النشر , تزوج محمود لأول مرة من فتاة تُدعي (عواطف) و قد اكتشف لاحقاً انها ليست عذراء فطلقها.

بعد ذلك شاهد محمود فتاة جميلة و من أسرة فقيرة تُدعي (نوال عبد الرؤوف) و كانت ستتزوج قريباً من تاجر من مدينة الزقازيق إلا أن محمود قام بإغراء اُسرتها بمبالغ مالية كبيرة فوافقوا على زواج محمود و نوال , و في يوم الزفاف علم محمود بتحرك الشرطة للقبض عليه , و لكنه كالعادة نجح في الهرب و أمرت الشرطة أسرة نوال برفض زواج ابنتهم من هذا المجرم إلا أن محمود عاد مرة أُخرى و تزوج نوال بعد أن أغراها بالأموال و الهدايا الباهظة و شقة مجهزة بأحدث المفروشات وقتها و أصبحت نوال زوجته الثانية.

و للمرة الثالثة أوقع محمود في شباكه سيدة أجنبية تعيش في مصر تُدعي (بيلا) و قد شاهدها محمود في مكتب أحد المحامين فظن أنها امرأة ثرية تملك الكثير من المال و لكنه اكتشف لاحقاً أنها سيدة فقيرة تبحث عن زوج ثري , و لاحقاً اكتشفت (بيلا) زواج محمود من (نوال) فطلبت الطلاق و قام محمود بتطليقها عندما اكتشف انها لا تملك المال الذي يبحث عنه.

من لص للمنازل إلى قاتل

اخبار محمود تتصدر عنواين الجرائد

تم القبض على محمود في 58 قضية سرقة منازل فأعطاه صديقه المحامي (بدر الدين) الذي كان يدافع عنه دائماً في قضاياه وعداً بأن يساعده في الخروج من السجن , و في السجن تسربت لمحمود أنباء عن علاقة غير شرعية بين زوجته ( نوال) و محاميه الخاص (بدر الدين) كما عرف أن محاميه يتعمد تأخير إجراءات المحاكمة و البراءة حتى يخلو الجو له و لـ (نوال) , فغلي الدم في عروق محمود الذي قرر الهرب و الانتقام من زوجته و محاميه , و بالفعل نجح في الهرب من السجن لبراعته في الهروب و التنكر , وذهب لمنزل زوجته في الاسكندرية وحاول قتلها , لكن الرصاص أصاب شقيقة زوجته فقتلها . و احتاج محمود للمال فذهب لسرقة فيلا (بولفار) كما ذكرنا و عندما اكتشفه أحد الخدم أطلق محمود الرصاص على الخادم و هو يتناول سحوره . و بعد ذلك ذهب محمود لمنزل أحد معارف المحامي (بدر الدين) , فزعم الرجل بأنه يعرف مكان (بدر الدين) الذي يبحث عنه محمود , لكنه في الحقيقة حاول إلهاء محمود من اجل الاتصال بالشرطة , فأدرك محمود هذا الفخ و قام بالهروب من المنزل بعد أن قتل اثنين من الخدم .

منذ ذلك الحين أصبح محمود حديث الشارع المصري فقامت الصحف اليومية بتخصيص مساحة خاصة بتحركات و جرائم السفاح , و من المواقف الطريفة انه في يوم من الأيام لم يقتل السفاح أحداً و لم يسرق فحملت الصحف في اليوم التالي عنوان (السفاح في إجازة بالأمس) .. و منذ ذلك الحين أصبح محمود أول (سفاح عمومي) , فالسفاحين قبله كانوا محليين مثل : سفاح كرموز (سعد اسكندر) و سفاح البدرشين و غيرهم .

و من الحوادث الشهيرة التي حدثت أن محمود اقتحم احد المنازل بحي الدقي بالجيزة و عندما شاهد الفزع في عيون سيدة المنزل أخبرها انه ليس سفاحاً و مجرماً كما تصفه الجرائد و إنما هو مجرد رجل يريد الانتقام من زوجته الخائنة و عشيقها و أن كل ما يحتاجه هو 100 جنيه يرسلها لأولاده , وعندما أخد المبلغ الذي طلبه قام بسرقة مجوهرات قيمتها 3000 جنيه !.

و مع مطاردة الشرطة المستمرة للسفاح و حاجته للمال اللازم للهروب انتشرت اخبار عن اتصال السفاح بعدد من مشاهير ذلك الزمان و تهديدهم بالقتل إن لم يعطوه المبالغ المطلوبة , و من المشاهير الذي هددهم وقتها : الفنانة تحية كاريوكا و الفنانة مريم فخر الدين و الفنانة ماجدة و الفنان حسن فايق و المقرئ طه الفشني و المؤلف أبو السعود الإبياري , و لكن اتضح لاحقاً إن هذه الأخبار كاذبة و أن من فعل ذلك هم بعض اللصوص و المتطفلين الذي أرادوا إرهاب و ابتزاز المشاهير . و لبراعته في التنكر نشرت الصحف صور متخيلة للسفاح في شخصيات متنوعة مثل : رجل عربي و امرأة و متسول و ضابط شرطة .

سقوط السفاح

اختلفت الاراء حول السفاح

انتشر الهرج و المرج في أنحاء القاهرة و مصر كلها , و اختلفت الآراء بين كاره للسفاح يراه قاتل و يستحق العقاب و بين مؤيد له يراه نصير المظلومين يأخذ من الغني و يعطي للفقير مثل (روبن هود) . و في ابريل 1960 نشرت الشرطة المصرية في الصحف خبراً مضمونه أن من يقبض على السفاح أو يساهم في القبض عليه يحصل على 1000 جنيهاً مصرياً (كان مبلغ خيالي في تلك الأيام) . و بعد أن وصل الخبر إلى السفاح قرر الهرب الى مسقط رأسه , و بالفعل استوقف احدى الشاحنات و طلب من سائقها أن يوصله إلى الصعيد , لكن السائق قال انه متجه إلي مدينة الواسطي (مدينة مصرية تتوسط الطريق بين القاهرة و أقصي صعيد مصر) , و في الطريق اكتشف سائق الشاحنة أن من يركب بجانبه هو السفاح الذي أرعب مصر كلها و بسرعة توقف السائق عند أقرب نقطة مرورية و قال للسفاح انه سينزل من السيارة و يعطي رخصة القيادة للضابط و لكن السفاح بسرعة بديهته أدرك أن هذه حيلة من السائق لإبلاغ الضابط , و من توتره نسي السائق المفتاح في الشاحنة فأخذ السفاح الشاحنة و اتجه بعيداً بعد أن أطلق الرصاص على رجال الشرطة و قتل أحدهم .

بعد 19 ساعة اهتدت قوات الشرطة الى الشاحنة و كانت فارغة إلا من ملابس السفاح و التي يبدو انه استبدلها بملابس شخص آخر للتنكر , و قد نجحت الكلاب البوليسية هذه المرة في اقتفاء اثر السفاح الذي وجدته الشرطة مختبئاً في احدى مغارات جبل حلوان (مدينة بجنوب القاهرة) , و احتشد حوالي 10 آلاف شخص لمحاصرة السفاح في المغارة الضيقة كان نصفهم من الشرطة و نصفهم من الأهالي , و حاولت الشرطة التفاوض مع السفاح إلا انه اشترط أن تسلمه الشرطة زوجته (نوال) ليقتلها مقابل تسليم نفسه , فرفضت الشرطة ذلك الشرط و تبادلت إطلاق الرصاص معه حتى أردته قتيلاً يوم 10 ابريل 1960 و تم دفنه في مقابر الصدقة بمنطقة زينهم بالقاهرة.

صورة جثة القاتل وخبر مقتله في الصحف والذي تمت صياغته بطريقة خاطئة

و يبدو أن لعنة السفاح لم تنته بموته فقد احتفت الصحف بخبر مقتله في اليوم التالي و كتبت صحيفة (الأخبار) عن الحادث بهذه الطريقة : مصرع السفاح عبد الناصر في باكستان . و في الحقيقة أن الخبران منفصلان و هو خبر مصرع السفاح و خبر زيارة الرئيس عبد الناصر لباكستان , و لكن يبدو أن من كتب الخبر قد نسي أن يضع فواصل بين الخبرين . و بعد هذا الخطأ الجسيم قرر الرئيس عبد الناصر تأميم الصحافة و جعلها تابعة للدولة بعد أن كانت صحافة أهلية .

السفاح في الأدب و السينما

اللص والكلاب تعد واحدة من اشهر روايات الكاتب الكبير نجيب مخفوظ وتحولت لاحقا إلى فيلم من بطولة شكري سرحان وشادية وكمال الشناوي

لم تمر قصة السفاح و جرائمه على المؤلفين و الكُتاب مرور الكرام فقد برزت قصة السفاح في أعمال أدبية و فنية كثيرة منها :

1- فيلم (الهروب) من بطولة احمد زكي و هي قصة مشابهة لقصة السفاح.

2- فيلم (شنبو في المصيدة) بطولة فؤاد المهندس و قد تناول الفيلم قصة السفاح في قالب كوميدي.

3-كتاب (سفاح مصر) للكاتب محمود صلاح الذي تناول قصة السفاح بشيء من التفصيل.

4- رواية (اللص و الكلاب) و هي من تأليف الأديب العالمي الفائز بجائزة نوبل (نجيب محفوظ) و قد تناولت قصة السفاح بالتفصيل مع تغيير في أسماء الشخصيات و بعض الأحداث الصغيرة مع وجود إسقاطات فلسفية ووجودية . و الجدير بالذكر أن هذه الرواية يدرسها حالياً طلاب المرحلة الثانوية في المملكة المغربية .

5- فيلم (اللص و الكلاب) بطولة شكري سرحان مقتبس من الرواية.

- مسلسل بنفس الإسم بطولة رياض الخولي مقتبس من الرواية.

خاتمة

إحقاقاً للحق بقي أن أذكر أنه بعد مقتل السفاح أدلت زوجته للصحفيين أن العلاقة بينها و بين المحامي غير حقيقية و انها لم تخن زوجها و انما المشاكل بين زوجها و بين المحامي هي التي جعلت زوجها يدعي هذه العلاقة الكاذبة .

أخيراً اذكر هنا أن الأخبار و التخمينات عن السفاح كثيرة و معقدة و هي موجودة في المصادر و يمكن للقارئ أن يتبحر في قراءتها و لكنه في النهاية مجرد إنسان له ما له و عليه ما عليه و أود التوجه للقارئ بسؤال : هل ستتعاطف مع السفاح لأنه إنسان و لديه رغبه في الانتقام من الزوجة الخائنة و أن مسلسل جرائمه كان نتاج تربية خاطئة أم ستكون ضده مثل حال الأغلبية العظمى ممن سمعوا عنه ؟!

المصادر :

- حقيقة محمود امين سليمان سفاح مصر

- السفاح محمود أمين سليمان البطل الحقيقى لرواية نجيب محفوظ اللص والكلاب

- القصة الحقيقية لـ “لص” نجيب محفوظ

- بدأ جرائمه بسرقة الخيار وانتهت بالقتل .. تعرف علي سفاح القرن العشرين

تاريخ النشر : 2017-09-20

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر