الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الروح المتصلة

بقلم : محمد بن صالح - المغرب
للتواصل : [email protected]

كان يزعم أن اسمه عمر وقد مات منذ عشر سنوات

لطالما أحببت قصص الأشباح والأرواح وكل ما يتعلق بها ، فهذا العالم يعج بملايين القصص عن الظاهرة الفريدة من نوعها فيكفي أن تكتب كلمة شبح في محرك البحث جوجل لتظهر لك آلاف المقالات وكل يغني على ليلاه بين مصدق ومشكك ولكن عزيزي القارئ قد تكون الحقيقة مختلفة .. ربما يكون عالم الأشباح مختلف عن الفكرة التي تشكلت عنها !


عندما كنت أتابع دراستي الثانوية في مدينة تزنيت جنوب المغرب كانت قصة الأستاذ عبد الغني تتداول بين أواسط الطلبة وكيف استطاع كشف جريمة قتل مرت عليها عشر سنوات ..

وبطل قصتنا مدرس ابتدائي اسمه عبد الغني قادم من مدينة سلا التي تتواجد قرب العاصمة الرباط...
كانت السنة الأولى لبطل قصتنا في التدريس فهو تخرج حديثاً وكانت وجهته الأولى مدينة تزنيت ، شاب طموح وكله نشاط فقد بدأ بالنسبة لي عبد الغني مشوار الألف ميل..
ينتظره تحقق حلم الشاب العربي البسيط وإحدى حقوق الشاب الغربي " منزل وسيارة و رصيد بنك وزوجة صالحة "


حتى لا أطيل عليكم فالأستاذ لم يكن يمتلك مسكناً في مدينته الجديدة لكن سرعان ما اقترح عليه أحد أولياء تلاميذه الحاج أحمد بيته القديم الذي يتواجد في مدخل المدينة ، مقترح قابل استحسان المعلم رغم أن المنزل يبدو قديم الطراز لكن عبد الغني لم يتردد في القبول ، فهو في الأخير لن يدفع مقابل السكن وهذه هي النقطة الإيجابية الوحيدة التي لمحها الأستاذ ، فقد كان همه توفير المال " ففي بداية الألفية الجديدة كان مازال مرتب مدرس اابتدائي في المغرب لم يرقى إلى المطلوب " ..


كان المنزل عبارة عن دورين على الطراز الأمازيغي القديم ، فالمنزل يعود بناؤه إلى الستينات .. كانت الأيام الأولى للأستاد عبد الغني عادية في منزله الجديد ، فرغم قدمه لكنه يبدو في حالة جيدة وخصوصاً الطابق الثاني الذي اتخذه مسكناً له .

في البداية بدأت قصص غريبة تروى على مسامع عبد الغني بخصوص المنزل ، لكن الأمر لا يستدعي القلق بالنسبة لرجل متعلم .
لكن كما يقول المثل المغربي "كثرت الضربات تشق الصخر" ..
عهد المرح والنشاط انتهى وانطلق زمن الرعب الذب سيغير ملامح سنين العلم والتعليم للشاب المسكين  ..

بعدما تأقلم الأستاذ مع أجواء المدرسة والتلاميذ كان ينتظره فصل آخر في منزله الجديد ، فقد وجدت الكوابس طريقها إليه .
في البداية كان يستيقظ مذعوراً وغارقاً في عرقه بعد كابوس لا يتذكر فيه سوى صرخات رجل غريب ، ومع مرور الأيام أصبح المطبخ التقليدي الموجود في الطابق الأول الذي يسميه الأمازيغ (أنوال) جزء من الأحلام المزعجة ..

ومرت الأيام ولم تنتهِ مصائب الأستاذ ، ففي إحدى الليالي استيقظ على إثر صرخة مدوية من الطابق الأول ، وفي ليلة أخرى ظهر رجل يحدق إليه وهو يبكي في غرفة نومه ، كاد المسكين أن يجن فلا تفسير منطقي في ذهنه لما يقع معه ، ولكن النقطة التي أفاضت الكأس في إحدى المرات استيقظ الأستاذ عبد الغني و وجد نفسه نائماً في المطبخ التقليدي ، لم يعد هناك مجال لسؤال نفسه ما الذي يفعله هناك ، بل خرج مذعوراً متجها إلى زميله في نفس المؤسسة "ربيع" مدرس القسم السادس ابتدائي ، وأخبره بكل ما وقع معه .


عرض عليه ربيع السكن معه في بيت صغير يكتريه وسط المدينة ، وافق عبد الغني دون تردد فالمنزل الأول مسكون أو هذا ما ظنه عبد الغني ..


مرت بضعة أيام على صاحبنا ولم يحدث أي شيء مريب ، لكنه لم ينعم كثيراً بنوم هادئ حتى عاد الرجل الباكي مستأنفاً الزيارات وعادت نفس الكوابيس تراوده !
تغيرت ملامح عبد الغني ولم يعد نشيطاً كما كان ، وفقد الكثير من الوزن فلم يعد الأمر مقتصراً على الرجل الباكي ومخلفاته ، فقد بدأت نوبات الصرع المتكررة .
ففي إحدى المرات كان يزعم أن اسمه عمر وقد مات منذ عشر سنوات ، وعندما يعود إلى رشده كان يجد نفسه مستلقي في المطبخ التقليدي في المنزل الذي كان فيه ولا يتذكر شيء .
في الأخير تم فصله عن العمل في المؤسسة وتحول من أستاذ محبوب إلى شخص مجنون .


في إحدى المرات سمع الحاج أحمد (صاحب المنزل الذي كان فيه عبد الغني) طرقاً على الباب ، كان الطارق عبد الغني أو بالأحرى عمر ؛ فقد أخبره أن اسمه عمر ، و ابنه الحسين (أي ابن الحاج أحمد) قتله و دفنه في المطبخ التقليدي في منزله القديم .
لم يستوعب الحاج أحمد كلام الرجل وفي الحال تذكر "عمر" ابن شقيقه مختار ، و الذي اختفى منذ عشر سنوات ! كم كانت الصدمة كبيرة وسرعان ما وصل الخبر إلى شقيقه مختار الذي نزل عليه الخبر كالصاعقة ، لكن الحاج أحمد رفض تصديق عبد الغني واعتبره مجرد مجنون مدافعاً عن ابنه الحسين الموجود في الدار البيضاء .


ومرة أخرى وجد عبد الغني نفسه مستلقٍ في المطبخ التقليدي و لا يتذكر شيء . 

تواصلت حالة المدرس المفصول الغريبة بين عمر الميت وعبد الغني الذي يشفق عليه الجميع .
أما السيد مختار فقد أبلغ الشرطة عن إبنه المختفي منذ عشر سنوات وعن واقعة عبد الغني التي جعلته يشك في جريمة قتل لحقت بإبنه .

حضرت الشرطة إلى منزل الحاج أحمد القديم وبالضبط المطبخ التقليدي ، كان عبارة عن حجرة كبيرة تنبعث فيها رائحة الرماد ويكسوه السواد وفرن من الطين .. لم يدم البحث طويلاً حتى اسخرجت الشرطة هيكل عظمي مدفون في إحدى زويا المطبخ ، بعد مقارنة جينات الهيكل العظمي مع جينات السيد مختار كانت النتيجة إيجابية ، فالضحية لم يكن سوى ابنه عمر الذي اختفى منذ عشر سنوات



بعد تحقيقات مع عائلة الحاج أحمد اعترفت ابنته الكبرى أن الضحية كان خطيبها وقد حملت منه لكنه رفض الاعتراف بإبنه والزواج منها ، ما أدى بها إلى الإجهاض وسرعان ما اكتشف شقيقها الحسين الأمر ، و لحق بالضحية إلى منزلهم القديم وقتله هناك ، ثم دفنه في نفس المكان وهددها بالقتل إن هي أفشت السر ، واعتقد الجميع أن عمر هاجر إلى أروبا بعدما ساءت علاقته مع والديه ، فقد كان يهدد دائماً بالهجرة وكان عمر في حياته عاق الوالدين ...


تم القبض على القاتل الحسين وحكم بثلاثين سنة بتهمة قتل مع سبق الإصرار والترصد ، ومازال في السجن إلى يومنا هذا أما شقيقته فقد حكمت عليها المحكمة بأربع سنوات بتهمة عدم إبلاغ عن الجريمة ، قضت منها سنة ونصف بعد تدخل إحدى الجمعيات النسائية ..

أما الحاج أحمد فقد غادر المدينة بعد أن انقلبت حياته بين ليلة وضحاها ..
أما عبد الغني فقد بدأ يتعافى لكنه غادر أيضاً مدينة تزنيت ولم يعد إليها ، وبقي الأستاذ ربيع شاهداً على روح عمر التي اختارت جسد عبد الغني لتحقيق العدل .

ملاحظة : القصة حقيقية تم تغيير بعض الأسماء حفاظا على الخصوصية 

تاريخ النشر : 2017-10-02

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر