الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

للندم طعمٌ مر

بقلم : البراء - مصر
للتواصل : [email protected]

لم أتوقع أنني سأريد أن أكون مكان الفتاة التي كنت حذرة كل الحذر من أن أكون مثلها !

هنا أحب أن أحكي قصتي..
أحكي عن واقعٍ عشته ، وعن شيءٍ تعلمته ؛ فكما يقولون.. الحياة تجارب..

وتجربتي وإن كانت لن تفيدكم كثيراً فإنني أضمن لكم أنها ستمتعكم بعض الشيء ، هي عن الطرف الخاسر من اللعبة ، و أي قصة من طرف خاسر تكون دوماً ممتعة..
ولكن عن أي لعبة أتحدث هنا ؟!
عن لعبة الحب

سأبدأ بهاني..
من هو هاني؟

هاني هو من أحببته، هو من يملك ابتسامةً مثيرةً للشفقة ووجهاً مثيراً للحيرة يجعلك تتساءل.. من هو هذا الشخص حقاً ؟!
الفضول.. أعتقد أنه ربما لهذا أحببته، حينما أفكر في الأمر لا أجد أسباباً أخری ، لا أعرف إذا ما كان الفضول يمكنه أن يجلب الحب.. لكن المؤكد أنني أحببته .


هاني هو اللطافة بحد ذاتها.. الطيبة بأشكالها ، هكذا رأيته بالميكروسكوب الخاص بعقلي، لكنهم رأوه بشكلٍ آخر.. رأوه ذلك الفتی العادي الخالي من المميزات ، الفتی العادي الذي يوجد في كل ركن، ذلك الذي يصبح شيئاً ما فقط بأمواله.. عدا عن هذا هو ذلك الموظف المسكين الذي تجده في كل شركة ، الضعيف الذين يهينه الجميع ، هكذا يرون هاني.. 

لكنه ليس هكذا.. أعتقد أنه أطيب منهم جميعاً ، إنه ملاك بالمقارنة بهم ، و لهذا أنا أحبه بجنون.. أعشق نظرته البريئة ، ابتسامته الهادئة المثيرة للشفقة 

أذكر جيداً أول مرة قابلت هاني فيها في سنتنا الأولی في الكلية ، وقتها كنت عائدة منها و لاحظته.. هناك يجلس علی ذلك المقعد في الحديقة العامة ، و بجانبه كانت توجد قطة صغيرة يطعمها من يده و تعلوه ابتسامة لن أنساها أبداً ، لم أعرف عنه شيئاً سوی أنه بدا و كأنه فرح للغاية فقط من أجل أنه أطعم تلك القطة، و أعتقد من هناك بدأ كل شيء .. هناك نما فضولي لأعرف من هو صاحب هذا القلب..


حينما تراودني الذكريات عنه لا أشعر بنفسي إلا و أنا أمسك يدي تلقائياً .. لا أتذكر كم مرة تمنيت أن تكون يده هي التي تحتضن يدي، و كثيراً ما سألت نفسي.. لماذا لا تأخذين تلك الخطوة؟! الاقتراب و محاولة التحدث.. لن يرفض أليس كذلك؟!


آثرت الانتظار علی التحدث معه و جعله يعرف الحقيقة عني.. الفتاة الوحيدة التي تحبه ، لم أملك الشجاعة قط، ثم هناك من قال أن في التأني السلامة و في العجلة الندامة، فهو طالما لا تحبه إحداهن هنا أو هناك فلماذا إذن أتسرع، بالطبع كانت هذه غلطة من الغلطات الشنيعة التي اقترفتها في حياتي..



لكن لن أكذب.. أنا جميلة حقاً ، هذا ما يقولونه و هذا هو ما أراه ، إذن السؤال لماذا تحب فتاة جميلة شخص عادي مثل هاني ؟!
لأنني كنت دائماً أشعر أنني أذكی من الجميع ، كنت أقول أنا لست تلك الفتاة الجميلة فارغة العقل التي تجدها علی قارعة الطريق تبكي بسبب ما فعله من أحبته ، أنا أذكی من أن أقع في هذا الفخ..


بالطبع هذا جعلني أحكِّم عقلي قبل قلبي ، و بغض النظر عن مدی القسوة التي جعلني عليها هذا الأمر إلا أن هذه هي الطريقة الصحيحة للحياة ، لا يمكننا أن نسمح للآخرين بأذيتنا فقط لأننا لسنا قساة القلب.. فلنكن هكذا ولا يؤذينا أحد 


لم تعرفني صديقاتي حينها، لم أكن أتحدث كثيراً معهن .. فقط كنت أضع تركيزي مع هاني، مجرد رؤيتي لتحركاته كانت كافية لجعلي أفرح، لكن لم أسمح لهن بأن ينتبهن لهذا.. ما إن يعرفن حتی يُحِلْن حياتي جحيماً ، من هو ذلك الوسيم الذي تحبيته الآن ؟!  هل نعرفه ؟! هل رأيناه ؟!


لكن هاني لم يكن وسيماً .. و لم يكنَّ يعرفنه بأي حال ، يبدو لي أحيانا بأنَّ لا أحد يعرف هاني !

في تلك الفترة تعرفت علی أشرف، شاب علی قدرٍ لا بأس به أبداً من الجمال و اللباقة.. و هذا هو منظره الخارجي فقط، أما هو نفسه فلم أعتقد أنه يختلف عن باقي الفتيان من ذلك النوع ، الذين يدمرون مشاعر الفتاة و يرحلون للعبة التالية، كنت أميزهم دوناً عن غيرهم ، لدي ذلك الشيء .. حاسة الأنثی كما يقولون ، تخبرني بما لا يلاحظه أحد ، ونعم.. كنت من ذلك النوع من البشر الذي يمكنه أن يصدر حكمه علی شخص بمجرد حدس فقط لا غير ، علی العموم هو ليس أي حدس.. إنه حدس الأنثی .


علاقة أشرف بي لم تكن بتلك الأهمية بالنسبة لي، كان يری أنني جميلة و يری أنه يحبني.. و كان هذا يكفيه لكي يحاول أن يتقرب مني، أما أنا فكنت أری أنه وغد و قد شاءت الأقدار أن يقع ضحيةً لحب فتاةٍ مثلي.. فتاة تحب فعلاً عدالة السماء و تؤمن بها ، إذا كان يلعب بالفتيات كيفما يريد فحان الوقت لفتاة أن تلعب به كيفما تريد، و قد كان هذا هو تفكيري المبدئي..
كان هذا قبل أن أقابل حبيبة ، و أعتقد أنه قد حان الوقت لتسمعوا الجزء الخاص بحبيبة من القصة..

حبيبة هي فتاة الأرياف... ساذجة العقل بلهاء التفكير، و هذا هو ملخص شخصيتها التي يمكننا منه أن نستنتج كل شيءٍ عنها ، طريقة تفكيرها و نوع ملابسها.. كما نظرتها المختلفة أو المتخلفة للحياة و للحب ، النموذج المثالي للفتاة التي لم أرد أن أكون مثلها أبداً .
يمكن أسرها بنظرتين و كلمة فقط ، و يمكن جرحها بأقل، و لكم أن تتخيلوا فتاة بريئة و ساذجة مثل حبيبة تحب شخصاً مختلاً مثل أشرف ، إذا سار كل شيء علی ما يرام فربما ستنتحر الفتاة مما يفعله أشرف بها، هذه كانت مبالغة علی كل حال.. لأن كل شيء سار علی ما يرام و حبيبة لم تنتحر ..

لكن كان يمكنني رؤية أنها صارت خاويةً من الحياة.. تمكنَّا جمیعاً من ملاحظة هذا الأمر ، حتی أتی الوقت الذي انفجرت فيه المسكينة، كنا في محاضرة مهمة نوعاً ما و يحضرها الجميع بما فيهم أشرف.. و كان أن سمعنا صوت بكاء فجأة.. توقف الدكتور عن الكلام و تنبه الجميع ، حينما عرفنا أنها هي حبيية توجهت أنظار معظمنا نحو أشرف الذي كان يبتسم ببلاهة.


الأمر بسيط .. لقد أخبرها الفتی أنه مل من لعبته القديمة و صار يبحث عن واحدة أخری جديدة تمتعه أكثر ، بالطبع لم تتخيل حبيبة أن هناك مثل هذا النوع من الشر في العالم و توقف عقلها و منطقها عن العمل .

لم يطل الأمر حتی لاحظنا أن حبيبة لم تعد تحضر من الأساس فعرفنا أن الموضوع قد وصل للذروة ، بعد بفترة عادت حبيبة و صار بالإمكان أن نقول أنها نجحت في نسيان الأمر.. إما هذا و إما أنها تتناسی.. كان من الصعب علی فتاة جيدة الملاحظة مثلي تجاهل نظراتها الخاطفة نحو أشرف، لم يعد يهمنا الأمر بكل حال ، اعتبرناها حدث من أحداثنا اليومية ، معتقدين أنها غداً ستنسی و تضحك علی هذه الذكريات مع أصدقائها أو ربما حتی زوجها ، لكن إذا كان هناك شيء قد تغير بداخلي منذ تلك الحادثة فهو عهدي علی الانتقام لحبيبة من أشرف.. من للفتاة سوی غيرها ؟!


اللعبة الجديدة لأشرف لم تكن سواي ، لكن حتی هو لم يكن ليطلق علي ذلك الإسم.. لأن الأمر أكبر من هذا بكثير، إنه يحب لعبته الجديدة.. بل يعشقها ، يا له من تحول دراماتيكي في حياة أشرف ! إن الحب و الرومانسية من و لشخص مثل أشرف لهو من أغرب الأشياء التي يمكن للمرء أن يراها في حياته ، كأن تری غراب يفضل المشي علی الطيران.


أشرف كان هائماً بي حقاً .. و رأت صديقاتي أنه قد قرر الابتعاد عن أعماله الشريرة تلك لأجلي ، لأنه وجد الحب الحقيقي و كل ذلك الهراء ، باعتقادي أشرف يستحق شيئاً ما حتی و لو تاب.. في النهاية نحن بشر نُضمِر في أنفسنا ولا نسامح في بعض الأحيان ، عقولنا قاصرة ولا يمكن أن تتحمل حكمة مثل حكمة التسامح ، إلهنا وحده هو من يمكنه أن يسامح أشرف.. أما أنا فلا .


كان علي التنازل أولاً عن بعض الأشياء.. هناك من قال أنه لتأخذ يجب عليك أن تعطي ، و لكي آخذ أشرف أعطيته شيئاً مني.. نظرة أو لمسة ، مقابلة ثم رقم هاتف ، هكذا بدأ الأمر علی ما أذكر.. بعد ذلك بدأ الفتی يذوب كالثلج في يدي.


أعتقد أنه و حتی لحظتنا هذه أشرف لم يعرف لماذا فعلت به ما فعلت ؟! لماذا انقطعت عنه فجأة ؟!
المؤكد هنا أنه قد فكر أكثر من مرة أنني فعلت به ما اعتاد أن يفعله هو بالفتيات ، بالرغم من أنني قد قسوت عليه أكثر، أشرف كان يستغل وجود بذرة حب في فتاة ما ليعتني بها و يجعلها تنمو.. بعد ذلك يتركها في المنتصف بدون أن يكتمل النمو ، لكن ربما قد يأتي أحد آخر من بعده ليكمل ، أما أنا فقد جعلت بذرة أشرف تنمو جيداً حتی أزهرت ، ثم تركتها تذبل في العراء بدون أن أمدها بشمسي و مياهي ، إذا صح التعبير.. لقد قتلت ما بدخله نوعاً ما.


الحقيقة هي أنني قد قسوت عليه أكثر من اللازم ، قد توغلت و انتشرت بداخله بطريقة لا يمكن تخيلها، وجب عليَّ تركه قبل أن يصل لهذه المرحلة ، لكنه سيتعافی.. شهر بالأكثر ثم سينساني، المشكلة هنا أن الجميع قد عرف أنني من فعلت به هذا ، بين لحظة و أخری تحولت للفتاة الشريرة التي تلاعبت بأشرف المسكين..


لم أحاول أن أبرر الأمر.. من يعرفني جيداً سيعرف السبب الذي جعلني أفعل هذا ، حينها فطنت إلی أن هاني لا يعرفني أبداً !

هناك شيءٌ ما يجب أن أقوله هنا.. لا أعرف ما هو لكنه يجب أن يكون أقرب إلی حكمة أو درس مستفاد.. شيء كهذا ، شيء مثل الأقدار تتلاعب بنا.. أو نحن فريسة غبائنا .

و هكذا صرت معروفة في مجتمعنا الصغير هذا أنني هو التجسيد الآخر لإبليس نفسه.. و صار الجميع يتجنبني، لكن هاني؟!.. هاني لا يتجنب أحداً لأن لا أحد يقترب منه من الأساس.


أعتقد أنني في تلك الفترة كتبت الكثير من الأشعار الحزينة نتيجة تأثري بما حدث.. و كثيراً ما تمكنت من وضع كل هموم العالم جانباً لأجل التفكير فقط في هاني ، لم أجسر علی أن أقابله و أخبره بما أشعر حينما أقابله أو أراه.. الدفئ الذي يجتاحني فجأة.. الراحة النفسية ، فقط أشياء لا توصف..

كنت خائفة أعتقد.. ليس من هاني بل من طريقة تفكيره، يمكنني أن أضع نفسي مكانه و أتخيل الوضع..

الفتاة التي كثرت حولها الأقاويل مؤخراً تحبني.. يقولون أنها خبيثة للغاية و تتلاعب بالجميع ، إذن ما المميز بي ليجعلها تحبني؟!!
إنها فقط تخدعني كي تتلاعب بي مثلما فعلت مع أشرف.


استسلمت لهواجسي الحمقاء و ظننت أن هاني سيرفض حتی أن يحدثني.. لذا لم أحاول التحدث قط.

لم أعرف الكثير عن الندم في حياتي لأنني دائماً ما كنت أحرص علی القيام بالقرارات الصحيحة ، لكن فيما بعد شعرت أنني كان يجب أن أفعل شيئاً آخر غير الذي فعلته ، شيئاً أكثر مثل أن أخبر هاني بما أرّقني لليالٍ طويلة.. عما بداخل الفتاة الجميلة التي لم ينظر لها أبداً ، أو شيءٍ أقل مثل أن أترك أشرف لحاله و أرفض الحديث معه منذ البداية ، أظن أن الأمور كانت لتكون مختلفة حينها .


بعدها بفترة و في الوقت الذي تمكنت فيه من مجابهة خواطري عن هاني رأيته مجدداً .. يجلس علی نفس الكرسي في نفس الحديقة ، و غالباً يطعم نفس القطة ، لكنها كانت قد كبرت..
بجانب هاني رأيت شخصاً ما يجلس معه و يمسك يده و يشد عليها ، أثَّر بي هذا الموقف كثيراً .. لأن هذا و إن كان يعني شيئاً فلابد من أنه يعني أن هاني قد وجد ما كنت أبحث عنه معه.. الحب.. هاني وجد الحب 

رفعت نظري ببطءٍ كي أعرف من هي صاحبة تلك اليد التي تمكنت من هاني البريء ، إنها حبيبة !
إنها هي بيدها الرقيقة و سذاجتها المثيرة للشفقة.

أظن أن هاني هو الشخص الذي أكمل علی ما تركه أشرف.. هو الذي سقی بذرة الحب مكان أشرف ، و من النظر يمكن الجزم بأن البذرة اكتمل نموها و صارت شجرة يانعة مستعدة لطرح الثمار في أي وقت ، و صدقاً.. من أنا لكي أقطع هذه الشجرة ؟!!


الحق أنني لم أتوقع في يوم من الأيام أنني سأريد أن أكون مكان الفتاة التي كنت حذرة كل الحذر من أن أكون مثلها ، أقلها هي نالت ما أرادته..

و لكن... ماذا عني ؟! ألا أستحق شيئاً .. ألا أستحق علی الأقل يداً دافئة مثلها ؟
بالتفكير بالأمر كان لدي أشرف ، ضحكت بصمت للخاطر السخيف و عدت أتابعهما بصمت .

بداخلي سمعت صوتاً ما يقول لي.. "اتركي عصفورَي الحب البريئين يعيشان حياتهما بسلام " حينها نظرت لهما بشجن قبل أن أتأكد حقاً من أن حبهما صادقٌ و طاهرٌ أكثر من اللازم ، فتركتهما مسرعةً قبل أن تبدأ دموعي بالانهمار .
 

تاريخ النشر : 2017-10-07

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر