الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

"Silenced" .. عندما ينتصر الفن للإنسان

بقلم : تاليا الجراح - تونس

ما السر التي تخفيه تلك المدرسة وراء جدرانها الكئيبة ؟

إسمحوا لي أعزائي القراء أن أصحبكم اليوم في رحلة صغيرة عبر فيلم من أجمل الأفلام الأسيوية في السنوات الأخيرة، و نفتح من خلاله نافذة صغيرة على حديقة سرية مجهولة لنا كمشاهدين عرب، فلا يخف على أحد أن إهتمامنا الأكبر منصب على السينما الهوليودية، مما قد حرمنا من إكتشاف تجارب سينمائية مبدعة، كالتجربة الأسيوية، و الأوروبية و غيرها. و أتمنى أن يكون هذا المقال القصير حافزا لعشاق السينما للإطلاع على سينمات واعدة في العالم.

فيلم اليوم هو فيلم كوري جنوبي صدر سنة 2011 و يحمل عنوان " silenced" أو "crucible " مقتبس عن قصة للكاتبة الكورية " Gong Ji-young" و هو من إخراج " Hwang Dong Hyeok" و بطولة نخبة من الفنانين الكوريين المعروفين :

Gong Yoo/ yu mi jeaong..

تم اختيار الفيلم كأفضل فيلم لعام 2011

يتمحور الفيلم حول مدرس رسم شاب " Kang In Ho" يعين للعمل في مدرسة للصم و البكم بعيدا عن العاصمة "سيول" حيث ترك إبنته الوحيدة و المريضة في رعاية والدته، بعد أن فقد زوجته منذ فترة.

و بينما يكافح المدرس الشاب المسالم للتأقلم مع وضعه الجديد، و يحاول الخروج من حالته النفسية السيئة التي لازمته بعد وفاة زوجته و مرض إبنته، يكتشف سرّا خطيرا، يقلب حياته رأسا على عقب و يضعه في صراع يتجاوز إمكاناته و قدرته على الإحتمال.

و قد أثار صدور الفيلم ضجة غير مسبوقة في كوريا الجنوبية، نظرا إلى كونه مقتبسا عن أحداث حقيقية وقعت في معهد للصم و البكم في " Gwangju" و لكونه هاجم مباشرة النظام القضائي في البلاد و كشف ما يعانيه من فساد و خلل ظهر جليّا من خلال تعامله مع قضية مدرسة الصم و ما حصل فيها من إنتهاكات بين سنتي 2000 و 2005.

أعزائي القراء، سأنتقل في القسم التالي من المقال للحديث بالتفصيل عن الفيلم، و لذلك سيكون هناك حرق للأحداث!

نوع الفيلم

المقطع الترويجي الرسمي للفيلم

الفيلم درامي، ينرج ضمن خانة الرعب النفسي كما أنه واقعي مقتبس عن أحداث حقيقية. و يجب التنبيه بأنه فيلم موجه للكبار نظرا لقساوة مشاهد العنف و تجسيد بعض المشاهد الأخرى للإنتهاكات الجسدية بشكل مبالغ فيه. و هو فيلم تصعب مشاهدته بسبب صدقه الذي جاور القسوة و الصدمة.

قصة الفيلم

كما قلت في فقرتي الأولى، الفيلم يتحدث عن مدرس شاب " Kang In Ho" ( قام بدوره بإقتدار الممثل " Gong yoo" )و الذّي يعاني من مشاكل نفسية بسبب فقدانه لزوجته بعد أن إنتحرت منذ سنة تاركة وراها إبنه صغيرة تعاني مشاكل صحية، إضافة إلى تعيينه في مدرسة للإحتياجات الخاصة في مدينة بعيدة عن العاصمة، مما يضطره لترك عائلته.

المدرس الشاب يتم تعيينه في مدرسة للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة

و منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى مقر عمله، يشعر المشاهد بغرابة المكان، و خاصة بسبب المؤثرات التي إستخدمها المخرج، كالسياقة في الليل، و الأمكنة المظلمة و الإضاءة الخافتة و غيرها مما أضفى على الفيلم جوا من الرعب و الغموض.

هناك سر يحاول الجميع اخفاءه عنه

يحاول المدرس التأقلم مع وضعه الجديد، و القيام بعمله كما يجب، و سرعان ما ينجذب إلى تلامذته و يشفق عليهم بسبب إعاقتهم و بسبب أنهم جميعا أيتام أو أطفال تم التخلي عنهم و هجرهم. و لكنه يشعر بوجود أمر غريب يدور في الكواليس و يحاول جميع المحيطين به من مدرسين و إدارين و عاملين في المدرسة إخفائه عنه.

و هو ما يجعله يعاني صراعا داخليا كبيرا بين رغبته في تفادي المتاعب و المشاكل، و بين واجبه كمربي و كأب في معرفة ما يحدث مع تلاميذه الذين تظهر عليهم إضطرابات سلوكية عديدة تدعم شكوكه.
يتعرضون لانتهاكات واعتداءات في الخفاء

في النهاية، تتغلب إنسانية " Kang In Ho" و واجبه كمرّب و شعوره كأب على خوفه، فيتقرب من تلامذته و ينجح في كسب ثقتهم، فيصارحونه أخيرا بالسرّ الخطير، و هو أنهم يتعرضون لإعتداء ات جنسية، و بدنية و نفسية من قبل عدد كبير من المدرسين و المسؤولين عن المدرسة و بأن هذه الإنتهاكات الوحشية دفعت طفلا إلى الإنتحار.

يقرر ان يتصدى لما يحدث .. لكن ذلك يوقعه في المتاعب

يقرر المدرس الشاب الدفاع عن الأطفال و حمايتهم مما يتعرضون إليه، فيتعاون مع ناشطة في حقوق الإنسان، ليكتشفا بأن الموضوع يتجاوز فساد بعض المدرسين و المسؤولين في المدرسة، إلى فساد أعظم في مختلف المؤسسات الحكومية في المنطقة، و تواطئ الشرطة و القضاء و حتى المؤسسة الدينية في ما يحصل للأطفال.

و لكن هذا الإكتشاف الفظيع لم يمنعهما من مواصلة النضال لإنقاذ الأطفال من جحيم الإنتهاكات.

الشخصيات و الممثلون

جميع من شاركوا في الفيلم قدموا أدوارهم بحرفية كبيرة و بصدق صادم أحيانا و لكني سأركز على البعض منهم :

1 -  الممثل " Gong yoo": المدرس " In Ho"

الشخصية المحورية للفيلم

هو الشخصية المحورية في الفيلم، و المحرك الأساسي للأحداث، تميزت بهشاشتها، فـ" In Ho" يعاني من صدمات عنيفة قبل قدومه للمدرسة و هو ما ساهم في خلق صراعه الداخلي النفسي. كما أنه يلعب دور المعيل الوحيد لوالدته و إبنته المريضة، و بحاجة ماسة للوظيفة، مما خلق صراعا أخلاقيا بين واجبه كأب و كإبن و بين واجبه كمرب و حتى طبيعته كإنسان. كل هذه الصراعات خدمت الشخصية و أثرتها على نحو رائع. و لحسن حظ المشاهد تمكن الممثل من إيصال معاناة شخصيته، عبر كل الوسائل الممكنة. و خلق الفرجة و كسب الرهان.

2 -  الأطفال

الاطفال ابدعوا في اداء ادوارهم رغم صعوبتها

لن أخفي تفاجئي بأداء الممثلين الأطفال، لقد كان إحترافيا و نجح كل منهم في النهوض بأعباء دوره كما يجب، رغم صعوبته، لا يجب أن ننسى بأن الفيلم يصور الإنتهاكات الجنسية و العنف الذي تعرض له التلاميذ بالمدرسة و هو ليس بالأمر الهين خاصة على ممثلين أطفال. العيب الوحيد أن هناك مبالغة في تجسيد هذه الإنتهاكات و بعض المشاهد كانت صادمة حقا و موجعة.

3 - المدرسون و المسؤولون عن المدرسة

إن كان كره المشاهد للشخصيات الشريرة في الفيلم دليلا على نجاح ممثليها فإن الممثلين الذين أدوا هذه الأدوار قد نجحوا فيها. فلا يمكنك و أنت تشاهد الفيلم إلاّ أن تحقد عليهم و تكرههم.

4 -  ناشطة حقوق الإنسان

لم يكن دورها مؤثرا حقا في أحداث الفيلم و لذلك كانت الشخصية باهتة بعض الشئ، و كان أداء الممثلة عاديا، ليس بالسئ و لكنه أيضا لم يكن رائعا أو إستثنائيا.

القصة الحقيقية للفيلم

تعود وقائع الأحداث الحقيقية للفيلم إلى السنوات الممتدة بين 2000 و 2005، في مدرسة "Gwangju Inhwa "

للصم و البكم و التي تأسست سنة1961 في مقاطعة "جوانغجو" في كوريا الجنوبية.

سنة 2005، خضعت المؤسسة للتحقيق في حوادث إعتداء جنسي وصلت حد الإغتصاب، أبلغ عنها مدرس مما كلفه وظيفته.

المدرسة الحقيقية التي وقعت فيها الاحداث

و قد أثبتت التحقيقات بأنّ ستة مدرسين بالإضافة إلى مدير المؤسسة قد تورطوا في إنتهاكات جنسية تراوحت بين التحرش و الإغتصاب و إنتهاكات جسدية كالضرب و التعذيب و الترهيب ضد ما لا يقل عن تسعة تلاميذ بالمدرسة، و إن كانت التقارير تقول بأن عدد الضحايا أكثر بكثير. و رغم فداحة الجرائم و وحشيتها و إستهدافها لأطفال قصر ذوي إحتياجات خاصة، فإن العقوبات كان متساهلة جدا ضد الجناة، حيث تم تبرئة إثنين منهم، فيما سجن آخران لمدة لا تتجاوز السنة و عوقب المدير و هو إبن مؤسس المدرسة بكفالة مالية قدرت بـ 3 ملايين وون، و الغريب أن أربعة من المجرمين عادوا للعمل في المدرسة من جديد!

حازت هذه الحادثة التي مرت مرور الكرام على إهتمام الكاتبة الكورية " Gong Ji-young" فإقتبست وقائعها المخزية في قصتها الشهرية " The crucible" التي نشرت سنة 2009 و حققت نجاحا باهرا، دفع المخرج " Hwang Dong Hyeok" إلى تقديمها في فيلم " silenced" سنة 2011 الذي تربع على عرش أفلام العام دون منازع.

اذا كانت هذه الامور تحدث في مياتم كوريا الجنوبية فالله وحده يعلم بما يحدث في مياتم دول اخرى اقل تطورا واكثر براعة في اخفاء الحقائق وطمطمة الفضائح

و لكن إنجازه الأهم، أنه و بعد أن حقق 4.7 مليون مشاهدة، دفع الرأي العام للإحتجاج على طريقة التعامل مع القضية و الأحكام المخففة التي نالها الجناة، فتدخل "المجلس الوطني" الكوري و أصدر قرارا بإعادة فتح ملف القضية من جديد و مراجعة الأحكام القضائية الصادرة فيها.

و كانت المفاجأة، فالتحقيقات الجديدة، كشفت أن المدرسة لها تاريخ مظلم و قديم من الإنتهاكات، فقد أدلت مدّرسة سابقة بأنها قد تعرضت للضرب و التهديد من قبل المدير و نائبه سنة 1968 و أجبرت على تقديم إستقالتها بعد أن إكتشفت بأن إثنين من التلاميذ قد تعرضا للضرب و التجويع حتى الموت و أحرقت جثتيهما تحت جنح الظلام سنة 1964. كما أدلى شاهد آخر بأن إبن أحد المسؤولين و الذي كان مدرسا للرسم في المدرسة سنة 1975، أجبر طفلتين على التعري و رسم صور مخلة، و قام بالتحرش بعدد آخر من الأطفال.

تحت ضغط الرأي العام و منظمات حقوق الإنسان، تمت إعادة محاكمة الجناة، و نال مدير المدرسة حكما بالسجن لـ 12 عاما. و شددت عقوبات البقية. كما تمت المصادقة على قانون جديد، يلغي ما يعرف بـ "التقادم" في قضايا الإعتداء الجنسي ضد الأطفال دون 13 سنة و ضد النساء من ذوي الإحتياجات الخاصة و يرفع عقوبة الإعتداء إلى السجن مدى الحياة. كما تم إغلاق المدرسة نهائيا في نوفمبر 2011.

مظاهرة لاصحاب الاحتياجات الخاصة في كوريا تطالب بسحب رخصة المدرسة واغلاقها بالكامل

لم يكن إختياري لفيلم " silenced" فقط لتميّزه الفني، أو لتكامل عناصر النجاح فيه و لا لكونه تناول قصة حقيقية و قدمها بصدق صادم و قاس، و لكن السبب الأساسي هو ما إضطلع به هذا الفيلم من دور عظيم في تغيير واقع مزر، مفند إدعاء البعض بأن دور الفن يتلخص في الترفيه أو في نقل الواقع دون ن يتدخل فيه.

هو مثال حقيقي و مشرف لقوة الفن الناعمة، التي بإمكانها أن تقضي على مشاكل عويصة و معقدة من خلال الطرح الذكي و المدروس لهذه المشاكل. إنه لمن المؤثر حقا أن ينهي فيلم سينمائي مقتبس عن كتاب مأساة إستمرت لخمسة عقود كاملة.

***

قانون التقادم : القوانين التي تصدرها الهيئات التشريعية في القانون العام لتعيين مدى الوقت الأقصى لبدء أي إجراأت قانونية بعد حادثة. عندما تمر الفترة الزمنية المحددة لقانون التقادم، لا يمكن رفع دعوى قضائية، أو إن تم رفعها مسبقاً بأنها عرضة للطعن فيعد بذلك القائم بالدعوى متخلي‍‍اً من تلقاء نفسه وحقه ساقط بمرور المدة الزمنية المحددة في القانون.

ملاحظة : الفيلم لا يصلح لمن هم دون 18 سنة.

مصادر :

- The Crucible (2011 film) - Wikipedia

- Gwangju Inhwa School - Wikipedia

تاريخ النشر : 2017-11-20

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر