الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

صراع العروش .. الجزء الثالث

بقلم : Samer Salah - here

احتدم الصراع بين الأخوين على العرش ..

غرقت المملكة في الحزن على فراق ملكها المحبوب الذي جعل مملكتهم من أقوى الممالك في مشارق الأرض و مغاربها.. ولكن حزن البلاط و الحاشية في القصر لم يدم سوى ثلاثة أيام، سارع بعدها حلفاء الأمير "الحسام" إلى تنصيبه ملكاً جديداً ، و لكن قبل أن يستقر له الأمر كانت هناك أحداث تقع في كواليس القصر تنبئ بالخطر الجلل.


لقد اجتمع "القاهر" و والدته الملكة"مريان" و رسول أبيها الملك " بران" في مخيم سري بعيد عن عيون الملك الجديد و أعوانه، ليتباحثوا خطوتهم التالية:
ـ جلالة والدك الملك "بران" يتعهد بمناصرة حفيده الأمير "القاهر" و الدفاع عن حقه في تولي العرش الملكي، و قد جهز لذلك جيشاً عتاده 7 آلاف رجل تحت إمرة الجنرال "جرمين" سيكون متأهباً متى ما احتجتما له جلالتك، استهل الرسول السامي كلامه
ـ أشكر والدي الملك على مساعدته القيمة بالنيابة عني و عن ولي العهد "القاهر"


لكن الأمير شعر بأن الحديث عن انقلاب عسكري على العرش سابق لأوانه :
ـ لا يزال الوقت مبكراً للحديث عن الجيوش و الخطط العسكرية لنلجأ أولاً للخيار السلمي و نرى ما سيسفر عنه، لا أظنكما تجهلان بأن الانقلاب العسكري سيخلق لنا أعداء كثر حتى من حلفائنا فمعظمهم يريدون أن يتم الأمر دون بلبلة و لا إراقة للدماء حتى لا نقفد شرعيتنا ، لا نريد أن يعتقد الشعب بأننا ظلمة و سفاحون نستولي على الحكم بقوة السلاح
ـ هل تظن يا بني بأن "الحسام" سيترك لك العرش؟ أقسم بأنه الآن يخطط ليتخلص منا في أقرب فرصة ممكنة ليستتب له الأمر
ـ بالتأكيد أعلم ذلك بل و أريد إستغلاله لصالحنا، سنجعل الأمر يبدو كمؤامرة من "الحسام" و حلفائه ضد ولي عهده و أخيه الأصغر، و هكذا سينتفض ضده العامة و لن يجد حلفائه أمامهم سوى التخلي عنه و عندها سيترك العرش مرغماً و دون أن نحتاج إلى إراقة قطرة دم واحدة بل و سنكسب العامة إلى صفنا، قال "القاهر" شارحاً خطته
ـ و كيف لك
ـ سأعلمكما بالتفاصيل عندما يحين الوقت


و لم تكن الأجواء مختلفة في القصر، فالملك "الحسام" و حاشيته المقربة يعدون العدة و يرسمون الخطط التي ستطيح بالأمير "ذئب القصر" و تحد من نفوذه أو تنهيه.. كان اقتراح الملكة"صبح" أن يقوم أعوان أخيها الوزير باغتيال ولي العهد للتخلص نهائياً من شره؛ لكن شقيقها عارضها بشدة:
ـ اغتيال "الذئب" في مثل هذه الظروف سيدمرنا معه، إنها حركة مكشوفة لن تخفى على أحد و عندها سيجد معارضو الملك "الحسام" سبباً يبنون عليه اعتراضاتهم و ربما تدخل البلاد في صراع لا نهاية له ، هذا إن لم.. صمت الوزير قليلاً ثم واصل:
ـ هذا إن لم يردوا بالمثل
ـ كيف سيجرؤون على المساس بالملك؟ صرخت الملكة"صبح"
أجابها أخوها:
ـ ليست المرة الأولى لقد حصلت سابقاً بين الملك الثالث و شقيقه أم تراك نسيت ما رواه لنا والدنا عن صراعهما الدامي الذي لم ينتهِ إلا بموتهما سوياً ! نحن نريد أن يستقر الملك في يد "الحسام" لا أن نخلق صراعاً قد لا نقدر على إنهائه.


عندها تدخل الملك "الحسام":
ـ ماذا ترى إذاً ؟
ـ أرى يا جلالة الملك أن ندفعه إلى القيام بانقلاب عسكري ضد العرش و عندها سنستطيع أن نفعل به ما يحلو لنا سواء أردنا قتله أو الإبقاء على حياته
اضطرب "الحسام" من كلام خاله الغريب:
ـ كيف نسمح له بذلك و نحن نعلم بأن الغلبةستكون له ؟ أنسيت بأن رجالات الجيش و الحرس يساندونه؟ كيف سنتصدى لانقلابه بجيش مخترق لا نثق في قياداته و لا عساكره ! و يبدو بأنك قد نسيت جده الملك "بران".. لقد بدأ بالتحرك و أرسل رسولاً سامٍ لإبنته و "للقاهر" و هم الآن يخططون لهجومهم؟
ـ أعلم كل ذلك يا جلالة الملك و قد أبلغتني عيوني المبثوثة في كل ركن من المملكة بأمر المبعوث الملكي و ما كان بينه و بين "القاهر" و أمه، و لكن يبدو بأنه قد غاب عنك إدراك ما أنويه.
ـ وضح ما تقصده


و لكن قبل أن يتحدث، نهض الوزير "جلنار" و جاب القاعة و تفقد النوافذ و الأبواب و أمر الحرس بالابتعاد عن جناح الملكة الثانية، و لما تأكد من خلو المكان عاد و جلس أمام "الحسام" و قال هامساً :
ـ قد يكون حلفائه العسكريين خطيرين جداً إذا ما واجهناهم وحيدين دون سند و لا عون و لكن ماذا لو استعنا بمن يفوقهم عدداً و قوة ؟

قال "الحاسم" مستغرباً :
ـ من تقصد بكلامك ؟
ـ الشعب يا مولاي ، الشعب...قد تكون قوة السلاح بيد "ذئب القصر" و لكن قوةالسلطة و النفوذ بيدنا و لا تنسى الشرعية، أنت الملك الشرعي الوحيد فيما هو إن أراد الملك فيجب أن يقوّض القانون و ترتيب الوراثة الملكية، و من جهة أخرى لدينا النبلاء و أعوان البلاط و المتنفذون من الحاشية يساندوننا و يقفونا إلى جانبنا، سنستغلهم في تأليب و تحريض الشعب على "القاهر" و أمه و سنبث الشائعات و الأخبار على لقاءاته و اجتماعاته مع رسل الممالك الٱخرى، و سنقول بأنه متحالف ضد المملكة مع أعدائها الألداء و بأنه قد استقوى بجده الملك "بران" و لا يخفاك ما يكنه العامة من كره لهذا الملك الأجنبي الذي حارب مملكتنا لسنين .


ابتسم "الحسام" لخطة خاله :
ـ تقصد أن نستغل نقاط ضعفه لصالحنا و نلعب أمام العامة دور منقذ المملكة من احتلال و تدخل خارجي من حلفاء "القاهر"؟
ـ تماما عندها سنقضي على "القاهر" فقتله حينها لن يكون دفاعاً عن أحقيتك في العرش بل حفاظاً عن المملكة و بموته ستموت سلالته معه فلا زوجة له و لا طفل نخشاه.. و ستكون في عيون شعبك الملك العظيم الذي أوقف مؤامرة كانت ستقضي على المملكة 
قاطعته الملكة "صبح":
ـ و أمه ؟ هل ستتركونها تنجو بسرقة الملك "جوهر" مني و بدسائسها المتواصلة ضدي و ضد أبنائي ؟
ـ لا تقلقي يا أختاه فلدي لها خطة ستقضي عليها و على بناتها أيضاً 


** * **


مرت أسابيع معدودة على تنصيب "الحسام" ملكاً و كان القصر طوالها يغلي كالمرجل و كلا الأخوين متربص بالآخر كما يتربص الليث بفريسته، منتظراً أن يبادره ليرد الهجوم بضراوة .. بينما في تلك الأثناء بدأ الوزير "جلنار" بتنفيذ خطته فأبلغ ثقاته من النبلاء و الوزراء و الحاشية بتفاصيلها، و نشر دواسيسه و رجاله وسط العامة يبثون الأخبار عن الأمير "القاهر" إبن الملكة الأجنبية الذي يعقد الأحلاف مع جده و غيره من ملوك المشارق و المغارب ضد أخيه الملك الشرعي "الحسام" .

لقد خدمت خبرة "جلنار" في السياسة و دسائسها مصلحة الملك "الحسام"، كما أضرت عدم معرفة "القاهر" بدهاليز السياسة حربه ضد أخيه؛ فبينما اكتفى "القاهر" بانتظار مبادرة الملك "الحسام"، عمل الأخير بمبدأ خير و سيلة للدافع هي الهجوم و حاصر بخطته "القاهر" كالفأر في المصيدة.
و مرت الأيام و ازداد الغضب الشعبي من ولي العهد و تزايد الكره ضده و ضد والدته، فوجد "القاهر" نفسه في موقف لا يحسد عليه ، فأرسل في طلب حلفائه و أعد العدة للهجوم.


علمت "نرمين" بما يعتزمه ولي العهد و قررت أن ترحل قبل أن يحاصر الجنود القصر و تصبح سجينة وسطه و رهينة لتصفية الحسابات ، و لكن بينما كانت تجهز أغراضها في جناح الخدم في غفلة من "أم الحسن" و من الحراس، فاجأها جندي إطاقتحم مخدعها حاولت الصراخ و لكنه كتم صوتها و نزع خوذته فإذا هو الملك" الحسام":
ـ مولاي !!
ـ "زين" لا شك بأنك تعلمين خطورة ما نمر به اليوم إنه يوم فاصل سيتوج المجهودات التي قمنا بها سابقا و سيحدد مصيرنا جميعا فإما حياة و إما موت، لذلك وجدتني مجبراً على الحديث معك...
ـ مولاي!!
ـ استمعي إلي جيداً .. لقد وعدك الوزير "جلنار" و الأميرة "نوران" بأنهما سيمكنانك من "بيلسان" لتنتقمي منها و سيعيدان إليك أموالك التي سطت عليها و لقباً نبيلاً .. و لكني منذ رأيتك أول مرة و خاصةبعد أن علمت بأمر تعاونك معنا، قررت أن لا لقب قد يوفيك حقك سوى اللقب الملكي..
صدمت كلمات الملك "نرمين" فعجزت عن الرد
ـ لقد خاطرت اليوم بقدومي إليك رغم ما يحيط بي من أزمات و مشاكل لأقطع عليك وعداً بأنني سأعيد إليك كامل حقوقك و سأتزوجك و سأجعل من سلالتك ملوكاً و ملكات و لا سبب لذلك سوى حبي لك .. فما ردك ؟


لزم "نرمين" الصمت فقد تعلمت في الفترة الماضية بأن طلبات الملوك أوامر يجب أن تطاع .
ـ جيد سأنهي هذه المسألة سريعاً لأجلك


وضع الملك خوذته و رحل سريعاً قبل أن يكتشف أمره.
كان كلام الملك سببا إضافيا لكي تسرع "نرمين" في الرحيل عن القصر، فما تعلمه عن تاريخ صراع الأخوين "الحسام" و "القاهر" مخيف و مرعب و لا تريد أن تعلق داخله ، و لكن السبب الرئيسي أنها كانت تفضل الأمير "القاهر" عن الملك "الحسام" فهي تشعر بأنه أكثر صدقاً و طيبة من أخيه كانت ترى ذلك في عينيه و في نظراتهما الشفافة و الصافية إليها. بينما كان يخيفها دهاء الملك و صمته و تشعر في حضوره بالخطر حتى نظرات عينيه كانت عميقة و غامضة تخفي أسرارا كثيرة..
لقد تآمر ضد زوجته الأولى "بيلسان" و قدمها قرباناً للعرش فكيف تأمن غدره و تصدق كلمات غزله تلك.
حملت "نرمين" صرة حريرية فيها بعض الملابس و المال و الطعام و تسللت خارج جناح الخدم بحذر


** * **


اختار الأمير "القاهر" لانقلابه يوماً مميزاً تزامن فيه عيد من أعياد المملكة القديمة مع حملة شنتها كتيبة عظيمة من جيش جده "الملك بران" على حدود المملكة مما ساهم في تشتيت اهتمام العامة عن القصر و ما يقع فيه في ذلك اليوم ، و كان ذلك سبباً أساسياً في تأخر وصول دعم النبلاء للملك "الحسام" عندما تعرض قصره لحصار جنود شقيقه "القاهر". 

تجاوز ولي العهد وجنوده دفاعات القصر الملكي، و بلغ قاعة العرش حيث اجتمع "الملك الحسام" و وزرائه و حاشيته المقربة و بدأ رئيس المجلس العسكري يقرأ بيان انقلابهم:
ـ يعلن المجلس العسكري عن قراره تنحية الملك "الحسام" من منصبه و تنصيب ولي العهد الأمير "القاهر" ملكاً جديداً .. و ينص أول قرار ملكي للملك "القاهر" على اعتقال الملك السابق "الحسام" و زوجته و والدته الملكة الثانية و الأميرتين "نوران" و "نهوند" و رئيس البلاط الوزير "جلنار" لتآمرهم لاغتيال الملك "القاهر" كما يأمر باعتقال أعضاء البلاط الملكي و الحاشية الملكية لمشاركتهم في التآمر على جلالته.


نزع أحد الجنرالات التاج عن رأس "الحسام" و سلمه إلى "القاهر" فيما اقتيد البقية إلى سجون القصر.
ـ أتعلم بأنك بفعلتك هذه تنقلب على الشرعية الملكية، قال "الحسام" بحنق
فأجابه "القاهر" و هو جالس على العرش:
ـ عندما يكون الملك المنصب فاقداً للأهلية يكون الانقلاب على الترتيب الملكي واجباً مقدساً يا أخي
ـ لن تفلت بما قمت به أيها "القاهر"
سحب أحد الجنرالات سيفه و هم بقتل "الحسام" فصرخ "القاهر" في وجهه:
ـ توقف!
ـ و لكن يا جلالة الملك
ـ هل تريد أن يقال بأن "القاهر" قتل أخاه من أجل العرش.. لستُ سفاحاً أيها الجنرال بل رجل عسكري يحترم قواعد الحرب و شرف القتال.. سأكتفي بحبسك أيها الأمير "الحسام" حتى تبت المحكمةالعليا في أمرك.


في تلك الأثناء، كانت "نرمين" تركض مبتعدة عن القصر، و كان يتناهى إلى سمعها صرير الدروع و صوت حوافر الخيل و خطوات الجنود تجوب الأراضي المحيطة بالقصر. لقد كان القصر في فوضى عارمة و قد تم التكتم عن خبر الانقلاب و منع كل من في القصر من مغادرته حتى لا تعلم العامة بما حدث إلا عندما ينهي الملك "القاهر" محاسبة الخونة الذين أرادوا قتله.. بل لقد سمعت و هي مختبئة بأن الملك "الحسام" و زوجته و أمه قد قتلوا على يد الجنود الذين اقتحموا القصر ، فزاد رعبها من أن أمرها قد فضح فأسرعت متسللة محاولة تجنب العساكر.


نجحت أخيرا في الوصول إلى السور الخارجي و بينما هي تتسلقه أمسكها الجنود و اقتادوها مباشرة إلى قائدهم الميداني ليقرر مصيرها :
ـ من تكونين يا فتاة ؟
ـ أنا خادمة الجناح الأميري لولي العهد.. أعني للملك "القاهر"
ـ إن كنت خادمة الملك لماذا فررت؟
ـ لست فارة..
سحب القائد الصرة من يدها و فتشها:
ـ لست بصدد الهرب إذا لماذا تحملين هذه الصرة، و هذه الثياب و الأموال ؟؟.. خذوها للسجن حتى نفصل في أمرها
ـ توقف قسم بأني خادمةالملك "القاهر" و هو يعرفني جيداً ، دعوني أقابله أرجوكم

و لكن الجنود سحبوها إلى سجن كبير عفن تحت القصر، حيث وجدت هناك بأن جميع خدم و مرافقات الملك السابق و عائلته قد اعتقلن ، و لم ينجو سوى الخدم الثقاة لعائلة "القاهر".
جلست "نرمين" و هي ترتعش في ركن من أركان السجن بينما غير بعيد عنها رأت فتاة لا تعرفها جالسة تحادث "أم الحسن" فاقتربت و جلست بجانبهما:
ـ سمعت بأن الملك الجديد قد ضرب أعناق الملك "الحسام" و الملكة "بيلسان" و الملكة "صبح"
ـ من أين لك بهذه الأخبار يا فتاة ؟ ألا تتوقفون عن تناقل الشائعات حتى في السجن ! لقد كنت في قاعة العرش رفقة الملكة "صبح" عندما وصل الأمير "القاهر" إليها، و لم يضرب عنق أحد و إنما اقتيدت العائلةالملكية إلى السجن دون أن يعترض لهم أحد بسوء
ـ إن لم يكن ينوي قتلهم لماذا انقلب عليهم من الأصل؟
ـ و ما شأنك أنت تحكمي في فضولك هذا يا فتاة قبل أن ينهي حياتك، نحن خدم لا علاقة لنا بما يحصل بين أفراد العائلة الملكية.. أسمعتن يا حمقاوات؟


إنتبهت "أم الحسن" إلى وجود "نرمين":
ـ ها أنت ذا لقد ظننت بأنك نجحت في الهرب يا "زين الحسان"
ـ و لماذا أهرب ألم تقولي بأننا خدم لا شأن لنا بالحكم و أعماله؟
أعجب رد "نرمين" "أم الحسن" فابتسمت قائلة:
ـ تتعلمين الدروس سريعاً يا فتاة ، لو نجوت سيكون لك شأن عظيم


** * **


انتهى اليوم الطويل أخيراً و قبل أن يغادر الملك الجديد قاعة العرش بادره أحد قادته:
ـ ماذا ترى يا جلالة الملك في أمر الخدم التابعين للملك السابق إن عددهم كبير جداً و قد ضاقت بهم السجون؟
ـ لقد نسيت أمرهم تماماً .. اقتلوا الجواسيس و الخدم الذين ساعدوهم في التجسس و خلوا سبيل البقية
ـ و لكن يا جلالة الملك كيف نخلي سبيلهم ؟ إنهم تابعون أوفياء للملك السابق إن تركناهم يغادرون القصر سيختلطون بالعامة و يحرضونهم ، و إن أعدناهم إلى أعمالهم لن نأمن خيانتهم و تآمرهم.
ـ ماذا ترى إذاً
ـ لكي نأمن شرهم علينا القضاء عليهم جميعاً فنحن لا نملك الوقت لتتبع سيرة كل منهم و تبين إن كان خائناً أم لا
ـ نقتلهم جميعاً ألم تقل بأن عددهم كبير ؟؟ ثم من أين لا بالخدم إن قضينا عليهم جميعاً
ـ لا تقلق جلالتك يمكننا تأمين الخدم لاحقاً ، المهم الآن أن نتخلص من كل من يشكل خطراً على حكمك الوليد
ـ حسنا إفعل ما تراه صالحاً


غادر "القاهر" قاعة العرش نحو جناحه الأميري حيث وجد والدته التي بادرته :
ـ ما الذي تفعله هنا ؟ لما لست في الجناح الملكي؟
ـ لا أشعر بالراحة بالنوم الليلة في الجناح الملكي سأنتقل إليه فيما بعد لدي أمور أهم تشغلني
ـ لا عليك استمتع الليلة بنصرك لقد حققت حلمك و حلمي يا بني.. لكنك أفسدت علي المفاجأة التي أعددتها لك، أرسلت لك عدداً من الجواري و العازفات إلى الجناح الملكي ظناً مني بأنك ستبيت هناك.. دعني أأمرهم بالقدوم إلى جناحك للترفيه عنك
ـ لا داعي لذلك فأنا متعب اليوم و أريد الخلود للنوم
ـ حسناً عمت مساء


ما إن غادرت الملكة حتى أسرع "القاهر" يجوب المكان بحثاً عن "نرمين"، فقد أوصاها قبل بداية الانقلاب العسكري بملازمة جناحه حتى تأمن الفوضى و عواقبها و لكنه وجد جميع تابعيه عداها :
ـ أين هي "زين"؟
ـ لم نراها منذ الصباح جلالتك
ـ كيف سمحتم لها بالخروج ألم آمركم بحراسة الجناح و الموجودين فيه ؟


خشي "ذئب القصر" أن تكون "زين" قد سجنت خطأ رفقة بقية الخدم فأسرع عله يبلغها قبل أن ينفذ الجنرال قرار إعدام الخدم فأرسل مبعوثاً خاصاً يبحث عنها بين المساجين
كان ظن "القاهر" في محله، فقد أمر الجنرال أتباعه بإعدام جواسيس و خدم "الحسام" الأوفياء و حتى أولئك الذين لا علاقة لهم بتهم الجوسسة و التآمر ، فاندفع الجنود يسحبون الخدم من الزنازين و يضربون أعناقهم دون هوادة.


بلغ خبر الإعدامات المساجين فهاجوا و ماجوا و سادت فوضاهم و علت صلواتهم و بكائهم ، أما "نرمين" فقد أخذت تركض في المكان تسكب على نفسها دلاء الماء المرمية في زوايا الزنزانة الواسع عل معجزة تنقذها من المصير المرعب الذي ينتظرها و لكن أمالها تبخرت مع آخر دلو صبت مائه على رأسها ، فجلست ترتجف ركن من الزاوية تنتظر مصيرها و تلعن حظها ، ما كان يجب عليها الدخول في هكذا لعبة خطرة و لكن ما بيدها حيلة فإن لم تنفذ ما طلب منها كانت لتفقد حياتها في كلتا الحالتين.

و بينما هي ترتعد فرقاً فتح باب الزنزانةو دخل من خلاله عدد من الجنود سحبوا بعض الخدم و جروهم و من بين المساجين لمحت "نرمين" رئيسة الخدم "أم الحسن".
و تواصل دخول الجنود و خروجهم حتى لم يبقَ في الزنزانة سوى عدد ضئيل من الخدم عندما توقف الجنود فجأة و دخل رجل يرتدي ثوباً مميزاً يصحبه قائد كتيبة السجانين صارخاً :
ـ "زين الحسان".. الخادمة "زين الحسان"!.. يبدو بأنها غير موجودة هنا أيضاً يا سيدي .. أتمنى أن نجدها في الزنزانة الأخيرة

وقفت "نرمين" بصعوبة و قالت بصوت ضعيف:
ـ أنا هنا.. أنا "زين الحسان" يا سيدي
ـ أنت الخادمة"زين الحسان"؟؟ .. تعالي جلالة الملك يطلبك
حمدت "نرمين" الله أن أوفى "القاهر" بوعده و أنقذها أخيراً بعد يئست من النجاة. 


** * **


أما في الجناح الأميري، فقد كان الملك "القاهر" يجوب مخدعه جيئة و ذهاباً منتظراً أخبار "زين" مشفقاً من أن تكون قد قتلت أو رحلت عن القصر دون رجعة.. طال انتظاره كثيراً حتى كاد يجن، و بينما هو غارق في حيرته إذ أقبل المبعوث و برفقته "زين" و طلب لقاء الملك:
ـ المبعوث الملكي يطلب لقاء جلالتك
ـ دعه يدخل بسرعة
دخل الرسول و معه "نرمين"؛ فلما رآها "القاهر" أقبل يطمئن عليها بلهفة:
ـ هل أنت بخير ؟ هل وقع لك مكروه؟
و أخذ يجس جسمها :
ـ هل تأذيتِ ؟ لماذا أنت مبللة هكذا؟

و نزع رداءه الملكي الحريري و لفها فيه بعناية و عندها انهارت "نرمين" بالبكاء فضمها الملك دون أن يهتم لوجود المبعوث :
ـ لا تقلقي يا "زين" هوني عليك أنت بأمان الآن.. تحتاجين للراحة بعد كل ما عانيته تعالي.. مددها على فراشه و أمر رسوله بالانصراف و حرص على السهر على رعايتها طوال الليل.


خرج المبعوث مسرعاً و قصد جناح الملكة "مريان " و حدثها ما كان من أمر ابنها "القاهر" مع خادمته "زين الحسان"، و هو ما دفعها لطلب رسول والدها ليقررا كيف سيتعاملان مع هذه العقبة المفاجئة.


أفاقت "زين" من نومها قبيل الفجر فوجدت "القاهر" جالساً على كرسي قريباً من فراشها ابتسم في وجهها:
ـ كيف أصبحت الآن؟
ـ بخير جلالتك
ـ لقد كنت تهذين طول الليل بسبب الحمى لا أعلم سبب عشقك الكبير للمياه لابد من أنك كنت عروس بحر في إحدى حيواتك السابقة .. لقد أوصيتك بأن لا تغادري الجناح ففي مثل هذه الظروف يختلط الحابل بالنابل .. كنت ستقتلين إن لم نلحق في الوقت المناسب ..و لكن لا عليك لقد انتهت الأوقات العصيبةالآن.

ترك الملك كرسيه و جلس على الفراش قرب "نرمين" و سحب يدها في يده و فركها بحنو لبعض الوقت قبل أن يقول:
ـ تقع على عاتقي الآن مسؤولية عظيمة أحتاج معها إلى العون و المساندة كما أنك تعلمين بأن الملك لا يجب أن يظل أعزباً و عليه إيجاد ملكة تشاركه الملك و تنجب له البنين الذين سيرثون عرشه بعد رحيله و يواصلون الطريق من بعده و يحيون ذكره و يرفعون إسمه..

لازمت "نرمين" الصمت و قد أخرستها المفاجأة، لم تتوقع بأنها بعد تجربتها الفاشلة مع "سائد" ستعرف الحب مجدداً و سيتقاتل على قلبها ملكان من أعتى الملوك.
واصل "القاهر" وقد شجعه صمت "زين الحسان" و حسبه موافقة منها على كلامه و إستحساناً له:
ـ لقد كنت أدخر مشاعري طوال سنين لمن تستحقها و حرصت أن أخرج الزواج من الحسابات السياسية و قد كان إختياراً صائباً و موفقاً ، فأنا متأكد من أنني لن أجد ملكة أنسب منك و لا أمّا لأبنائي أفضل منك، فما جوابك؟
ـ ولكن جلالتك أنت ملك من سلالة ملوك و أنا خادمة لا لقب لي و لا مال
ـ كيف تنعتين نفسك بالخادمة و قد كنت فيما مضى نبيلة من النبلاء لولا أن جارت عليك زوجة "الحسام" و جردتك من ميراثك و جعلتك خادمة في القصر ؟ لا تخشي شيئا يا "زين" زواجنا لا غبار عليه فأصلك نبيل و سأعيد لك كل ما سرقته منك "بيلسان" و ترجعين إلى القصر هذه المرة ملكة متوجة.


كانت "نرمين" تنصت للملك "القاهر" بأسى فهي تعلم بأنه لا يجوز لها و هي الدخيلة ليس فقط على القصر الملكي بل على العصر بأكمله بأن تجرؤ على تغيير التاريخ بزواجها من الملك "القاهر"، كما أن رغبتها في استعادة حياتها السابقة تفوق مشاعرها نحو "ذئب القصر الملكي"


يتبـــع

 

تاريخ النشر : 2017-11-28

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر