الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الشبح العاشق

بقلم : أمير الحانوتي - ليبيا

بدأ الإعجاب الممزوج بطابع الغرام يعرف الطريق إلى قلبيهما

ليزا سليمان فتاة جميلة تتدفق شباباً ونضارة ، منطلقة للحياة ذات عقل راجح من أسرة محترمة ، والدها سليمان العريفي سياسى ورجل دولة معروف وهي ابنته الوحيدة والمدللة لديه أيضا ، كل طلباتها أوامر عند ابيها كل من حولها في خدمتها ورهن إشارتها   هي لا تعرف متى بدأت قصتها تحديداً ، هناك أحداث أنت لا تختارها بل تختارك هي وتفرض نفسها عليك فرضاً ، تعيش في أحداثها بكل خيوطها وتفاصيلها .


حدثت هذه القصة منذ فترة ليست بالبعيدة ، منذ أن تلقت ليزا رسالة من صديق قديم ، صديق لم تره منذ سنين عديدة من أيام الدراسة القديمة بكل ما فيها من ذكريات الصبا والتلمذة والدراسة ، كان هو مميزاً بين دفعة الجامعة ، ذا شخصية مهابة كتوم قليل الحديث ، نابغ في دراسته متفوق على أقرانه ، إنه يحيى خطاب ، ابن خطاب العلي المحامي المشهور ، وبرغم شهرة ابيه لم يسعَ وهو طالب الحقوق المتفوق إلى استغلال مركز أبيه ، كان معتداً بنفسه بعيداً عن درجة أبيه ومكانته .


سرحت ببصرها بعيداً مع خيالها وهي تتأمل خطاب يحيى الذى وصل إليها على عنوان بيتهم القديم الذي مازال يحيى يحفظ عنوانه ، جاء الخطاب ليجدد ذكريات مضت الحقيقة ، إنها لا تدعى أنها أحبت يحيى بقدر ما كانت مبهورة بشخصه وبرجاحة عقله ، ولعل سعادتها بالخطاب أنه جدد فيها ذكريات الصبا لا أكثر ولا أقل ، ربما هو كذلك ..
كان الخطاب قصيراً مقتضباً بما يتماشى مع طبيعة كاتبه ، كان كل ما حواه السؤال على أحوالها والاطمئنان عليها ، ذكر فى معرض سرده للخطاب بأنه سينزل إلى البلاد في الشهر المقبل ويحب إن يكون وجهها أول وجه يراه ، ثم ختم بتحية رقيقة وانتهى الخطاب .


أخذت تتأمل في معنى الخطاب ثم طوته ووضعته جانباً وعادت إلى عملها ، مرت الأيام مثقلة بالأحداث حتى فوجئت ذات يوم بجرس الهاتف يرن في بيتها وكان على الطرف الآخر يحيى خطاب نفسه ، دار بينهما حديث ذو شجون ومعاني وتكررت الاتصالات حتى كان اللقاء في إحدى النوادي الراقية ، تبادلا التحية وجلسا معاً يتجاذبان أطراف الحديث ، قال لها وهو يسرح فى ملامحها القديمة لم تتغيري كما أنت فقط الأيام وضعت لمساتها السحرية على ملامح وجهك لكنها لم تغير روحك أبداً ، قالت ضاحكة أما أنت فغزا الشعر الأبيض بعض وجنات شعرك وزادك وقاراً ، كما أنت هادئ وصموت .. شكرها لإطرائها الرقيق ثم تابع الحديث عما كان يفعل وأين كان وما إلى ذلك ..

علمت منه بأنه سافر إلى بريطانيا وعاش هناك ثم تزوج هناك ثم انفصل عن زوجته وأصبح محامياً ناجحاً عقب عودته من بريطانيا ، أما هي فأخبرته بأنها تعمل بعد أن تخرجت في شركة أبيها ، دار حديثهما معاً ثم انتهى على موعد بلقاء جديد .


تكررت اللقاءات بينهما مراراً وتكراراً ونما في داخل كل منهما ذاك الشعور الخفي الذي يتسلل إلى أعماقنا ، بدايته إعجاب ونهايته حب .. بدأ الإعجاب الممزوج بطابع الغرام يعرف الطريق إلى قلبيهما ، كانت ساعات لقائهما من أمتع اللحظات التى يسرقانها من عمر الزمن ، كان يغمرها بعطفه وغرامه وكانت هى تسر من شعورها بأن هناك قوة متدفقة من الحنان تحيط بها هالة من الحب تغمر روحها ، كان كل ما في يحيي يذوب وجداً في هواها ، كل همسة كل كلمة كل لحظة وثانية في وقتهما يفضح هذا الحب .


ذات يوم قرر إن يدعوها إلى رحلة في منزل أبيه الريفي خارج أطراف العاصمة ، وافقت فلم يكن أحب إلى قلبها من ساعات تختلي معه فيها بعيداً عن فضول الحياة ، سافرت معه ، قضت في احضان الكوخ الخشبي الأنيق أسعد اللحظات ، اصطادا السمك ، قاما بالتزلج ركبا التلفريك معاً ، انطلقا في أحضان الطبيعة الخلابة ، عبثا معاً وساد ضجيجهما مرتفعات الجبال ليحرقانها حباً ، وبعد أن عادا إلى المدينة كانت لقاءاتهما تتم على فترات متقطعة نظراً لانشغال كليهما .

وذات لقاءصارحته برغبتها في الزواج منه ليكون هذا هو التتويج الذهبي لقصة حبهما العظيمة ، لم تلحظ أنه أبدى ترحيباً كبيراً يتناسب مع رغبتها في الاقتران به ، لم يفرح الفرحة التي كانت تتوقعها بل لم يتوقف عند الموضوع إنما يبدو أنه مر عليه مرور الكرام لينتقل إلى مايليه من أحاديث الهوى وهو يداعب أناملها الصغيرة بيديه .. في هذا اليوم تحديداً لاحظت ليزا أمراً غريباً ، لماذا شعرت بأن يديه باردتين كأيدي الأموات ! 


مضى وقت طويل نسبياً حتى تجدد لقاءهما إلا أن هذا لم يقلقها ، ما أقلقها هو لحظة عرض الزواج عليه في المرة السابقة التقيا مجدداً وعاودت تكرار العرض مرة أخرى هذه المرة أرادت أن تضع النقاط فوق الحروف ، أن تعرف رأسها من رجليها ، ربما هو يتسلى بها ربما فى حياته أخرى وربما أي احتمال آخر ، كل يءأ ممكن ، هي لن تتحمل صدمة تلاقيها في هذا الحب ، لن تحتمل أبداً .

قالت له أنت لم ترد على عرضي في المرة السابقة ، عرض الزواج .. لم يستطع إن يهرب ، صار موقفه صعب جداً ، و وعدها بأنه سيجيبها على طلبها حين يلقاها في المرة القادمة ، طلبت منه رداً الآن ، لمس خصلات شعرها برقة في المرة القادمة سأجيبك ، سألقاكِ في بيت أمي .. انصرفا على موعد بلقاء قريب في بيت أمه 


تجدد اللقاء أمام فيلا فاخرة علمت فيما بعد أنها فيلا أمه ، فوالداه منفصلين منذ زمن ، فتح الباب بكل أريحية ودعاها للدخول ، جلست وهى تضع معطفها الجلدى جانباً وجلس هو وقد بدا غاية في الأناقة والجمال ، وبدا مضيئاً كأنه الشمس في كبد السماء ، طلبت منه رداً على طلبها ، قال أنه موافق وأنه لطالما تمنى تلك اللحظة منذ سنين ، وأنه سيخبر أباه و أمه وعليها هي أيضا أن تعلم أبيها لتتم العملية بشكل رسمي ، طلب منها أن تسمح له بأن يحضر بعض الشراب من بار المطبخ ، اجابته بالموافقة ..


نهض متجهاً إلى المطبخ ماراً بمرآة كبيرة لامعة تبدو من النوع الأثري ، ما هذا ؟ لا يمكن إن يكون هذا حقيقياً ، لابد أنها مرهقة أو أن السعادة أثرت على عقلها ، إن يحيى ليس له ظل في المرآة ، ربما المرآة نفسها غير مصقولة بشكل جيد ، من يعلم ! المهم أن تجهز نفسها لتخبر أبيها وهو لن يمانع ، فالشاب من أسرة طيبة وثرية أيضاً أي لا مشاكل مادية ، ثم إنها تحبه وهو يحبها وهذا كافي لينهى الموضوع .


غاب يحيى ولم يعد ، أصابها القلق فنهضت متثاقلة من طول الجلوس ، اتجهت إلى المطبخ ، وهي فى الطريق فتح باب الفيلا لتدخل منه امرأة كبيرة في السن تبدو عليها الأناقة ، كانت ترتدى معطفاً من الفرو الثمين وجاكيت أنيق أسفله ، نظرت المرأة اليها بذهول وهي تقول من أنت كيف دخلت إلى منزلي ؟! قالت ليزا عفواً أنا صديقة يحيى ، قالت المرأة بلهجة تسودها الدهشة الممزوجة بالاستغراب يحيى ! من يحيى ؟؟ حكّت ليزا رأسها يحيى ابنك ، فتحت المرأة فمها يحيى ابني أنا ؟ قالت ليزا نعم ، ثم شرحت لها كيف أتى بها إلى هنا ..

جلست المرأة على أول أريكة تقابلها وتركت دمعتين تنهمران على وجنتيها ، قالت لها ليز ماذا هناك يا هانم ؟ ماذا حدث ؟ وأخذت تصرخ منادية يحيى أين أنت ؟ دعتها المرأة إلى الجلوس وهى تقول لها صحيح يحيى ابني لكنه ، قالت لها ليزا لكنه ماذا ؟ قالت المرأة وهي تضغط على الكلمة لكنه مات منذ سنين ، ماذا ؟ مات ! كيف مات كيف ؟ إنه.. ومن كان معها من الذى أحبته وأحبها من الذي أذابها عشقاً وخطف قلبها أي خدعة سمجة عاشتها ، لقد كانت تظن أنه يتسلى بها فإذا به شخص غير موجود أصلاً ! شخص ميت هل أحبت شبحاً ؟ كيف ؟؟

قالت المرأة يحيى ابنى مات في حادث صيد في غابات بريطانيا ، مات منذ عشرين سنة تقريباً .
أي جنون هذا ؟! إي شيء وقعت فيه وهي لا تفهمه .. أحبت شبح شخص ظهر كالبرق في السماء إلا أنه سرعان ما اختفى .. 

خرجت ليزا بعدما عرفت الحقيقة ، خرجت سائرة إلى اللامكان
 

تاريخ النشر : 2018-02-12

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر