أغرب تحديات المبارزة في التاريخ – الجزء الأول

بقلم : حسين سالم عبشل – اليمن
للتواصل : husseinsalem900@gmail.com

قبل أن أبدأ بسرد وقائع أغرب تحديات المبارزة ، أسمح لي عزيزي القارئ بجولة سريعة نستعرض فيها تاريخ المبارزة و أرجو أن تكون مفيدة و غير مملة .

يعود تاريخ المبارزة إلى عصور غابرة منذ استخدام الأنسان للعصا الغليظة و الحجر و تطور إلى السيوف ثم الأسلحة النارية ، و في هذا المقال سوف نسلط الضوء على المبارزة بين النبلاء و ليس في ساحة المعارك .

blank
يعود تاريخ المبارزة إلى عصور غابرة منذ استخدام الأنسان للعصا
في ظل غياب القانون في القرون الوسطى  كان الأوروبيون  يحتكمون إلى المبارزة لحل خلافاتهم ، و كان يحق للنبلاء من الطبقة الأرستقراطية تنظيم تحديات للمبارزة في أي و مكان و زمان ، أما عامة الشعب فكان عليهم التقدم بطلب للسلطات للقيام بالمبارزة ، و يجب أن يكون السبب وجيهاً و يندرج ضمن هذه الحالات :
 تهمة القتل و عدم توفر شهود ، الخيانة ، الهرطقة ، الاختطاف ، الحنث بالقسم ، الغش ، الاغتصاب .
و يختار المتبارزان سلاحيهما ، و بحضور الشهود و المشرفون على المبارزة لتجنب الغش ، فقبل أن تبدأ المبارزة يتفق الطرفان ماذا كانت المبارزة حتى الموت أو أنها مجرد مناوشة عادية تنتهي بتسجيل عدة نقاط مثل من يجرح الأخر عدة مرات أو استسلام الطرف الأخر ، و مع ظهور الأسلحة النارية تعّين على المتبارزين السير 12 خطوة قبل أن يطلقوا النار ،

blank
يختار المتبارزان سلاحيهما ، و بحضور الشهود و المشرفون

و تستمر المبارزة من شروق الشمس حتى غروبها و هو أمر نادر الحدوث حيث غالباً ما تنتهي المبارزة بسرعة ، و يُعد المنتصر بالمبارزة بريئاً يستحق التكريم بينما يُعتبر المهزوم مداناً بالجريمة و يحل عليه العار و تُشنق جثته حتى و إن قُتل في المبارزة ، فقد ساد الاعتقاد في ذلك الوقت أن الحق مع المنتصر ، و هذا فيه ظلم و إجحاف كبير فليس كل المتخاصمون يجيدون المبارزة ، فالمبارزة تعتمد على المهارة و القوة و تفتقد إلى روح العدالة ، و من هذا المنطلق فقد أمر  الإمبراطور الروماني ماكسيمليان الأول بمنع المبارزة ، و قد حضي هذا القرار بدعم الكنيسة ،

blank
الإمبراطور الروماني ماكسيمليان الأول

و بالرغم من أن قرار منع المبارزة قد صدر في بداية القرن السادس عشر إلا أن المبارزة استمرت حتى أواخر القرن التاسع عشر ، و يرجع السبب في ذلك إلى تمسك الشعوب بثقافة الفروسية ، هذا بالإضافة إلى انتشارها في كثير من البلدان ، و كل بلد له قوانينه الخاصة ، و تم تشريع قوانين تجرّم المبارزة في أوقات متفاوتة.

لتتحول المبارزة في وقتنا الحاضر إلى رياضة غير مؤذية لها قوانينها و بطولاتها.
و بعد هذه المقدمة البسيطة ننتقل إلى أغرب تحديات المبارزة في التاريخ .
 
مبارزة الأزواج المتخاصمون :

في الفترة الأخيرة أزادت القضايا الأسرية في المحاكم ، و الغريب في الأمر زيادة حالات الاعتداء على الأزواج من قبل زوجاتهم ( مسكين الزوج المغلوب على أمره ).

في القرون الوسطى و تحديداً في القرن الثالث عشر  أُقيمت مبارزات زوجية غريبة في كلاً من  ألمانيا و سويسرا و فرنسا و إنجلترا ،  كان الأزواج المتخاصمون مع زوجاتهم يخوضون مبارزة زوجية كما أُطلق عليها ، حيث يتقابل الزوجان المتخاصمان في ساحة تحتوي على ثلاث حفر و يتم وضع الزوج في إحدى تلك الحفر – للحد من مقدرته القتالية أمام المرأة – بعد أن يتم تقييد إحدى يديه للخلف و يمسك باليد الأخرى ثلاث عصي خشبية مدببة ، بينما يُسمح للمرأة بحرية الحركة في الساحة ، و يتم تقييد إحدى يديها إلى الخلف ، و تحمل في يدها الأخر ثلاث أكياس يحتوي كل كيس على حجر يزن ما بين رطل إلى خمسة أرطال ، حسب قدرة المرأة الجسمانية ،

blank
صورة توضح كيفية مصارعة الأزواج
حيث يصارع الزوج من داخل حفرة

و تنص القوانين في هذه المبارزة على أن يبارز الرجل من داخل الحفرة دون أن يمس حافتها ، و يحق له أن يتنقل بين الحفر الثلاث ، و عند مخالفته للقانون يتم حرمانه من إحدى العصي و الحفر ، في المقابل تبارز المرأة زوجها القابع في الحفرة و لا يتم تعويضها في حال فقدان تلك الأحجار ، و في حال فوز المرأة بالمبارزة يتم إعدام الرجل و في حال خسارة المرأة فأنها تُدفن حية ، و في مدينة برن بسويسرا عام 1228 م فازت أمرأة بالمبارزة و تم إعدام زوجها ، لا تستغرب عزيزي القارئ من زيادة فرصة المرأة بالفوز ، فالبرغم من قدرة الرجل الجسدية إلا أن وضعه في حفرة بينما ترك المرأة حرة الحركة سوف يعطيها الأفضلية بالمبارزة .

 
فما رأيك عزيزي القارئ لو تم تطبيق هذا القانون الغريب في وقتنا الحاضر و لكن بدون قتل ، هل تعتقد أنه سيحل الكثير من المشاكل الزوجية ؟.  
 
مبارزة الأميرات العاريات :

في عصرنا الحالي تشارك المرأة الرجل في كل المجالات التي كانت تُعتبر حصراً على الرجال مثل النشاطات الرياضية العنيفة كالملاكمة و المصارعة ،  و لكن في الحقيقة أن بعض النساء قد كسرن تلك القواعد منذ زمناً بعيد .

في أحد قصور العاصمة النمساوية فيينا ألتقت عدة نسوة من عِلية القوم ، من أجل تنسيق باقات الورد لتزيين مهرجان الموسيقى السنوي ، و كانت من ضمن الحضور الأميرة بولين فون مترنيش و الكونتيسة انستازيا كيلما نسيج ، و خلال تلك الأمسية تعمدت الكونتيسة انستازيا استفزاز الأميرة بولين و نصحتها باختيار ملابسها قبل أن تختار باقات الورد ، كان ذلك كفيلاً بإشعال نيران الفتنة بين السيدتين ، شعرت الأميرة بولين بالإهانة ، فتحدت الكونتيسة انستازيا في مباره للمبارزة بالسيوف فيما قبلت الأخرى التحدي ،

blank
الأميرة بولين فون مترنيش 

و في شهر أغسطس عام 1892 م التقت السيدتان في إحدى الساحات و تجمع عدد من النساء الأرستقراطيات ليشهدن المبارزة ، و كان من ضمن الحاضرات البارونة لوبنسكا ، و التي أوكلت لها مهمة الإشراف على المبارزة لكونها ذات خبرة واسعة في تضميد الجروح خلال مشاركتها بتمريض الجنود أثناء الحرب ، و قد اقترحت البارونة أن تتجرد السيدتان من ملابسهما و أن تتبارزان بملابس خفيفة و هي الكورسية ( صدرية ذات مشد ) و سروال متوسط الطول ، لتفادي الإصابات البالغة و تعفن الجراح ، و قد وافقت السيدتان فجميع الحضور من النساء ، و في الساحة تواجهت السيدتان و كلاً منهما قد استلت سيف زوجها ، و عند انطلاق إشارة البدء تواجهت السيدتان و تبادلتا ضربات السيوف ،

blank
في الساحة تواجهت السيدتان
و كلاً منهما قد استلت سيف زوجها

و قد تمكنت الكونتيسة من إصابة الأميرة بجرح طفيف في أنفها ، و بينما وقفت الكونيسة مذهولة مما فعلت و رؤية الدم على سيفها قامت الأميرة بهجوم مباغت و تمكنت من إصابة الكونتيسة في ذراعها ، و هنا تدخلت البارونة لإنهاء المبارزة و معالجة السيدتين بعد أن شعرت كلاً منهما أنها استعادت كرامتها ، و بعد ذلك عادت مياه الصداقة إلى مجاريها و التقت السيدتان ليس في ساحة المبارزة بل على الطاولة لشرب كوب من الشاي ، لا تستغرب عزيزي القارئ فهذه يُطلق عليها ” خناقة نسوان “.

و مع أن السيدتان كانتا ترتديان لباساً لا بأس به إلا أن تلك المبارزة أشعلت مخيلة الرسامين الذين قاموا برسم لوحات تظهر سيدات عاريات تتبارز بالسيوف.
 
مبارزة مع قزم :
 
في أوروبا بين القرنين السادس و السابع عشر كان الأقزام يحظون باهتمام الناس كونهم مصدر للمتعة و التسلية و كان يتم تعيينهم في المحاكم لتسلية الحضور ، بل إن بعضهم قد ابتسم له الحظ و صار قزم في البلاط الملكي لتسلية الملوك و الأمراء كما هو حال بطل قصتنا . 

blank
السير جيفري هدسون و يبدو قزماً للغاية 
بدأ السير جيفري هدسون حياته المهنية كقزم في المحكمة حتى تم إهدائه في قالب من الفطيرة إلى الأميرة هنريتا ماريا ملكة إنجلترا و أسكوتلندا ، و قد أُعجبت الأميرة به لقصر قامته التي لم تتجاوز 19 بوصة و رجاحة عقله ، فقد كان متحدثاً لبقاً كثير التملق ، إلى جانب ذلك فقد كان يجيد ركوب الخيل و اطلاق النار من البندقية ، و قد شارك في الحرب الأهلية الإنجليزية إلى جانب الملكة ، و قد وهبته الملكة اللقب سير جيفري هدسون عام 1642م ،

blank
صورة لهدسون بجانب الملكة 
هنريتا ماريا ملكة إنجلترا

و في أكتوبر عام 1644م تعرض هدسون للسخرية من أحد النبلاء و يُدعى تشارلز كروفتس ، مما دفعه لتحديه في مبارزة ثأراً لكرامته ، و في الميدان أمتطى هدسون جواده شاهراً مسدسه ، فيما تقدم تشارلز على صهوة حصانه ساخراً منه ، لقد كان تشارلز بدين جداً و هذا ما جعل حركته بطيئة ، فيما كان هدسون ضئيل الحجم و خفيف الحركة و تفادى الطلقات النارية بسهولة ،

blank
كان هدسون بارعاً في ركوب الخيل و اطلاق النار

و تمكّن هدسون من الإطاحة بخصمة المتعجرف بطلقة في الرأس أردته قتيلاً ، أحدثت المبارزة ضجة واسعة في البلاط الملكي ، فأخ القتيل هو وليام كروفتس أحد النبلاء المقربين من الملكة ، التي غضبت بشدة من تصرف هدسون الأرعن ، و حُكم على هدسون بالإعدام ، و لكن الملكة أصدرت عفواً عنه و تم طرده من القصر بعد نزع اللقب منه ، مع هذا ظل جيفري هدسون مخلصاً للملكة حتى وفاته عام 1682 م .    

 
المصادر :
 
  
 
 
 
0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

23 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
فتحي حمد
فتحي حمد
5 سنوات

مقال ممتاز الغريب هي مبارزه الازواح حيث استبدلت القبلات بالطعنات هه وحسنا صنعت المشرفه بتخفيف ملابس الاميره والكونتيسه حتى يظهر جمالهن ويعرفن انهن لم يخلقن للعنف

مؤنس نورالدين بدرالدين
مؤنس نورالدين بدرالدين
5 سنوات

شكراً لتكلفك عناء البحث في المراجع لكي تمتع القرّاء بمعلومات جميلة

ران
ران
5 سنوات

اعجبني المقال جدا وخاصه مصاره الازواج ياريت هل قانون لسه موجود ههههه

Groot الى أبو ميثم العنسي
Groot الى أبو ميثم العنسي
5 سنوات

اخ ابو ميثم ننتظر ايضا مقالاتك الشيقه والرائعه .

Groot
Groot
5 سنوات

مقال رائع كالعاده أخ حسين .

ابا الثعبان
ابا الثعبان
5 سنوات

الموضوع اختصارا هي طريقه من الطرق لحل الخلافات
الانسان كان دائم البحث عن طريق مختصره لحل مشاكله وتصفية الخلافات والمبارزه احدى هذه الطرق ،، ولكل بيئه او مجتمع اسلوبه لحل مشاكله ،، نحن العرب مثلآ قد تكون طريقتنا تختلف قليلا فالمبارزه تصبح شفهيه والحجه والبرهان والمنطق هو السلاح الفاصل وهكذا
عموما مقال متميز ومشكور الكاتب لابداعه

عبد العزيز زعيم
عبد العزيز زعيم
5 سنوات

الناس مجانين منذ الماضي لا استغرب الحاضر

متابعة موقع كابوس
متابعة موقع كابوس
5 سنوات

مقال جميل .. اتضح ان المبارزة لها تاريخ دموي عنيف بجعل المنتصر بريء والمهزوم مذنب باعتمادها بالاساس على القوة وليس العدل بين الطرفين فيها ظلم كثير .. اغرب الانواع هي بين الازواج المتخاصمين ربما لو وضع الرجل خارج الحفرة لأطاح بالمرأة بسهولة بما في يده من سلاح لكن وجوده في الحفرة سوف يقيد حركته .

ڔهــڤ
ڔهــڤ
5 سنوات

مقـال رائع…أنتـظر الجـزء الثـاني.

سامي
سامي
5 سنوات

تعليقك ..لم تذكرو مبارزات الفرسان العرب

أبو ميثم العنسي
أبو ميثم العنسي
5 سنوات

مقال شيق استاذ حسين و بإنتظار الجزء الثاني .

بنت العرب
بنت العرب
5 سنوات

معلومات اقرؤها لاول مرة واستمتع بها شكرا للاستاذ عبشل على مجهوده دمتم بخير

( A.h )
( A.h )
5 سنوات

شكراً لك .. إنه أفضل مقال قرأته على كابوس ..
(في شهر أغسطس) .

ام سيلينا
ام سيلينا
5 سنوات

مقال رائع ومثري

رأي فتاة
رأي فتاة
5 سنوات

مقال رائع❤❤احسنت

طارق الليل.اليمن
طارق الليل.اليمن
5 سنوات

مشكور استاذ حسين مقال جميلا جدا فأنا احب مواضيع العصور الوسطى وهذه المشاهد شاهدتها كثيرا في افلام الغرب الامريكي اوالكابوي رعاة البقر فمن اشهر نجومها النجم كلينت استوود وايلي والاش وليفان كليف .لكن فالغريب في المبارزه هذه انها كانت بين النبلاء

عرابب
عرابب
5 سنوات

شكرا لك على المقال المرتب استفدت كثيرإ كنت دايما اشوف بالافلام عن المتبارزين لكن لم افهم انها كانت ثقافه شعوب.

توبي
توبي
5 سنوات

مقال جميل .

حسين سالم عبشل - محرر -
حسين سالم عبشل - محرر -
5 سنوات

شكراً لتفاعلكم ، طبعاً مبارزة المدنيين تختلف عن مبارزة العسكريين في وقت الحرب مثل فلم الرسالة لان ذلك لا يغير شيء من مصير المعركة .

آدم
آدم
5 سنوات

مقال ممتاز، شكرا جزيلا لك، لقد ارتوويت بالكثير من المعلومات في هذا المقال

امرأة من هذا الزمان
امرأة من هذا الزمان
5 سنوات

سلمت أناملك استاذ.حسين مقال جميل ومتجدد ومليئ بمعلومات مفيدة ك عادة مقالاتك…بانتظار الجزء الثاني…تحياتي…
وأما عن مبارزة الازواج ف أظن وخاصة بعد فترة الحجر المليئة بال(سعادة والهناء والسرور والمحبة)كانت احدانا لتضربن زوجها بالحجر حتى(تفشق مخه)واما هو كان خرج من الحفرة و(نهنهابالعصاية)…هههه

Mark
Mark
5 سنوات

مقال مرفه فيه نوع من التجديد شكرررا

ayman
ayman
5 سنوات

مجموعة من الحمقى

زر الذهاب إلى الأعلى