الثّعابين تحت عدسة الميثولوجيا

للأفاعي والثّعابين دورُ البطولة في عديدِ الحَضارات. هذا الكائن الّذي حَرَّضَ على الخطيئة الأولى ما جُعِلَ تماثيلًا ذهبيّةً في الحضارة المِصريّة إلّا لكونه، بشكله وصِفاته، رمزًا للملكيّة والتّوالُدِ المُعاد وحتّى الحِماية، ورغم ذلك حَمَلَ سَحنَة الدّمار والخَراب!

أمّا في حضارة بلاد الرّافدين، فقد كانوا من شأنِنا يربطونَ الأفعى بالخُبث، أمرٌ أستنكِرُهُ بِشِدّة؛ فصحيح أنّه “مُراوِغ” ويعتصر التّماسيح (بالنّسبة للأناكوندا الأضخم) وسامّ (إنَّ أكثرهم سُمّيّة هو الإنلاند تايبان في أستراليا، نادر في تعداده، وقطرةٌ واحدة منه كفيلة بقتل ١٠٠ إنسان بسبب كثافته العصبيّة المُخترقة بسهولة للمَسامّ)، ويفتك بفرائسه من اللا مكان مثلما ينفّذ راندي أورتن ضربته القاضية “آر كي أو” على مصارع ظَنَّ أنَّهُ سيصل للكانفاز دون أن يُقبَضَ على رقبته، ولكن أنُحاسِبُهُ على فِطْرَتِنا الواعِية لا فِطْرَتِهِ الغريزيّة؟

فلنا نحنُ هِبة ربّانيّة تلمع في عقولنا، ولها جينات مبرمجة بأوامِر يعلم مبرمجها الخالق أنّها ستكفيها مخاطر الطّبيعة المحفوفة.

وطِبْقًا لتلك الجينات، تتخلّى الحيوانات عن “التّفكير”، لأنَّ جين TRPA1 مثلًا يعمل كَحَسّاس طبيعي، ويحفّز القدرة على توسيع الفقرات الهوائية. الأفعى ليس لها لا قصبة هوائيّة ولا رئات تنفث الشّوائب المُتَنَفّسة بسرعة ١٦٠ كيلومتر في السّاعة كما يحدث عند آليّة السُّعال! ومع ذلك فجسدها الطّويلُ المتموّج (أو الطّائر بين الشَّجَر أحيانًا!) يتوسّعُ كي يُصَفّى مجراها الهوائي.

ذاكَ الشّيء المِجهري الموجود على الغشاء الخلوي بكمّيّات خلويّة هو عقلُ الكائن المُفَكّر، ولكنّه يترجم التّفكير لأمور تصلح لها سابِقة pre الإنجليزيّة.

على أنّ الرّافديّين لم يخطئوا في تحويل الغدر الفِطريّ لِغَدر كوميكالي في ملحمة جلجامش، إذ كانت الأفعى أو لنسمّها كما اختارَ البابليّون، أسد التّراب، هي الّتي سرقت عشبة الخُلود من جلجامش، الّذي وجدها في منبع عَذب! العشبة نفسها ترمز كذلك للأمل والّذي لأسف جلجامش ورفيق دربه المنبوذ العامل في البحر لكن الذي دعا سيّده أن ينفره البحر، أورشنابي، ذَوا.
وما كان لِيَتِمّ هذا التّصوير الأعجف، ما كان ليكون الثّعبان شرّيرًا يُسقِطُ عُشبةَ الأمل والخلود المستحيل، لو كانت كل الثّعابين مثل ذات الخيشوم الخنزيري الغربيّة! (فهي تملك وجهًا مبتسمًا لطيفًا ولا تُعادي بل تدّعي الموت بل حتّى لو شقلَبتَها لَآبَت لِدَوْرِها كي تقنعك أنّها ميّتة فِعْلًا!).

وفي تجديد الثّعابين لِجِلدِها دلالة على البقاء السَّرمَدي، على غِرار انجِلاءِ العَنقاء من رمادها، وفهمت الدّيانات القديمة، بما فيها الشِّرك المعبود ما بين النّهرين، والهندوسيّة والمِصريّة العتيقة، ذلكَ؛ فجعلتها معبودًا.

وقد غالى الأمريكيون الأصليّون في تقدير الثّعابين، فرسموها على أوانيهم كمخلوق عملاق ذو قرنين، سُلطانُ الطّبيعة بماءها وبرّها وريحها كلّها في قُرونه!

وهناك كذلك الثّعبان الرّيشي (كْوِيتزولكوتل)، من أساطير الأزتِك، فقد قدَّسوه باعتبارِهِ إلهًا للحضارة والغيث، وكانت له خِلقة ناسَبَت ألوهيّته، أمر سخيف حقًّا فالمُصَوِّرون هم من خلقوا معبودهم ورسموا له ما يلائم معتقدهم! فهو زاحِف ومع ذلك له ريش، وهذا يَدُلُّ على كونِ عرشِهِ في الأرض والسَّماء.

نعم، تُنقَشُ صورته على جدران الكهوف فيكون من زُمرة الطّرائد وأحيانًا المُطارِد، وتتّخذه دولة واحدة فقط جزءً من عَلَمِها كطريدة تمثّل السّوءَ المُصطاد، المِكسيك بالصّقر الذّهبي.

وفي السِّحر، نجد هذا المخلوق ذو الرّئة والواحدة والظّبرَينِ مُسْتَلْهَمًا بجلده المُقَشَّر، حرفيًّا، من أجل كَسْرِ الإدمان!
فيبدو أنّ السِّحر القديم في حَسَنةٍ نادرةٍ حذا حذو العلاجات الحديثة. لكنّه لم يخرج تمامًا عن “ثوب” الرّمز، فإلى جانب إعجاز السِّحر، يقترن بالمعنى الرّمزي للكِسوة الجديدة.

فكما فهرسُ الإنجليزيّة، نقولُ لغيرنا “ضع نفسك في حذائي” فلمّا وضعنا أنفسنا في حذاءه أخذنا عنه وضعه ومرآه وهيئةَ ما يُواجِهُهُ، والمفروض، سِحْرِيًّا، أن ترتبط نيّة السّاحِر وتعويذته التي لا اتِّفاقَ عليها بالمظهر الرّوحي الجديد منزوعِ الإدمان.

ثمّ إنَّ هذا الزّاحف ذو الجلد المخلوق من بروتين الكيراتين البنّاء للأظافر لا يَسري عليه ما يَسري على غيره، بعض الأوصاف تفقد معناها أمامَ بُنْيَتِه.. كيف نقول إنّهُ يركض؟ المامبا السّوداء تصل لدزّينة أميال في السّاعة، مع هذا ليس زحفُها بِعَدْو، وليست تحرّكات عضلاتِ بطنها وأضلاعُها المرنة والصُّلبة باتِّجاهاتٍ مائلة بِخطوات، لكنّها تتسلّقُ وتدخل الجحور الضّيّقة بِتقنيّة تثبيت ذيلها وظهرها في الوَراء، ومَطِّ مقدّمتها أثناء التّمَوّج، وعندما تقرّر الزّحفَ باستِقامة في حالة الإفتِراس، تلجئ كُلّيًّا لعضلات البطن لحملها جُزَيئيًّا ودفعها للأمام. وأسرعَها إطلاقًا في الجوّ، ثعبان الجنّة الشّجريّ، طوّر الأضلاع والعضلات لحدّها الأقصى، فيطير هذا المُرَقَّط بالبُرتُقالي من شجرة لأخرى في غابات جنوب شرق آسيا بسرعة ٢٥ ميل في السّاعة، مُصَيِّرًا إيّاها دَفَّةً.

بل إنّهُ لَخارِقٌ، فعلى إفادَةِ خبراء التّشريح، يمكن للحُباب التّغلّب على السّمك والقردة في السّباحة والتّسلّق! لا نستبعد ذلك، فالأناكوندا الخضراء وبْوا الأمازون الصّغيرة، كِلتاهُما مَلِكَتا المياه والأغصان.

وإنّها على خَجَلِها وتجنُّبِها للإنسان (يا تُرى هل كانت لتفعل لو كنّا في حجم الفئران؟) لا تخجلُ القفز من الحُفَر أو تتجنَّبُ سُطوحَ المنازل!

وحتّى في مباغتتاتِها العفويّة شيء من الرّعب، ففي ستّينيّاتِ الغرب، شاعَ أنّ أحد مغازِلِ المَعاطِف قد تعرّضت جيوب منتجاتهم للثّعابين المختبئة! والأدهى أنّ غزوَها كانَ كذلكَ في الأفعوانيّات!
تلكَ خُرافاتٌ نُسِجَت ولكن ظهورها الفِعلي من فُتُحات المراحيض لا يُساعد على دحضِها!

وإن كانت الإستِطلاعات تُظهِرُ خوفَ الكثيرين من الثّعابين، فإنّ هؤلاء الكثيرين ليسوا وحدهم فهناك باقي الثّديّيات، الكِلاب والأحصنة على سبيل المِثال ارتَعَبَت منها بنفس الطريقة التي قد يعبّر فيها إنسان عن رعبه، بِما يتضمَّن وجوده في مكان مُغايِر لمكانه بنمط مخيف بذاته! (الحركة الثّعبانيّة الإنتقاليّة locomotion لوحدها مرعبة لن أُنكِر).

إذن فالأوفيديوفوبيا (الخوف من الثّعابين) طبيعي بالنّسبة للثّدْيِيّات، ولا يهمّ إن كان هذا الثّدييّ عاقِلًا نُطلِقُ عليه ضمائر هي وَشي أو غيرَ عاقِل بضمير إت!

وبَرَعَت الشّاعرة إميلي ديكينسون في قصيدتها “ثعبان فوق العشب” (مع ملاحظة أنّها لم تُرِد الثّعبان باسمه الإنجليزي متعدّد المفردات؛ snake, serpent، بل تعبيرٍ بصمةٍ مغزاهُ البُعدُ الجسماني الضّئيل الرّابض فوق العشب، وكونُ هذا التّباعُد مرتبطًا بِوُجودها في بقعتها، فيصبح لدينا التّعبير: Narrow fellow)، في تصوير أفعى الغرطر الّتي في تَزجِية الوقت تُزجي نفسها فوق العشب على فترات.. وحضوره المفاجئ للقارئ إذا ما حصلَ وقابَلَها، فنَباهَتُهُ تتركُ واسِعَ المَجال لحصول هكذا لقاءات!

وهو (تستخدم الضّميرَ العاقل للمذكّر) في قصيدتها يَشُقُّ العُشبَ بل طريقه من عند الأقدامِ كذلك، فيجعل من الأخضَرِ “مِشْطًا”.

والشّاعِرة طِفلة قَصَدت صباحًا (Morn وليس Morning فالأولى شاعريّة) محبوبَهُ، فدّان أرض رطبة مناسبة للذُّرَةِ، وهي حافية.

فلم يُؤذِها وإنَّما غابَ عن أنظارِها (وربّما في مضاعفة ال p في معنى الوقوف منطِق، ولكنَّ شِعْرَها ضاعَفَ ال o في Stooping!) الّتي شاءت فحصَهُ تحت ضوءِ الشّمس.

وتمضي في القول بأنّ الطّبيعة لها شعوب وهي لتلك الشّعوب عَريفة (مثل المتنبّي في قوله بمعرفة الخيل والليل والبيداء!) وعَطوفة بِ.. لا أقولُ وزن أو حِمل ولكنْ شيء يُنقَل، فالنّقلُ هو ما استَجمَعَت فيهِ عَطْفَها.

blank

ولقاءات الشّاعِرة به كَثُرَت حتّى استَنتَجَت أنّ مقابلته دون قشعريرة (أو صِفْر في العَظْم لو ترجمنا الكِناية حرفِيًّا) هو ما لم يحدث لها طولَ ما ضاقت أنفاسُها مَخافَةً من “زميلِها” الغرطر في أي حالْ.. وبالمناسبة، الغرطر يتواجد في أمريكا الشّماليّة الشّامِلة لِألاسكا! رغم أنّ القطبيّتين وبعض الجزر الباردة هُنّ الوحيدات من جميعِ بِقاع العالم اللّاتي لَم تُشَرِّفهُنَّ الأفاعي.

وفي جزيرة هاواي، الخالية من الثّعابين (اللهم إلّا من أنواع غازية كالأعمى ذو شكل الدّودة) كان هناك أساطير عنها! فملكة الجزيرة ليليوكالاني رفَّهت عن نفسها في فترة حجزها المنزلي عام 1895، إثر معارضة فاشلة لثورة محلّيّة بثورة أخرى، باختِلاق ثُعبان هائل طويل الذّيل دورة حياته ببساطة؛ راحة في الطّين، أكل وتقيُّئ!

وآيرلندا، مثلها مثل معظم الجزر، حُرّة من الأفاعي، لذلك قرّر القِدّيس باتريك، الّذي أرادَ طرْدَ الشّرور والخُبث من الأرض، نَفْيَ القليل من الثّعابين التي وجدها هناك من على عَلِ تَلّة!

فهل هذا هو السبب في أنّنا لن نجد ثعابينًا في تلك الجُزُر؟ أيعقل أنّها سَبَحَت إلى غير رجعة لذاك الشّخص الّذي رفع عصاه الخشبيّة للسّماء؟

لكن لحظة! ها هي حَيّة حَذِقة ترفض اتِّباعَ باتريك (ممّا يحدوني للقول بأنّ عزفَ العود في الثّقافة الهندية يستحضِرُها، غير أنّ القِدّيس استعانَ بعصاه لِهَشِّ الأفاعي)، فما يكون منهُ إلّا أن أحضَرَ صندوقًا علَّ تلكَ العنيدة تدخله، فما تُقرّر دخوله لأنّها ارتأت أنّه صغيرٌ عليها! ولكي تثبت بعد جِدال أنّه صغير، قرّرت الدّخول إليه! فأوقعها إصرارها على الظّهور بمظهر المُحِقّة في الصّندوق.

أمّا أنصار العلم الباحِث في شؤون أصل البرمائيّات ومُجمَل الكائنات (herpetology) فيدّعون بأنّ خُلُوَّ آيرلندا من الثّعابين مرجِعُهُ انفصالها عن الجزيرة البريطانيّة مباشرةٍ تِلْوَ العصر الجليدي.

وفي تراث آيرلندا، اعتُبِرَت الأفاعي دميمة وفأل شرّ لدرجة أنّ نقاءَ هواء آيرلندا عُدَّ سببًا لانعِدامها فيها! تجذّر ذلك بِظُنون الآيرلنديّين في أنّ تحويطَ ثعبانٍ ما بِرَسمةِ حلقة كفيل بِشَلّه!

بالرّغم من سُمعَته أو مظهره الجهنّمي، فالأفاعي بكل فصائلها التي تتجاوز الثّلاثة آلاف بقليل لا تعتبر بني البشر فرائس، بل إنّها تؤدّي لِوَفَيات أقلّ من غلطاتِ الأُساة!

وفي الولايات المتّحدة تشكّل الكلاب المسعورة والأحصنة الهائجة خطرًا أكبر من الأفاعي المحلّيّة، مثلما يُميتُ البعوض والملاريا أُناسًا أكثر ممّا تُميتُهم الثّعابين.

السّخيف أنّ كرات الغولف البيضاء الصّغيرة تؤدّي لإصابات تفوقُ الإصابات التي تُحدثها الأفاعي! وفي غِنًى نحن عن القول بأنّ الإنسان يقتل الأفاعي (وكثيرًا غيرها) بما في ذلك رميه لكرات الغولف داخل جوف الثّعابين! المسكينة تعتقد بأنّها بيضة فتبتلعها وتختنق.

وخُذ هذا، لقد باعَت منصّة eBay أربعة كرات غولف ابتلعها بايثون (ثعبان عضلنجي غير سام، كل بايثون ثعبان لكن ليس كل ثعبان بايثون) قد تمّ استخراجها جِراحِيًّا!
(بصراحة هذه المنصّة عبثيّة جِدًّا وقد تعرَّضَ لها المصارع سي إم بونك بتوبيخه المعجبين الذين حتمًا سيبيعو صوره المُوَقّع عليها على تلك المنصّة المشوّهة في اسمها، لِما Bay وليس Pay).

رغم هذا فإنّنا -وأنا أوّلكم- نخشى الثّعابين ونرتعد لها.. ويخافُ معنا علماء أصل الكائنات أنفسهم، فهم بدورهم يحبّذون السّحالي والبرمائيّات الآمنة عليها.

لكن لنكن موضوعيّين، بعيدًا عن المظاهر، فالثّعبان مفترس من الطِّراز الأوّل، له لدغة سريعة ومحسوبة بل ومُعتَصِرة.. لا تدري أيريد التّسميم أم العضّ أم الطّحن، ربّما الثّلاثة في جزء من الثّانية؟
ونسبة نجاح صيده تفوقُ الفهود مثلًا..

وإن حصلت الحاصلة النّادرة وتعدّى ثعبان على شخص ما، فغالبًا لن تكون لدغة عابرة، بل ستكونُ دِماء كثيرة ومناديل يلزمها أن تكون كثيرة استِجابةً لتدمير الخلايا البشريّة والقيء والتشنّجات والصَّرَع وربّما الشَّلَل!

ولا يتعدّى بالطّبع من فراغ، فهو ما يفعل ذلك إلّا لشعوره بالتّهديد. المشكلة هي ترجمة هذا الكائن لمعنى التّهديد، لا ننسى أنّ راية الليبراليين الصفراء ذات أصل الثّورة الأمريكية مرسوم عليها ثعبان “يصرخ” بعبارة لا تطئني!

وفي محاولة الحكواتي الإغريقي فابوليست لتفسير الشَّرَر بين الإنسان والثُّعبان، ذَهَبَ إلى أنَّ أفعًى اعتادت التّجوال عند بابِ مُزارِع، فحدثَ أن لدغت ابنه في قدمه لدغة أردتهُ ميّتًا.

فسادَ الحُزن والغضب على الأب، الذي حمل فأسًا وأراد مجازاة الأفعى، فلم يستطِع الفأس إصابَةَ غيرِ مُؤَخِّرِ ذيلِها.

عندها تأسّى المزارع (وربّما خاف) فعوّض عن قتلِهِ الّذي لم يَقْتُل بأنْ جادَ على الأفعى، لا بما هو أفضل كفأرة، بل بالكعك والماء والملح والعسل! وهي تشكيلة متعارف على أنّها هديّة في ذاك الزّمن.

والأفعى لم تكترث للهديّة أصلًا، بل غضبت وهسهست محذّرةً المزارع بأنْ لا صداقة قائمةً بينه وبينها.
فهي تلعب دور الضّحيّة وتساوي بين خسارتها لِمؤخّرة ذيلها وبين خسارة المزارع لابنه!

ومِن ثَمَّ فالتّعايُش مُستَحيل، وهذه هي العِظة. كيف ينتقم مُنتَقُم وفي مرمى بصره ألمٌ يتحقّ هو أن يُنتَقَمَ منه لأجله؟
تلك الخُرافة هي التّبرير لعدائيّة المخلوقان.

ما يتركنا مع سؤال: يا ترى كيف سيكون حالُ فرائصنا لو أنّ الأفاعي عملاقة!، هو أنَّها وبحجمها الضّئيل هذا تبعث على القشعريرة، سواءً كان الثّعبان حقيقيًّا أو خُرافِيًّا.

وفي النّمسا، الدولة الّتي تَضُمّ أكبر نسبة أفاعي بالعالم، عانى بالإعياءِ السّيّاحُ والمرتحلونَ من البولِ الّذي تنقّع بالأرض في المَزارات، لأنّ الزّوّار تبوّلوا أينما حَلّوا في الطّبيعة عِوَضًا عن المراحيض المجّانيّة!

لحلّ هذه المعضلة الكريهة، وُضِعَت لافتات تحذّر من وجود ثعابين (بأكثر من لغة منها التشيكية والألمانية) وأُرْفِقَت صورة كوبرا!

تلك وبإشادة من مُلّاك المصالح اللافتة الأكثر نجاحًا في عملها! فسُرعان ما تتراجع التّبويلة في العَراء لمجرّد إبصار لافتة تحذّر من هذا الكائن “المتربّص”!

وهناك في عالمنا هذا تلّة تُدعى تلّة الثّعبان وتماثيل صخرية له وتصوير سكّان أستراليا الأصليّون له بدقّة متناهية.. وذلك في لوحات عُرِفَت باسم ” وقت الحلم”.. كَبايثون المياه (المقصور على بابوا نيو غينيا وأستراليا، خلّاب ويلتفّ على الأشجار وقد ترى على صلعته قوس قزح وهو عمومًا صافي اللّون الزّيتوني) وزميلتها في الموقع نقيضتها في السّمّيّة، الأكانثوفيس الملقّبة بِحَيّة الموت، السّامّة للغاية، شكلها منتفخ وسمينة بذيل نحيف وألوان تترنّح بين البرتقالي والأسود..
ولوحات الأحلام كاسمها غريبة وسرياليّة، ووثّقت الفولكلور بشكل أساسي.

أوهايو الأمريكيّة كذلك تحتوي على رُبى الثّعبان، متنزّه ومعلم تاريخي ترتسم على أرضه طريق على شكل ثعبان بطول ٤٠٠ ياردة (٣٦٦ متر)، إنّهُ “منحوتة أرضيّة” هي الأكبر من ما نجا من صِنْفِها.. وكانت تُقامُ عليها الإحتفالات!

وأينما حَلَلْتَ عند الهنود الأصليّين تجد تماثيل للأفعى المُجَلجِلة، وفي لا فينتا الكولومبيّة كان هنالك تماثيل صخرية لِخُضْرِ الأفاعي. وقبل استحواذ الجماعات الدّينيّة المسلّحة على دور فن للأفاعي الحجريّة في وسط أمريكا، كانَتْ.

والطريق الثّعباني في المتنزّه مُرَصَّع بالأحجار الصّفراء ومرسوم كي يظهر الثّعبان مُمْسِكًا بِبَيضة، فيا ترى هل في فكّه سِرُّ الحياة والولادة من جديد كما يرمز البيض أم أنّه ببساطة يتغذّى عليها؟

لدى الهندوسيّة، في أقْدَس وأقدم نصوصها، رِغ فيدا، ذِكْر مُبَكّر للثّعابين قبل تَبَلْوُرِ الإختلافات في تصويره كرمز للحياة وعكسها.

فريترا الشّيطان، هو ثُعبان مُهَجَّنْ تم دحره من طرف إله الآلهة سيّد الرّعد إندرا، وبهزيمته فقد هُزِمَ الموت، ولو أنّه مثّل أمورًا أُخرى إلى جانب هذا المصير الذي ينتظر الجميع، كالماء!

المشترك بين الشّيطان ورمزه أنّ الماء مثله مِفتاحُ الحياة والموت في عين الوقت. حصل فريترا على مفتاح الحياة، الماء، واحتكره وبالتّالي جعل منه قفل الموت، وسادَ الجَفاف، لذا فقد كانَ مكروهًا ومُعادَيًا.

وفي النّصّ المقدّس وردت عَظَمَةُ الرّعد في الإطاحة بأسوء الشّياطين، فريترا.. الّذي بعد هزيمته وموته بُقِرَت بطنه ونضحت بالعُصارة.. فلم يكن وحده من تجرّع مرارة الأذى، بل الجاني، إندرا، بذاتِهِ أوشَكَ على الموت وتنازل غصبًا عن عرشه (لقد خسره كثيرًا على كل حال).

blank

ونَخْلُصُ لأنّ ثقافة الهنود التَزَمَت بتكليف الميّت بكفّارة ما بعْدَ الحياة، لو أنّه، ولو عفوًا، قتل ثعبانًا، وإلّا لاعتُبِرَ نجسًا! فهذا تكريم.. وإكرامٌ للأفعى التي ماتت، فهم كانوا يحرقونها ويمشون في جنازتها (Cremation وله أنواع تعتمد كلّها على درجة الحرارة في بيئة بها شظايا معدنيّة كي تتبخّر الجثّة وتتأكسد كُلّيًّا).

وكان له نظير، أيضًا واجهه إندرا وانتصر عليه بالتّجميد، وهو شيطا-إنسان يدعى أربودا. وهذاَ شرّ خالص، لكنّه قُلِبَ خَيِّرًا ورمزًا للأرض ومنحَدَرًا لجبال الهيميلايا الإندِكِيّة لاحِقًا.

ولذلك الشّيطان أو الثّعبان إنقاذ وتضحية بالنّفس لإنقاذ ثور الإله شيفا من حفرة عميقة وقع فيها على مقربة من الهيمالايا.

وساربافيديا، علم الأفاعي، كانت معرفة ثمينة لدى كلّ من النّصوص الهندية والآلهة والشّياطين مِن على شاكلة الأفاعي، فقد رُوِيَ أنَّ أعلامَ النّصوص وقفوا في وجه إبادة الثّعابين ودَعَوْا إلى التّعايُش معها!

وقد تطوّر في الهند القديمة علم السّموم، وكان له رِجاله المختصّون بشتّى ألوان السّموم، فقد أدرَكوا خواصّه ودوَّنوها، فقيلَ أنّ شِدّةَ السُّمّ مُطَّرِدَة مع نفعه، وأنّ الأفعى الخالية من السّم ليجب عليها أن تتصرّف كما لو أنّها سامّة! (فلسفة عامّة لا شأن لها بالزّاحِف).

إن قُدِّرَ للثّعابين منزلة دينيّة، فهي أنّها خُلاصَةُ تحوّل الشّياطين لآلهة، والجَهَلَة لِحُصَفاءْ! فالنّاجاز مثلًا كانوا أشرار بقوى سحريّة، وبفضل الأفاعي انتقلوا إلى جناح الخير!

على أنّ الأفاعي أو بالأحرى الآلهة والأوثان على شكلها، لعبت دور الحُرّاس، حُرّاسُ “البيت” للدّقّة! فهي عندهم ليست خطرًا وإنّما طِيْبًا يحرُسُ حتّى المُتَعَبِّدين (من لدغات الأفاعي أي نعم ولكن تلك الخبيثة، إذ هناك انقِسام بينهم).

وحِرَفُهنّ متعدّدة، إذ طَهَّرْنَ الأرض كما سادَ المُعتَقَدْ، كما تنوّعت ألوانها؛ فالبيضاء منها تحكّمت في الطّقس!
وكان من بينها أفعى واحدة أو هجين واحد عملاق ذهبي هو الأعلى شأنًا، ذلك هو سورايا ثعبانُ/إله الشّمس!

وهناك الأنانتا القِرمِزِيّة، وهي رموز خالدة، وفي جوهرها ثعبان.
فهي مثلها مثل العنقاء تتجدّد بُنْيَوِيًّا. إضافةً لواجبها المتمثّل في معاونة الآلهة في حَفْرِ البحر! الواقع أنّه هنا لدينا “تلاؤم مبنوي” فالزّبَد والثّعابين أو بالأحرى السّائل الإفرازي الّذي يحمل مَنْيَها متقاربان! فلا عَجَبَ أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالخليقة وهي مسؤولة عن كلّ أصنافها.

فضلًا عن وجود ثعبان عملاق يدعى “فازوكي” تمّت دحرجته وتنحيته بعيدًا إلى جبل كي يتسنّى للآلهة تحويل مياه البحر إلى زبدة دون مُعيق!

وتوضيحًا لهيئة الأنانتا الخالِدة، فإنّ لِمَلِكِهِم شيشا ألف رأس (موضوع الرّؤوس الكثيرة للثّعابين مستهلكة، سيربيروس الإغريقي كان له ثلاث)، وله صِلة معاونة للإله فيشنو (يسمّيه الهندوس بالحافظ، صنم أزرق رُباعي الأذرُع يحمل وردة وعودًا ذهبيًّا)..

بل لقد يُحَوِّلُ نفسه إلى أريكة يستريح عليها ذاك الإله! الّذي انشغل بمراقبة تحلحُلِ الأكوان وعودتها للحياة (دورة انتهاء المعمورة اسمها برالايا، وهي خاتمة وقِيامة بردٌ وسلام تدور في حلقة الزّمن المُفرَغة).

ولنُصغِ للمأثورِ من رسالة فلسفيّة من طلائع التّسعينات، إذ يصف ما يشبه السُّبات، فالعالم الّذي يحكمه الرِّجال طَغى في النّوم. وذاك العالم، برأيه التّشبيهيّ، خنقته أفعى! ورغم ذلك، رغم هذا التّشبيه الّذي يُعطي للأفاعي سِمَةَ الغصر والخِناق، فإنَّ فإنَّ السُّباتَ باقٍ.

لنربط بين هذا الإقتِباس وبين واقعة هندوسيّة؛ لدينا فيشنو وشيفا الشّرّير مدمّر العوالم والآلهة ماناسا على شكل كوبرا (الكوبرا فصيلة سامّة وليس لها أغطية على جوانب رأسها كما يبدو، فهي عضلات الرّقبة الّتي تُسَطِّحُها ترهيبًا)، ما إن ينام فيشنو ويغفلَ شيفا، حتّى تهيمن الكوبرا ماناسا على كامل الأرض!

وَعُرِفَ عن شيشا أنّه رغم اختلافه عن أقرانه الأشِدّاء، فقد كان له هالة ناريّة حارِقة. ومن ضحايا الموجة النّاريّة هو “غارودا” النّسر الإلهي والّذي بشكل منطقي يعتلي الأفاعي في السّلسلة الغذائيّة والعدائيّة.

ولمّا سأله الإله براهما، المعروف بطيبته والخالق والطَّرَف من أطراف الثّالوث الهندوسي، عن رغبته القلبيّة، وإذ بها، على جوابِهِ، الخَلاصُ خَلاصًا أخيرًا من أشقّائهِ في المَحيا والمَماتْ.
فقد أقرَنَ ذلك الثّعبانُ خلاصهُ من أهله بالحُرّيّة، وهي ما مُنِحَ إيّاها بشرطٍ وافق عليه، أن يؤدّي أمانته بخصوص الأرض، فيصونها معتمدًا على خواصّه البدنيّة.

ومن المميَّز أن شيشا، نظرًا لحجم فَكِّهِ المَهول، يُحدِثُ هزّات أرضيّة ريختريّة بمجرّد تثائبه! إلى اليوم، في مدينة فاراناسي الهنديّة، يكمن بئر تُيُمِّنَ باسمه وفنونه بالثّعبان الخالِد شيشا.

وهو ليس ببئر عينيّة صغيرة، بل ممرّ مُحاط بأربعين درجة، يمكن من خلالها المرور لباب صخري نُقِشَت عليه رسمات للكوبرا، وهي أقرب للإعلان التّشويقي! فالمُتواري خلف ذلك الباب هي فعلًا كثيرُ الكوبرا، ولا مبالغةَ في اعتبارها “عالَمًا” خاصًّا بها (إنَّ باتالا يُعَدُّ مُصطَلحًا هندوسيًّا له أكثر من وجه، فهو عالم سُفلي ولكنّه يتنوّع ليشمل الأفاعي والبشر والطّوائف الخارقة، في جوهرها فإنّها جنّة من المجوهرات والنّفائس).

ومهما تعدّدت مَشارب العالم السُّفلي، فهو في كل أحواله محروسٌ من طرف ثعابين إلهيّة! ولنعلم أنّ الباراتا نفسها تنقسم لأربعة أقسام منها ما يدلّ اسمه المُعَرَّف على لون ومنها ما يدلّ على لفظة الحَيّة.

كُلُّ جِهَةٍ تسطُرُ عليها الأفاعي سيطرتها، فما هو أصل هؤلاء الحُكّام؟ كُلِّ الأحياءِ جُعِلَت من ماء. ولا تَشُذّ هاته عن الأمر، ولكنّ الماء ليس إلّا فاصلة في جُملتها الطّويلة. إذ ذواتُ المكانة المرموقة مِنْهُنَّ هُنَّ وليدات النّار، وبصورة غير مباشرة اتّصلت النّار -عبر بوّابة النّبات- بالماء، والّذي بدوره انبَثَقَ من الضّوء.

من ضِمن الآلهة من تعاملوا مع سموم تلك الثّعابين المُجَسَّدة بما يُشابِهُ نمط “انقلب السِّحر على السّاحِر”، فتكافلوا على انتشال السّامِّ منه وإرجاعه قَسرًا إلى مصدره، وهو ذاك الثّعبان الخبيث أو “العَضّاض”، فما يلبث أن يُتَوَفّى بِسلاحه الخاصّ.

كانَ هُناكَ مِنْ عُنْفٍ تِجاه الثّعابين الخبيثة عامَّةً، إذ وعلى النّقيضِ العامّ قد تمّ تهشيم رؤوس الأفاعي الخبيثة والزَّجُّ بها في الأنهارْ.
يتّفق دارِسوا عِبادة الهندوس للأفاعي على أنّها رسول بين عالمين، البشريّ والعادي، والخارق المُضفى بالغرابة كالآخرة. وهي على ذلك تربط بين الأجناس الإنسانيّة والإلهيّة.

للأمانة هم ليسوا وحسب رُسُلًا وإنَّما كذلك حلقات وصل، تمامًا كما أنّ “السّحر” موجود لدى الثّعابين المُجَرَّدَة من أي قُدْسِيَّة.
فلهم أثر يمتدّ ليطالَ مواسم العُمر، تعزيزًا لصحّة أو تنويرًا لروح أو إعلامًا بِقَدَر.. وهذا بالطّبع دُعاءٌ مُستَجابْ.

وثمّة صورة رمزيّة أو لنقل أُمثوليّة عن أفعًى ربضت فوق صخرة، لو دقّقنا بالمُفْرَدَتَين فسنجد أن الأفاعي ارتاضت بين الصّخور في الكتاب المُقَدّس، وأنّ الصّخرة جرى تشبيهُ يسوع بها في موضع ما.. وحركة الثُّعبان أو الشّيطان فوق الصّخرة كما يرمز، إنّما تدلّ على الوعيد الغامض.

مُرعِب ومنبوذ ولكن شَرَفِيّ، الرّاجِحُ أنّ “لكن” لن تفصل بين كونه منبوذًا ومُكَرَّمًا لو لم يبدُ مختلفًا كلّ الاختلاف عن غيره، ومِن ثَمَّ كونه عُرضَة لخيالات الباطِلين الجامحة.

blank

دَيان مورغان، الكوميديّة والمؤلّفة الإنجليزيّة الشّهيرة، سادِرة لا تدري هل الثّعابين جميلة أم دميمة! بل هل هي دودة أم تنّين، أو شيطان من اله، فالمظاهر هذه المرّة ليست خدّاعة لأنّها لا تُظْهِرُ شيئًا بالأساس، غير أنّ مورغان جمعت بين الخِصال الثّلاث في نفس الفَروَة، معتبرةً أنّ اجتماعها بالثّعبان سِحْرٌ فِطرِيّ.

تعود “لكن” لتنفي طغيان الغُربَة على الأفعى أو التّوأم كما جرت تسميتها في حضارة الأزتِك، فشكلها الأُفعُواني أقرب لحبل الوريد من شيء فضائي. إنّها تُشبه جزيئات الحِمضِ النّووي! كُلٌّ من ال DNA وتسمية الأزتك ترتكز إلى فكرة التّوائم، وتجانس الكائن من مركّبه، ليس ثَمّة من يتشابه بنفس المِقدارِ ويُنافِسْ.

الإزدواج حَضَرَ كذلك في صولجان قادوسيوس المُجَنَّح والمُلتَفُّ على جوانبه ثعبانان متقابلان يقبّلان الصّولجان، الّذي ارتبط بالتّجارة والمُساوَمة ورفعه إله العافِية الإغريقي هِرْمِسْ، وكان نِدًّا للصّولجان المُلتَفِّ حوله ثعبان وحيد (يرمز للصّحة، والمشكلة أنّ الصّيدليّات ومنظّمات الصّحّة تستخدم المثال الأوّل! وفكرة التفافها على عصا عرفها نصب منحوتاته الثّعبانيّة ثلاثة، وهو نصب ذهبي شيّده الإغريق في اسطنبول).

كأسنان الأدراج والعُقَد والأوردة، اقترب الثّعبان من الطّبيعة، وكأنّها أُمٌّ عن حقّ. بل ربّما كان هذا الحيوان هو الواعي، وبالتّالي أثَّرَ بِحُضورِهِ على الرّوح والذّهن على حدِّ إيمان كهنة مِصر واطبّاءِها، حتّى لقد وصل به ذلك إلى الضّمانْ، فما دامَ سيّد التّأثير، قُصورُهُ فيه دليل على أنّه ما مِنْ مؤثّر أجدَر وأحقَقْ.

فالشّامانيّون (مُعالِجون روحيّون وأهلُ دين وثني توزّعوا على كافّة أقطاب الأرض) كان من وصفاتهم تجفيفُ الأفاعي المَيْتة وعملُ عَمَلْ يُدَّعى أنّه أفلحَ في مِصر قبل أزيَدَ من أربعة آلاف سنة، بتحويل أحد المُساعِدين إلى أفعى! لا عَجَبَ وهم الّذين أقرَنوا مفهوم “التّحوّل” بذاك الزّاحف المتحوّل في جلده.

كلّ حضارة لا بدّ اتّخذت للثُّعبان منصبًا على نفسها، فالأناضول التّركيّة البالغة من المساحة نصف مليون، قبل عشرة آلاف سنة، نقشت زَخارِفًا عنهُ على الصُّخور، وآمنت بِ “شَهْرَمان” هجينة الثّعابين الحكيمة وحاكمتها. والأفارقة صَدَّقوا بأنّ نسبهم الأوّل ليس من طينتهم، ونَسَفوا حقيقة أنّ البشريّة بجميع أعراقها أصلها إفريقيا، فالحَسَب هو الثُّعبان (بابو ليفمبي وفعليًّا لا شيء بشري بشأنه)، الحائز على لقب “الإله الطّاغي” في اللّاتين!

اللّاتين نفسها، ميثولوجيًّا، حكمتها السّيّدة كَعْبِلْ في القرن السّابع، وصحيح أنّها بحدّ ذاتها ليست بأفعى، بل مرأة عاديّة تحمل مِروحة وترتدي تاجًا قوسيًّا، إلّا أنّ عهدها سُمّي بعهد الثّعابين لحصول هؤلاء على حَيِّز كبير من رعاية حضارات اللّاتين واهتِمامهم وتشييد المعابد خِصّيصًا لهم.

وإنّهُ بدورة تجدّده لَسِرُّ الخليقة، ذلك أنّه حَوَّطَ الكرة الأرضيّة مع وجود نظائره داخلها، فعانقها كما لو أنّهُ ربطة عنق وهي العُنُق.
بل إنّها، في الميثولوجيا الإفريقيّة، ابتلعت دون إنزال للجوف، خالق الكون.

والسّبب في انهماكها بتحليق الكوكب هو ربطه كي لا ينفجر لتهديداتٍ ما. وكان من زُمرَتِها دان (نفسه من حفظ خالق الكون في فمه)، هذا قد تبرّز جِبالًا مِن ذهب وصلت للكوكب!

ومثلما كانت للأرض حِزامًا، كانت كذلك للفيل الهندي أو الإله ذو رأس الفيل غانيشا، فما إن صادفَ واحِدًا منها، ضَمَّدَ معدته المفتوحة واللّافظة لكل ما فيها من دم وأمعاء بها!

إغراب، هذا ما يصف تعاطي الحضارات مع الثّعبان، فهو لم يُصَوَّر مُطْلَقًا كما نَحْوُهُ؛ آكل لبني جنسه، يدور كالأخرق حول نفسه وتتقلّب بطنه على ظهره. بل لقد اشتهرت الأفاعي الخُرافيّة باللّدغ عبر ذيولها لا أنيابها!

وتسكنُ، حقيقةً، في الأنهار والمُحيطات (الأنقليس يسمّى ثعبان الماء)، ومن هذه الحقيقة تمخّضت مبالغة ميثولوجيّة حوّلته لهيدرا، الثّعبان الّذي طوله مئاتُ الأمتار، وعَرْضُه عريضٌ جِدًّا.

وإن كانت الطّبيعة أم فالغابة زوجة! هذا معتقد شعب فنزويلّا القديم، فالغابة تزوّجت ثُعبانًا طويلًا للغاية، طويل لدرجة أنّهُ، حرفيًّا، دِكّ بين الأرض وجنّات النّعيم! فَبِثُعْبانِيَّتِهِ البدنيّةِ صارَ صِراطًا.

أن “تتجسّر” الأفاعي أمر عهدته كذلك البوذيّة، إذا ما امتطت قدما بوذا المعبود جسرًا من عديدِ الكوبرا المتموضعة عند نهر الجانجز (نهر فارع طوله 2500 كلم يمر بشبه القارّة الهنديّة ومنبعه من جبال الهيملايا) فقط كي يستطيع العبور لِلضّفّة المُقابِلة.

العجيب أنّها عاقِلة، لأنّها، يا للهول، تطوّعت لخدمة اله العوالم بوذا! والأعجب أنّ الجسر انقسم لأربعة حَتْمًا لكثرة المتطوّعين!
أربعة جسور.. الأعجب من هذا كلّه أنَّ بوذا بشحمه ولحمه انقسم لأربعة كما تنقسم الخليّة، وعَبَرَ بأربعته هاتيكَ الجُسور وكأنّه واحد، فقد تزامنت جميع النُّسَخ، والّتي لم تَكُن لِتَكونْ لولا رغبة بوذا في جبر خواطر كافّة الثّعابين!

وكذا ظهرت، مَجازًا، كجسر روحاني أقرب منه ملموس، في قصّة ألمانيّة قصيرة من القرن الثّامن عشر، فكانت أفعى خضراء أرسلت “خطوات” النّاس المتطلّعين للاستنارة وتطوير ذواتهم. ذُكِرَ في القصّة أنّها فضوليّة وابتلعت عَسْجَدًا منحها خولصًّا مُضيئة وكذلك خواصًّا سحريّة فقط استطاعت دخول عالم سفلي مملوك لملوك جميعهم يمثّلون عناصر المعدن.

الذّهب كان أساسًا “تذكرة دخول” لنهر سحري هو الآخر، وتتقاطع هذه الخضراء مع أميرة ولهانٌ بها أمير، ولكنّه عنها مُعْرِض لأنّها على حبكة إلسا من فروزن، تُميتُ من يلمسها. فما يكون من الخضراء إلّا أن تَمُطّ جسدها مُحَوِّلَةً إيّاهُ إلى جِسرٍ يربط بين العشيق وعشيقته، فوق النّهر، بعد أن اكتشف كَهْلٌ يجمل مصباحًا علاجًا سحريًّا للعنة الأميرة ليلي أو لنقل العروس. فكانت التّراجيديا بأن ماتت الخضراء، الّتي كان شرابُها النَّدى وطعامها العُشبُ اللّاذِع!

القصّة بحدّها فيها غرابة جمّة ونموذج للفانتازيا الكلاسيكيّة، بِأمنيّ النّهر المُحَبِّذ للبصل على الذّهب والصّقور الحوّامة والعمالقة وخِلافِهِم من الزّهور الفتّاكة بما هو أفتك من سُمٍّ طبيعيّ.. غير أنّ بطلها واحد؛ الأفعى الخضراء!

حتّى في الصّين، مُقاطعة جانغتشي، لم يكن البشر وحدهم من تُشِعُّ منهم الحياة فوق السّطح، فالخُرافات تُفيدُ بأنّ تلك المقاطعة التّشوانغيّة المنفصلة والجنوبيّة، العَدَنيّة النّهريّة، شَهِدَت شياطينًا برؤوسِ أفاعٍ، ما يعني مُبَطَّنًا ضغينةً ضدّها.

وكانت اجتماعيّةً تنادي الإنس، على أنّ سيرتها بيّنتهُ كنذير شُؤم.
ولا ندري من بقايا الآثار النّصّيّة إن كانت الأفاعي الضّخمة أيّما ضخامة تُخَوِّلُها التهام الفِيلة بسهولة طفل يأكل الحلوى حقيقيّةً أم ميتافور يصف السّاسة الفاسدين!

ثُمّ إنّ “فو هسي”، أوّل حاكم لامبراطوريّة الصّين ذو خلفيّة الهيّة وميثولوجيّة، كان بدنه، باستثناء رأسه، على شاكلة ثُعبانْ.
هذا الكيان هو من ألّف كتاب “آي تشينغ” أو مهّد له بابتداعه حِكْمَةَ الاستبصار وأحوال الكون بفلسفة رياضيّة.
فالكتاب هو رموز متباعدة لكن متّصلة تُفَسِّرُ الحوادث وتكشف الكائن منها، وهو مَهد مفهوم اليِن واليانغ الشّهير؛ حيث تكمن داخل كل الموجودات صِفات متعارضة لا تتنازع وإنّما تتناغم مع بعضها كالخير والشّرّ.

الكتاب به صفحة بها حلقة كالسّاعة، داخلها يتواجد مربّع مرموز يُفترض أنّه الكون، وهذا أيضًا يُفتَرَض أنّه متغيِّر (يُعرَفُ آي تشينج بأنّه كتاب التغيّرات). ولكنّنا في صفحة أخرى سنجد قصّة أدبيّة بعيدة عن الحقائق المُلَغَّزة. إذ يردّ فلّاحٌ بكامِلِ البُرود على جيرانه الّذين يعبّرون عن فظاعة فقدانه لحصانه، قائلًا بأنّ الفظاعة -من يدري- محتملة، دون أن يقطب لها.

وغدًا رَخُصَت قيمة الفظاعة، فقد عاد الحصان ومعه رفقة، فتكرّرت ديباجة الحظّ، هذه المرّة قال الجيران بأنّه حَسَنٌ.
ولكن! بقي الفلّاح على موقفه دون شعور واضح، من يدري؟
وعاد الحظّ العاثِر بسقوط ابن الفلّاح عن الحِصان وتأذّيه، ولا زالت الأقدار والسّيناريوهات مجهولة، من يدري!

غِلاف خاصّ لأفعى الصّين، إنّها جزء من رزنامتها، صاحبة المركز الخامس وترمز، مثلًا، لسنة 2001. وعامّةً فهي فطنة إنّما خائنة، ف “باي سوزهين”، أفعى بيضاء، تحوّلت لمرأة خلّابة كي تخلب لُبَّ رجل علم، وبذلك غدرت به ولم تنكشف الغدرة إلّا بعد انعدام مباركة راهِب بوذي للزّواج وجهود العالِم الشّخصيّة في كشف المستور، أو المغدور! كما أنّها لتعويض قُصورِها بالسّباحة، تعلّقت بِساق حِصان وقفزت منها لمّا دَنا خطّ النّهاية!
حتّى أنَّ قلب الخائن اقترن لفظيًّا بِخاصِّ الأفعى، الّتي صَنّفها الصّينيّون من الخبائث الخمسة، إلى جانب أربعة مخلوقات سامّة ربّما كان سمّها هو ما ألصقها بالخُبث، وهي قد تعرّضت لاعتقاد مفاده أنّها تنشط لا بل وتتضاعف جسديًّا في فصل الصّيف.

blank

وهي؛ الحُرّيص (حشرة دوديّة تنقسم أرجلها لحلقات لها فُكوك حادّة ومُصَوَّرة خلف رأسها مخصّصة لِشَلِّ الضّحيّة)، العقرب، العلجوم والعنكبوت بكامل أنواعه، ليس فقط السّامّ.

وإن طرقنا فُنون معارك العمالقة مع آلهة الإغريق (Gigantomachy)، نَخْلُصُ إلى أنَّ أثينا؛ سيّدة نقائض الحرب والحكمة، وابنة العظيم المُعَظَّم محترف الرّعد زوس (بالمناسبة، تسمية عاصمة اليونان تيمُّنًا بها ليس من فراغ، إذ بحسب الأسطورة، تنافست مع إله البحر بوزيدون لنيل رضى الحاكم الأوّل والمُطلَق سيكروس، ونيل شرف حكم أثينا خَلَفًا له. أثينا فازت بعد أن أنبتت من رمحها المغروس غَرْسَ زيتون، ما اعتبره سيكروس أفضل من ماء منافسها المالح)، صارعت عملاقًا، وخُلِّد المشهد الخيالي بتمثال لها وهي مكبّله بعدّة ثعابينَ أربِطَةٍ لها.

في الواقع أو في الخيال، العملاق والثّعبان يوضعان في عين الجُملة في فِقرة أشمَلْ.. وأحيانًا ينعتان بعضهما، ف “لاوكون”، الكاهن الطّروداي، كان عُرضة لتعدّي ثعابين عملاقة ولكنّها معقولة الحجم. وللدّقّة فهي ليست بلطجة مُفتَعَلة، فهي كانت تسليطًا من الآلهة الجاهلة بحصان طروادة وما يغلّف من اعداء وراء خشباته، فارتئََت أنّه عِقابٌ مستحقٌّ لدى ذلك الكاهن. وهنا، عبر الأفاعي، نعرف أنّ المخلوق قد يعلم ما لا تُحيطُ به الآلهة عِلمًا، لأنّ المُعاقَبَ اعترَضَ على دخول الحصان الخشبي الكبير ذو العجلات!

نجده في المنحوتة يعاني بتلك الصّورة الدّراميّة الشّائعة في المسرح والنّحت الأوروبي، جذع قوي صَلد لكن مع ملامح متأوّهة، ولقد لفّتهُ الثّعابينُ لَفًّا، أحدها عضّ حوضه العاري، دومًا تماثيل الإغريق عارية لِسبب ما.

فقط في الخُرافة نجد ثعبانًا بالفِعل يطفو فوق الماء، كأسطورة “نامونغومي” التّنزانيّة، لا يتّصّف بأي صفة سمكيّة، فهو أقرب للعضاءة البليغة في حجمها، وما أبلَغَ كَرَمَها! فهي جوّالة عند القُرى، تبيعُ بالمَجّانِ لحمها المُتَجَدِّدْ.

وفي أقبية المعابد المصريّة، تعثُرُ العيون على رسمات ثنائيّة الأبعاد لفراعنة سيّارين، وثمّة رسمة واحدة هي بمثابة “الفارِق” بينهم، فالكائن الّذي تمثّله سيّار فعلًا، إلّا أنّه ثعبان على قائمتين سمراوَتَين، إنّه “نيهيبكاو”.

ليس وحسب المُحاسِبَ لأرواحٍ لاقت حَتْفَ الآخرة، بل المُدَقِّقَ فيها، فهو بحنكته يقتفي أثر ال “كا”، عضو شبحي لا يوجد في أجسام الموتى ولا في أجسام الأحياء، ولكنّهُ جوهري أكثر منه مادّيّ، بل هو الفيصل في تحديد “وجوده” في أجسام الموتى. ورغم أنّه جوهريّ، بَيْدَ أنّ الرّسوميّات وضّحته كتاج من ذراعين مرفوعتين.

طريف أنّه أساسًا لم يكن صاحب قرار الغربلة! إذ بالبدئ كان شيطانًا. وأحسبُ أنّ هذا ما يؤرّخ حيرتنا في المعنى الّذي قد يُظهره الثّعبان، أو لا يظهره.

بأي حال من أحواله، فإنّه حَمى الحِمى بِتَواضُع، يحمي بيوتًا عِمادُها البسطاء (والحامي كذلك بسيط، فالزّاحف هنا منزلي صغير) أثناء معاشه في بريطانيةَ العتيقة السّابقة للعصر الفيكتوري، ويتضخّم كي يردع الشّياطين، الّتي في أحيانٍ كثيرةٍ هي، هو.

في عيون بلجيكا، الدّولة الّتي حظيت برقعة جغرافيّة غنيّة بين هولندا وألمانيا، وأبدعت بل حفرت اسمها بماء الذّهب في مجال القصص المصوّرة (مهدُ السّنافر)، وفي كوميك تينتين، يواجه البطل أفاعي عملاقة ظهرت من وراء الأجمة، وقدحت عيونها الحمراءُ شَرَرًا (عيون الثّعبان تحميها رقاقة جلديّة متّصلة بكامل الجِسم، وحقًّا هي استعارة ألهمت الكثير من وسائط التّرفيه!) وكانت كذلك معبودةً من قِبَل أكثر من جماعة.

وإن كان لدى الإنجليز ريتشارد قلب الأسد، فللفايكينغ مَليك يدعى سيغرود صاحب الأفعى في عينه! حَكَمَ الدّنمارك في القرن العاشر، وكانت عينه اليُمنى زائغة ومرتفعة بشكل غير طبيعي، وقد نجح، بواسطة تلاعبه بالأنساب، الرّبط بين سلالة أودين الأيقونيّة وسلالته هو الّتي لا تقلّ أيقونيّةً، راجناروك!

وعلى مشارف “مِصر السُّفلى” وهي حقيقةً شمال مصر الصّعيدي الأخضر، عاشت “وادجِت”، الثّعبانة (أو الكوبرا المِصريّة، وهذا مضحك لأنّه يذكّرنا باستعارة الرّسوم المتحرّكة لهيئة الحيوان والشَّطح في تخيّله، لكن الكوبرا المِصريّة مناسبة لأن تكون موديل بحكم أنّ طولها يُجاوِزُ المِترين) الإلهة الّتي حفظت الفراعنة وباركتهم، وسادت الصّعيد، وتعتبر طاعنةً في السِّنّ.

وجوف الأرض! اه هذا ما طاب للبشر تخيّله كساحة رياضيّة بين التّنانين المُجَنَّحة وتلك الّتي لا أجنحة لها! انّها حكاية تداولتها جميع الدُّوَل ومغزاها واحد، أنّ هذا الّذي نراه يختبئ داخل جحر، ليس إلّا جنديًّا مجهولًا يتعاون مع زملائه على تثبيت الكرة الأرضيّة بمسامير هو إيّاها!

في هذه الرّسمة، يظهر الأوروبوروس، والمفترض أنّه تنّين يتصرّف ككلب فضولي يطارد ذيله، ولكنّه يبتلع، أو لنستخدم كلمة يُكَمِّل، ثُعبانًا!

blank

وغزت الأفاعي القمر، إذ حتّى خونسو، آلهة القمر، ظهرت بعض الحين، بعض الحين وليس دائمًا فقد تغيّرت كما تغيّر القمر نفسه، كحيّة؛ وما فتئت على رعاية الأطفال، فكم حلوة هذه الصّورة الحيّة عن القمر، وانبلاجه ليس وحده بل سيّدته!

أوّل عهدي بمصطلح قوّة العضّة (biteforce) هو بوت تنافسي قوي وناجح جدًّا في برنامج باتل بوتس التلفزيوني، لقد كان يتحرّك بمرونة ويضرب بقسوة بال “دِسك” الجانبي الّذي بانَ كالأسنانْ، البايت فورس لدى الثّعبان يبلغ سبعة آلاف نيوتن! وطبعًا سامُّها هو الأضعف، أمّا أصحاب السّبعة آلاف نيوتن (وهي وحدة تقيس الدّفع وردّ الفعل والحوادث) فهم الكوبرا.

لِكُلِّ موجودٍ ما يميّزه عن غيره، فلا غيمة تشبه الأخرى في السّماء! الكِباش البرّيّة تُسمع نطحاتها مع بعضها من على بُعدِ كيلومتر ولا تتأثّر هي ولا تحتاج لسمّاعات، فجماجمها مجوّفة ومهيّئة لامتصاص الصّدمات، والثّور لديه “موتور” في سنمه هو الدّهن الّذي يندمج مع الغريزة فيجعله دانِيًا لقرنيه ورافِعًا هائجًا لما أمامه.

لذا.. فلنتقبّل الطّبيعة ولنرحّب بها بصدورنا!

إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري

0 0 الأصوات
Article Rating
بواسطة
PdfWikipedia

مقالات ذات صلة

guest
0 تعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x