الرجل اللذي عاش

العين خجلى، واليدان مثقلتان بما صنعتا. كلاهما لا يحتمل أن يرتفع عن الأرض.
يكون البشر قساة عندما يحكمون على غيرهم، لكنهم هذه المرة كانوا محقين في قسوتهم عليه.
أو هكذا كان يظن.
هل كان هو أيضًا يقسو على نفسه؟ أم أنه فعلًا لا يستحق رحمة أحد، ولا حتى رحمته لنفسه؟
لم يعد ذلك مهمًا الآن.
فمع طلوع الفجر سيُشنق.
وهذه ليلته الأخيرة في الدنيا.
تساءل إن كان عليه أن ينام. ثم تساءل إن كان النوم ممكنًا أصلًا. وبعدها تساءل إن كان القلق أو الرضا أو الخوف سيغير شيئًا مما سيأتي.
لم يجد جوابًا.
ولم يكن هناك أحد ليجيبه.
لطالما احتاج إلى شخص يخبره بما عليه فعله. ليس لأنه عاجز عن اتخاذ قراراته بنفسه، بل لأنه كان يكره تلك اللحظات التي تسبق القرار، عندما تتصارع الاحتمالات داخل الرأس ككلاب جائعة.
كان تردده عيبه الأكبر.
ورغم ذلك كان الناس يسمونه حكمة.
في تلك الأيام كانوا يمدحونه كثيرًا.
الأيام التي بدأ فيها كل شيء.
لم يكن حدثًا عجيبًا. لم تنشق السماء. لم يظهر نجم غريب. لم يسمع صوتًا من عالم آخر.
كل ما حدث أنه بلغ الأربعين من عمره.
ثم الخمسين.
ثم الستين.
بينما بقي وجهه كما هو.
في البداية ظن أن الأمر مجرد حظ حسن.
ثم بدأ يلاحظ نظرات الناس.
وبدأ الناس يلاحظون أيضًا.
كان جيرانه يكبرون.
وأصدقاؤه يكبرون.
وأبناء أصدقائه يكبرون.
أما هو فبقي كما كان.
وجه شاب في العشرين.
جسد شاب في العشرين.
عينان لم تعرفا بعد ثقل العمر.
بدأت الهمسات.
ثم الريبة.
ثم الخوف.
ثم جاء اليوم الذي حملوا فيه المشاعل.
رآهم من بعيد.
كان يعرف إلى أين يتجهون.
ويعرف لماذا.
لم يكن غبيًا.
هو نفسه كان خائفًا من نفسه.
لذلك غادر قبل أن يصلوا.
ترك منزله ومضى في الظلام.
لم يلتفت خلفه.
ولم يعد أبدًا.
—
أمضى السنوات التالية متنقلًا من قرية إلى أخرى.
كلما لاحظ أحدهم أنه لا يشيخ، رحل.
كلما بدأت الأسئلة، اختفى.
كلما اقترب الشك، بدأ حياة جديدة.
وفي عامه المئة بدأ الرعب الحقيقي.
لم يعد الأمر مجرد شباب دائم.
لقد تجاوز جميع الحدود المعقولة.
كان عليه أن يفهم.
جمع الكتب.
وتعلم اللغات.
وسافر بين الممالك.
وجلس عند الحكماء والكهنة والفلاسفة والسحرة والمجانين.
كان يقبل أي جواب مهما بدا سخيفًا.
المهم أن يكون جوابًا.
لكنه لم يجد شيئًا.
وحين بلغ المئتين من عمره كان يعرف أكثر مما يعرفه معظم علماء عصره.
ومع ذلك ظل السؤال بلا جواب:
لماذا ما زال حيًا؟
أحيانًا كان يقنع نفسه أنها نعمة.
ثم يتذكر أنه لم يطلبها.
وأحيانًا كان يقنع نفسه أنها عقاب.
ثم يعجز عن تذكر الجريمة.
فقرر الانتظار.
—
انتظر مئة عام أخرى.
في جبال الشرق البعيدة.
بعيدًا عن البشر.
بعيدًا عن المدن.
بعيدًا عن الأسئلة.
غريبا في ارض غريبة .
وحيدا في ارض وحيدة.
لكنه عندما بلغ الثلاثمئة لم يجد الجواب.
ولم يجد الموت.
ولم يجد … الأمل.
عندها فقد عقله.
أو ربما فقد الجزء الذي كان يمنعه من الجنون.
هام على وجهه في الأرض.
زار المدن البعيدة.
ودخل الأماكن التي يخشاها الناس.
حتى وصل إلى بابل.
مدينة الثروة والشهوات والسحر.
هناك تخلى عن كل ما تبقى من خوفه.
دخل المغارات الملعونة.
وتعلم التعاويذ المحرمة.
وقدم القرابين لما لا ينبغي أن يُعبد.
ورأى أشياء لو رآها إنسان عادي لفقد عقله في اللحظة نفسها.
لكنها لم تجب عن سؤاله.
لم يكن لدى الوحوش جواب.
ولم يكن لدى الآلهة الكاذبة جواب.
ولم يكن لدى الشياطين جواب.
كره أهل بابل وجوده.
وخافوا منه.
وأحب هو خوفهم.
كان ذلك أسهل من الوحدة.
ثم كبر الخوف حتى صار غضبًا.
وعندما اجتمعت المشاعل للمرة الثانية في حياته كان قد رحل بالفعل.
—
قضى القرن التالي يحاول الهرب من نفسه.
يفك الأسحار التي تعلمها.
ويطرد أشباح بابل من رأسه.
ومع مرور الوقت بدأت الذكريات تتراكم فوق بعضها.
نسي أسماء أحبته.
نسي وجوه أصدقائه.
نسي أصوات أمه وأبيه.
كان يتذكر أنهم وجدوا يومًا.
لكنه لم يعد يتذكر من كانوا.
وذلك كان أقسى من الموت.
—
مرت خمسة قرون أخرى.
تزوج.
ثم ترمل.
ثم تزوج.
ثم ترمل.
مرات كثيرة حتى فقد القدرة على العد.
أنجب أبناءً.
ثم رأى أبناءه يشيخون.
ثم رأى أحفاده يشيخون.
ثم وقف عند قبور الجميع.
مرة بعد مرة.
وقبرًا بعد قبر.
حتى صار الموت بالنسبة إليه حدثًا عاديًا أكثر من الشروق.
حارب.
وزرع.
وبنى.
وتعلم.
وعلّم.
وافتقر.
واغتنى.
وظلم.
وظُلِم.
وأحب.
وكره.
وعاش.
لكنه لم يمت.
—
وعندما بلغ عمره ألف عام أدرك الحقيقة التي هرب منها طويلًا.
لم يكن يكره الخلود.
بل يكره ما فعله الخلود به.
كل شيء صار مؤقتًا.
كل شيء صار عابرًا.
كل الناس صاروا اشباحا.
كل شيء صار… مكررا.
كان يشاهد الناس كما يشاهد المسافر قطرات المطر على نافذة عربة سريعة.
يظهرون.
ثم يختفون.
أما هو فيبقى.
دائمًا يبقى.
وحده … يبقى
حتى جاء اليوم الذي قتل فيه ابنه.
ليس ابنه الأول.
ولا العاشر.
ولا المئة.
لقد نسي عدد أبنائه منذ زمن بعيد.
لكنه كان آخرهم.
الابن الذي أقسم أنه لن يقترب من أحد بعد موته.
الابن الذي قال لنفسه إنه لن يحبه.
الابن الذي أحبه رغم ذلك.
لم يكن القتل مقصودًا.
لم يكن غضبًا ولا حقدًا.
كان خوفًا.
خوفًا قديمًا عمره ألف سنة.
خوفًا من الوحدة.
عندما اكتشف الابن حقيقة أبيه بدأ يبتعد عنه شيئًا فشيئًا. لم يصرخ. لم يتهمه بشيء. لم يهرب.
اكتفى بالنظر إليه كما ينظر المرء إلى هاوية لا قرار لها.
وكان ذلك أسوأ.
رأى في عيني ابنه كل ما رآه في عيون البشر عبر القرون.
الخوف.
ثم الشفقة.
ثم النفور.
وفي تلك الليلة حاول منعه من الرحيل.
حاول أن يشرح.
أن يتوسل.
أن يبرر.
ثم تشاجرا.
ثم سقط الابن.
صخرة حادة.
ضربة واحدة.
وصمت.
ظل جالسًا بجانبه حتى طلوع الشمس.
يعرف الموت جيدًا.
يعرف شكله ورائحته وبرودته.
ولذلك عرف أن ابنه لن ينهض.
جلس أيامًا لا يتحرك.
ثم دفنه.
ثم جلس فوق القبر سنوات.
لا أيامًا.
ولا أشهرًا.
سنوات.
هناك فقط فهم.
لم يكن يخاف الموت.
ولم يكن يبحث عن جواب.
ولم يكن يكره الخلود.
كان يكره نفسه.
لأنه كلما طال بقاؤه صار كل شيء آخر مؤقتًا.
وكلما صار كل شيء مؤقتًا قلّت قيمته في عينيه.
وكلما قلت قيمته صار أكثر قسوة.
حتى انتهى به الأمر إلى قتل آخر شخص أحبه.
عندها فقط بدأ يبحث عن الموت بجدية.
وقضى قرونًا أخرى.
جرّب السموم.
والنار.
والبرد.
والجوع.
والغرق.
ورمى نفسه من الجبال.
ودفن نفسه حيًا.
وفعل كل ما يستطيع إنسان أن يفعله لينهي حياته.
لكن الموت لم يكن يريده.
ومع مرور الزمن صار يبحث أقل.
ثم توقف عن البحث تمامًا.
فحتى اليأس نفسه يتعب.
وعندما بلغ عمره ألفًا وأربعمئة سنة كان العالم قد تغير.
المدن التي عرفها صارت ترابًا.
واللغات التي تكلمها صارت أصواتًا منسية.
والملوك الذين هزّوا الأرض بأسمائهم لم يبق منهم إلا نقوش متآكلة.
أما هو فبقي.
دائمًا يبقى.
حتى بدأ يشك في شيء لم يخطر له من قبل.
ماذا لو لم يكن الخلود هو اللعنة؟
ماذا لو كان هو اللعنة؟
لذلك جمع الناس.
واعترف بكل شيء.
حكى لهم عن ألف وخمسمئة عام من الخطايا.
عن الدماء.
وعن السحر.
وعن الأكاذيب.
وعن كل ما فعله.
وحتى ما لم يفعله.
كان يحتاج حكمًا.
أي حكم.
وفي النهاية حكموا عليه بالموت شنقًا.
—
العين خجلى، واليدان مثقلتان بما صنعتا.
كلاهما لا يحتمل أن يرتفع عن الأرض.
كان يسمع في الخارج صوت النجارين وهم يجهزون المشنقة.
ابتسم لأول مرة منذ قرون.
غدًا سينتهي كل شيء.
وأخيرًا.
ثم أشرقت الشمس.
وانقطع الحبل.
وبقي حيًا.
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري
ههه رائعة تلك، مختصرة، ومفيدة للغاية، الذي يجب ان يحاكم هنا ويشنق ليس هذا المسكين المشبع بالخطايا بل هؤلاء الملاعين المشبعين بالحقد والذين ارادوا مهاجمته في بداية الامر دون اي سبب واضح، حتي بعدها اتجه الي بابل ومارس السحر الاسود وارتكب بعدها تلك الخطايا، ربما كانوا يغارون منه وشعروا بالنقص لانه خالد وهم ميتون فارادوا قتله، هكذا هم البشر النمطيون، يكرهون المميزون الخارقون دوما ويبذلوهم كل ما لديهم في تدمير حياتهم وايذاءهم بابشع الطرق، الفئران تكره القطط لانها فريسة لها، والضباع تكره الاسود لانها اقوي منها، درسا عليك ان تتعلمه، لاكره بلا سبب ياصديقي!
الامر يكون جيدا للغاية عندما تقسو علي نفسك لانك اخطات، لكن هناك بشرا الخطا جزءا من حياتهم، الضغينة والحقد والشرور والخبث والتطفل والخيانة كلها اخطاء في داخل الانفس، لكنها تظل مع البعض دون محاولة القسوة علي النفس، او دون محاولة يائسة حتي من هؤلاء البشر لتوجيه العقاب لتلك الاخطاء التي تكمن في داخل الانفس، كل مايهمهم هو ماتظهره فقط وليس ما تخفيه، البشر يحبون المظاهر فقط!
عاصرت الامر كثيرا، لقد كنت هناك من قبل، ولم اكن مشبعا باي خطايا ونلت اذي لايطاق، بسبب تلك الاخطاء المتوارية في الانفس، لن انقل الامر الي، لقد تعافيت وانا اتنفس وبخير الان، لكن هناك فعلا من يتحولون لوحوش كارهة للبشرية بسبب بعض النماذج كتلك، قصة جميلة، احسنت حقا ياصديقي، وكما قالت صديقتي واختي الكردية لوريكا لي في يوما هنا، ان الناجون بالانسانية، قليلون للغاية، لانهم لم يجدوا بشرا حولهم من الاساس، كانوا وحوشا.. عمت مساءا
توظيفك للنّقاط أسطوري 🤩 انّها هالة حيّة تخبرنا عن حالة، رائع! تاريخ البطل الحافل لم يُسعِفه أمام الموت المُشتهى وبرغم ذلك بقي حيًّا 💫
فقط ملاحظة اخي، ضمير الوصل الّذي استعملته في العنوان يُكتب هكذا: الّذي.
علّمتني ذلك معلّمتنا وصُدِمْت اذ كُنْتُ أُضَعِّفُ اللّامْ.
سلام 🌹