الرحلةالأبدية

محمود وعلا.. عروسان في
طريق الكفن بدلاً من الفستان الأبيض.

“أموات على الطريق”
انطلق محمود وعلا والابتسامة لا تفارق وجهيهما، كانت الوجهة “عروس البحر المتوسط”؛ ففكرة قضاء شهر العسل في شقتهما المطلة على البحر في منطقة “كرموز” العريقة كانت تملأهما بالحماس، حيث سحر الإسكندرية وهدوء الأمواج في الصباح. كانت الأجواء مفعمة بالحب والأمل، والسيارة المرسيدس البيضاء المزينة بالورود تخترق الطريق الصحراوي بسرعة متعجلة، وكأنها تسابق الزمن للوصول إلى شاطئ الأحلام.
لكن، ومع اقترابهما من مخرج الطريق الدولي المؤدي للطريق (40)، بدأت أنوار السيارات الأمامية تتكدس بشكل غير طبيعي. الزحام كان خانقاً في هذا الوقت المتأخر، وصوت آلات التنبيه يكسر صمت الليل الصحراوي، ويخلق جواً من التوتر المفاجئ. تململت علا في مقعدها، وبدأ القلق يتسرب إلى قلبها، بينما نفد صبر محمود وبدأ يبحث بنظره عن مخرج أو حل لهذه الورطة.
مرت ساعة كاملة والسيارات لم تتحرك شبرًا واحدًا. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحًا، والليل قد أرخى سدوله بالكامل. ترجل محمود من السيارة وسار بضع خطوات نحو سائق ميكروباص كان يقف خارج عربته يدخن بشراهة، وينظر إلى الحادث بعيداً بوجوم.
سأل محمود بنبرة يملؤها الرجاء: “يا حاج، هو الطريق ده مطول؟ مفيش أي سكة تانية تودينا إسكندرية؟”.

نظر إليه السائق العجوز بنظرة غامضة، ثم نفث دخان سيجارته ببطء وأشار بيده نحو ممر جانبي ضيق يكاد لا يظهر وسط الرمال المظلمة:
“فيه يا بني.. الطريق القديم، طريق 40. هو شغال بس مهجور بقاله سنين، وطويل شوية عن الطريق ده، بس هيطلعك في الآخر على أول كرموز.”

صمت العجوز للحظة ثم أضاف بصوت خفيض، نبرته تحمل تحذيراً مبطناً:
“الطريق ده وصفته سهلة.. هتفضل ماشي طوالي، لا تحود يمين ولا شمال، ومهما شفت أو سمعت متقفش لحد ما تلاقي أنوار المدينة بدأت تظهر. الطريق ده ملوش أمان في الساعات دي، بس لو مستعجل.. هو ده حلك الوحيد.”

عاد محمود للسيارة وأخبر علا بالبديل؛ ورغم شعورها ببعض الريبة من نبرة الرجل العجوز ومظهر الطريق المهجور، إلا أن رغبتها في الوصول لشقتهم في كرموز والهروب من مشهد الحادث المؤلم جعلتها توافق.
انحرف محمود بالسيارة نحو تلك “الوصلة” الضيقة، وبمجرد أن دخلت عجلات السيارة على أسفلت الطريق (40)، شعرا وكأن درجة الحرارة انخفضت فجأة، واختفت أصوات آلات التنبيه والزحام تماماً؛ ليحل محلها صمت مطبق ومقبض، لم يكسره إلا صوت إطاراتهما وهي تدهس حصى الطريق القديم.
كانت البيوت المهجورة تلوح على جانبي الطريق كأشباح صامتة بنوافذها المظلمة، والضباب يزداد كثافة مع كل خطوة. ساد صمت ثقيل داخل السيارة، تكسره فقط أنفاسهما المضطربة. وفجأة، لاحظ محمود انخفاضاً حاداً وغير مبرر في مؤشر الوقود!

قال محمود بنبرة متوترة: “علا، فيه مشكلة.. البنزين قرب يخلص، مع إني مفول العربية قبل ما نتحرك!”.
قبل أن تسيطر عليهما نوبة القلق، ظهرت في الأفق لافتة باهتة تتأرجح مع الريح، كُتب عليها بخط يدوي مشوه: “محطة مصر – وقود وراحة”. كانت المحطة تبدو مهجورة؛ مضخاتها صدئة، وأعمدة الإنارة تصدر طنيناً مزعجاً ووميضاً متقطعاً. أوقف محمود السيارة أمام مضخة، ونزل منها وهو ينادي: “يا أهل الخير! فيه حد هنا؟”.
لم يجبه أحد، لكن الكرسي الهزاز في مكتب المحطة كان يتحرك ببطء شديد ذهاباً وإياباً. رائحة المكان كانت غريبة ومقبضة، وفجأة، انفتح باب المكتب بصرخة حديدية مرعبة، وخرج منه “شيء” لم يكن بشرياً تماماً؛ كان طويلاً بشكل مفرط، بملابس اهترأت ووجه هو مجرد فراغ أسود غارق.
اندفع الكيان بسرعة البرق نحو محمود. صرخت علا وهي تشاهد جثة محمود تتطاير وتسقط بعيداً على الأسفلت وسط بركة من السواد الذي يشبه الزيت المشتعل. انغلقت أبواب السيارة بقفل مركزي، وتجمدت علا رعباً وهي تشاهد الكيان يقف أمام مقدمة السيارة، ووجهه يتمدد بابتسامة واسعة غير بشرية.
في تلك اللحظة، رن هاتفها.. “بابا”. أجابت بهستيريا، لتسمع صوت والدها يصرخ: “علا! اطلعي برا العربية! هما مستنيين العروسة.”، ثم انقطع الخط.
توالت الكوابيس؛ رأت سيارة والدها تقترب ولكن كان بها شخص يشبه والدها بملامح مرعبة وعيون صفراء. رن الهاتف مرة أخرى، والدها الحقيقي يصرخ بأنه ما زال عند الحادثة الكبيرة. أدركت علا الفخ.
وبدأت جثة محمود بجانبها تتحرك ببطء، وعيناه المنطفئتان انفتحتا بسواد كامل. ضغطت علا على دواسة البنزين بكل قوتها لتصطدم بـ “خيال والدها” وتخترقه، وبدأت تدور في حلقة مفرغة على الطريق المظلم، لتعود دائماً لنفس البيوت المهجورة والمحطة.
فجأة، انشق الضباب عن ضوء أبيض خافت. عائلة كاملة تقف في عرض الطريق: رجل وسيدة وطفلان بملابس قديمة ووجوه هادئة، يبعثون نوراً يسكن الرعب. أشار الرجل لممر جانبي، وهدأ محمود بجانبها وعاد لوجهه الطبيعي. اقتحمت علا الممر، وشعرت بنسمة هواء نقية وسمعت صوتاً جماعياً: “اخرجي ولا تنظري خلفكِ.. نحن بقينا هنا لنغلق الباب خلفكِ.”

اجتازت الممر، وظهرت أنوار الإسكندرية. استعاد محمود وعيه ببطء، وتوقفت السيارة أمام أول نقطة إسعاف. حمله المسعفون على المحفة وهو ينادي باسمها، لكن محمود تجمد مكانه وهو يراقبها.. تحت الضوء الأبيض، بدأت ملامح علا تتغير؛ فستانها الأبيض يتحول للرمادي المغطى بتراب قديم، وبشرتها تصبح شاحبة جداً لدرجة الرخام. نظرت إليه نظرة امتنان حزينة، وأمسكت بيدها “السيدة” من العائلة التي كانت على الطريق. أدرك محمود أنهم أخذوا روحها مقابل حياته. صرخ باسمها، لكن المسعفين ثبتوه بقوة قائلين: “اهدى يا أستاذ.. مفيش حد معاك في العربية! إنت كنت سايق لوحدك ومصادم في الرصيف من ساعات!”.
ومع تحرك سيارة الإسعاف، انحنت علا نحو أذنه وهمست بكلمتها الأخيرة التي سترافقه طوال حياته: “متخافش.. هفضل معاك.”

في تلك اللحظة، أغمض محمود عينيه، وفجأة.. انقشع الضباب عن ذاكرته بقوة انفجار. رأى سيارته “المرسيدس البيضاء” المزينة بالورود وهي تتحطم وتتحول لكتلة من المعدن تحت شاحنة ضخمة. أدرك محمود الحقيقة الصادمة: الحادث الذي وقف يشاهده في بداية الطريق.. كان حادثه هو وعلا!
فتح محمود عينيه في سيارة الإسعاف بصدمة، ونظر إلى علا الواقفة بجانبه، ليجدها بملابس بيضاء بدأ يظهر عليها أثر دماء قديمة وجافة، ووجهها تملؤه الجروح والدم. مالت عليه علا وهمست في أذنه بنفس الكلمة، لكن بنبرة مختلفة هذه المرة:

“شوفت يا محمود؟ إحنا مخرجناش من الطريق.. إحنا بس بقينا جزء منه. أنا رجعت عشان أقولك إننا هنفضل هنا.. مع العيلة اللي ساعدتنا.”

نظر محمود من نافذة الإسعاف الخلفية، فلم يجد أنوار الإسكندرية، بل وجد نفسه يعود لنفس نقطة البداية.. لافتة متهالكة مكتوب عليها:
“مرحباً بكم في الطريق 40.. الرحلة تبدأ الآن”.

أدرك محمود أنه لم ينجُ، بل دخل في “فلاش باك” أبدي، حيث سيعيد تمثيل ليلة زفافه وحادثه للأبد، لتكون علا هي رفيقته في هذا السجن الزمني، ووجهها الغارق في الدماء يذكره بحقيقتهم كـ “أموات على الطريق”.

حرر بجهود مشكورة للمحررة والمدققة: عاشقة القدس.

مراجعة وإشراف: أزيز الصمت.

5 1 تصويت
Article Rating

مقالات ذات صلة

guest
8 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
غيث
غيث
6 أيام

والله ما اعرف اعلق ايش اقول

زفت
زفت
23 أيام

حلوه قصه بس في بعض الاحداث مو منطقيه لكنه حلوه قصه تقييمي لها 10 من9

عزام السوداني الكوشي
عزام السوداني الكوشي
23 أيام

جميل و حزين في نفس الوقت

كرمل
كرمل
24 أيام

قصة شيقة ومرعبة
دمت بود

همس الصوت
همس الصوت
25 أيام

الموقع مزهر، قسم ادب الرعب يحصد الإبداع من جديد، أكثر ما شدني الصورة، واخيراً العنوان، أعرف اني اغيب لكن لم اخسر الكثير، عمل رائع

احمد علي
احمد علي
26 أيام

كثرت هكذا وقائع بشدة في الاوانة الاخيرة ، قصتك من قلب الواقع ، عالمنا اكبر مما نتخيل .. عمت مساءا

وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
27 أيام

القصة مخيفة .. والسرد ولا غلطة👍 ..
نجحت في خلق اجواء التوتر من البداية الى النهاية ..
والتحول الذي حدث في النهاية كان صادم .. خاصة انهما لم ينجوا واصبحوا جزء من اللعنة ..

سؤالي لك :

اذا كانت عُلا قد ضحّت بنفسها لانقاذ محمود .. فلماذا انتهى بهما الحال معًا داخل الحلقة ؟؟..
هل يعني ذلك ان بعض المصائر لا يمكن تغييرها مهما بدا أننا اخترنا ؟..

ابو هشام
ابو هشام
27 أيام

رحمهم الله لقد تذكرت احدهم في شهر شعبان الذي فات لقد كان هناك شاب وثاني يوم عرسه اخذ السياره وذهب ليقضي حاجته فلم يعود للبيت الافي كفن ابيض رحمهم الله جميعا تحياتي لك

زر الذهاب إلى الأعلى
8
0
Would love your thoughts, please comment.x