توماس فولر " توم الزنجي" – آلة الحساب البشرية

بقلم : محب الغموض – العراق

في إحدى المزارع الكثيرة المنتشرة في ولاية فرجينيا ,وقف كل من المشرف و مساعده المسؤولان عن إحدى هذه المزارع يتجادلان بصوتٍ عالٍ بينما يعمل العبيد في الحقل المجاور لهم, كان نقاشهما عالياً و حاداً حول مسألة حسابية تتعلق بالأرباح و الحصاد ، حيث أن كل واحد منهما قد حصل على رقم في حساباته و ظل متمسكاً به و برأيه لا يتنازل عنه. إلى أن سمعا صوتاً مؤدباً يقول لهما بلهجة العبيد “أرجو المعذرة أيها السادة و لكن أعتقد أن كلاكما مخطئ ” فالتفت الرجلان بنفس الوقت إلى مصدر الصوت ليجدا أمامهما شيخاً أسوداً شاب رأسه و حاملاً قبعته المصنوعة من القش و ينظر إلى الأرض بهدوء, عندها قال له المشرف باستهزاء ” و أظن أن عبداً غبياً مثلك يعرف الإجابة لهذه المسألة” ليجيب الشيخ بنعم , و أعطاهما رقماً و استأذن عائداً إلى عمله تاركاً المشرف و مساعده واقفين , حينها قال المساعد للمشرف ” أعتقد أن علينا أن نعيد الحساب للمرة الأخيرة لنتأكد فقط” ليوافق المشرف على مضض و حين أعادا الحساب بشكل دقيق حصلا على رقم مطابق لما جاء به الشيخ, حينها سأل المشرف مساعده, لمَ أردت إعادة الحساب و التخلي عن حساباتك السابقة, أجابه المشرف” ألم تعرف من هذا العبد ؟ إنه توم الزنجي الذي تملكه عائلة كوكس” و ترك هذا الجواب المشرف في حيرة.

إذن من هو توم الزنجي هذا ؟

اسمه الكامل الذي أعطي له هو (توماس فولر) و لكنه يعرف باسمه الآخر (توم الزنجي).

توماس فولر " توم الزنجي" – آلة الحساب البشرية
توماس فولر (توم الزنجي)

ولد توم عام 1710 في مكان ما غرب أفريقيا ما بين “ساحل العبيد” ( ما يعرف اليوم بـ ليبريا) و ما بين داومي(ما يعرف اليوم بـ بنين) و حين بدأ المستوطنون في العالم الجديد بالتحول من البحث عن الذهب إلى البحث عن العبيد ازدهرت تجارة بيعهم بشكل كبير و بدأ العديد من أصحاب السفن و الأعمال باختطاف آلاف البشر من أفريقيا و الإبحار بهم إلى العالم الجديد لبيعهم كعبيد للعمل في الحقول و القيام بالأعمال الحقيرة التي لا يقوم بها أسيادهم البيض.

تم اختطاف توماس عام 1724 حين كان عمره 14 عاماً و تم الإبحار به إلى أمريكيا إلى ولاية فرجينيا حيث اشترته عائلة كوكس و المتكونة من السيد بيرسلي و اليزابيث كوكس (كانت عائلة كوكس أمية أي لا تعرف القراءة و الكتابة) و كانوا يملكون 16 عبداً . على الرغم من اعتبار توماس (أمياً) كونه لا يعرف القراءة و الكتابة باللغة الانكليزية, إلا أنه أظهر مهارة غريبة و فذة في حل المسائل المعقدة بوقتٍ قصير جداً مما قربه من أسياده ، و لقد قربه سيده منه كثيراً و فضله على بقية العبيد حتى أنه زوجه من المرأة التي يحبها. كان السيد كوكس رجلاً طيباً مع توماس بالنسبة للأسياد الآخرين.

قامت عائلة كوكس بتسليم توماس حسابات و أمور المزرعة البالغة مساحتها 232 فدّان و لم يخذلهم توماس يوماً حيث كان قادراً على القيام بالمسائل المعقدة في رأسه فقط و بدون استعمال أي آلة حاسبة أو ورقة و قلم.
بعد الحادثة المذكورة أعلاه, وصل خبر “توم” إلى رجل أعمال في ولاية بنسيلفينيا مما أثار فضوله , فقرر هذا الرجل و بمعونة اثنان من مساعديه القدوم للمزرعة و التحقق من نبأ توم
لهذا في عام 1780 جاء الرجل و التفى بتوم الشيخ ذو الـ 70 عاماً و طرح عليه عدة أسئلة حسابية كان يعرف أجوبتها مسبقاً و لقد أصاب توم في كل جواب له و كان أبرز سؤالين هما التالي :
“كم ثانية في سنة و نصف السنة ؟” ليجيب توماس خلال أقل من دقيقتين “47.304.000 ثانية”
أما السؤال الثاني فكان “كم ثانية عاشها رجل عمره 70 عاماً و 17 يوماً و 12 ساعة؟” ليجيب توماس خلال دقيقة و نصف “2.210.500.800 ثانية” عندها صرخ الشخص الآخر المرافق لرجل الأعمال و الذي كان يقوم بحساب نفس العملية مستعملاً ورقة و قلماً أن الجواب خطأ و أنه أقل من الرقم الذي لديه ليجيبه توم بكل هدوء ” و لكنك يا سيدي قد نسيت السنوات الكبيسة” إنه خطأ وقع فيه الرجل الآخر و لكن توماس لم يقع فيه.

توماس فولر " توم الزنجي" – آلة الحساب البشرية
أخذ يطور مهاراته الحسابية من خلال عمله في المزرعة

و لقد استنتجوا أن هذا الشيخ الكبير قد علم نفسه في شبابه كيفية الحساب و على الأرجح علم نفسه في بلده في أفريقيا حيث أن العبيد في أمريكا ممنوع عليهم تعلم القراءة و الكتابة, أما توم فإنه قال بأنه تعلم في البداية الحساب لغاية رقم 10 ثم إلى الرقم 100 و هكذا .. و إنه كان يطور مهاراته الحسابية أثناء قيامه بأعماله في أنحاء المزرعة كحساب الشعرات في ذيل الأبقار و حساب حبات القمح أو الذرة في البوشل الواحد (البوشل مكيال إنكليزي للحبوب)
اعترف الرجال على مضض بموهبة توم الزنجي و أنه أعجوبة حية و لو تم اكتشافه في شبابه لربما تمكنوا من تعليمه تعليماً عالياً مثل الرجال البيض و لربما أصبح عبقرياً , ليجيبه توم “كلا يا سيدي , من حسن الحظ أني لم أحظَ بتعليم لأن العديد من المتعلمين ما هم إلا أغبياء عظام”

توفي توماس فولر “توم الزنجي” عام 1790 عن عمر يناهز الـ 80 عاماً و قد كتب في نعيه ” هنا يرقد توم الزنجي, هذا الرجل الذي علم نفسه بنفسه الحساب و الرياضيات و لم يلقنه إياه أحد, لو توافرت له الفرص المناسبة لتحسين و صقل مهاراته ما توافر لغيره من البيض لما خجل مجتمع لندن الملكي في باريس و لا أكاديمية العلوم و لا حتى نيوتن نفسه , من الاعتراف بتوم كأخ لهم في العلم”

المصادر :

Thomas Fuller (mental calculator) – Wikipedia
Archive.org/Tom Fuller
كتاب عالمنا المجهول

ملاحظة :

القصة هذه من كتاب “عالمنا المجهول” و لقد بحثت كثيراً لأتأكد من صحتها و وجدت المصادر الخاصة بهذه القصة, المقدمة ليست من وحي خيالي بل كانت مذكورة في الكتاب نفسه
الكتاب لم أجد له نسخة ورقية أو الكترونية رغم بحثي عنه كثيراً .

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

16 تعليقات
نينون .. محاربة الزمن
نينون .. محاربة الزمن
7 سنوات

أوه انا في الشرق والرياضيات في الغرب اصلا أكره الحسابات والتواريخ والأرقام الطويلة المعقدة ولا أعرف شيئا عنها ولا أريد ان أعرف انا إذا أحفظ السنوات أو مواد القوانين أصاب بعقد نفسية الغريب عندما كنت في الصف الثاني عشر في امتحان الوزاري أخذت 100 بالرياضيات وعندما كنت في المدرسة كنت أحل المبرهنات والغاز الرياضيات من أفكاري وجوابي يكون صحيحا وبعض المسائل الرياضية أفكر فيها قليلا ثم أعرف الجواب ولا أكون محتاجه بأن يشرحها لي أحد فقط مسائل الفيزياء والمالية العامة لا تدخل في عقلي أما الرياضيات والميراث والهندسة والمسائل القانونية الأخرى فأجد سهولة تامة في فهمها لكن مع هذا لا أحبذ مادة الرياضيات لأنها تحتاج إلى ان أشغل عقلي واركز لافهمها وأنا بارعة في الحفظ أكثر حتى إذا لم أفهم لغة الكتاب أستطيع أن أحفظه دون أن انساه مثل اللغة الإنكليزية التي تحتوي على مصطلحات قانونية واللهجة السورانية وهي لهجة من اللهجات الكوردية لكنها صعبه للغايه كصعوبة اللهجة اللاتينية، لاحظت اني خرجت عن موضوع المقال هههه أعتذر لذلك، محب الغموض سلمت يداك على هذا المقال الذي هو بقايا من ذاكرتك القوية والفذة.

محمد ديريه
محمد ديريه
7 سنوات

تحياتي للكاتب قصه جميله ومحزنه في نفس الوقت .. ذكرتني بصديق لي عندما يزورني في نهايه الاسبوع او ازوره نذهب للتسوق في بعض الاحيان ..ما شا الله عليه قبل لانوصل الكاشير يخبرني باللي لازم ادفعه ههه في ناس وهبهم الخالق هذه النعمه ..بس الحين بساله نفس سوال المشرف لبطل القصه علشان اتاكد اذا كان عبقري ولا لا هههه تحياتي

امل
امل
7 سنوات

قصةرائعة تسلمو

رحاب
رحاب
7 سنوات

قصه جميله جدا لقد عاني كثيرا توم لانه فقط ليس ابيض البشره موهبته كانت عظيمه ومعه كل الحق انه اذا كان تعلم سيكون من الاغبياء في مجتمعهم رحمه الله شكرا يااخي علي هذا المقال رائع جدا شوقتني لهذا الكتاب بشده ارجو ان يتواجدللاسف يوجد كتب لن تتكرر ابدا

فايزة الحبيب
فايزة الحبيب
7 سنوات

قصة رائعة فعلا ليس مثل حالي لا اعرف في الحساب شئ
الى صاحب القصة أتمنى ان تستعيد كتابك و تضعه هنا في موقع كابوس كنسخة الكترونية بحثت عن الكتاب مطولا لم اجده للأسف

كابو
كابو
7 سنوات

مقال جميل ورائع وشكرا للكاتب

التعليم هو طريق الحرية
فكان ممنوعا منعا باتا على المدارس والجامعات تعليم العبيد حتى لا يطالبوا بالحرية. ولاحقا بدؤوا يسمحون لها لكن حتى صف معين ويشترط الا يدرسون التاريخ حتى لا يفهموا كيف جرت الامور قبل سنوات ويطالبوا بحريتهم.

لو انه كان طفلا ابيض وجمع 1+1 لصدعوا رؤوسنا به الا انه كان طفلا اسودا فلم يكترث له احد.

هديل الاردن
هديل الاردن
7 سنوات

مقال جميل ومحزن لان توم لم يتعلم في مدرسة بل خادما لاسياده الجهله

هدوء الغدير - مشرفة -
هدوء الغدير - مشرفة -
7 سنوات

محب الغموض
امر مؤسف ،،يبدو ان الكتاب جميل انا ايضابحثت عنه في النت ولم اجده ارجو ان تستعيده قريبا،،،

محب الغموض الى هدوء الغدير
محب الغموض الى هدوء الغدير
7 سنوات

اعتذر لم ار التعليق،لقد ذكرت اني اعرت الكتاب و لم استعده و بحثت في كل مكان و سالت العديد و لم اجد منه نسخة سواء ورقية ام الكترونية.لا زلت في بحث عنه

محب الغموض الى الاستاذ محمد
محب الغموض الى الاستاذ محمد
7 سنوات

سيدي الفاضل،لقد قرات هذا الكتاب عشرات المرات و كما نحفظ القصص من ايام جداتنا و حكاياهم كذلك انطبعت العديد من قصص الكتاب في مخيلتي ،المقدمة هذه بقيت في بالي لان موضوع المظاهر خداعة ياتي لبالي.
اهلا بك

هدوء الغدير - مشرفة -
هدوء الغدير - مشرفة -
7 سنوات

مقال رائع جدا ،،،ادهشتني قدرة الرجل انه اعجوبة ،،،
سالتك اخي ذات مرة عن كتاب عالمنا المجهول اين اجده لكنك لم تجبني ،،

بيري الجميلة ❤
بيري الجميلة ❤
7 سنوات

سبحان الله لديه موهبة وسرعة في الإحصاءات العددية ، ليس الجميع يمتلك هذا ، أنا العكس تماما لدي بطء وتراجع في تقدير الأعداد
هو شخص حاد الذكاء والتركيز ، وأعتقد أن ذوي البشرة السوداء منهم الكثير لديهم ذكاء حاد دائما وتركيز قوي وخفة حركة ، لاحظت ذلك في الكثير منهم

محمد كندا
محمد كندا
7 سنوات

الى كاتب القصة محب الغموض:
سؤالي هنا للمعرفة وليس الجدل
لقد كتبت في ملاحظتك اخر القصة بان المقدمه ليست منك وانما من كتاب عالمنا المجهول وتذكر بنفس الوقت انك بحثت عن هذا الكتاب فلم تجد اي نسخه ورقيه او الكترونيه، اذا فما هو مصدر هذه المقدمه او حتى القصة نفسها اذا لم تجدالمصدر نفسه التي تنسب القصة اليه وشكرا
محمد

زيدان
زيدان
7 سنوات

شكرا على الموضوع جميل
فعلا هذا الرجل يمتلك موهبة خارقة

viori
viori
7 سنوات

موضوع رائع حقاً اعجبت بسرعه توم للحسابات كان شيئاً عجيبا في عصرهم وموضع محزن حقا ان تم اختطافه، عانوا السود كثيرا في ماضي ومازال البعض يعاني حتى الآن..

عيسى
عيسى
7 سنوات

مقال رائع، شكرا للكاتب.. فعلا من رحم المعاناة تولد المعجزة

زر الذهاب إلى الأعلى