أسطورة جبل حرفة في تراث عسير

في أعالي جبال عسير، حيث يلتقي الضباب بحواف الصخور وتختبئ القرى بين السفوح كأنها أسرار قديمة كتبها الزمن ثم نسيها، كان أهل المنطقة يتوارثون حكاية لا تشبه غيرها؛ حكاية يقولون عنها إنها ليست مجرد قصة، بل أثر من زمن بعيد لا يجرؤ أحد على إنكاره، ولا يستطيع أحد إثباته بالكامل.
كان هناك جبل يعرفه الجميع باسم “حرفة”. جبل شامخ لا يكثر الكلام عنه الكبار إلا بصوت منخفض، وكأن ذكره وحده قد يوقظ شيئاً نائماً منذ زمن طويل، وكان الأطفال يكبرون وهم يسمعون اسمه قبل أن يفهموا معناه.
وحول ذلك الجبل، كانت قرية صغيرة تعيش على البساطة والكرم واللقاءات التي لا تنتهي. كان أهلها إذا اجتمعوا في مناسبة جعلوها عيداً عاماً، وإذا فرحوا أشركوا معهم كل من حولهم، وكأن الفرح عندهم لا يكتمل إلا بالجماعة.
زرعة وشباب القرية
في تلك القرية، كانت تعيش “زرعة بنت عبدالله”؛ فتاة معروفة بين الناس بهدوئها وفضولها الذي لا ينتهي. كانت تحب الجلوس مع الكبار تستمع لحكاياتهم القديمة، وتعيد السؤال عن كل تفصيلة تخص جبل حرفة، رغم أن الجميع كان يتهرب من الإجابة.
وكان معها شباب القرية: مرعي، ومفرح، وسعيد، وعايض، وهادي. لكل واحد منهم طبعه الخاص؛ مرعي هادئ يعتمد عليه، مفرح خفيف ظل لا يهدأ، سعيد راعي إبل يعرف الشعاب جيداً، عايض قليل الكلام كأنه يحمل أسراراً لا يريد قولها، وهادي أصغرهم وأكثرهم جرأة.
أما البنات فكنَّ: شريفة، وصالحة، ومسعدة. شريفة قريبة من زرعة في كل شيء، وصالحة صاحبة عقل راجح، ومسعدة كبيرة في السن تحفظ ما لا يُروى وتقول ما لا يُنسى.
ليلة العرس والضوء الغامض
مرت السنوات والقرية على حالها، حتى جاء ذلك الصيف الذي قرروا فيه إقامة عرس كبير لشريفة، ابنة العائلة الكبيرة في القرية.
بدأت الاستعدادات منذ أسابيع؛ امتلأت البيوت بالضحكات والزيارات، وتجمعت النساء في إعداد الطعام، والرجال في تجهيز الساحة الكبيرة التي ستقام فيها ليلة السمر، وكان الجميع ينتظر تلك الليلة كأنها موسم فرح لا يتكرر.
وفي مساء ما قبل العرس، اجتمع أهل القرية في الساحة الكبيرة كعادتهم؛ أوقدوا النار وبدأت فناجين القهوة تدور، وارتفعت أصوات الشعر والأهازيج حتى امتلأ المكان بالحياة. وكان جبل حرفة يطل عليهم من بعيد ساكناً كعادته، لكن تلك الليلة لم يكن ساكناً تماماً!
فقد كانت “مسعدة” أول من سكتت فجأة، ثم رفعت نظرها نحو الجبل وقالت بصوت منخفض كأنها لا تريد أن تسمع نفسها: “عاد الضوء…”.
سكت المجلس كله في لحظة واحدة، وتحولت الضحكات إلى صمت ثقيل. نظر مرعي نحو الجبل ثم قال: “أي ضوء؟”.
لكن سعيد لم يجب، بل كان يحدق في القمة البعيدة وكأنه يرى شيئاً لا يراه غيره. وفوق الجبل، ظهر ضوء صغير يتحرك بين الصخور؛ ليس نجماً ولا ناراً ولا شيئاً مألوفاً، ثم اختفى، ثم عاد، ثم اختفى كأنه يتنفس!
في تلك الليلة لم ينم أحد كما ينبغي، وكل بيت في القرية كان فيه نافذة مفتوحة نحو الجبل، وكل قلب فيه سؤال لا جواب له. لكن زرعة وحدها لم تخف، بل ازداد فضولها وكأن ذلك الضوء ناداها وحدها دون غيرها.
النداء المجهول والبوابة الحجرية
وفي الصباح، خرجت زرعة قبل أن يستيقظ أحد. لم تخبر شريفة، ولم تمر على صالحة، ولم تنتظر مرعي أو مفرح؛ سارت وحدها باتجاه الطريق القديم المؤدي نحو جبل حرفة.
كان الطريق مهجوراً منذ سنوات، الأشجار تقترب من بعضها كأنها تخفي شيئاً، والهواء يصبح أبرد كلما اقتربت من الجبل. ومع كل خطوة، كانت تسمع في داخلها صوتاً غريباً لا تعرف مصدره، كأنه يناديها باسمها بهدوء: “زرعة…”.
توقفت للحظة، ثم تابعت السير رغم أن قلبها كان يخبرها أن تعود، حتى وصلت إلى مكان لم تره من قبل في حياتها؛ بوابة حجرية نصف مغطاة بالتراب بين صخور ضخمة، وكأنها مدخل قديم نسيه الناس أو تعمدوا نسيانه.
لمست الحجر… فاهتز الهواء حولها فجأة وكأن الجبل تنفس، ثم اختفى الصوت، وسقطت الأرض تحت قدميها! لم يكن سقوطاً عادياً، بل كأنها انزلقت داخل الجبل نفسه.
وعندما فتحت عينيها، وجدت نفسها في ممر طويل محفور في الصخر، جدرانه مليئة بنقوش قديمة وأسماء لا تعرفها، لكن بعضها كان مألوفاً بشكل مخيف كأنه يعود لأهل القرية. وفي نهاية الممر، كان هناك ضوء خافت. وبينما كانت تتقدم، سمعت خطوات خلفها.
التفتت بسرعة… لكنها لم ترَ أحداً، فقط صوت يهمس من الظلام: “لا تقتربي أكثر…”.
اختفاء وهلع في القرية
في نفس الوقت في القرية، بدأ القلق يكبر عندما لم تعد زرعة في وقتها ولم يعرف أحد أين ذهبت. تحولت ليلة الفرح إلى بحث وخوف، وانقسم الناس بين من يصعد الجبال ومن ينزل الأودية.
مرعي كان أول من صعد مع مفرح وسعيد وهادي، بينما كانت شريفة تبكي وصالحة تحاول تهدئة الجميع، ومسعدة تردد جملة واحدة فقط: “الجبل أخذ ما يريد”.
مرت أيام طويلة ولم يجدوا أثراً واضحاً إلا أشياء صغيرة متفرقة قرب طريق حرفة، وكأن زرعة كانت هناك ثم لم تعد. ثم اختفى “عايض” بعد أيام قليلة دون تفسير، وكأن الجبل أغلق باباً آخر! وبدأت الحكاية تكبر في القرية، ولم يعد أحد ينطق باسم حرفة إلا بحذر.
طيف في الضباب
مرت السنين… وتحولت القصة إلى أسطورة تروى في السمرات، لكن مرعي لم ينسَ؛ كان كل ليلة ينظر نحو الجبل وكأنه ينتظر إشارة.
حتى جاءت ليلة مختلفة، ليلة كان فيها الضباب أثقل من المعتاد. فوق مرتفع قريب من الجبل، رأى مرعي امرأة تقف وحدها… كانت تشبه زرعة!
وقف قلبه قبل أن تتحرك قدماه، ناداها بصوت مرتجف: “زرعة!”.
التفتت المرأة نحوه للحظة واحدة فقط، ثم اختفت داخل الضباب. ركض إليها بأقصى ما يستطيع، لكن عندما وصل لم يجد شيئاً… إلا قلادة فضية ملقاة على الأرض.
رفعها بيده وهو يرتجف، وعندما نظر نحو الجبل رأى الضوء نفسه الذي وصفته زرعة يوم اختفائها، لكن هذه المرة كان أكبر وأهدأ كأنه يغلق شيئاً للأبد. ثم بدأ الضباب يبتلع قمة جبل حرفة ببطء شديد حتى اختفى كل شيء.
وفي الصباح، لم يعثر أحد على أي مدخل، ولا أي أثر، ولا أي دليل، وكأن المكان لم يكن موجوداً من الأساس.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد زرعة، ولا عايض، ولا عاد أحد يجرؤ على الاقتراب من البوابة القديمة. لكن أهل القرية يقولون في ليالي الشتاء الطويلة إن الجبل ما زال هناك، وإنه أحياناً عندما يهدأ كل شيء يظهر ضوء صغير فوق قمته ثم يختفي، كأنه يراقبهم بصمت.
ويبقى السؤال الذي لم يجب عنه أحد عبر الأجيال: هل كانت زرعة قد ضاعت داخل الجبل فعلاً؟ أم أن جبل حرفة لا يختطف الناس، بل يحتفظ بهم في مكان لا يصل إليه الزمن؟
ويبقى الجبل شامخاً في عسير كما كان دائماً، صامتاً لا يبوح بسرّه، وكأن كل ما حدث لم يكن إلا بداية حكاية لم تُكمل بعد…
“استُلهمت أحداث هذه القصة من الأساطير الشعبية المتداولة حول جبل حرفة في منطقة عسير التي تقع في المملكة العربية السعودية”
ملاحظة: تم التطرق لموضوع جبل حرفة من قبل في الموقع لكن بشكل مختلف .
تحرير، تدقيق ومراجعة: رنين.