البحث عن مصاص الدماء .. (1) اقتفاء الأثر

لا أظن مخلوقا نال من الشهرة والشعبية كتلك التي نالها مصاص الدماء (Vampire)، لاسيما في عصرنا الحاضر حيث حمله الأدب والفن إلى أقصى بقاع الأرض فصار وجوده لازمة ضرورية لثقافة الرعب المعاصرة وأصبح أسمه مثارا لجدل لا ينتهي حول حقيقة وجوده وكينونته. وقد نالت صفحات موقعنا – كـابوس – حصتها من هذا الجدل البيزنطي العقيم، وهو أمر لم يخل من فائدة، لأنه زاد من حماسنا للمضي في رحلة بحث طويلة نفتش خلالها شواهد القبور المتآكلة في الجبانات القديمة المنسية، ونحلق فيها بأجنحة الخيال فوق قمم البلقان الشاهقة حيث نشئت الأسطورة وترعرعت، ونقلب بشغف أوراق محاضر بعض اغرب جرائم الدم وأبشعها … ذلك كله من أجل تقديم مقالة مشوقة تحوي معلومة مفيدة وحكاية فريدة تحملك معها عزيزي القارئ إلى عالم آخر حيث الدم هو الحاكم والطاغي.
للدم تاريخ .. وهو بالتأكيد تاريخ طويل يعود في جذوره إلى حقب وعصور ضاربة في القدم، إلى الجريمة الأولى التي أقترفها الإنسان حين تغلبت نوازع الشر والكراهية على عوامل الخير والمحبة في نفسه فحملته على سفك دم أخيه الإنسان، ومذ تلك اللحظة تدفق ذلك السائل الأحمر القاني بلا توقف كالشلالات حتى أصبح لونه رمزا للعنف، وفقدانه رديفا للوهن والضعف، وشربه كناية عن استلاب قوة الخصم والسيطرة على روحه .. ومن هنا ظهرت أساطير الآلهة والأشباح والعفاريت التي لا يروي ظمأها سوى الدم والتي تميز كل منها بصفات وقدرات خارقة منحصرة به؛ لكن التفاعل الحضاري بين الأمم، من خلال التجارة والأدب والحرب، مزج بين سمات هذه الكائنات الخرافية وصهرها معا في بوتقة شخصية مصاص الدماء التي نعرفها اليوم. لهذا يخطئ من يظن بأن الأسطورة بدئت في القرن الخامس عشر في رومانيا، وأن الكونت دراكولا كان قديس الدم الأول، فجذور الأسطورة أقدم من ذلك بكثير. لهذا وكمقدمة لهذا البحث، ارتأينا أن نمضي في رحلة بحث ننقب خلالها عن تلك الجذور القديمة المتوارية بين الظلال الداكنة والمتموجة لأحراش القصب والبردي الكثيفة الممتدة على ضفاف النيل والفرات والغانج .. الخ حيث الحواضن الأولى لحضارة بنو البشر.
وحوش الدم الأولى
![]() |
|
سخمت الربة الفرعونية |
: من أقدم الربات الفرعونية، كانت أقداح النبيذ الأحمر تسكب كالأنهار في مهرجانها السنوي من أجل إشباع رغبتها العارمة للدماء؛ صورها المصريون القدماء في هيئة امرأة برأس لبوه. كانت حامية الفرعون في الحروب، خلقها آله الشمس رع لتدمر أعداءه في مصر السفلى – الوجه البحري -، لكنها أسرفت في قتل الناس حتى كادت أن تبيد الجنس البشري، وللجم شهوتها المنفلتة للدماء قام الإله رع بتحويل مياه النيل إلى اللون الأحمر فكرعت منه حتى أطفئت ظمأها، ومذ ذلك الوقت أصبح اصطباغ النهر باللون الأحمر – بسبب اختلاط ماءه بالطمي الأحمر – حكاية عن تعطش سخمت للدماء ورأفة الآلهة بالبشر.
: ليليتو في السومرية، شيطانه شريرة ربطها الأكاديون والأشوريون بالعواصف والرياح التي تحمل المرض، صوروها في هيئة امرأة جميلة ذات شعر طويل تفتك بالنساء الحوامل والأطفال، تمتص الحياة والدماء من أجسادهم، وتشتهي الرجال فتعمد إلى إغوائهم وتظهر في أحلامهم وكوابيسهم وربما جعلتهم يمرضون؛ ومثل مصاص الدماء الذي نعرفه اليوم، ارتبطت ليليث بالليل، وعلى الأرجح فأن أسمها مشتق من مفردة (lily ) الأكادية والتي تعني الليل. ولاحقا خلال سبي الملك الكلداني نبوخذنصر لليهود (3) انتقلت أسطورتها من الفلكلور البابلي إلى التوراة حيث صورتها كعفريتة شريرة.
![]() |
|
العفريته ليليث |
: نوع أخر من العفاريت التي عرفها السومريون واعتقدوا بأنها أرواح أثيرية شريرة تعود لموتى لم يدفنوا بصورة صحيحة ولائقة. هذه الأرواح الحاقدة تتنقل من مكان إلى آخر مع الريح لتصب جام غضبها على الأحياء، تحمل إليهم الأمراض والأفكار الفاسدة، وقد تتقمص أجساد أولئك الذين ينتهكون المحرمات والمقدسات، وتمتص الحياة من الأطفال خلال نومهم في الليل. ولتسكين غضبها ودرء شرها كان القدماء يقدمون لها النبيذ والأطعمة الجنائزية.
: ربة الزمن والتغيير التي غالبا ما يربط الهندوس بينها وبين الموت – مرور الزمن ينتهي بالموت حتما –، تتخذ تماثيلها في المعابد هيئة امرأة ذات بشرة زرقاء وشعر أسود طويل، لها أربعة أيدي، اثنتان على اليسار تحملان سيفا يقطر دما ورأسا بشرية فيما اليدين الأخريين في الجهة اليمنى تكونان مبسوطتان دلالة على أن الربة تحمي وتعطف وتغفر لأولئك الذين يخلصون عبادتها.
![]() |
|
الربة الهندوسية كالي |
أصنام كالي غالبا ما تكون عارية، تطوق رقبتها قلادة كبيرة من الرؤوس البشرية، ويمتد من فمها لسان طويل يشبه لسان أفعى، وقد تبرز أنيابها لتضفي عليها مزيدا من الرهبة.
وبحسب المعتقدات الهندوسية فأن الربة كالي ذهبت برفقة الربة دوركا لمحاربة وقتل العفريت راكتباجي، المعركة كانت في غاية الشراسة، فالعفريت الشرير كان يعيد إنتاج نفسه مع كل قطرة دم تسقط من جسده، لهذا عمدت كالي إلى لعق الدم المتساقط من جروحه النازفة حتى امتصت دمه كله، فتمكنت الربتان من قتله.
: حسناء جميلة ترتدي ساري – ثوب هندي تقليدي ترتديه النساء – أبيض أو أحمر وتعيش بالقرب من العيون والسواقي، يمكن التعرف عليها عن طريق أجسادها التي لا تعكس النور،أي لا ظل لها، ولسانها الأسود الطويل وقدماها المقلوبتان إلى الوراء، فالأقدام المقلوبة، أي الأصابع إلى الخلف والكعب إلى الأمام، هي من أبرز سمات الأشباح الهندية (Bhoot ).
بحسب الأساطير الهندية، الجوريل هي روح تعيسة لامرأة ماتت بسبب نزف مرتبط بممارسة الجنس أو الحمل والولادة، لهذا تكره هذه العفريتة الرجال بصورة عامة والشباب منهم خاصة! فهي تعتبرهم سبب موتها وتسعى للانتقام منهم، وعادة ما يكون حبيبها الأخير في حياتها هو أول ضحاياها، وهي لا تنفك تغوي وتخدع الرجال في البقاع النائية والمهجورة لتجهز عليهم وتمتص دمائهم حتى آخر قطرة.
: عفاريت يقال بأنها سكنت أرض الهند منذ أقدم العصور، قبل ظهور البشر بفترة طويلة. وهي كائنات مخيفة ذات قدرات خارقة تتيح لها تقمص أشكال وهيئات مختلفة، فيمكنها أن تتلون للبشر في صورة حيوان أو امرأة جميلة، وهي تعشق لحم ودم البشر، خصوصا الأطفال الصغار. ومثل مصاصي الدماء، تختبئ هذه العفاريت في المقابر أثناء النهار وتنشط في الليل حيث تكون في أوج قوتها، كما قد تتلبس أجساد الموتى في بعض الأحيان.
![]() |
|
راكشاسا |
: من أكثر العفاريت إثارة للرعب، فهذه المخلوقات البشعة تلف أمعاء ضحاياها حول رأسها كالعمامة!. وهي تحمل معها دوما جمجمة بشرية تستخدمها كالكأس لاحتساء دماء البشر الذين تصطادهم، وحين تنتهي من شرب الدم حتى آخر قطرة، تقوم بالتهام الدماغ وتستخرج الأمعاء والأحشاء لتلفها حول رقبتها وتبدأ بالرقص حول الجثة.
: هي أرواح هائمة في البرزخ لم تستطع العثور على طريقها إلى العالم الآخر بسبب دفنها بصورة غير لائقة، ولأنها ضائعة ما بين عالمنا والعالم الآخر، يكون إحساسها بالزمن معدوم. وغالبا ما تتقمص جثث الموتى في المقابر لإثارة الرعب في قلوب الأحياء، فتسبب الجنون للبعض وتجهض لرؤيتها الحوامل، وهي لا تتورع عن قتل الأطفال الصغار إذا ظفرت بهم. وكما في أسطورة مصاص الدماء، فأن الجثة التي تتلبسها هذه الأرواح الشريرة تتوقف عن التحلل والتعفن، ولا يمكن التخلص منها إلا عن طريق إعادة دفن الميت بصورة صحيحة.
![]() |
|
تشي جيانك .. مصاصي دماء الشرق الأقصى |
: كائنات مرعبة رهيبة تجمع بين صفات مصاصي الدماء و الزومبي؛ تدعى كانكشي في كوريا وكيونشي في اليابان، ومعناها “الجثث المتخشبة أو المتيبسة”. وهي أرواح موتى بقيت حبيسة داخل جثثها لأسباب شتى، كالانتحار أو التعرض للقتل .. وفي هذه الحالات، أي عندما تفشل الروح في مغادرة الجسد الميت، فأن الجثة تتحول إلى جيانك تشي، وتبدأ في التغذي على الأحياء.
ويختلف شكل وهيئة الجيانك تشي بحسب سرعة التحول، فالجثث التي تتحول سريعا تكون أجسادها سليمة تقريبا ولذلك يصعب تمييزها عن البشر العاديين، لكن معظم الجثث تحتاج لفترة طويلة حتى تتحول، لهذا يكون منظرها بشعا ومخيفا، أجسادها شاحبة متحللة يغطيها العفن والطحلب الأخضر، شعرها أشعث أبيض ولسانها طويل أسود، يداها طويلتان تنتهيان بأظافر مدببة حادة كمخالب الحيوانات المفترسة، وهي تمشي بالوثب على رجل واحدة. وبحسب الخرافة فأن الإنسان بإمكانه الإفلات من قبضة هذه المسوخ الشريرة عن طريق حبس أنفاسه، لأنها عمياء تماما تعتمد على حاسة السمع فقط في ملاحقة وإمساك ضحاياها، وكما في أسطورة مصاصي الدماء الأوربية، فأن رمي بعض أشياء الصغيرة، كالأحجار أو فتات الخبز، في قبور الجيانك تشي سيمنعها من مطاردة البشر لأنها ستنشغل عنهم بحساب تلك الأشياء مرارا وتكرارا.
![]() |
|
الغول .. وحش المقابر العربية |
: هي كائنات الرعب الأشهر في التراث العربي والتي لا يزال صداها يتردد حتى اليوم في حكايات الأمهات والنساء العجائز في مختلف البلدان العربية، وهي تروى لتخويف وترويع الأطفال الصغار لكي يكفوا عن اللعب والشقاوة ويخلدوا إلى النوم. ويقال بأن الغول هي من أجناس الجن، وهي مؤنثة لدى البعض ومذكرة لدى آخرين، فيما زعم فريق آخر بأنها من سحرة الجن وذلك لقدرتها على التغول، أي التلون بأشكال وصور شتى من أجل الاحتيال على البشر واستدراجهم إلى مهاوي الهلاك. وهناك روايات عن الغول التي تسكن المقابر وتتغذى على لحوم الموتى، وهي لا تتوانى عن التهام لحوم الأحياء أذا ظفرت بهم. ويعتقد بعض الباحثين في الفلكلور بأن جذور خرافة الغول تعود إلى العفريت غالو (Gallu )، وهو أحد عفاريت العالم السفلي في الأساطير السومرية.
– : مخلوقة خرافية من التراث العربي، يقال بأنها من الجن وهي أنثى الغول، وهي قاتلة بشعة اشتهرت عند العرب في قدرتها الفائقة على التحول إلى هيئة امرأة فاتنة الجمال تكمن للمسافرين عند مفترق الطرق في المناطق المهجورة والنائية لتغويهم وتتلاعب بهم حتى تهلكهم فتأكلهم وتشرب دمائهم.
![]() |
|
روح مفترق الطرق الشريرة |
: هي روح امرأة ماتت أثناء الولادة بحسب معتقدات الازتك، وهذه الروح الشريرة تسكن عند مفترق الطرق، تسرق الأطفال الصغار من أمهاتهم أثناء الليل، وتنشر الأمراض وتسبب الجنون للرجال، وقد صورها الازتك في هيئة امرأة مخيفة لها رأس هو عبارة عن جمجمة عظمية ولديها مخالب نسر في يديها.
: هم مزيج بين السحرة ومصاصي الدماء، وهم في الحقيقة بشر عاديون، لكنهم يولدون مع لعنة أزلية لا يمكن الخلاص منها. ولأنهم ولدوا بصورة طبيعية لذلك يصعب التعرف عليهم وتمييزهم، ويستمرون بالعيش مع عائلاتهم كأطفال عاديين حتى يكتشفوا حقيقة ما هم عليه في وقت ما عند سن البلوغ. وحين يكتشف تالابوتشي ذاته فأنه يبدأ في الحال بالبحث عن ضحاياه، إذ يجب عليه أن يشرب الدم لمرة واحدة شهريا وإلا مات.
غالبية التالابوتشي من النساء، ولديهن القدرة على التحول والتلون في صور وأشكال شتى، لكنهن يفضلن هيئة النسر والعقاب. التالابوتشي يحوم طائرا فوق منزل ضحيته أولا، إذ عليه تأدية بعض الطقوس السحرية ليتمكن من دخول المنزل، وهو في العادة يفضل الأطفال الصغار لكنه قد يهاجم الكبار أيضا، يمتص دمائهم حتى الموت. وبحسب المعتقدات في المكسيك فأن البصل والثوم والحديد لها تأثير كبير في صد هجمات التالاباتشي.
: مخلوق بشع تختلف أوصافه من منطقة إلى أخرى في أمريكا، له وجه حيوان قارض أو كلب، أنيابه طويلة ومعقوفة للداخل، جلده رمادي ضارب إلى الزرقة يعلو ظهره صف من الأشواك المسننة المنحدرة من أعلى الرأس وحتى نهاية الذنب. وهو يمشي على أربع لكن بإمكانه الانتصاب كالكنغر، طوله يتراوح بين 1 – 1.2 متر.
طالما أثار التشوباكابرا ذعر المزارعين بسبب مهاجمته لحيواناتهم الأليفة وكذلك بسبب طريقته الوحشية في القتل، فهو مصاص دماء حقيقي، ينشب أسنانه الحادة في صدر ضحيته ثم يبدأ بمص الدم حتى أخر قطرة.
![]() |
|
وحوش افريقيا الدموية |
: أرواح شريرة أعتقد شعب الإوي في غينيا بأنها تمتص دماء الناس أثناء نومهم في الليل، وهي تتنقل من مكان إلى آخر على شكل يراعة مضيئة، لكنها قد تتلبس جسدا بشريا. وغالبا ما تحوم الشكوك حول الأشخاص الحسودين والغيورين في كونهم ادزي.
: هذه الأرواح الشريرة شائعة جدا بحسب معتقدات شعب الأشانتي في غرب أفريقيا، فهي تتقمص أجساد الناس العاديين، وأحيانا قد تحل في أجساد الحيوانات لتفترس البشر. وهي تتحرك ليلا في شكل كرة مضيئة تنساب إلى داخل الأكواخ لتمتص الدماء من أجساد الأطفال.
: مخلوق خرافي بهيئة طائر كبير يبرق ويرعد حين يحرك جناحيه ومخالبه. وبحسب فلكلور قبائل الزولو والبونو في جنوب أفريقيا، يكون الإمبوندولو خادما للسحرة يرسلوه للقضاء على أعدائهم، وهو يتميز بولعه وشهيته المفتوحة للدماء، وقد يتخذ هيئة شاب وسيم لإغراء وخداع النساء.
: من أنصاف الآلهة الإغريقية، ابنة الربة هيكاته، آلهة السحر ومفترق الطرق. أسمها يعني “ذات القدم الواحدة”، اشتهرت بإغوائها للرجال، تستدرجهم وتستمتع بالتهام أجسادهم وامتصاص دمائهم.
![]() |
|
الحورية الاغريقية لاميا |
: حفيدة بوسيدن، آله البحر في الميثولوجيا الإغريقية والرومانية. بحسب الأسطورة القديمة فأن لاميا كانت ملكة ليبيا الامازيغية، ويقال بأنها دخلت في علاقة غرامية مع الإله زيوس انتهت بإنجابها عدة أطفال في السر، وقد أدت هذه العلاقة إلى غضب الربة هيرا – زوجة زيوس وأخته – فعاقبتها على علاقتها مع زوجها بقتل أطفالها أمام عينيها، الأمر الذي دفعها إلى حافة الجنون، ومنذ ذلك الحين صارت تقتل وتلتهم أطفال البشر وتمتص دمائهم.
: سترجيز أو ستريكس تعني البومة في روما القديمة، وخلاصة القصة هي أن الربة إفروديت غضبت على حورية تدعى بوليفونتي فعاقبتها بجعلتها تغرم بدب بري، وقد أثمر هذا الغرام الشاذ عن طفلين مشوهين ورثا عن أبيهم وحشيته فأصبحا من آكلي لحوم البشر، الأمر الذي أغضب افروديت مرة أخرى فحولتهما إلى طائرا بومة، لكنهما الأخوين استمرا في مهاجمة الناس خلال الليل، وعرف عنهما ولعهما بلحوم ودماء البشر. ولهذا أصبحت البومة نذيرا للشؤم لدى الرومان.
شرب الدم بعيدا عن الأساطير
قد يظن البعض بأن شرب الدماء مقصور على الوحوش والمخلوقات الخرافية، لكن التاريخ يخبرنا بأن الممارسات المتعلقة بالدم هي غاية في القدم، فقد ذكر المؤرخون بأن مقاتلي الاسكيثيين (Scythians)، وهم شعب بدوي قديم عاش في جنوب روسيا، كانوا يشربون دم أول جندي من الأعداء يقتلونه في ساحة المعركة، كما عرف عنهم شربهم لدماء خيولهم حين يتعذر عليهم الوصول إلى الماء أثناء الحروب وحملات الغزو الطويلة، كانوا يفتحون جرحا صغيرا في عنق الجواد الذي يمتطونه ثم يمتصون الدم منه مباشرة، فيغنيهم ذلك عن شرب الماء. وقد أشار المؤرخون المسلمون إلى مثل هذه الممارسة لدى المغول أثناء اجتاحهم للشرق الأوسط في القرون الوسطى.
![]() |
|
كاهن يحتسي الدم من عنق القربان في مهرجان الربة غاديما في نيبال |
إن امتلاك قوة الخصم واستلاب روحه كان غالبا هو الدافع الرئيسي لشرب الدم، إذ كان هناك اعتقاد راسخ لدى الأقوام البدائية في أن قوة الإنسان تكمن في دمه، وربما من هنا أتت عبارة : “سأشرب من دمك”، التي تدور على لسان الناس عند الغضب والتهديد والوعيد. وبمرور الزمن امتزجت تلك المعتقدات البدائية مع الطقوس الدينية الوثنية، فأصبح أسرى الأعداء لا يذبحون في ساحة المعركة وإنما ينقلون إلى المعابد الحجرية الفخمة والضخمة لتنحر أعناقهم كقرابين عند مذبح الآلهة، ويمكن ملاحظة بقايا هذه الطقوس الدموية الوثنية في بعض بقاع العالم حتى اليوم، ففي مملكة النيبال مثلا، يقوم الهندوس لمرة واحدة كل خمسة سنوات بذبح آلاف الحيوانات في مهرجان ضخم مكرس للربة غاديما، حيث تسيل دماء الثيران الضخمة كالشلالات عند مذبح المعبد، ويقوم بعض الكهنة بامتصاص وشرب دم القرابين للحصول على رضا الآلهة. ويقال بأنه في العصور الوسطى، أي قبل صدور قانون “منع التضحية البشرية” في الهند عام 1780، كان البشر يشكلون جزءا من تلك القرابين والأضاحي المقدمة للآلهة الهندية.
![]() |
|
في الأسفل تذبح القرابين وفي الأعلى الكهنة يحتسون الدم – كتيبة حجرية من حضارة الموشي |
وإذا كنا قد خضنا في موضوع القرابين الدموية، فلا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن الحضارات الأمريكية قبل الغزو الأسباني كانت الأعلى كعبا بين الأمم القديمة في هذا المجال، فلم تشهد امة من الأمم ذبائح بشرية كتلك التي شهدتها المعابد الحجرية المدرجة في حواضر الأزتك والمايا والانكا حيث كانت قلوب القرابين البشرية تنتزع من الأجساد الخائفة المرتجفة لتقدم لآله الشمس وهي تنبض، وذلك من أجل ديمومة دورة الحياة وحماية الكون من الانهيار، وبعد انتزاع قلوبها النابضة، كانت تلك القرابين ترمى من أعلى المعبد فيتلقفها عامة الناس في الأسفل ليلتهموا أجزاء منها، تبركا وطمعا برضا الآلهة. وفيما يخص موضوعنا، فلعل اللوحات الحجرية التي عثر عليها المنقبون في مدن حضارة الموتشي (Moche ) شمال بيرو هي المثال الأوضح على ممارسة شرب الدماء البشرية، ففي البداية كانوا ينحرون عنق القربان البشري بسكين حادة، ثم يقربون كأسا ذهبية كبيرة نحو جرحه وينتظرون حتى تمتلئ الكأس بالدم الحار لينقلوها إلى مجموعة من الكهنة الذين يقومون بشربها.
![]() |
|
سراديب روما القديمة |
في روما القديمة، أعتقد الناس أيضا بخواص الدم الخارقة، خصوصا في مجال علاج الأمراض، والطريف هو أن تلك الخواص كانت تختلف حسب قوة وشجاعة ونبل صاحبها، فأطباء ذلك الزمان مثلا كانوا يؤمنون بأن دم مصارع الحلبة (gladiator ) يمكنه شفاء مرض الصرع، لهذا كان مرضى الصرع يتزاحمون على أجساد المصارعين المحتضرين ليرشفوا الدماء من جروحهم النازفة!، ويقال بأن هذه الممارسات والمعتقدات الخرافية قادت إلى ظهور طائفة سرية أعضائها من الرجال والنساء الذين أدمنوا شرب الدم، وكانوا ينظمون حفلاتهم الدموية داخل سراديب وأنفاق مظلمة بعيدا عن أعين الناس، وقد أثارت القصص والإشاعات عن هذه الطائفة رعب واشمئزاز الرومان، فقررت روما معالجة الأمر بحزم، بثت مخبريها وجواسيسها في كل مكان لملاحقة أفراد الطائفة، كانت تلك هي أكبر وأول مطاردة في التاريخ لتصفية مصاصي الدماء. لكن بعض المؤرخين اتهموا الرومان بتلفيق قصص مصاصي الدماء من أجل التنكيل بالمسيحيين الأوائل في روما، خصوصا وأن أولئك المسيحيين المضطهدين كانوا يجتمعون في السر لممارسة طقوس دينهم الجديد والتبشير به. لكن المفارقة في الأمر، هو أن نفس الاتهام الذي وجهه الرومان للمسيحيين كاله هؤلاء بعد عدة قرون لليهود فاتهموهم باختطاف الغلمان المسيحيين وتعذيبهم من أجل استخلاص دمهم وشربه، فيما عرف تاريخيا بأسم تهمة أو تشهير الدم (Blood libel ) والذي استخدم كذريعة للتنكيل باليهود ومصادرة أملاكهم خلال العصور الوسطى.
أخيرا يجب أن نذكر بأن للدم أهمية كبرى في مجال السحر والشعوذة، فالعديد من الوصفات السحرية تتطلب الحصول على دم حيواني أو بشري، لذلك كانت تهمة شرب الدم هي من التهم الرئيسية التي كالتها محاكم التفتيش – سيئة الصيت – للساحرات خلال مطاردتهن في القرون الوسطى، وبالطبع فأن أغلب تلك التهم كانت ملفقة، لكن هذا لا يعني بأن الدم لم يكن جزءا من الممارسات السحرية، فحتى في عصرنا الحديث هناك طوائف من عبدة الشيطان، والجماعات المهووسة بمصاصي الدماء، تؤمن بقوة الدم الخارقة والسحرية ويقوم أعضاءها باحتسائه خلال حفلاتهم السرية التي قد تتضمن تقديم أضحية بشرية، وبالفعل هناك جرائم موثقة اقترفها هؤلاء ونشرت تفاصيلها وسائل الأعلام في السنوات الأخيرة.
يتبع .. (2) الدم كغذاء

ياجماعه بنسبه لحكايه المصصون الدماء حقيقيه لان احنا عندنا كواكب اخرة لا نعيش فيها ولا توجد فيها المياة و البشر لايعشون فيها ولكن الكواكب الاخرة التى لا يوجد فيها شمس وهى من عوامل احراق المصاص وهم لا يحبون المياة وبنسل على انه الدم فى شربه دة عامل اساسى ودة لا يسبب امراض وبل بعكس انه يشربون الدماء لكى يتغذو عليه دة العامل الاساسى مثل شرب الماء عندنا الكواكب الاخرة التى يعيشون فيهامخلوقات الله سبحانه وتعالى والانسان لا يخف من اى 1شئ الله احبك
شكرا لنشر الموضوع
مشكوره على الموضوع بس من ناحية الصورة بتاع الكاهن الي يشرب الدم من الحيوان اثارتني اشمئزازا وقرفا
بليييييييييييييييييييييييز اي احد يعرف عن المصاصي الدماء او ممكن يقول انو منهم بلييييز يضيفني على
soso_kuot@yahoo.com
الى vampireانا متاكدة انك تؤمن بوجود مصاصي الدماء لكنني اعلم ما تريد اخفاءه
ان كل ما كتب هنا يتنافى مع ما نعرفه عن مصاصي الدماء من خلال الافلام والبحوت لكنه افادني فشكرا جزيلا
هذة الحكايات غير حقيقية و هذا تخلف بكل معنى الكلمةةةةةةةةةةةةة
انا مش عارفة بس فى ابحاث كتير اكدة ان فى مصاصى دماة حقيقيون وعلى العموم انا معنديش مانع يكون فى مصاصى دماء فى مصر بس يكونوا زى ادوارد فى تويلات اكيد لو شكلهم كدة يبقى كل البنات هتعوز يبقى فى مصاصى دماء وهيتخيلوا نفسهم بيلا
مشكور اخي اياد على موضوعك المتميز والمفيد معا
وبالفعل أمر غريب وجود عادات شرب الدم الى يومنا هذا لدى بعض الطوائف والقبائل والشعوب المتفرقة في بقاع الارض كافة
لكن ما يثير استغرابي ودهشتي ألا وهي طقوس شرب الدم سواء كانت دم حيواني او بشري أليست مضره على صحة شاربها وكفيله بنقل الامراض والأوبئة إليه على حدا سواء ؟؟
لو انت بجد مصاص دماء اكيد قوى بس اهم حاجه تكون امور اوى زى الافلام وكمان اكيد هتلاقينى
سؤالي دحين اللي محيرني هوا ايش اللي يفيد في شرب الدم يعني الناس اللي يشربوا الدم ما يمرضوا ؟
لان الدم مكون من الماء و البولينا . ههههه
المهم شكرا جزيلا على الموضوع الرائع.
عن جد واو.اتمنى بان تهتموا بالاساطير الرومانية اكثر
اشكركم على الموضوع.جميل جدا التعرف عى الاساطير التاريخ .اسلم ايديكم حبيت الموضوع
كالعادة اتحفتنا بمعلومات هائلة شكرا
لا يوجد شئ اسمه اشباح او عفاريت او وحوش انها ليست الا خرافات وتفاهات طفولية
الموضوع مثير وشيق .. واتمنى ان ارى في المواضيع القادمة موضوع يتكلم عن الاميرة الروسية أناستاسيا
حقيقة ليس بغريب على موقعكم المبدع هذه الإبداعات التي تثلج القلب
يالا روعه هذه الاسطورة
حقيقة موضوع يدل على ابداع الكاتب المبدع وليس بغريب على هذا الموقع المبدع هذه الأعمال العظيمة
موضوع جميل بجد مفيش اسطورة من فراغ
أخي العزيز “مجهول” .. شكرا جزيلا على المشاركة والتعليق .. ويسعدني تواجدك معنا .. تحياتي لك وتقبل فائق التقدير والأحترام.
موضوع في منتهي الروعه اهلا بكم في عالم الدماء شكرا لك ايد ولك مني كل تقدير واحترام
أختي العزيزة زكية .. شكرا جزيلا على المشاركة والتعليق .. وفي الحقيقة العصور القديمة تميزت بوحشيتها وهذا يكاد يشمل جميع الأمم .. اما بالنسبة لشعوب الامريكيتين من الهنود الحمر فلا اعتقد بأنهم ما جرى لهم على يد الأوربيين هو عقاب آلهي .. لا ننسى بأن المجرم والضحية كلاهما كانا من الهنود الحمر .. فالأزتك والمايا والأنكا كانوا يقدمون قرابين بشرية من أبناء جلدتهم من الهنود الحمر .. فلماذا يعاقب الله الأثنان ؟ .. اي الجاني والمجني عليه .. اعتقد ان مسيرة التاريخ واحداثه معقدة الى درجة كبيرة ولا يمكن أحيانا تفسيرها منطقيا ..
سعيد لتواجدكِ معنا .. تحياتي لكِ وتقبلي فائق التقدير والأحترام.
السلام عليكم جميعًا…
سلمت يمناك أخي إياد، الموضوع جميل وشيق ولكنه مرعبٌ جدًا، أحمد الله أننا لسنا في تلك العصور الدموية، وأستغرب أي لذةٍ يجدون في شرب الدم؟؟!!!
وكنت أشعر أن هناك ذنبٌ ما اقترفه الهنود الحمر (الآزتك والمايا والإنكا)، ذنب جعلهم يُنحَرون عن بكرة أبيهم على يد الشراذم اللأروبيين غزاة القارة الأمريكية، ورجحت أن يكونوا قد اقترفوا مذابحًا وأزهقوا الأرواح، وها أنا أعرف أنهم بالفعل أراقوا الكثيييييييييييير من الدماء الزكية الطاهرة،،،،،،
تحياتي لك أستاذ إياد
أختي العزيزة Vamia .. شكرا جزيلا على المشاركة والتعليق .. وبالفعل هناك أسرار كثيرة وراء العديد من الأمور التي قد نعتبرها مجرد خيال .. تحياتي لكِ وتقبلي فائق التقدير والأحترام.
موضوع رائع و غني ..
لدم تاريخ حافل على مر العصور
وحتى يومنا هذا لا شك انه يحمل سرا كبيرا وراء عشق البشر له..
أخي العزيز الشجاع .. شكرا جزيلا على المشاركة والتعليق وعلى ابداء رأيك في الموضوع .. تحياتي لك وتقبل فائق تقديري وأحترامي.
لا يوجد شئ اسمه اشباح او عفاريت او وحوش انها ليست الا خرافات وتفاهات طفولية,
أخي العزيز اسلام الحضري .. شكرا جزيلا على المشاركة والتعليق .. وفي الحقيقة معلومات قيمة ومفيدة أسمع عنها للمرة الأولى .. وبالطبع لا يمكن انكار أن العرب قاتلوا كمرتزقة مع جيوش الرومان والفرس في المعارك التي نشبت بين الامبراطوريتين، لكن قتالهم مع الرومان ضد القبائل الجرمانية هي معلومة جديدة تماما بالنسبة لي والقصة برمتها اكدت لي شكوكي في أن عبارة “سأشرب من دمك” لها جذور تاريخية ..
ممتن للمعلومات ولا تحرمنا من مشاركاتك القيمة.
تحياتي لك وتقبل فائق التقدير والأحترام.
اولا شكرا اخي كثيرا علي هذا الموضوع الرائع و انتظر منك المزيد
ثانيا لقد قرأت في كتاب يحكي عن هجمات البربر الجرمان علي الامبراطورية الرومانية
ولفت نظري في هذا الكتاب ان عندما اشتدت هجمات البربر علي الرومان وتحديدا في شرق الامبراطورية قام الرومان بالاستعانه بالمرتزقة العرب الذين كانوا يعيشون بالقرب من حدود الامبراطورية الرومانية في ناحية الشرق وتحديدا في الجنوب منها ( سوريا الكبري )
فقد وصف المرتزقة بأنهم عراة الا ما يستر عورتهم وطويلي الشعر ويحملون سيوف طويلة
وفي بداية هجومهم علي الجرمان اخذوا بعض من جنود الجرمان ونحروا اعناقهم وشربوا دمائهم امام بقية الجيش الجرماني وفي ساحة المعركة
فخاف الجنود الجرمان من بشاعة المنظر وفروا منسحبين
وكان يعلق علي هذه العبارة مؤلف الكتاب ويقول ان قول العرب في حالة الشجار انني سوف اشرب من دمك نابعة منذ القدم وتحديدا من زمن هذه القصة