الجحيم الذي رأته “كاثي ماكدانيال”

كان المطر يهطل بغزارة فوق شوارع مدينة سياتل الأمريكية في شتاء عام 1999، بينما كانت كاثي ماكدانيال تقف قرب نافذة منزل صديقتها المريضة، تحدّق في السماء الرمادية بقلق غامض لا تعرف سببه.

كانت قد أمضت أيامًا طويلة تعتني بصديقتها المنهكة بسبب الإنفلونزا، دون أن تدرك أن العدوى كانت تتسلل إلى جسدها ببطء… كوحش خفي ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.

من الإنفلونزا إلى حافة الموت

في البداية ظنت أن الأمر مجرد تعب عابر؛ سعال خفيف، حرارة مرتفعة، وإرهاق شديد. لكن خلال أيام قليلة، تحوّل كل شيء إلى كابوس، وبدأت تسعل دمًا، وشعرت وكأن شيئًا في داخلها ينطفئ تدريجيًا. قالت لاحقًا: «كنت أشعر بأن الحياة نفسها تغادر جسدي عبر قدمي.»

نُقلت إلى المستشفى على وجه السرعة، وهناك أخبر الأطباء عائلتها بالحقيقة المرعبة: رئتاها تعرضتا لانهيار شبه كامل بسبب متلازمة الضائقة التنفسية الحادة، وأن فرص نجاتها لا تتجاوز 38%. وفي تلك الليلة… دخلت كاثي في غيبوبة طبية استمرت ثلاثة أسابيع.

لكن بالنسبة إليها… لم تكن غيبوبة، بل كانت بداية الرحلة.

الاستيقاظ في الجحيم

استيقظت في ظلام مطبق. لم يكن ظلامًا عاديًا، بل فراغًا بلا حدود، بلا صوت، وبلا إحساس بالزمن. ثم بدأ الظلام يتحول تدريجيًا إلى لون أحمر خافت، يشبه ضوء شمس تحتضر خلف الدخان. في البداية اعتقدت أنها ترى شروقًا بعيدًا، لكن فجأة دوّى صوت هائل من العدم: «هل تعرفين أين أنتِ؟»

ارتعش قلبها بعنف. كان الصوت مرعبًا إلى درجة جعلتها تشعر بأن روحها نفسها ترتجف. حاولت التفكير… ثم همست: «الشيء الوحيد الذي يخطر ببالي… هو الجحيم.»

ساد الصمت للحظة، ثم انفجر المكان بضحكة مرعبة جعلت الدم يتجمد في عروقها.

بدأت تسير وسط عالم محطم؛ مدينة مدمرة بالكامل، ناطحات سحاب تتهاوى ببطء، وشوارع مليئة بالحطام، وسماء حمراء مشتعلة كأن العالم انتهى منذ قرون. وفي مكان آخر، وجدت نفسها وسط ساحة حرب هائلة: أصوات انفجارات بعيدة، وصرخات بشرية، ودخان يغطي الأفق.

عذاب “البلاك بيري” والمهمة المستحيلة

تغيّر المشهد مجددًا، وأصبحت تمشي في طريق ترابي طويل لا نهاية له، لا شيء حولها سوى الصخور والتراب والظلام. لكنها لم تكن وحدها، كان هناك شيء يراقبها ويقترب ببطء.

بدأ الخوف يسيطر عليها، فركضت بلا اتجاه محاولةً الهرب، وفجأة ظهر أمامها مخلوق مشوّه، طويل القامة، بعينين غارقتين في السواد وابتسامة باردة لا تحمل أي رحمة. قال لها بصوت خافت: «أستطيع أن أريكِ طريق الخروج.»

تعلقت بالأمل فورًا، لكن المخلوق أشار إلى حقول شاسعة مليئة بشجيرات “البلاك بيري” الضخمة التي يبلغ ارتفاعها سبعة أمتار، وقال: «كل ما عليكِ فعله… أن تقصيها.»

أمسكت بمِنجل وبدأت العمل بيأس، لكن كلما قطعت الأغصان الشائكة، عادت لتنمو فوراً من جديد. كانت المهمة مستحيلة، وكلما تعبت، كان المخلوق يراقبها بصمت مخيف مستمتعاً بعذابها، حتى همست بيأس: «هذا مستحيل… لن أستطيع فعل ذلك.»

ملاك الإنقاذ والعبور نحو النور

وفي تلك اللحظة… رأت شخصًا يقف بعيدًا بين الضباب. اقتربت ببطء ثم شهقت بصدمة؛ إنه صديقها الذي توفي قبل شهر! لكنه بدا أصغر سنًا، وأكثر حيوية، وكأن الزمن أعاده عشرين عامًا إلى الوراء. ابتسم لها بهدوء وقال: «ما يزال أمامك الكثير لتفعليه.»

فجأة، اختفى الخراب، والظلام، والأصوات المرعبة. وشعرت بدفء عظيم يغمرها بالكامل وهي ترتفع وسط نور هائل لا يشبه أي نور عرفته في حياتها. لم يكن مجرد ضوء، بل شعورًا بالحب والسلام والأمان المطلق، كأنها عادت أخيرًا إلى وطنها الحقيقي.

وهناك… شعرت بحضور عظيم، لم ترَ رجلًا يجلس على عرش، ولم تسمع كلمات واضحة، لكنها كانت متأكدة أنها أمام الخالق العظيم. قالت: «لم يكن الله رجلًا… بل كان نورًا وحبًا.» في تلك اللحظة اختفى كل خوف، لا ألم، لا حزن، لا ندم، فقط سلام كامل.

لكن ذلك الحضور أخبرها بشيء واحد: «حان وقت العودة.» صرخت روحها رافضة، لكن النور بدأ يتلاشى تدريجيًا… ثم فجأة— استيقظت!

العودة بروح جديدة

فتحت عينيها داخل غرفة العناية المركزة، الأطباء يتحركون بسرعة، وأجهزة التنفس تصدر أصواتها الحادة، وعائلتها تبكي من شدة الفرح.

مرت سنوات طويلة منذ تلك الليلة، لكن كاثي لم تنسَ شيئًا. نشأت كاثي في عائلة كاثوليكية محافظة، لكن الحياة القاسية —من طلاق، وفقدان طفلها، وآلام متراكمة— جعلتها تشك في إيمانها لسنوات. إلا أن تلك التجربة غيّرت كل شيء، وأصبحت تؤمن بأن الوعي لا ينطفئ حتى عندما يغيب الجسد.

وقد وثّقت كاثي تجربتها الروحية الفريدة لاحقاً في كتابها الشهير (Misfit in Hell to Heaven Expat)، ليس لإقناع المشككين، بل لتخبر أولئك الذين عاشوا تجارب مشابهة أو يخشون المجهول، بأنهم ليسوا وحدهم في ذلك البرزخ الغامض بين الحياة والموت.

حرر بجهود مشكورة للمحررة والمدققة: رؤى قلعة جي.

مراجعة وإشراف: رنين.

5 4 الأصوات
Article Rating
المصدر
christianworld

مقالات ذات صلة

guest
9 تعليقات
كريم
كريم
9 أيام

لفت نظرى كلمات ليس رجلا بل نورا ! هذا ما قاله القرآن الكريم سبحان الله

بنت بحرى
بنت بحرى
1 شهر

نعم الله بالتأكيد ليس رجلا..بل نورا وحبا🌹
فالله عز وجل ليس كأحد من خلقه..هو اقرب الينا من حبل الوريد….فى حضرته تسقط كل المخاوف ويستيقظ كل يقين.

حتى لو اغلقت كل الابواب باب الله يظل مفتوحا على اتساعه.. عندما تسقط دموعك رغما عنك حزنا وقهرا تحاول اخفائها بشتى الطرق عن نظر الجميع اما الله فيرى تلك المدامع قبل ان تسقط حتى.

امام الله لست فى حاجة الى ترتيب العبارات وتنميق الجمل يكفى أن تصمت ليعلم شكوتك ويمنحك الأمان بمجرد التوكل عليه.

كن على يقين أن الله ما دام معك فلا وحشة فى الطريق ولا خوف من أى ضيق ولا حاجة لك بصديق…فالله عز وجل هو الرفيق والسند الذى لا يميل..والرحمة المهداة التى لا تنفذ💜

إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟
بالمصرى (اللي معاه ربنا… ما يهموش حد.💪)
سلمت يداك اخى الفاضل
فى انتظار جديدك 🌹
سلام 🌹

رنين - نائبة مديرة دائرة التحرير والنشر
رنين - نائبة مديرة دائرة التحرير والنشر
1 شهر

“في تلك اللحظة اختفى كل خوف، لا ألم، لا حزن، لا ندم، فقط سلام كامل” شيء جميل!

عمانية
عمانية
1 شهر

كثير ناس مروا بتجارب مشابهة وعقل الانسان ماراح يتوقف عن إدهاشنا،،،سبحان الله العظيم خلق وصور وأبدع،،،

احمد علي
احمد علي
1 شهر

واووووو، مقالة جيدة، لا اعلم اذا كان هذا موجودا علي كوكب الارض النمطي لكن هذا لايزال للتو مذهلا!

كاثي تقمصت الدور وعملت بجد لتنجو، نحن البشر نحب الحياة، لم اسمع عن احد وهب حياته لغيره من قبل بخلاف الكماكزي الذين وهبوا حياتهم للارض، والامر ليس غريبا، اليابان كوكب اخر داخل كوكب الارض، كاءنات من بعد مختلف.

بالنسبة لوصف كاثي للخالق هذا هو الشيء الوحيد الذي لا اتفق فيه هنا، الخالق لايوجد شيء مثله في الهيئة، ايضا لايمكن لاي مخلوق علي الارض رؤيته، لن يحدث الامر الا في نهاية دورة حياة الكوكب، وفي يوم القيامة المجيدة تحديدا، قبل ذلك، لايوجد بشر راي الخالق العظيم من قبل، لايوجد.. عمت مساءا

عمانية
عمانية
1 شهر
ردّ على  احمد علي

يعني ما سمعت عن المجاهدين والصحابة وهم يدافعون عن رسول الله وعن الدين الجديد الي إجتمعت كل الأمم على حربة ومحاولة القضاء علية؟؟!!
ابيك تقرا كتاب للمؤلف المصري،،،خالد محمد خالد،،(رجال حول الرسول)
شي مذهل ،،،كمية التضحية والصبر والايمان ،،،
You’ll be amazed

ابو احمد
ابو احمد
1 شهر
ردّ على  احمد علي

يمكن للإنسان ان يرى الله سبحانه وتعالى في الحلم إذا اراد الله وهذا شي ممكن وكثير من أهل العلم اكدو ذالك

عمانية
عمانية
1 شهر
ردّ على  ابو احمد

وشو😡حرام عليك وش هالكلام اعوذ بالله
من اهل العلم الي قالوا كذا؟؟محد

Adeem
Adeem
1 شهر
ردّ على  ابو احمد

إذا موسى ماشاف الخالق الإنسان العادي يشوفه!! مستر ابو احمد الله لم يراه احد حتى في أحلامه

زر الذهاب إلى الأعلى
9
0
Would love your thoughts, please comment.x