الشر في الداخل

لم أكن أعتقد أنني قادر على ذلك؛ وقفتُ خلف الزجاج العازل أسمع المحامي يرددها في مرافعته الختامية وأرددها في سري، كان صادقاً وكنتُ صادقاً، لكن الصدق لم يعد ينفع أحداً الآن، فقبضتُ على حافة المنصة الخشبية وشعرت ببرودتها تتسلل إلى عظام أصابعي تماماً كبرودة معصم سارة حين تراخى في راحتي.
​اليد التي كتبتُ بها الرسائل لسارة، والتي حملتُ بها ابنتنا يوم ولدت، هي ذاتها اليد التي.. لا؛ حتى الآن وبعد ثلاثة أشهر في هذا القفص لا أستطيع أن أنطقها كاملة، فأقول الحادثة وأقول ما جرى وأقول تلك الليلة، لكنني أعرف تماماً ما فعلته هذه الأصابع.
​المحقق رمى بقلمه على الطاولة وقال إن لدي مشكلة في التعبير عن المسؤولية؛ لم أرفع عيني عن يدي المكبلة ولم أخبره أن المسؤولية ليست مشكلتي، فمشكلتي الحقيقية أنني أتذكر كل رعشة وكل نَفَسٍ مقطوع بتفاصيل مؤلمة ولا أفهم كيف وصلت إلى هناك، كمن يستيقظ غارقاً حتى خصره في ماء أسود ولا يذكر كيف دخل النهر.
​في الأيام التي سبقت تلك الليلة استيقظتُ مبكراً وكان البيت صامتاً، وياسمينة الشرفة ترمي برائحتها في الهواء الساكن، بينما سارة لم تزل نائمة وشعرها الأسود ينساب على الوسادة كجدول مُعتم؛ وقفتُ أراقبها وشعرتُ بشيء يشبه الدفء يتحرك في صدري، شيء يشبه الحب.
​• ثم فتحت عينيها.
• ماذا تنظر؟
• لا شيء.. أحب أن أراك نائمة.
• كاذب؛ تتحقق إن كان الشيب زاد في شعري.
​ضحكتُ وضحكنا معاً، ثم نهضت لتُحضر القهوة وأنا جلست على حافة السرير أُقلب الهاتف؛ فمررتُ بخبر طعن في مدينة بعيدة، وخلاف جيران انتهى بطلق ناري، ورجل يقتل زوجته لأنها طلبت الطلاق؛ مررتُ الخبر سريعاً ومضيت إلى الذي يليه ويدي باردة على الشاشة.
​على الفطور كانت تتحدث عن ابنتنا ريم التي كبرت فجأة وأصبحت تسأل عن حقيبة ظهر كأنها ذاهبة إلى الجامعة.
• سأشتريها بنفسي.
• أنت قلت هذا منذ شهر.
• سأفعلها هذا الأسبوع.. وعد.
​نظرت إلي طويلاً؛ لم تكن ملامحها قاسية بل كان شيء آخر يسبح في عينيها، الآن فقط أعرف أنه كان سؤالاً موجهاً لنفسها: هل سيفعلها حقاً هذه المرة أم أنها مجرد كلمات أخرى؟
​لطالما وصفوني بالهادئ حتى في تأبين أمي وأنا في التاسعة، قالوا: انظروا إلى الولد المتماسك، فالحزن لا يخرج من أفواه الرجال مثله؛ لم أخبرهم أنني لم أبكِ لأنني لم أستطع، فوقفتُ أتصافح مع المعزين ولا أشعر بشيء، كأن جسدي امتلأ قطناً، وكأن شيئاً تجمد في صدري ذلك اليوم ولم يذب منذ فترة طويلة.
​كان هناك كابوس يعود إليّ كل بضعة أشهر منذ ماتت أمي؛ أرى يديها تقتربان من وجهي ولا أرى ملامحها، فقط يداها، ثم أشعر بثقل مُطبق على صدري فلا أستطيع التنفس، وأستيقظ وأنا ألهث وأطرافي باردة؛ وفي الصباح كنت أنسى التفاصيل دوماً، لكن يبقى شعور غامض بالذنب لا أعرف مصدره يرافقني طوال اليوم.
​لا أتذكر وجهها جيداً بل أتذكر يديها فقط، كانتا دافئتين تضغطان على رأسي قبل النوم، وفي الليلة التي ماتت فيها انتظرتها طويلاً ونمت وأنا أنتظر، ثم صحوت على صوت عمتي تبكي في الممر وظللت أسأل أين أمي وهم لا يجيبون؛ في الجنازة رأيت أبي يبكي لأول مرة ووقف وحيداً وكتفاه ترتجفان، لم أذهب إليه ولم أعرف كيف، بل وقفت أنظر إليه من بعيد وشيء ينقبض في صدري لكن عيني بقيتا جافتين.
​منذ ذلك اليوم صرت أسمع صوتاً في رأسي ليس حقيقياً بل فكرة تتكرر: “أنت لست طبيعياً”؛ كلما رأيت الآخرين يبكون في الأفلام وكلما سمعت زملائي يحكون عن حب أمهاتهم كانت الفكرة تعود لتؤكد أن في داخلي شيئاً معطوباً.
​في الجامعة تعرفت على أمير وكنا نجلس على مقعد خشبي قرب المكتبة فقال لي فجأة: أتعرف؟ أنا خائف من أن أكون مثل أبي، كان أبي يضرب أمي أمامنا وأجدني أحياناً أغضب لأتفه الأسباب فأشعر برغبة في الكسر؛ أخاف أن أتحول إليه.
نظرتُ إلى يدي وقلت له: الخوف دليل أنك مختلف عنه.
• هل تعتقد ذلك حقاً؟
• نعم.
​لم أقل له إنني لا أعرف الخوف أصلاً، ولم أقل له إن مشكلتي ليست الغضب بل هذا الجمود الذي يجعلني أتساءل إن كنت إنساناً حقاً؛ بعد سنوات علمت أن أميراً تزوج وأنجب، وعلمت أيضاً أنه ضرب زوجته مرة واحدة وقال إنه ندم عليها بقية عمره، فكرت في نفسي: هو ضرب وندم وأنا.. أنا لم أنم بعد.
​في تلك الليلة عدت من العمل مرهقاً وألقيت حقيبتي على الأريكة وذهبت إلى المطبخ أبحث عن ماء بارد، بينما سارة كانت جالسة في غرفة المعيشة، سألتني دون أن ترفع رأسها: كيف يومك؟
• مرهق.. الزحمة لا تُطاق.
• ريم سألت عنك؛ قالت إنك وعدتها بالحقيبة.
• سأشتريها.
• قلت هذا من قبل.
• سأفعلها.
• متى؟
​رفعتُ صوتي قليلاً وقلت سأفعلها وهذا يكفي؛ نظرت إلي قائلة: لا.. لا يكفي، أنت لا تفعل شيئاً هذه الأيام؛ فسألتها: ماذا تريدين مني أن أقول؟ فقالت: لا أريدك أن تقول بل أريدك أن تفعل، فهناك فرق كبير.
​وضعتُ الكأس على الطاولة بقوة فارتطمت القاعدة بالرخام وارتد صوت كالشرخ؛ نظرت سارة إلى الكأس ثم إلي وفي عينيها لم يكن خوفاً بل حذر، حذر من يمشي في غرفة مظلمة ويعرف أن ثمة شيئاً سيصطدم به، فقالت بهدوء: لا تغضب.. فقط أقول.
• لست غاضباً.
• حسناً.
• حقاً.. لست غاضباً.
• لم أقل إنك غاضب.
• أنتِ تقولينه بعينيك؛ نهضت وابتعدت بخطوات مسحوبة قائلة إنها لا تريد أن نتشاجر ودعتني لمشاهدة التلفاز لكنني لم أتحرك، وقفت أنظر إليها وهي تبتعد وفجأة ودون مقدمات تذكرت القطة.
​كنت في السابعة ألعب في فناء المنزل وقطة صغيرة تموء تحت الشجرة، اقتربت لأداعبها فخدشت يدي، وأتذكر الغضب المفاجئ الذي اجتاحني، وكيف أمسكتها من رقبتها ورفعتها عالياً ورجلاها الخلفيتان تركلان الهواء وهي تحاول الهرب؛ ضغطت أكثر ثم شعرت بيد أمي تضرب كتفي وصوتها يصعقني: ماذا تفعل؟ أطلقها فوراً!
​أطلقتها وهربت القطة تجري، فنظرت إلى أمي ثم إلى يدي المخدوشة ولم أشعر بشيء، لا ندم ولا خوف بل فقط تساؤل: لماذا هي غاضبة؟ إنها مجرد قطة؛ في المطبخ وأنا أنظر إلى سارة تبتعد تذكرت كيف ضغطت على رقبة القطة وكيف توقف الركل بعد قليل، وهل توقف حقاً؟ لا أعرف؛ لا بد أنها عاشت وهربت.
• سارة.
• ماذا؟
• لا شيء.
• ماذا؟
• أحبك.
​نظرت إلي طويلاً ثم ابتسمت ابتسامة متعبة، وفي عينيها ذلك الحذر الذي كان موجوداً دائماً ورأيته في تلك اللحظة واضحاً كبصمة على زجاج؛ رأيته واخترت ألا أراه.
​في غرفة النوم كانت الظلمة كاملة ونامت سارة سريعاً بينما بقيت مستلقياً على ظهري أحدق في السقف الذي لا أراه، والأفكار تتزاحم في رأسي حول الحقيبة والوعد ونظرة سارة والقطة؛ أدارت جسدها في النوم وامتدت ذراعها لتلمس صدري فبقيت هكذا ويدها على قلبي وشعرت بدفئها يخترق القماش، وشعرت بشيء آخر ثقيل يتحرك في أعماقي ليس غضباً ولا حزناً، بل شيء لا اسم له.
​رفعت يدي لألمس شعرها الناعم وتذكرت ليلة زفافنا وكيف شعرت للحظة أن الحياة قد تعطيني فرصة لأكون طبيعياً، بقيت يدي على شعرها ثم نزلت ببطء إلى رقبتها؛ كانت نائمة وتتنفس بهدوء ولم تشعر بأصابعي تلمس جلدها، شعرت بنبضها الخافت تحت الجلد منتظماً واثقاً كنبض إنسان لا يخاف، فضغطت قليلاً فتحركت في نومها وهمهمت فخففت الضغط؛ بقي إصبعاي على رقبتها يراقبان ذلك النبض وتساءلت: ماذا لو ضغطت أكثر؟ ماذا لو واصلت حتى يتوقف؟ هل سأشعر بشيء؟ هل سأشعر بالندم الذي يتحدث عنه أمير أم سأشعر بالخوف أم بأي شيء؟ رفعت يدي فجأة ووضعتها تحت الوسادة ونبضات قلبي تتسارع ليس من الخوف بل من سؤال: من أنا؟
​في الصباح سمعت سارة تتحرك في المطبخ وتظاهرت بالنوم لأنني لم أكن أستطيع مواجهتها، سمعت ريم تسأل: بابا وين؟ فقالت لها سارة: نائم.. لا توقظيه؛ لكن ريم دخلت ووقفت على باب الغرفة تنظر إلي ففتحت عيني وابتسمت لي، قفزت فوقي واحتضنتها وشعرت برائحة الصابون ومعجون الأسنان وشعرت بشيء في صدري ليس الحب ولكن شيئاً قريباً منه.
• بابا.. بتشتريلي الحقيبة اليوم؟
• إن شاء الله.. أكيد.
​نهضت وارتديت ملابسي وخرجت إلى المطبخ، فكانت سارة تغسل الصحون وسألتني إن كنت نمت جيداً فقلت نعم رغم أن وجهي كان شاحباً؛ وقفت أتناول كوب الشاي والمسافة بيننا لم تكن تتجاوز مترين لكنني شعرت أنها أبعد، شعرت أن شيئاً انكسر الليلة الماضية حين وضعت يدي على رقبتها، شيء لن يصلح أبداً حتى لو لم تكن تعلم، فأنا أعلم وأنا الذي انكسر.
​خرجت من البيت متأخراً وفي الطريق مررت بمتجر القرطاسية واشتريت الحقيبة الوردية التي طلبتها ريم وحملتها بيدي ووضعتها على المقعد بجانبي؛ شعرت بشيء يشبه الفخر كأنني إنسان طبيعي يفعل أشياء طبيعية، رن هاتفي وكانت سارة فأخبرتها أنني اشتريت الحقيبة الوردية فقالت: ريم ستسعد جداً.. شكراً لك؛ ثم قالت: أنا أحبك.
​توقفتُ عند إشارة المرور الحمراء، ونظرت إلى الحقيبة الوردية ثم إلى السماء وقلت: وأنا أيضاً؛ لكن الكلمة خرجت جوفاء وسمعت الفراغ في صوتي، سألت نفسي: ماذا لو كنت لا أحبها حقاً؟ ماذا لو كنت طوال هذه السنوات أقول الكلمات التي يفترض أن تُقال دون أن أشعر بها؟
​في المساء جلست مع ريم أرتب حقيبتها الجديدة وكانت سعيدة تقفز وتضحك وسارة تبتسم بجانبنا وقالت لي بصوت منخفض: أخيراً؛ لم يكن في كلمتها توبيخ بل ارتياح واعتذار صامت، فمددت يدي ولمست يدها الدافئة وضغطت عليها قليلاً وأنا أفكر في تلك الليلة وفي رقبتها وفي القطة، فكيف يمكن لليد ذاتها أن تداعب شعر ابنتي وفي لحظة أخرى تضغط على عنق زوجتي؟ التقطت صوراً لريم وهي تلبس الحقيبة وفي إحدى الصور رأيت انعكاس وجهي خلفها مبتسماً كأبٍ عادي لكن عيني كانتا فارغتين تماماً؛ فحذفت الصورة.
​في تلك الليلة بقيت وحدي في غرفة المعيشة والأنوار مطفأة وفكرت في أمي وفي القطة وفي أمير وفي سارة التي تنام بجانبي وهي لا تعلم شيئاً؛ فكرت في هذا الشيء الذي يسكنني، هل هو الشر؟ هل الشر هو هذا الفراغ وهذه القدرة على الإيذاء دون شعور؟ في الساعة الثالثة فجراً دخلت غرفة النوم ووقفت أنظر إليهما ثم مددت يدي ولمست خد سارة برفق وشعرت بنبض الحياة وسألت نفسي مرة أخرى: ماذا لو ضغطت أكثر؟ رفعت يدي وخرجت وجلست في المطبخ حتى الفجر أحدق في يدي وأسأل: من أنت؟
​لم أكن أعرف أن تلك الجلسة الصامتة في المطبخ هي آخر عهدي بالهدوء، ففي اللحظة التي تسلل فيها ضوء الفجر الأول من النافذة، شعرت بجاذبية مرعبة تسحبني نحو الغرفة مرة أخرى، كأن يدي هي التي كانت تقودني لا عقلي؛ لا أتذكر كيف عدت لسريرها، ولا أتذكر متى تحولت يدي من “المس” إلى “القبض”، لكنني أتذكر جيداً السكون الذي تلا ذلك.. السكون الذي كان أعمق من صمت المطبخ بكثير.
​الآن وأنا أكتب في الزنزانة أعود إلى كل تلك الليالي، والمحامي يتحدث عن الظروف النفسية فضحكت بصوت عالٍ حتى نظر إلي القاضي؛ أي ظروف؟ ظروفي أنني عشت ثلاثين سنة لا أعرف إن كنت إنساناً أم مجرد شكل إنساني، وأنني في تلك الليلة ضغطت على رقبتها وضغطت حتى صار النبض صمتاً، فالخبر في الجريدة قال: “زوج ينهي حياة زوجته أثناء نومها”، وقلت للمحقق إن هذا خطأ، فأنا لم أنهِ حياتها بل أردت فقط أن أعرف ماذا سأشعر؛ وعندما سألني: وماذا شعرت؟ نظرت إليه وقلت له: لا شيء.. شعرت بلا شيء.
​غداً ستأتي ريم لزيارتي للمرة الأولى، وأمسكت بقلمي أكتب ما لا أملك شجاعة النطق به، وفجأة تحركت رائحة يود نفاذة واختلطت برائحة مخدات قديمة كانت تملأ غرفة أمي في لياليها الأخيرة، تلك الرائحة هي التي أيقظت الوحش الساكن في صدري؛ فرأيت جسد أمي منحنياً فوقي كجدار مائل يوشك على الانهيار، عيناها كانتا تنظران لشيء مرعب خلفي ويداها الباردتان تنزلقان إلى رقبتي ببطء مريض كأنها تتشبث بالحياة من خلالي؛ لم تكن تضغط لقتلي بل لكي لا تسقط، لكني شعرت بالاختناق وأن العالم كله يضيق على حلقي الصغير، فرفعت يدي ودفعتها بقوة الذعر الكاملة، فترنحت إلى الخلف وارتطم رأسها بحافة المنضدة الخشبية.
​كان الصوت خافتاً ولم تصرخ، بل انزلقت ببطء إلى الأرض ونمت وأنا أنتظر أن توبخني، وفي الصباح صحوت على بكاء عمتي؛ أخبروني أنه مرض وأنه قدر وأنا صدقتهم طوال ثلاثين عاماً ودفنت تلك الدفعة تحت جبل من الفراغ، فماتت أمي بيدي بغريزة طفل أراد أن يتنفس، والآن حين وضعت يدي على رقبة سارة لم أكن أكرر جريمة بل كنت أكرر السؤال ذاته: ماذا لو لم أدفعها؟ ماذا لو ضغطت أنا أولاً لأرى ماذا سيحدث؟ والآن أعرف أن الشر في الداخل ليس وحشاً يزأر؛ بل هو ذعر طفل دُفن حياً، سؤال لم يُجب عليه أحد وظل يكبر في الظلمة حتى ابتلع كل النور.

إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري

0 0 الأصوات
Article Rating

ابو العز

فلسطين

مقالات ذات صلة

guest
4 تعليقات
احمد علي
احمد علي
1 ساعة

ههههه، عنوانك مميزا للغاية يا ابو العز، الشر في الداخل؟ هذا رائع علي الاقل قبل بداية قراءة القصة، لم اكن لافوت القراءة بالتاكيد مع وجود هذا العنوان المغري..

بالطبع انت اخترت لقصتك شخصا مجنونا ومضطربا للغاية، من ينظرون للسقف ويفكرون كثيرا مضطربون ياصديقي، ههههه، لا اتكلم عن نفسي، فانا افعل ذلك طيلة مكوثي داخل بيتي، اثق ان بطل قصتك يحمل شرا ذكيا للغاية وفريدا ، اظنه مفترسا مميزا ايضا ينتظر اشارة وبندقية فقط لبدا الحصد.. عمت مساءا صديقي

Wave Manipulator
Wave Manipulator
9 دقيقة
ردّ على  احمد علي

النّظر للسّقف او الحيطان جميل.. ينقشع طلاء الحيطان فيرسم اشكالًا تستثير الخيال، وكذلك السّقف. مثل الغيوم أو تأكسد الفضّة، أشكال ممتعة ولا غيمة تشبه الأخرى في السّماء.

باسم الصعيدي
باسم الصعيدي
8 ساعة

أخي ابو العز .. تحية ود وأحترام

أعترف أنني بعد انتهاء القراءة لم أغلق الصفحة مباشرة.. بل بقيت دقائق أحدق في الجملة الأخيرة وأعيد في ذهني كل ما مررت به منذ السطر الأول.. وهذا في رأيي هو الفارق بين قصة تُقرأ.. وقصة تترك أثرًا

أجمل ما في النص أنك لم تجعل الشر بطلاً.. ولم تحاول تبريره أو تلميعه.. بل تناولته بوصفه سؤالًا نفسيًا مؤلمًا ظل ينمو في العتمة حتى صار قدرًا.. طوال القراءة كنت أشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.. ذكرى مفقودة.. أو بابًا مغلقًا يخفي الحقيقة.. وكلما تقدمت ازداد هذا الإحساس حتى جاءت النهاية لتفتح الباب دفعة واحدة.. فإذا بكل المشاهد السابقة تعود إلى مكانها الصحيح

أعجبتني كثيرًا الرمزية التي منحتها لليدين.. يد الأم.. يد الطفل.. يد الزوج.. كلها لم تكن مجرد أعضاء تتحرك داخل الأحداث.. بل تحولت إلى لغة كاملة تحمل الذاكرة.. والذنب.. والخوف.. والعجز.. هذا خيط سردي ذكي منح النص وحدة جميلة.. وجعل النهاية تبدو نتيجة طبيعية لا مفاجأة مصطنعة

كما أحييك على قدرتك في ضبط الإيقاع.. لم تستعجل الكشف.. ولم تعتمد على الإثارة الرخيصة أو المبالغة.. بل تركت التوتر يتراكم بهدوء حتى أصبح القارئ يشعر بالاختناق نفسه الذي يعيشه البطل.. وهذه ليست مهمة سهلة.. بل تحتاج إلى كاتب يعرف متى يقول.. ومتى يصمت

أما قلمك.. فهو يمتلك نضجًا واضحًا.. ولغتك رشيقة وواثقة.. تخدم الفكرة ولا تتباهى بنفسها.. وهذا النوع من الكتابة هو الأصعب.. لأن القارئ لا ينتبه إلى الجمل بقدر ما يجد نفسه منغمسًا داخل الحالة النفسية للشخصية

أشكرك على هذه القصة الجميلة.. لقد قرأت نصًا لا يكتفي بحكاية جريمة.. بل يطرح سؤالًا مقلقًا عن الذاكرة.. والطفولة.. والإنسان.. ويترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل بعد أن يطوي الصفحة.. وهذا في نظري هو الأدب الذي يستحق أن يُقرأ ويُناقش

دمت مبدعًا.. وسلم قلمك

باسم

وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
7 ساعة

ايه والله وهذا بالضبط ما يميز القصة .. فهي لم تحاول تبرير الشر بقدر ما كاانت تحاول فهمه .. حتى أن البطل لم يجد غير أبشع الطرق ليعرف إن كان ما يزال إنسانًا يشعر ..
لقد اختصر تعليقك الأثر الذي تتركه القصة في النفس .. فشكرا على هذه القراءة 📚 ..

زر الذهاب إلى الأعلى
4
0
Would love your thoughts, please comment.x