الهارب

في أحد السجون المشددة الحراسة الموجودة بمكان معزول . و الذي يضم بين جنباته زمرة من أعتى مجرمي البلد أغلبهم يواجه حكما بالإعدام أو المؤبد هتف قائد المساجين بانتصار :

– وأخيرا انتهى حفر النفق .. إلى الحرية يا إخوان .

عمت الفوضى، و ساد الهرج و المرج .. ووقفت أمام النفق الذي استغرق حفره أياما معدودة دون خطة سرية معقدة . بل و ببساطة تامة كون جميع الحراس و طاقم العمل اختفوا ذات صباح و لم يأت منهم أحد . ربما يكون سبب غيابهم ذلك الحوار الهامس الذي سمعته ذات يوم بين حارسين عن قيام حرب بين دول العالم العظمى و تفسخ بعض الأنظمة الحاكمة . لست متأكدا و لا يهمني إلاّ مغادرة هذا المكان البائس الذي قضيت فيه معظم سنوات عمري . أفقت من خواطري عندما دفعني أحد الرفقاء المتحمسين إلى داخل النفق .

اقرأ أيضا : المنارة

زحفت بكل قوتي و العرق يتصبب مني و أنفاسي تتلاحق .. كانت فعلاً لحظة نادرة و أنا أخطو إلى الخارج و كل ذرة في كياني ترتجف . و فجأة أشرقت شمس الحرية، ولم أسمح لنفسي بتأمل المنظر و الاستمتاع به بل انطلقت كالسهم أعدو كالمعاتيه على غير هدى . ورغم بدانتي و ترهلي إلا أني لم أستسلم بل قاومت الإرهاق والبرد و ظلمة الليل و ظللت أجري و أجري حتى سقطت أرضا من التعب و غلبني النعاس


استيقظت صباحا وأنا أتوقع أن المكان سيعج بدوريات التفتيش و الكلاب . لكن وحده الهدوء كان مخيما على كل شيء، فواصلت رحلتي حتى بلغت قرية صغيرة اقتربت منها بحذر . كانت خالية تماما لا أثر بها لبشر أو حيوان . فتشتدت البيوت القليلة واحدا تلو الآخر، كانت تعمها الفوضى و الصمت، لكن لا وجود لشيء يؤكل، و الجوع يكاد يفتك بي، قلت لنفسي “غريب ترى أين اختفى الناس فجأة؟” .

واصلت سيري ليوم و ليلة و قد بدأت في الهذيان و تخيل أشياء لا وجود لها . و قبل حلول الظلام لاح لي من بعيد شبح بيت ظنننته مجرد سراب . جررت جسدي إليه جرا و بشق الأنفس بلغت المكان وارتميت أمام المدخل فاقدا كل سيطرة على جسمي .

اقرأ أيضا : رعب في الطاسيلي

أفقت على شخص ينضح الماء على وجهي كانت عجوزا ذات ملامح لا تبعث على الراحة ابتمست لي كاشفة عن أسنان نخرة و قالت :

تفضل إلى الداخل .. البيت بيتك .
لم تكن مهتمة كما بدى لي بالمكان الذي جئت منه و لم أكن مستعدا لمصارحتها بأي حال من الأحوال .
اتخذت مجلسا قرب المدفأة شاعرا بالإسترخاء رغم رائحة المكان الكريهة . و قدمت لي مضيفتي طبق متسخ به قطع لحم لا أعلم كنهه . لكني على أي حال افترسته بشراهة و نهم فمسألة الذوق تصبح غير مهمة اذا ما شارفت على الهلاك . ثم ناولتني مشروبا ساخنا ارتشفت منه و أنا أحكي لها قصة القرية الخالية التي مررت بها . و أني لم اصادف أي كائن حي لثلاثة أيام ثم سألتها :
ـ ما الذي حدث في الخارج يا خالة؟ .
فردت بصوت عميق و بلهجة العالم ببواطن الأمور :
ـ يا بني لقد قامت حرب شرسة استعملت فيها جميع أنواع الأسلحة حتى البيولوجية منها . كما قالوا و التي قضت على معظم النبات و الحيوان فانهارت أغلب الدول و عمت الفوضى و القتل كل مكان و مما زاد الأمر سوء ندرة الطعام و اختفاءه من الاسواق . لقد أكل الناس بعضهم حرفيا .

ما تقولينه مخيف جدا يا خالة لم أكن أتخيل أن نهاية العالم ستكون بسبب الجوع فكرت ثم أكملت :
ـ كيف تعيشين أنتِ أمام هذا الوضع المزري .
ـ أتدبر أمري بما هو متاح .

كانت تتكلم و هي تحدجني بنظرات فاحصة متأملة جسدي بدقة باعثة على عدم الراحة . أحست هي بانزعاجي من نظراتها فغادرت المكان لبرهة ثم نادتني قائلة :
ـ لقد جهزت لك فراشا . تعال لتأخذ قسطا من الراحة .

اقرأ أيضا : الغريب – قصة قصيرة – (فانتازي-رعب)

استحسنت فكرتها خاصة أني شعرت فجأة بدوار و ثقل في رأسي . استلقيت في السرير و قد بدأ خاطر مرعب يجول في ذهني . غريب .. إذا كان قولها صحيح فمن أين لها باللحم؟ . كان النعاس قد بدأ يتسرب لي فقلت لها بصوت ضعيف بالكاد خرج من فمي :
ـ من أين جئت باللحــ…. أنت .. أنا ..
بينما أنا بين الحلم و اليقظة اقتربت مني و همست في أذني :
ـ أنت كنز ثمين يصعب الحصول عليه هذه الأيام .

حلمت أثناء نومي برجلين يحملاني ثم ينزلاني إلى قبو و يقوما بتكبيلي .. ظننت أن هاجس العودة مجددا إلى السجن سيطر على عقلي و جعلني أرى الكوابيس .. لكن هيهات . إذ صحوت في قبو مظلم عطن خبيث الرائحة مقيد الأطراف .. شعرت بصدمة و صرخت بكل قوتي :
ـ أين أنا .. لماذا تفعلون بي هذا؟ .
فرد علي صوت من مكان ما :
ـ مرحبا بك في مخزن اللحوم البشرية .
لم افهم ما يقصد هذا الأحمق و لم أعره اهتمامي . اعتدت على الظلام قليلاً فرأيت منظرا بشعا جدا لا يوصف . كان هناك بضعة أشخاص متناثرين حولي هنا و هناك . كانوا من مختلف الأعمار مقيدين .. وأغلبهم يعاني من هزال و ضعف شديدين .

الآن فقط فهمت ما جرى .. لم أكن احلم إذا . لقد خدرت و سجنت هنا من طرف عصابة من آكلي لحوم البشر. ووضعوني هنا تمهيدا لأكلي لاحقا .

مرعب .. أليس كذلك؟

0 0 الأصوات
Article Rating

مصطفى 2018

- الجزائر - للتواصل مع الكاتب : zianimustafa26@gmail.com

مقالات ذات صلة

11 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
أسماء~ :)
أسماء~ :)
3 سنوات

مرعب أليس كذلك ؟ وانتهى ؟
ليست نهاية جدية كانت ستبدو أروع لو انهيتها يا مصطفى .
موفق أسلوب سردك جميل

عقربة الرمال
عقربة الرمال
3 سنوات

أجل انه مرعب .. مرعب بحق 😮

طي الكتمان
طي الكتمان
3 سنوات

حين قولها اختفت النباتات علمت انها تخطط لاكله
بعض العجائز عباره عن افلام رعب
القصه من النوع الذي احب جميله وغير مطوله لكن لو كانت النهايه سعيده اكره النهايات الحزينه والنهايات الغامضه تجعلني افكر انا بابتكر نهايه

أمجد( متابع من الصامتين)
أمجد( متابع من الصامتين)
3 سنوات

اممممممممممم.. امممممممممم اممممممم اممممممممم اممممممممممممممممممممممممممم جاري التفكير. امممممممممم جاري التفكير اممممممممممممممممم اممممم
طيب صاحبنا بالقبو ينتضر حتفه. او ربما تم قتله واكل جثته قبل اشهر ..كيفلاما وصلت قصته لعندك استاذ مصطفى !

علا فكره قصه رائعه

ردت بصوت العميق وبلهجة العالم ببواطن الامور ..
استمر اخي بنسج القصص

عقربة الرمال
عقربة الرمال
3 سنوات

لو كان الانتحار ليس طريقاً للنار لودعتكم منذ زمن

أمجد( متابع من الصامتين)
أمجد( متابع من الصامتين)
3 سنوات

عندما ..تشعر ..و لا يشعرون ..

.عندما ترحل .. تشعر بكم هائل من الاشتياق ..

وتظن انهم ينتظرون موعد رجوعك ..

ب كل ما لديهم من مشاعر .. ثم ..
تعود ولا تجد من يستقبلك .. يحتضنك .. ويقول لك ( أفتقدتك )…
عندها .. تشعر انك تشعر ولا يشعرون ..!

.. عندما تتألم .. وتتألم .. وتشتكي وتتكلم ..
وتظن أن من تشتكي له سيتمنى لو أنه مكانك ..
ليزيح عنك الهم .. ثم .. تنصدم .. أن عينه معك .. دون قلبه و عقله ..
عندها تشعر انك تشعر ولا يشعرون ..

عندما تفرح .. بأن اقرب الناس .. حولك .. يرفعون .. من قدرك ..
ويشجعونك ..و يشعرونك بأنك أقرب الأقربين اليهم ..ثم تنصدم ..
أنهم بعد خروجك .. جعلوك محط للاستهزاء .. والسخريه ..
حتما ستشعر انك تشعر و لا يشعرون ..

أمجد( متابع من الصامتين)
أمجد( متابع من الصامتين)
3 سنوات

عندما تفرح .. بأن اقرب الناس .. حولك .. يرفعون .. من قدرك ..
ويشجعونك ..و يشعرونك بأنك أقرب الأقربين اليهم ..ثم تنصدم ..
أنهم بعد خروجك .. جعلوك محط للاستهزاء .. والسخريه ..
حتما ستشعر انك تشعر و لا يشعرون ..!

عندما تحزن .. وتحزن .. لدرجة أنك تشعر لو أن من يكرهك ..
يعلم بما فيك .. لأتى لاحتضانك..

فتنتظر من اقرب الناس أن يشعر أنك حزين ..
يقرأ عيناك .. دون أن تتكلم ..

فيواسيك بلغة العيون ..
يشعرك بأنك قطعة منه وأن ما يؤلمك يؤلمه .. فتتحطم .. لا شخص يواسي .. ولا عيون تفهمك ..
مؤكد ستشعر أنك تشعر ولا يشعرون ..!

عندما تبكي وتبكي ..وتنهمر بالدموع .. تنتظر من يمسح دمعة عينك ..
يشعل شمعة قلبك .. يهديك جرعة من النسيان لتنسى ما أصابك ..
فتزداد دموعك ..وتصبح الأزمه أزمتين ..لآنك على يقين ..
أنه ما من أحد سيمسح دمعك ..
لا يسعك إلا أن تشعر أنك تشعر ولا يشعرون ..!

عندما تحب .. و تتمنى لحظات اللقاء أن تحين..
وتحاول إسعاد من تحب بجميع ما لديك .. فلا يشعر بحبك ولا يقدّره ..
وتكتشف أن حبّك ينقصه أن يكون متبادل ..
إحباطك سيجبرك على أن تشعر أنك تشعر ولا يشعرون ..!

طي الكتمان
طي الكتمان
3 سنوات

حنما تنتضر بلوغك لترحب بقلب محب وقلبك يحب
تعلم انك بلغت وشاب رأسك وانت ما زلت تنتضر
حنما تدرك القبر لك دار صار والحب لم يكن ولا لك صار
انت من قلت سوف اعيش قصه حب ليس مثلها كان يا مكان
وتدرك ان ليس لك في الحب مكان
حنما قلت في صغري سوف أكون أم للأبطال
ودركت لم أكن غير ام للاكتئاب والنزعات
حنما امسكت عود ثقاب ورسمت علم وطني وقلت بصوت داخلي طفولي وطن افضل الأوطان وسوف يكون ويكون من ليس بعده كان
وادركت وطني محطه لكل وجع وألم ولا أعلم هو الائم او الملام

عقربة الرمال
عقربة الرمال
3 سنوات

لو عرفت انك راح تعبر عن مكنونات قلبك كان من زمان كتبتلك هاي المكنونة 😁🤣

أمجد( متابع من الصامتين)
أمجد( متابع من الصامتين)
3 سنوات

اها تتشاكهي معي…وكلامك الذي فاجأني وجعلني اتأثر..وافكر ماذا جرى للعقربه هل خاضت تجربة حب فاشله. ام ان والدتك صرخت عليك ففكرتي بالانتحار. ام…ام….ام..

ولقد تأثرت لدرجة انني نسيت ان ارحب بك

الفهد
الفهد
3 سنوات

وأخيرا انتهى حفر النفق
كم انت رااااااااااائع

زر الذهاب إلى الأعلى