انطلاقة كابوسية

بدأتُ رحلتي مع الكتابة على موقع (كابوس) عام 2020، كنت حينها في البدايات، أتحسس طريقي بحذر، ولم أكن قد نشرت أي رواية بعد. لكن تلك التجربة، رغم بساطتها، كانت الشرارة الأولى… تعليقات القرّاء، ملاحظاتهم، وتشجيعهم الصادق، لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت دفعة خفية جعلتني أؤمن أن ما أكتبه يستحق أن يرى النور.

ومن هناك، تحوّل الحلم إلى هاجس جميل، صرت أبحث بشغف عن طريقٍ يقودني إلى النشر الورقي، إلى أن وجدت نفسي أخوض أول مسابقة مع دار السودانية المصريةالإماراتية، بروايتي (حب تحت رحمة الراء). ولم يكن الفوز مجرد نتيجة، بل كان لحظة انكسار الحاجز بين الحلم والواقع، لحظة لم أصدقها بسهولة.

ذلك الفوز الأول لم يمنحني الفرح فقط، بل منحني يقيناً، يقيناً بأنني على الطريق الصحيح. لذلك واصلت، وشاركت في مسابقات أخرى، مدفوعاً بإصراري على الابتعاد عن النشر المدفوع، لأنني كنت أؤمن أن الفوز هو الاعتراف الحقيقي بقيمة ما أكتب.

ومع الوقت، لم تعد رواية واحدة كافية لتعبر عني. فصدرت لي ثلاث روايات ورقية أخرى (إنك في أرض الشياطين)
(عبث من الجحيم)
(مس سقر)
وهكذا، لم تعد الكتابة مجرد حلم، بل أصبحت حياةً أعيشها، وطريقاً اخترت أن أمضي فيه حتى النهاية.

ملخص مس سقر

ليس ما يحدث في هذه الرواية رعباً بالمعنى المألوف، بل هو انكشاف تدريجي لحقيقة أكثر قسوة: أن الإنسان لا يخاف من الموت بقدر ما يخاف من فقدان المعنى قبل أن يموت.

يوسف لا يبدأ حكايته من العالم، بل من تصدّع داخلي صامت.

ست سنوات من كابوسٍ لا يتكرر لأنه لم ينتهِ أصلاً: سماء تنشق، دماء تنهمر، وأصوات تدكّ الأرض كأن الوجود يُعاد تشكيله بعنف. في كل مرة يستيقظ، لا يشعر أنه نجا… بل أنه أُعيد مؤقتاً. كأن الحلم هو الأصل، واليقظة مجرد استراحة قصيرة بين سقوطين.

وحين يعود إلى دياره بعد غياب طويل، لا يعود إلى مكان، بل إلى قدرٍ كان ينتظره.

رحلته تبدأ بفقدٍ أول، لكنه ليس فقداً عادياً. موت عمه محسن على متن الطائرة لا يبدو حدثاً، بل إشارة. فتاة غامضة تظهر وتختفي كأنها خارج قوانين الحضور، تهمس له بما يشبه الحكم النهائي:
– المشانق تعلق في السماء لتحقق العدالة، دماء ستغرق دنياك، ستكون آخر حيّ من عائلتك، ستكون الشاهد الوحيد الذي لن يصدقه أحد، فلتنعم في جحيمك يا يوسف.

ومنذ تلك اللحظة، لا يعود العالم كما كان.
ما يحدث ليوسف ليس انهياراً مفاجئاً، بل تآكل بطيء في بنية الواقع.

الأشياء لا تختفي، بل تتبدل، الأحداث لا تُكذّب، بل تُعاد كتابتها، والوجوه المألوفة لا تغيب، لكنها تفقد معناها.
في المنزل، حيث يفترض أن يجد الأمان، يكتشف أن الألفة نفسها قد أصبحت قناعاً. أمه تتحدث كما لو أنها ترى ما لا يُرى، إخوتُه يبدون قريبين وبعيدين في آن، والزمن نفسه لم يعد خطاً مستقيماً يمكن تتبعه، ثم يبدأ الثمن الحقيقي بالظهور.

((اللعنة)) إن كانت لعنة.. لا تهاجمه مباشرة، بل تأكل العالم من حوله.

واحدًا تلو الآخر.. تبدأ عائلته بالسقوط.
أخته الصغرى تموت أولاً، موتاً لا يحمل تفسيراً بقدر ما يحمل إحساساً بالاقتلاع، كأن الحياة انسحبت منها فجأة دون سبب.

أمه التي كانت تتحدث ((عنهم)) الذين يملأون المكان، تنطفئ تدريجياً، وكأنها كانت ترى النهاية قبل أن تأتي، ثم يلحق بها
رضيع أخته الكبرى، كائن لم يعرف العالم بعد، يُنتزع من الحياة كما لو أن اللعنة لا تفرّق بين من عاش ومن لم يبدأ.
لكن الضربة التي تحطم ما تبقى من يوسف، تأتي في مشهدٍ يكاد يتجاوز قدرة الإدراك:
أخته الكبرى تحترق.. تحترق ومعها إخوته الصغار، النار لا تلتهم الأجساد فقط، بل تلتهم القدرة على الفعل.
يوسف يرى، يسمع، يصرخ، يحاول.. لكنه لا يستطيع أن ينقذ أحداً.

كأن هناك قوة غير مرئية تثبّت قدميه في الأرض، تسلبه إرادته، وتجعله شاهداً قسرياً على فناء كل ما يحب.
وهنا يتحول الرعب إلى شكلٍ آخر:
ليس الخوف من الموت.. بل العجز أمامه، أن ترى من تحب يُباد أمامك، ولا تملك حتى رفاهية المحاولة.
يوسف لا يفقد عائلته فقط.. بل يفقد دوره داخل العالم.
لم يعد ابناً، ولا أخاً، ولا فرداً في عائلة، أصبح شيئاً آخر:
ناجياً بلا نجاة، شاهداً بلا شهادة، إنساناً نُزعت منه القدرة على التأثير.

وفي قلب هذا الخراب، تظهر هناء.

ابنة عمه محسن، ليست مجرد شخصية مرافقة، بل مرآة أخرى ليوسف.

هي أيضاً ترى ما لا يُرى، تشعر بما لا يُقال، وتتعثر في نفس التشققات التي تمزق وعيه، بينهما يتشكل رابط لا يشبه الحب التقليدي، بل أقرب إلى تحالف بين ناجيين من نفس الحريق.

هما لا يقتربان لأنهما يريدان.. بل لأنهما الوحيدان اللذان يفهمان.

هناء لا تخاف من حديث يوسف، لأنها تعيشه، ويوسف لا يشك بها، لأنها الدليل الوحيد على أنه لم يفقد عقله بالكامل.
لكن اللعنة لا تترك شهوداً أحياء، كما أخذت العائلة، تبدأ بالتسلل إلى هناء، ببطء.. دون ضجيج..

يتشقق وعيها، تتداخل رؤاها، تفقد القدرة على الفصل بين الداخل والخارج، حتى تصل إلى النقطة التي كان يوسف يخشاها:
أن ترى الحقيقة كاملة.. فتنكسر.

في النهاية، لا تموت هناء.. وهذا هو الجزء الأكثر قسوة.
هي تبقى.. لكن عقلها لا يفعل.

تفقد نفسها، وتتحول من شريكة في الفهم إلى دليل نهائي على أن النجاة ليست دائماً رحمة.

يوسف، الذي حاول التمسك بها كآخر خيط، يجد نفسه وحيداً مرة أخرى، لكن هذه المرة، الوحدة ليست فراغاً، بل امتلاء مرعب بكل ما حدث، كل من أحبهم رحلوا، كل من فهموه سقطوا، وهو لا يزال هنا، وهنا تكتمل النبوءة.
يوسف يصبح الشاهد الوحيد، ليس لأنه نجا بل لأنه تُرك، تُرك ليحمل ذاكرة لا يمكن إثباتها، وحقيقة لا يمكن مشاركتها، وعالماً كلما حاول تفسيره، ازداد تفككاً.

الرواية، في جوهرها، لا تسأل: ماذا يحدث؟
بل تسأل: ما الذي يبقى من الإنسان عندما يُسلب منه كل ما يربطه بالحياة، ولا يُسمح له بالموت؟
لأن أقسى أشكال اللعنة…
ليست أن تموت.
بل أن تبقى…
وترى كل شيء ينتهي،
دون أن تنتهي أنت.

تحرير، تدقيق ومراجعة: أزيز الصمت.

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

3 تعليقات
احمد علي
احمد علي
1 شهر

كل ما اود لفت الانتباه إليه في كابوس في الاوانة الاخيرة هي تلك الصور التي أصبحت تنشر في الاوانة الاخيرة ، الصور رائعة ودقيقة للغاية ، وبها حس ابداعي مميز ، تقريبا كلها مصممة بواسطة مبرمجين ، اياد العطار لايزال حيا ، ولا يزال يبرمج صور مقالات موقعه من وراء الكواليس ، ههههه ، اشعر بذلك..

كنت استطيع خوض تجربة النشر الخاصة بي ، صراحة ، حصلت علي اكثر من فرصة في ذلك ، لكنني كاتب كسول وللغاية ، في الاوانة الاخيرة ، كل كتابتي هنا ضعيفة وتعتمد علي اسءلة الاسبوع ، لا اعرف ماذا الم بي ؟ وماذا حدث تحديدا لنشاطي الخارق ؟ عامة ، ساستعيد زمام الامور باذن الله..عمت مساءا

Wave Manipulator
Wave Manipulator
1 شهر
ردّ على  احمد علي

الصور قديمًا كانت رائعة بحق، شِعار كابوس على صور حقيقيّة وفنّيّة دقيقة وممتعة جدًّا، في قسم الأدب خاصّةً.

الآن أيضًا صور جميلة ومتعوب عليها لكنّها للأسف ترتكز كثيرًا لل AI وحتّى هُنا لا يكونُ الفنّ، كعادة ال AI، Slop.

الأستاذ إياد العطّار اختار لوحة طبشوريّة جميلة جدًّا اسمها The hero’s journey لقصّتي وكانت ملائمة جدًّا ومُسْتَلِبّة.

تعامل المشرفين مع الذكاء الإصطناعي يوحي ب Prompts قويّة جدًّا، فكلُّ التّقديرِ لهم.

أسعد
أسعد
1 شهر

توقفت من حيث بدات . ربما انني قليل صبر. او ربما لم استوعب لانه لايوجد خبره او ربما انني ضعيف التعلم اشكر من سعدوني وبذلو جهدا معي لقد اتعبتهم لاكني سااعتمد على نفسي هذهي المره هذا المقال احياني من جديد.فل نجاح يحققه الشخص بنفسه وليسا بمساعدت الناس له. شكرآ.

زر الذهاب إلى الأعلى