سويجاك بين الميم وأداة التّعذيب

من مساخر الدّنيا أنّ الأضحوكة قد يتأسّى لها تاريخُها، فما تُفْعَمُ به زوايا الشّارع بلا استثناء، كما يُثرينا الصّحافيّ والرّوائي الفيلسوف الفرنسي من أصل جزائري آلبرت قموس، غرابة وغُربة عن المنطق مُهاجِمَةٌ لِوجوه المارّة!ولا بدّ، من أجل التّعرّض لأي شيء ووصمه بأي شُعور، أن يكونَ موجودًا. وهُنا الأزمة! فجان بول سارتر، أيقونة المذهب الوجودي في المسرح والفلسفة، يُجرّد الموجودات من قيمتها ومعناها، مُعتبِرًا إيّاها مَحْضَ تفاهة وليدةَ عشوائيّةٍ لا تكترث بتوزيع أهدافِ الوُجود، وتلك الغلطات ضعيفةُ الوجودِ المفروض عليها بالصّدفة، ولذلك تمتدّ وتتمطّط في حياتها حتّى تصل لما يمكن اعتباره “سببًا”، الموت.لكن هناك بلا شك خلفيّة مُشتركة لكل شيء، وربّما لو وَعِيَت لقصّت علينا الموجودات قصصها وأرّخت لنا تاريخها! تخيّل معي قطرة ماء أنهت دورتها البيئيّة، شربها ديناصور واستَحالَ جيفة، تنتقل القطرة للأرض وهناك تتبخّر وتُثْقِلُ الغيوم فتطرحها على شكل أمطار تملئ البِحار فلا تنقُصُ هذه الدّورة أيَّ مِقدار منذ بدأها للآن. والهواء الّذي نتنفّسه الآن قد يكون زفيرَ شجرة بلّوط بعيدة عنّا عشرات الآلاف من الأميال!وهل يمكن أن يتواجد أمرين منفصلين ورغم ذلك يدعمان بعضهما بل يُعَرِّفان بعضهما على اختِلاف المادّة والحَيِّز الوجودي؟نعم! ثمّة شيئين، أحدهما افتِراضي والآخر واقعي، أحدهما مرعب كلّ الرّعب والآخر سخيف كلّ السّخف وقد يصل لمستوى المُضحِك المُضحِك (لأنّها صِفة ومِهنة)، وقد فَرَضَ عليهما الفنُّ العابِث “وجوده” وأن يتشارَكا السِّروال.هُما سويجاك. وسويجاك الحديث هو “ميم” أي صورة تعبيريّة هزليّة أوجِدَ أوَّل ما أوجِد في عام ٢٠١٧ في منتدى فور تشان الأمريكي الشّهير ولكن المثير للجدل لتوفيره مساحة حرّة بلا قيود لإدراج الموادّ التّعصّبيّة والإهتمامات الثّقافيّة المُعاصرة (Pop-culture) من مُجون طالَ الكارتون الياباني الإباحيّ المتخصّص بالرّسوم الطّفوليّة..فكانت ألواح المنتدى ساحة للنّزاعات، ولوحات المفاتيح أسلحةً للتّحقير وإثبات وُجُهات النّظر باستبدال الحُجَجَ الدّامغة برسومات كاريكاتورية رخيصة كنوع من ال “أنظر إليك، لقد صوّرتُكَ أدنى تصوير، فلا ماءَ في وجهك الآن!”.. ومن التّوجّهات الحرّة كانت ثُلّة من اليساريّين تنشُرُ آراءها التّقدّميّة ودحضَها للعنصريّة والتّفرِقة، ودعمها للّيبراليّة ونظام العيش الإنساني بِما يشمل الدّايِت النّباتي.ومجموعات أخرى طَفَقَت تنشر مقاطع وصور لهواياتهم، وتدرَّجت من فيديوهات فتح الصّناديق التّشويقيّة ومنتجات شركات أجهزة الألعاب ونحوِها..فتلقّى الفريقان هذا الرّدّ، هذه الرّسمة الكارتونيّة البسيطة والمُصَمّمة ببرنامج مايكروسوفت للرّسم بِلا ألوان، كأنّه بذلك ثَبُتَتِ المحكمة على سفاهةِ المُضادّ!كان هناك نمط لُغَوي اتَّسَمَ أو وُسِمَ به من سُحِبَت لهُ بطاقة السّويجاك، وهي شتيمةُ “سوي بوي” وتعني فتى الصّويا.لأنّ الصّويا، بعكس اللحوم، رمزُ الهَزالة، وهي كذلك الخِيارُ الّذي يلجئ له اليساريّون كبديل عن الحليب، فالصّويا كالدُّرَّةِ تُستَحلَب.لذا وبتحليل الإسم فإن سويجاك لقب عادي ليس في حِرزِه أي مدلول، لكن في عصر الإنترنت فإنّ أي تابعة ل soy (وتعني الصّويا) لا معنى لها غير الإهانة. ومِن ثَمَّ فجاك أو جاك المُحِبّ للصّويا في مَحَلِّ الإهانات شديدة القسوة (slur).تلك الشّخصيّة صارت فيما بعد عارضة أزياء! تُلبِسُها الأهواءُ ازياءَ التّقدّمي الّذي يُشيرُ فاتِحًا فاهَهُ بإعجاب إلى مُنشأة لاستقبال اللاجئين أو طرح لمعارضته العنهجيّة اليمينيّة وتمسّكه بالإنسانيّة.ولكنّه في الميمز أبدًا لا يتحدّث أو يمثّل بشكل طبيعي، تأتي ردوده، وإن كانت صحيحة تدعو للفخر، بِطريقة ساذجة مُبالَغ بها تُشعِرُكَ بأنّه وإن أباحَ الإبقاء على السّود وجَرّم قتلهم وإعادة استِعبادهم على خطأ!وهو أصلع بِعُنُقٍ شَعور، يُمَثِّلُ البشاعة والسّذاجة ويرتدي نظّارة، دومًا ما تجده ديّوثًا يجلس على كرسي بينما حرمه تُهتَكُ مُغتَبِطًا على ذلك، وربّما كان ذلك رمزًا لدياثة اجتماعيّة لا جنسيّة ولا بشريّة، رِضى الحِزب اليساري في أن تُفتَحَ الحُدود كأنّها فُروج.

blank

البيتا والأحمقُ فاسِدُ الفِكر والذي يدعم ببلاهة وملامح مهووسة قِيَمًا يعتبرها اليمينيّون (فهم أكثر من استخدموه في حربهم النّاعمة) موجودة لاخصاء الشّعب ومسح أدمغته، هو في حقيقته أداة تعذيب.هكذا يجري الإدّعاء في عدد من منصّات التّواصل الإجتماعي، وكان ليقصر عمر الإدّعاء وتَكْذُبَ الإشاعة لو كان الدّليل صورة مُوَلّدة بالذّكاء الإصطِناعي أو فوتوشوب مُستَرخى عليه..لكنَّه قِناع برونزي من عهد الألمان في القرن الثّامن عشر، حيث كانت ألمانيا تُلَقَّب بإمبراطورية روما المقدّسة القديمة، وتكوَّنت من قِطاع بْرُسيا والنّمسا وبافاريا وسكسونيا، وهذه القطاعات، كما أدلى دبلوماسي فرنسي ذات مرّة، متشابكة في دورها، فإحداها تخطّط والأخرى ستهيمن وثالثة ستُصَلّي ورابعة ستُطعم، وكُلّها لبعضها وإلى بعضها، ما عدا الإمبراكوريّة برمّتها إذ لن تتحرّك كواحد أو تُعْطِ أيَّ واحِد، فيما كانت النّقود تُجْمَعُ في جُيوب كلّ القِطاعات. وكانت همجيّة بِطَبْعِ غيرِها من الأواسِط..

blank

فصُمِّمَ بِصَمّامات دقيقة بِها مقابض تُدار وتحشُرُ الصّمّامات في العيون، فيُعمى المُدان سواءً كان مجرمًا أو مُعارِضًا. يُشاعُ أنّها لقسوتها مُنِعَت بعدَ خمسة عقود من خدمتها.والقناع نفسه كان يشبه سويجاك، بفمه المفتوح الذي يصف حالة المُعاقَب ولا شكّ.فرق الجوّ والأديم بينه وبين رسمة ساخرة تظهره وهو يَدُلُّ على قميصه المكتوب عليه شِعارات مُعتَرِفة بالذّات كصاحب “جائزة” هي رُضوخ لِحاكمه! أو نَفَر قِمّة في التّدقيق على استراتيجيّات وأولويّات تُسْتَسخَف لمجرّد أنّها جاءت من طرفه.مثال: لا!! عليك أن (يُجزّئ مهمّة ما) لا أن (أمرٌ يتّفق معه ميم آخر أكثر جاذبيّة وبالتّالي يَصِحُّ)..ولا يُستَثنى من ذلك مَحْوَ الرُّتوش:”أنا سعيد جدًّا لأنّي شجّعتُ على قتل ملايين الأطفال سنويًّا!”ضِمن سِياق تضامنه مع حقّ الإجهاض، إذ تتجلّى الصّراحة الّتي لا يُدْرَك أنَّها صراحة.عند بحثي عبر محرّك البحث غوغل عن المتحف المحتضن له، وجدتُ أنّه على غِرارِ الميم، ميم! فهو مثل سويجاك ليس حقيقيًّا بل صورة زائفة تداولتها الصّفحات والحِسابات.عمومًا فهناك جنر يدعى أقنعة العار، مُوَثّقة في متحف الجريمة الرّوتنبرجي، أتفَهُ الجِنايات وأبخَسُ السَّرِقات كانت تُقابل بِ “تقنيع” المُذنِب بالمعدن المُصاغ بشكل مُهين، كَخيشوم ضخمٍ ضخم، وحِمل ثقيل وأشواك وأشكال مُدَبَّبة مؤلمة. فضلًا عن هندسة كامِلة لرأس خِنزير برّي!وكانت تُعرَفُ باسم “schandmaske” دون أن تُفَصَّلَ القِطعة باسم خاص بها، لكنّها أكيدًا تميّزت بفنونَ متباينة هدفها إلحاق أكبر قدر من الأذى النّفسي والبدني للضّحيّة أو المجرم، ففعلًا يستوي المُجرم ضحيّة أمام أقنعة تشبه الغيلان الدّميمة في أرهف الأحيان، وحادّةٍ عند منطقة اللّسان والفم في أحماها!وما يدعو للملاحظة هو أنّ معظمها إن لم تكن كُلّها مفتوحة من عند محجر العينين، موصَدة من كل مكان آخر، ديناميكيّة سيطرة وإقفال عتيدة!

blank

طيّب “من يُضرَبُ فيه المَثل؟”! إنّهم عاثِروا الحظ، من لم يرحمهم قانون مدني يُفَرّق بين لِصِّ الخُبز والجاسوس، ولا قاصِر من راشِد، فالعذاب أتى بِكُلّ المَقاسات!كما أنَّ العذراء الحديديّة، ذلك التّابوت المُسَنَّن من الدّاخل والّذي لا يترك خليّة إلّا بَقَرَها، ليس وحده من يوثِقُ الزِّمامَ على الأبرياء، فثمّة كذلك قِناعٌ حديدي أُجْبِرَ على عبيد أمريكا، سُمّي بالكاتِمات الحديديّة أو القِناع الحديديّ حافْ، وكان مَثيلًا لِما تُصَدُّ عبره الكِلاب التي تعاني من سُعار، على أنّهُ يحبِسُ الأنفاسَ الحُرّة، ويَمُرُّ بِعودٍ غَريضٍ من مؤخّر الرّأس لأعلاه حتّى ينتفش إلى كمّامة ضيّقة، أسفَلَها طَوْقٌ مُزَيَّنٌ بِنُجومَ كتلك الّتي يتقاذفها النّينجا، أذرُعُها الرُّباعِيّة حادّة مثل قِطَع صغيرة تشبه الشّوارب موجودة في آخِرِ ما ينطلق من الطّوق.ويؤمن نيتشه أنّ الأكاذيب أي الإشاعات الشّائعة في

blank

الإنترنت بزمننا، ضروريّة في سبيل ازدِهار الإنسان.. فصحيح أنّها أوهام ولكنّها في عين الوقت نبيلة، كُلُّها بيضاء!بل يفترض أنّها خَليقة بزيادة الذّائقة الفنّيّة عند مُتَقَبِّلِها، فأغوارُ النّفسِ مُميتة، ولا نجاة فيها بغير التّعامل مع الأوهام بعين المُسْتَلْهِمِ.المغزى هو أنّه خلف الضّحكات آهات، ولنُسَلِّم بأنّ قناع سويجاك حقيقي، أفلا نجعل من مادّةِ الغلط صوابًا؟فالحقيقة مشتقّة من الحقّ، وإن لم يحدث أن كان هنالِكَ سَقَر، فباعتِبارِنا إيّاها نُثَمِّنُ عَدَنَ، وهي بلا أدنى رَيْب حقّ.لذا فلنتخيّل ذاك الشّخص وهو يَغُرُّ فاهه وهو يستعجب تلك الأداة العنيفة!

إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري

0 0 الأصوات
Article Rating
المصدر
https://clivehicksjenkins.wordpress.com/2013/10/14/schandmaskes-masks-of-shame/ https://www.facebook.com/share/p/1CykpabvsE/ https://en.wikipedia.org/wiki/Soyjak

مقالات ذات صلة

guest
5 تعليقات
أيوب بجائي
أيوب بجائي
2 ساعة

صراحة لم افهم شيئ تقريبا لاكن اليساريين الغربيين افسدو الأنترنت الناطق بالانجليزية بمجونهم و افكارهم المنحرفة , لم يختلفو أبدا عن الشيوعيين و الأناركيين الاسبان فترة الجمهورية الاسبانية الثانية ولا على الشيوعيين الروس او شيوعيين ألمانيا , دائما افكار منحرفة جنسيا و اراء اقتصادية و سياسية بعيدة عن المنطق و التجربة و استخدام دائم للارهاب الأحمر ضد اي معارض.

باسم الصعيدي
باسم الصعيدي
4 ساعة

تخليت عن اسلوبي الادبي .. تعال للعامية المصرية

الاخ ويف
بعيدًا عن النقد… دعني امزح معاك قليلا .

😂 يا واد ارحمنا شوية… مخي عمل “ريستارت” من كتر ” التركيز ” .. وفي الآخر طلعت مش فاهم حاجة !

خلصت المقال وأنا حاسس إني محتاج مقال تاني يشرحلي المقال الأول! استخدمت كل طاقتي .. وفي الآخر قلت لنفسي: “هو بيتكلم في إيه أصلًا؟!”

أقسم بالله وأنا بقرأ كنت كل شوية أقول: “أكيد الفكرة هتوضح في الفقرة الجاية”… لحد ما خلص المقال!

😂 يا عم ارحمنا… دخلت أقرأ عن سويجاك، لقيت نفسي زرت سارتر وكامو والديناصورات وألمانيا وأقنعة التعذيب.. ودورة المياة في الكون ..
والعبودية .. ونيتشه .. ولسه مستني سويجاك يطلع بطل القصة! حسيت إني بلعب لعبة متاهة… كل ما ألاقي الطريق ألاقي نفسي في موضوع تاني.

خلتيني أشك في نفسي… قلت يمكن المشكلة فيا… لحد ما لقيت الناس كلها تايهة ههههههه

حسيت إن كل فقرة ماسكة إيد الفقرة اللي بعدها وبتقول لها: “تعالي نضيع ام القارئ ونبوظ دماغه
😄
مخي بعتلي استقالته وقال: “كمّل لوحدك!”

الله يسامحك يا عبدالله .. بعد المقال ده… هقعد يومين اشاور للحيطة لحد ما أفوق!

باسم

سارة فايز
سارة فايز
4 ساعة

مثلا يعني كنت كتبت مقال عن ” اقنعة العقاب ” .. وتبدأ تسهب في تواريخها والامبراطوريات التي استخدمتها .. وهل لسة بيتم استخدامها ولا اختفت من الوجود

سارة فايز
سارة فايز
4 ساعة

ممكن كمان يا ويف تلخص مسرحيات تراجيدية لان بيكون فيها عمق فلسفي .. او حتى تخلق قصص عن عالم الفضاء من خيالك المحض لانك مهووس بالفضاء

سارة فايز
سارة فايز
5 ساعة

مرحبا ويف .. لو ركزت على عنصر واحد من عناصرك الفلسفية .. وأكملته بأمثلة حية .. تكون جعلتنا نستحضر الصور والمشاهد ونعيش الواقع .. يعني تربط فكرة واحدة بقصص واقعية سواء تحدثت عن حياة فيلسوف او ملك جبار .. او حتى جرائم بشرية متعددة تدور حول الفكرة .. كدة ممكن نستوعب وكتاباتك تترك علامة عند القارئ ..
اما الكتابة الاكاديمية فهي تصلح لطلبة الماجستير والدكتوراه .. وبتكون مفاهيم في مفاهيم

زر الذهاب إلى الأعلى
5
0
Would love your thoughts, please comment.x