في عزبة قدة
واليوم سأحكي لك ما في جعبتي عما حدث ولكن لا تنتظر مني أن أمتلك أريحية الجدة عطر وهي تحكي لأحفادها عن شمل وعهدها ، فأين أنا من تلك الحكّاءة البارعة ، إنما نحن غرقى أمام شفير بحر خيالها ، فلا تترقبني ودعني أتسرب إلى خيالك لأنقل لك ما حدث في عزبة قدة ، وأحكي لك الحكاية كما سمعتها عن نعيمة بنت نصرة ورضا ابن نفادى ..
بناء أحداث الحكاية على أركان من الحقيقة ..
القاهرة الكبرى ، نراها تبتسم للنيل وقت الغروب حين يغازلها بالنسيم، فتحرك أشجارها مرحبة بالليل ليرخي سدولة ببطء على شوارعها ليتناغم بين ما تبقى من ذهبيات شمسها وبين ضوء مصابيحها الأنيقة ، العشق يتسلل إلى قلوبنا حين نميل برأسنا على ضفاف نيلها تشتعل في قلوبنا نوستالجيا الحب فنبطىء من حركة أقدامنا لنتذكر تلك التجارب الهشة التى أحببنا فيها، فكل شيء يخشى الزمن ولكن الزمن يخشى الحب .
عزبة قدة تبتعد قليلاً عن ذلك الكوبري الذي تحرسه أسود على شكل أصنـــام، كنت أسكن فيها مع والدي قبل أن أنتقل معه للعيش فى مدينة جديدة في صحراء مصر الشرقية ، كنا نحلم باليوم الذى يكرمنا فية المولى أن نترك عزبة قدة بمن فيها ، فلا تغتر بما سمعت عن القاهرة العليا .. هنا قاهرة سفلى يحكمها أنفاق آخر الليل ولن تراها مادمت سائحاً
ومع أن عزبة قدة كانت تطل على فرع من النيل إلا أنها كانت عبارة عن مجموعة من العائلات التى يسكنون في عشش بعضها من الحجارة وكثيراً منها من الخشب يعمل رجالها فى مهنة البغالة أي العربات التى يجرها بغال، ومع أن فرع النيل الممتد فى عزبة قدة هو المصدر الأساسي للشرب إلا أنه كان مرتع استحمام للبغال والبغالين المنهكين طيلة النهار على أسفلت العاصمة يعملون فىي نقل الأثاث المتهتك والطوب المكسر والرخام المهدد من مكان إلى آخر على حسب الطلب .
ما كان ما يميز عزبة قدة عن باقي العزب المجاورة صندل حديدي قد تبرعت بة الحكومة لأهالي العزب حتى يستخدموه كمعدية بين شطي النيل ، وهو عبارة عن صندل حديدي تغذى عليه الصدأ حتى نخرة تماماً ، وكان يعمل علية غفير قد رق عظمه وذهب وفره ، ومنذ أن سكنت عزبة قدة وهو بالصندل ، إنه عم حامد الشرقاوي ..
وكانت مهنة عم حامد بسيطة جداً ولكنها مهمة جداً ، فقد كان يقوم بسحب الصندل من خلال حبل ممتد من شط عزبة قدة إلى شط عزبة شامل على الجانب الآخر من النيل ينقل عليه ساكني العزبتين من وإلى الشط والشط الآخر .
ولما كبر عم حامد صارت الأهالي من تجر نفسها وعم حامد جالس على دكة خشبية فى ركن من أركان الصندل يدخن سيجارته ومعة كوب الشاي الذي لا يفارق يده دائماً ، ولما يفرغ من تناوله يرمي ما تبقى منه في فرع النيل العذب.
تسير الأمور كما تسير فى مكان يسكنه الفقراء، الموارد بسيطة ومعروفة لجميع السكان ومن لم يعمل في البغالة فهو يعمل إما في مقاهي القاهرة الكبرى أو مراكب النزهة تحت كباري العاصمة، وما إن تسلم لك الحياة بالاستقرار وتعتقد فى نفسك أنها استقامت لك أخيراً وتصالحتما بعد الفراق تجد الحياة قد نصبت لك فخًاً أخر يطيش فيه صوابك .
نعيمة بنت نصرة فتاة تسكن في عزبة شامل مع خالتها زينب بعد رحيل أمها نصرة عن العزبة أو كما يتناقلون الحكاية أن نصرة قد هربت مع عشيقها بعدما قتلت زوجها وألقته في النيل وتركت ابنتها نعيمة لاختها زينب وهي رضيعة وهربت ..
نعيمة فتاة بلا أم ، وكما يقولون نساء العزبة ومن ضاعت أمة زاد غمه ، الحزن يحفر فى وجه نعيمة مساكن وأخاديد ، رغم رعاية وحنان خالتها زينب إلا أن اليتم للفقير وجع ، ورغم أن نعيمة كانت موصومة بعار أمها الخائنة ولم تسلم من تراشق النظرات الجافة والعبارات القاسية من بعض أهالي العزبة إلا العقلاء منهم ، فكانوا يعلمون أنها بلا ذنب وتلك ثمرة الفقراء لبعضهم إن الفقير للمسكين محس , وكيف لهم أن يعايروا نعيمة بعار هم فيه غرقى جميعًا أمام ذلك الغول الذي ينتهك ما تبقى في البشر من بشرية، يغتال فطرتهم لينزف منها كل طيب وجميل قد فطروا عليه
الفقر هو الغول الذي خلف الجهل ورباه فأحسن تربيته فصار ابنه الأكبر الملازم لأبيه الذي يسلطة كيفما شاء على أيهما شاء ، فإن أرد الفقر أن يقتل سلط الجهل أن يقنع القاتل بان القتل هين .
ابتسمت الأيام لنعيمة أخيراً وتصالحت معها الحياة وأظهرت لها رضا ابن نفادى الشاب الثلاثيني الذي يعمل مقاول للهدد ويمر على عزب قدة وعزبة شامل لكي يتقاول على النقل مع بغالين المنطقة
رآها رضا وهي قادمة مرة مع خالتها عند مدخل السوق القديم وبعد سؤاله عنها قرر رضا أن يتقدم لخطبتها من خالتها زينب ، فنعيمة رغم حزنها كانت جذابة تراها تعقتد أنها القمر في صورة الناس، و رغم كل ما سمع رضا مفادى عن نعيمة وعن عار نصرة أمها إلا أنة رأى معدنا فيها صبغ بماء الحزن ليس لها فية وابل ولا مقصد ولا نية، وافق أن يمنح لها فرصة جديدة لحياة كريمة وعيشة هانئة تحت ظل كتف رجل يخاف الله فيها ..
تأتي زينب خالة نعيمة العروس من عزبة شامل تطرق باب بيتنا ليلة العرس صباحاً تستقبلها أمي بالزغاريد والفرحة والتهاني والمباركات والدعوات المتعارف عليها في تلك المناسبات، تطلب زينب من أمي بعض لوازم الفرح من مفارش ومواعين وتلقي امى علي مهمة حمل تلك المواعين والمفارش عن الخالة زينب
امتعضت قليلاً من الذهاب مع الخالة لزينب لكي أوصلها إلى صندل حامد الشرقاوي ولكن دعوات زينب لي كانت تحفزني على تنفيذ كل رغباتها بلا مضض، وزاد الإغراء في نفسي حينما أخبرتني الخالة زينب أن الصندل قد زين بزينة العرس ويعملون الآن على تعليق الزينة عليه وأنوار الفرح الملونة ، حيث أن رضا ونعيمة سيركبان الصندل من عزبة قدة إلى عزبة شامل ، بعدما تتزين نعيمة العروسة عند الست دهب مزينة العرائس وحنانة البنات في عزبتنا ، وسيقام العرس فى خيمة كبيرة مزينة بالورود لمجلس العروسين في عزبة شامل .
ذهبت معها وعدت سريعاً إلى بيتنا لكي أتجهز أنا أيضاً لكي أرى نعيمة وهي بزي العروسة تركب الصندل مع رضا
كانت الشمس قاربت على المغيب وبدأ صوت الزمر والطبل يسمع من عزبة شامل إلى عزبة قدة، تجهزت سريعًا لكي ألحق بالصندل قبل أن ينقل نعيمة ورضا وخرجت من بيتي مسرعاً الى شط الصندل، واهالى العزبة كلهم قد تجمعوا على الشط مزدحمين يزفون نعيمة ورضا إلى خيمة العرس ، ولم يركب منهم أحد مع العروسين ، فاليوم هو يوم نعيمة فهي صاحبة السمو والاختيار وقد اختارت أن تركب مع رضا وحدهما بالصندل ..
قررت أن أتسلق فوق شجرة قريبة من شط النيل لكي تتيح لي رؤية العروسين في بهاء النيل على صندل حامد الشرقاوي ، بعدما زين بالأنوار والزينة وأشاهد استقبال أهالي عزبة شامل وهما مصطفين على الشط الآخر من النيل حاملين الورد والأزهار يلوحون بيديهم إلى نعيمة ورضا .
أدرت ظهري للنيل لكي أصعد إلى الشجرة وفجأة وبدون ترتيب ولا مهل، سمعت أصوات الأهالي تصرخ بكلمة واحدة ” استر يا رب استر يا رب الصندل هيغرق ” ، صعدت سريعاً لكي أرى ما يحدث ولكي لا أدهس تحت أقدام الأهالي ، كان الصندل يتمايل فى النيل كما تتمايل أمواجه حين يغضب و نعيمة وهي تصرخ ممسكة برقبة رضا ورضا ممسك بحديد الصندل يستغيث بالأهالى خشية الغرق في مياة النيل ..
لمحت عيناي عم حامد الشرقاوي وهو يقفز بعيداً عن الصندل ويسبح تاركاً خلفه نعيمة ورضا وهما يغرقان فى مياة النيل، طافت عيني على زينب وهي تصرخ في الشط الآخر تكاد أن تلقي بنفسها في النيل على أمل أن تنقذ نعيمة والأهالي يمسكونها، أخذ الأهالي يقفزون في النيل محاولين إنقاذ نعيمة ورضا من الغرق ، وما هي إلا ثوانٍ معدودة وقبل أن يصل اليهما أحد ابتلع النيل الصندل ولم يتبقَّ له أي أثر ..
غرق الاثنان معه وكأن النيل قد دفنهم في أعماقه ، وبدل من أن يباتون ليلتهم في أحضان البناء الحلال أقر عليهم النيل أن يحتضنهم هو ، أسمع صرخات الأهالي تعلو ويزداد نحيبها مستغيثين بأي نجدة تلحق برضا ونعيمة قبل فوات الأوان، كان سواد الليل قد فرض سطوتة على شط النيل، ولم تحضر الاسعاف وفرق المنقذين إلا فى فجر الليلة بعدما قد مر على غرقهم ثمان ساعات كاملة ، و لم يظهر لهم أثر في النيل ..
بدأت الفرق في الغطس والسباحة وتمشيط المنطقة بأكملها وما هي إلا بضع ساعات حتى خرجوا يجففون أجسامهم من مياة النيل ممسكين في أيديهم بعض ورود الفرح المزينة على الصندل قائلين للجمع المنتظر الصندل يقبع الآن في النيل ولكن الجثث ليست به، التيار شديد سيظهران خلال أيام في مكان آخر ونحن نقوم بتمشيط المنطقة بـأكملها وسنوافيكم بظهورهم في أي مكان ..
كلمات مريرة قاسية ألقاها قائد فرقة الإنقاذ على مسامع أهالي العزبة وعلى رأسهم أم رضا وزينب خالة نعيمة، ورغم البكاء المنزوف بالدموع والآهات والتوسلات من آلام الثكلى والخالة البائسة لقائد الفرقة أن يواصل البحث عن الحزنى المقبورين في النيل إلا أنهم رفضوا بحجة أن وقت عملهم قد انتهى وسيواصلون البحث غداً في مكان آخر ..
لم تتحمل زينب ولا أم رضا ما سمعتا من فرق الإنقاذ، فزادتا من العويل والصراخ وسقطت زينب مغشي عليها أمام قائد تلك الفرقة، وبعد إلحاح من أهالي العزبة بأن النيل هو مصدرنا الوحيد للماء الذي نشرب منه ونسقى بغالنا فيكف لنا أن نشرب ماء به جثث ! وافق أخيراً قائد الفرقة على مواصلة البحث مرة أخرى واستعدت الفرقة للنزول مرة أخرى في المياه ، وانقسم أهالى العزبتين على جانبين ، جانب يسير بطول النيل جانب عزبة قدة وعزبة شامل يبحثون عن الجثامين ريثما تظهر في مكان آخر ، واخرون يمسكون الأنوار ويسلطونها في بقعة الغرق حتى تتمكن فرق الإنقاذ من البحث في سواد الليل ..
طال وقت البحث، جفّت حناجر أهالي العزبة، سكن الرعب قلوبهم، أرهقم الترقب على مصيرهم إن بقىيت الجثث في قاع شطهم الذي يشربون منه ويسقون بغالهم ويغسلون فيه أوانيهم ويسمحون لأطفالهم باللعب على شطه، أسمعم يتهامسون فيما بينهم بأن الشط قد حلت بة لعنة الغرق وأن الخوف قد صفعهم بعد أن تخيلوا شكل الجثث وهى تطفو بعد خمسة أيام أو أكثر كيف لنا أن نتحمل أشكالهم ؟!
خرجت فرقة الإنقاذ فرداً تلو الآخر مخيبين الأمل قاطعين رجاء الثكالى على مصير أبنائهم، معبرين عن أسفهم وعزاءهم أنهم لن يجدوا الجثامين في ذلك المكان، تعذرو كثيراً بلهجة نادمة على فشلهم في إيجاد نعيمة ورضا، انقضت الليلة وتباعد الأهالي عن الشط وسكنت الأصوات ورجع كلٌّ إلى بيته من أهالى العزبة ولم يبتقَّ أمام شط النيل غير أم شاخصة البصر تنتظر ولدها لكي يطفو على السطح راجية النيل أن ينفك عن سريرته ويحرر الموتى بعيداً عن قلبه , ومكلومة على بنت أختها التى ربتها واتخذتها بنتًا لها ..
مر اليوم ثم الثاني ثم الثالث ولم يظهر لهما أي أثر، انقطع الأمل في ظهورهما في أي مكان قرب موقع غرقهم ، وكأن النيل قد نقلهما إلى زمان ومكان لا يعلم سره إلا النيل نفسه ، محاولات كثيرة من أهالي عزبة قدة وعزبة شامل أن يثنو فكرة الجلوس على شط النيل لام رضا وللخالة زينب وأن يقنعوهما بالواقع وأن يتجرعا مرارة المصيبة في منازلهم فذاك هو أفضل لهم ، ولكن مرارة الفراق تصم الأذن عن السمع وتصنع قنطرة فارغة بلا باب بين الحياة وبين شريكها إن فارق، وهذا عهد المحبين وإن افترقوا ..
وكما قيل إن الأمل يقتله الزمن، لم يبقَ لأم رضا والخالة زينب أي أمل في العثور على غرقاهم إلى أن ظهر عم حامد الشرقاوي في اليوم الخامس ممسكاً بيسجارته متوجهاً بكلامه ناحية أم رضا قائلاً ، غرق أمامي الكثير وبحر النيل له أسرار لا يبديها إلا لمن يختار ، ولقد عاشرت النيل نصف عمري تحدثت معه كثيراً ، صادقته فصادقني ، أخذ شبابي بين أمواجه ، وأخذت سره، وإن كان مكمنه عتيد فله تصريف شاهدته بعيني ، ولتفعلي ما فعلته والدتي حين غرق أخي شعلان ونحن صغار .
لم تنتظر أم رضا أن يكمل حامد ما يتكلم فيه، إلا وانكبت على يده تقبلها تترجاه أن يفصح عما يعلم من طريقة تظهر جثماين رضا ونعيمة حتى ترتاح نفوسهم، وكأنها قد نسيت أن حامد الشرقاوى قبل خمسة أيام قد ترك ولدها رضا وعروسه نعيمة وخلّفهما غرقى من ورائه حين غرق صندله المتآكل .
عم حامد بعدما نفس آخر دخان من سيجارته ألقاها في النيل ثم نظر إلى أم رضا والخالة زينب قائلاً :
منذ أربعة عقود كنا نلعب أنا وأخي الصغير شعلان عند شط نيل إمبابة ومن بين تحدى الأطفال على من يقفز للنيل ، قبل شعلان التحدى وقام بالقفز في النيل ورغم أنه كان صديقاً للنيل عليمًا بأسراره إلا أن النيل أبى أن يلفظه مرة أخرى، ولم تكن الأمور كاليوم، لم يكن هناك فرق للإنقاذ لم يكن أصلاً ساكنو النيل كاليوم ، وبعد يومين من البحث لم يظهر شعلان ولا أثر له في أي منطقة .
جاءت في اليوم الثالث أمي برغيف من الخبز غمسته في الملح ثم وقفت على شط النيل ونادت على شعلان ثلاث مرات ثم ألقت برغيف الخبز المملح في النيل ، وبعد دقائق معدودة ظهرت جثة شعلان تطفو ناحية أمي أمام جمع غفير من الأهالي المنتظرة ، وبين تعجب وريبة يفصل بينها تساؤلات عدة عما فعلت أم شعلان كي يخرج لها ابنها وكأنه حي يسمعها يلبى ندائها، وما هو سر رغيف الخبز المملح التي ألقته فى وسط النيل حتى يحرر شعلان إبنها لم يتجرأ أحد على سؤال أمي عن فعلتها الا بعد مرور وقت طويل على فراق شعلان ابنها ، وبعدما انقشع الحزن من بيتنا على أخي .
بقي الأهالي تتوافد إلى أمي لكي تطمئن عليها ظاهراً ولكن باطنًا يأكلهم الفضول عن فعلتها مع النيل ولم يكن بالي منشغلاً بما فعلته أمي لتخرج جثمان أخي من النيل ، إلى أن سمعتها مرة تتحدث مع أحداهم أن النيل يصاب بالغيرة من الملح وما إن تضع فيه القليل من الملح مع فداء يرضيه حتى يحرر لك ما في باطنه ولكنه عهدة بالتحرير مشروط بأن يكون المنادي أم للغريق القابع في قاع النيل ، و هذا ما فعلته ولم تفشل تلك الطريقة على مر الأزمنة المختلفة في كل مكان على شط النيل .
نظر كل الموجودين إلى بعضهم الآخر بعدما أنهى عم حامد الشرقاوي كلامه عن فعل أمه مع النيل ، لم يطل تفكير أم رضا والخالة زينب حتى اتخذتا القرار أن يقوما بالتجربة وحتى وإن كانت خرافة فلن تخسرا شيئاً ..
كانت الشمس بدأت تشرق ونورها يملأ المكان فأحضرا سوياً رغيف خبز وقاما بغمسه في الملح ، ثم ارتفعت أصواتهم بالنداء يا رضا يا نعيمة يا رضا تعالا يا بني ، اظهري يا بنتي ثم ألقت كل منهن برغيفها في النيل .
وقف الجميع مترقب ينظرون إلى وجه الثكالى وقد أغرقته الدموع وينظرون إلى النيل وفجأة ! ظهر شيء من بعيد على سطح النيل ، صرخت الأم صرخة مدوية تشق القلوب من الحزن ، رضا إنه ولدي رضا .. و بالفعل ظهر رضا على سطح النيل تجرفه المياه بنعومة إلى موضع أقدام أمه ، وما إن رأته أمامها حتى أغشى عليها وكأنها قد علمت بموته الآن ..
تختلط أصوات النحيب مع دبيب الأقدام وهى ترفع رضا من النيل مع كثير من الحوقلة والاسترجاع إلى الله مع صوت مازال يصدع بالنداء في خلفية تلك الأصوات المختلطة ، نعيمة نعيمة اظهري يا نعيمة، يا نعيمة اظهري ، بلا جدوى لم تظهر نعيمة في شط النيل ، ومع تكرار نداء الخالة زينب لم تسعفها حنجرتها في أن تكرر النداء فبدأ صوتها في الاختفاء ، ثم لحظات وانهارت هي الأخرى مغشي عليها ، فقام الأهالى بحملها إلى بيتها وفي خلفهم عم حامد يقول :
زينب خالة نعيمة ليست أمها ، ستظل نعيمة في باطن النيل إلى أن تأتي أمها نصرة لكي تخرجها ، أمي لم تكن مخرفة ولقد شاهدتم بأعينكم ما فعلته أم رضا، ابحثوا عن نصرة أم نعيمة إن أردتم إخراج جثمانها وإلا فستظل نعيمة غارقة في قاع الشط، ولن تهنؤوا بالعيش ولا الشرب من ماء الشط وهو به جثة ، وإن لم تجدوا نصرة نعيمة لن تظهر ..
تكررت كلمات عم حامد الشرقاوي على مسامع أهالي عزبة قدة وقرر بعضهم أن يبحث عن نصرة حتى ترتاح أهل العزبة ، فالنيل هو المصدر الوحيد والقريب للشرب لأهالي العزبة وللبغال والحمير بها وتلك هي أرزاقهم .
انتهت الحكاية ولم تظهر نعيمة إلى يومنا هذا ، وقبل أن أغلق بابي على حكايتي وأهرب بتلك الأبجدية الضائعة بين ظلال الكاتبين والحكائين سأخبرك خبراً ..
القاهرة مدينة تلتهم عمر سكانها بين زحامها ، تبني مجدها على أكتاف أفراد عاشوا على أطرافها ولم ينعموا بمجدها يوماً ، هذا ما أحسست به وأنا أحيا في قلبها و بين ضلوعها ، أسمع حكاوي الأهالي عما صنعت بهم تلك العاصمة ، أسمع والدي سراً يتكلم مع أمي أنه يعلم أن حامد الشرقاوي هو عشيق نصرة التي هربت معه قديماً .
متابعة موقع كابوس, من التعليقات التى أعدت قرأتها لاكثر من مرة حتى استمتع بكلامك عن المفاجاة الغيرة متوقعة , ردك وتعليقك لوحة نابعة من قلب مستنير
روح جميلة .شكرا لكى ايتها الروح الجميلة وااعتذر عن نهايتى المؤلمة وارجو ان لا اكون قد سببت للروح الجيلة ازعاج من اى نوع ولكنك تعلمين رواة الحكايات يحكونها كما رويت
قصة في غاية الروعة .. وصفك لاهالي عزبة قدة والوظائف البسيطة التي يعملون فيها والحياة القاسية والصعبة التي يعيشونها وهم راضين ومقتنعين بها كان وصفاً تعبيرياً جميلاً يصل للقاريء بكل عذوبة وانسيابية .. وأنا أقرأ القصة كلماتك المعبرة رسمت أمامي مشهداً لضفاف النيل وهو يحتضن بين طياته ذلك الصندل الصديء وعم حامد يسحبه للضفة الاخرى ..
اضحكني وصفك عندما كبر عم حامد واصبح الاهالي يسحبون الصندل بانفسهم وعم حامد جالس يدخن سيجارته ويشرب الشاي كان مشهداً خفيف الدم ..
اندمجت مع احداث القصة وهي تتصاعد تدريجياً منذ غرق الصندل في النيل الى اكتشاف حقيقة عم حامد الذي كان مفاجأة غير متوقعة ..
شكراً لك على هذة اللوحة المصرية النابعة من ريف مصر الجميل .. تحياتي لك
قصة رائعة جداً من حيث الأحساس الذي شعرت به كان مؤلم للغاية ولكن النهاية جئت في محالها
أحسنت أخي
ايلول .وكلامى لم يعبر ايضا عن مدى نشوتى بتعليقك المهذب شكرا لكى واعذرينى
قصة مذهلة وابداع رائع استمتعت بها صراحة انت كاتب متمرس رغم ان النهاية حزينة
كل ما كتبته لا يعبر حقيقة عن شعوري بالقصة ، خاصة النهاية التي لم أتوقعها ، وبالمناسبة .. أنا فتاه 🙂 !
رابعة العدوية ,, شكر سيدتى قريبا ستنشر قصة , ( أنفاق أخر الليل)
وستنال اعجباك مؤكدا شكرا لكى مرةاخرى واتمنى دائما ان اكون عند حسن ظنك
عمر عامر , ما هى الا حكايات عبرت من جسرا جمعنا سويا تحت عويد الليل واسمتعت الي كثيرا واسمتعت اليك قليلا وبدا لى بعد زمن ان العلاج النفسى الحقيقى لكلانا
هى تلك المهدئات التى وصفتها أقدامنا على روشتة الحراك بين الدروب ليلا , طبت رفيقى وطاب ممشانا
يعجبني جدا رؤيه المصريين هنا فمابالك بابداعهم الذي يجعلني افتخر بهم امام العالم اجمع فانا عندما دخلت ووجدت مصري كتب قصه كان لابد ان اقراها واعلق عليها انتظر المزيد وساكون ان شاء الله من اول المعلقين عليها
أيلول ,, تتطاير الكلمات من فوق عقلى فانا لا استحق كل ما تكتب أهنئك على شعورى التى أحسست بة وعلى مدى صدقك فى التعبير فشكرا لك
رائعة بكل المقاييس ، أحببتها جدا .. تمتلك أسلوب مذهل في الكتابة يُجبر القارئ على إكمال القصة رغما عن أنفه ، أُهنئك على هذه التُحفة .. وبإنتظار القادم من قلمك أيها المُبدع ^.^ .
أولا تحياتي لصديقى ورفيق دربي،
يكفيني فخرا أنك صديقي وكاتبي المفضل.
أكثر ما أعجبني في القصة (الحدوته ) هي النهاية المفتوحة وكأني أنتظر غدا لأستكمل أحداثها التي ملأت رأسي لأنك أطلقت العنان لمخيلتى والتي بلا شك ستسلك طريق ونهاية ترضيني في النهاية.
أيضا أسرني بشدةأسلوب سرد الفكرة والمضمون ومستوي الرموز والتأويلات والتقنيات المتبعه كغيرها من كتاباتك وأتمني أن تكون هناك قصص وروايات أطول حتي يتسنى لنا الاستمتاع بالقراءة لمدة أطول.
رابعة العدوية ,, قد سحرنى مقدمة تعليقك فمنذ زمن لم يهنأ لى الانتماء لهذا القطر كما أحببتة اليوم فشكرا لكى واتمنى ان تتركى ظلا دائما على حكايتى
مصطفى جمال .. شكرا لك يابن القاهره اسعدنى جدا قرائتك لحكايتى واتمنى ان احيز اعجبابك دائما , وان كان وصل اليك ما أرمز به فى قصتى فتلك منايا ومقصدى فعلا فكل قصة تخلو من عجب ومن عمق لا يعول على قرائتها وأفضل لها ان لا تحكى , وانتا تعلم عن القاهره اكثر مما اعلم فانا لست من سكانها , ولكنى أعلم انها قرية يغيب عنها صانعو جمالها فتشدو فى ليلها ام كلثوم بغنوة انتا عمرى لتؤنس سكانها وهى ليست موطنها الاصلى وليست من مواليد العاصمة ,وأجد حليم يغنى وبليغ يلحن وهم أيضا ليسو من أبنائها اذا فاين جمال أبنائها وعلى ما يبدو لى ان كل جمال فى القاهره ليس نابع من أبنائها وهذا مقصدى ,
)بتاع الحواديت( ياله من لقب تستحقه ليس في كتابتك هذه المرة ولكن مع كل كتاباتك كالجده عطر وعذباء الدفان ونشرت هنا علي كابوس انت مبدع بمعني الكلمه تحلق باحساسك وكلماتك بعيدا وتأخذنا معك الي عالم الحواديت الشيق المثير الذي افتقدنا اليه كثيرا
ساواصل بحثي دائما عن كل جديد لديك فاستمر ف العطاء واطلق العنان لمخيلتك ودعنا نشعر باللذة والسكر من حواديتك
بانتظار القادم زادك الله علما وفهما
هكذا هم المصريون كانو ومايزالون مبدعين لقد سحرتني كلمات تلك القصه فهي معبره عن الحياه الواقعيه لابناء النيل ومايعانوه من فقر وشده كما احزنتني قصه تلك الفتاه التي لم تهنا بالحياه والفرحه يوما حتا وفاتها كانت يوم زفافها وقد ابي القدر الاان يجعل لها النيل قبرا لللابد
اسلوب رائع وكلمات معبره تاخذني من الواقع الي سحر الخيال رائع جدا ابن بلادي
انتظر مزيدك
ياابن النيل
القصة جميلة اعجبتني اسلوبها جميل و الكلمات مختارة بعناية شديدة هي حكاية مأساوية و حزينة بعض الشيء فيها بعض السوداوية القاهرة فيها الكثير من الحكايات التي يمكن كتابتها بهذا الشكل يمكن اعتباراها بيئة خصبة للكأبة الوصف جاء دقيقا ايضا جعلني اعيش و ارى القصة كما تخيلت احداث القصة و اعرف من اين استلهمت مكان عزبة قدة انا من سكان القاهرة بالمناسبة و اعرف جيدا ما قصدته في اخر كلماتك الزحام اللعين احس وجود رمزيات كثيرة داخل القصة لا اعرف ان كنت تقصد ذلك لكن اعجبتني على كل حال اعجبني الوصف كثيرا متقن جدا كما لديك اجادة في اختيار الامثال و وضعها في المكان المناسب قصتك دليل على أن جودة القصة لا ترتبط بعامل التشويق اعجبتني القصة شكرا لك فلقد تلمست سحر القصة في كل كلمة كتبتها و اخترتها بعناية اكمل على هذا المنوال في انتظار جديدك تحياتي لك
حقيقى أفتخر بأنك اخى داعيه الله سبحانه وتعالى أن تكون دائما من المتفوقين البارعين البارزين ف كل مجال وف كل زمان وفقك ربي إلى ما يحب ويرضى
فعلا الخيال هو الحقيقة انا تخيلت عم حامد بملابسه التي لم تذكر بتفاصيل وجهه وملامحه الدقيقة و تخيلت نعيمة و حياتها يوم بيوم و هروب والدتها و تفاصيل الام و خالة نعيمة زينب وتربيتها لنعيمة و تخيلت رضا و بفرحته لرؤيته لنعيمة اول مرة و بفرحتهم يوم زفافهم حتي وقعت المصيبة لهم رأيت نفسي في كل شخصية منهم كأني قريب منهم و احد سكان العزبتين و كٱن الاحداث امام عيني لحظة بالحظة ده ان دل علي شئ فيدل علي ابداع الكاتب و خياله المستوحي من الواقع
مبدع بمعني الكلمة
استمر
د فرح كريم .. للسعادة سرا يختبأ بين التعليقات الموجزة والمفرحة جدا ولا يعلمة الا من اجتهد ان يكتب نصا يفرح طبيبة نفسيه تفهم الناس على ماهم عليه وتلك هى مرام الكاتب , ان يعلم عن الناس ما لم تفصح به السنتهم .. شكرا لك
براء,, انتا ناقد متميز رؤيتة موضوعيه وغير متحيزة لشغف النقد بلا مبرر انا اشكرك جدا على كلامك اسعدتنى وصدقنى وانتا تعلم سعادة الكاتب حين يقرأ مديحا فى نصة , النهاية وان كانت مستهلكة ومعروفة لك فهذا ما قصدته فعلا ولكن معذرة اقرأ مرة اخرى اخر سطر فى الحدوتة ستعلم انها بداية , اسعدتنى مرة اخرى براء
قصة جميلة ،استمتع بقرائتها احسنت
اسلوبك جميل جداً لمن يتأنی في القراءة.. ستعجب جداً من يقرأون الكلمة بعد الكلمة وليس الجملة كاملة.. وفقط فكرة أن عزبة قدة قد وُجدت من قبل أو أنها مبنية علی وقائع حقيقية.. هذا لوحده يضيف بُعداً آخر للقصة، أما أحداث القصة ف مثيرة للغاية وتحمل بين طياتها أشياء صغيرة تثير العقل والتفكير.. وأنا دائماً ما أحب هذا النوع من الأشياء وأحاول دوماً ان أتبناها فيما أكتبه، أيضاً هناك كلمات رائعة وأوصافاً أبدعت فيها لذا أصفق لك علی هذ، النهاية كذلك كانت جميلة رغم انني توقعت نهايتها بعض الشئ حينما عرفت أن نعيمة ستركب في الصندل الملئ بالصدأ.. لابد من ان يكتمل حظها السئ في النهاية ولابد من ان يغرق الصندل بعد أن ظل صامداً طوال هذه السنين، لكن القصة في المجمل جيدة جداً وأعجبتني فعلا.. واصل أيها الكاتب المميز.
محمد العنانى , صديقى العزيز اتمنى ان أنال تشجعيك وحبك فى كل قصة وقصتى تلك ما هى الا ثمار مناقشتى معك وحكايتك عن عزبة قدة فاتمنى ان اكون عند حسن ظنك دائما وليجمعنا دائما ما عهدنا عليه
بائع النرجس , والله لو اعلم ان تلك النشوة ستعترينى حين أقرا تعليقك البديع لكتبت قصة كل يوم حتى ادعوك لتقرأها فاقرا استحاسنك وكلامك فشكرا لك عزيزى ,
لى قصة منشورة على الموقع باسم حكايات جدتى عطر اتمنى ان تجدها لتقرأها
فالامساك بقارىء مثلك لا يكرر
الكاتب العظيم إيهاب عابدين.
اتمنا لك التوفيق والنجاح في كل مكان وزمان
نوار- شكرا على مجهودك فى تحرير قصتى انتى حقا اسما وصفة نوار ساحة كابوس وضيائها
تحية طيبة الى الكاتب
لك ان تعلم يا اخى انى لا اعلق كثيرا الا فيما ندر وصدقا لقد اجبرنى قلمك وفصاحتك ووصفك وروعة احساسك ان اعلق لك منى كل التحية والتقدير
منتظر جديدك
بائع النرجس
قصة مؤلمة .. استطعت بأسلوبك الجميل أن تأخذنا معك إلى شاطئ النيل حيث جرت أحداث تلك الفاجعة .. مسكينة نعيمة لا حظ لها ، حتى جثتها بقيت هائمة في أعماق النهر و لم تجد قبراً يضمها .. لقد كرهت حامد الشرقاوي الذي لم يفكر إلا بنفسه عندما غرق الصندل و بالآخر تبين أنه هو من هرب مع نصرة .. تحياتي لك