قصص من عجائز قريتي .
مرحبا بكم من جديد بعد انقطاع لمدة أكثر من عام ، ربما البعض يتذكرني ببعض المقالات و ربما لا ، المهم و بدون مقدمات سأروي لكم بعض الحكايات من قريتي سمعتها نقلا عن عجائز القرية ، منها ما هو مضحك فعلا و منها ما هو مخيف و بعضها لا يصدق ، و الحكم لكم ..
حيٌ في المقبرة :
كان عمي الراحل رجلاً صارماً ، لديه التدخين إثم كبير و يمنع منعاً باتاً مهما كانت الأسباب ، و لازلت أتذكر الكبار من أبناء عمي ، حتى بعد أن أصبحوا أباء ، يخفون أمر التدخين عن عمي ، حتى أن أحدهم روى لي ضاحكاً حادثة حدثت معه نال عليها بدل العقوبة مجموعة كاملة من أنواع العقاب .
ابن عمي يكبرني بكثير فأنا أصغر حفيد في العائلة ، و أخبرني عن اختلاف الزمن بين أيامهم و أيامي ، فأنا أدخن بكل بساطة ( أنا متزوج و أب ) و لكن في أيامهم كانت الصرامة أكبر و أكثر ، و كان المسكين مدخنا شرها ، و قد أمسكه الراحل عمي أكثر من مرة ( في الحمام أعزكم الله ) يدخن و نال ما ناله ، حتى جاء يوم النحس كما يقال.
أراد الشاب المسكين التدخين ، و عمي بات يراقب غرف المنزل ليل نهار ، فما كان من ابن عمي إلا الهروب ليلاً نحو المقبرة المقابلة للمنزل ، و لسوء حظه أيضا كان شباك غرفة عمي يطل عليها مباشرة ، و لسوء الحظ أيضا كان ضوء الشارع يطل عليها و كأنه يحارب الشاب المسكين ، فبحث ابن عمي هنا و هناك حتى وجد حفرة ما ( كان يبلغ من العمر ١٥ عاما ) و لم يعلم بأنه قبر قد جُهز لأحد الراحلين و الجنازة قادمة ( قال لي يومها : دوماً ندفن الموتى بعد صلاة الظهر ، و لكن الميت كان مغتربا و وصل جثمانه ليلا و كان من الصعب عدم دفنه و الصلاة عليه في الحال ) ، المهم نزل ابن عمي الحفرة التي لا يدري ما هي ، و أشعل أول سيجارة و بدأ ( يسحب دخان الصعداء ) سعيداً بأنه سينجو من عمي هذه المرة ، و لأنه مدخن شره أطفئ الأولى و أشعل الثانية و إذا بأصوات أصحاب الجنازة قادمون ، خوفه من الأصوات جعله يتجمد في القبر ، و فجأة نزل أحدهم لينزل الجثة و هنا صرخ كلاهما ، الرجل ظن ابن عمي من الموتى ، و ابن عمي ظن الرجل هو عمي نفسه ، و عندما ارتفع الصراخ قام اثنين ( سامحهم الله ) برمي الجثمان خوفا فوق ابن عمي ، و هنا صرخ من جديد و تمنى لو أمسكه عمي و لم يوضع في موقف كهذا.
أصحاب الجنازة كل ولى باتجاه ، و طبعا ابن عمي تسمّر في مكانه يصرخ بأعلى صوته ( ابي أنقذني – صراحة النداء الأفضل هو أن تطلب النجدة من عمي ) مع جثة في قبر واحد ، جاء عمي مهرولا نحو الصوت ، فالشباك يبعد عدة أمتار فقط ، و الصوت ليس بغريب ، و صاحب الصوت أفعاله ليست بغريبة عن عمي العزيز ، طبعا عمي لم يفكر ثانية قبل أن ينهال بالحزام يمينا و شمالا على من في الحفرة و ينال من ابنه و من الميت المسكين الذي نال نصف الضرب ، عمي لم يتوقع وجود جثمان لأحدهم ، حتى صرخ ابن عمي : أخرجني من عند هذا الرجل و اضرب كما تشاء ..
اجتمع الحي على صراخ عمي و ابنه المسكين و ربما حتى الميت كاد أن يصرخ و توضحت الصورة كاملة ، شاب هرب ليدخن في قبر دون أن يعلم بأن زائره قادم على الطريق ، عمي احضر أهل الميت و أوضح الصورة و حلف بأغلظ الإيمان أن يقوموا بضرب ابنه ، طبعا لم يقم أحد بضربه شفقة على ما حل به أو ما سيحل به في المنزل ، فالكل يعرف طباع عمي ( اللطيفة ) ، فقام عمي بواحب الميت و أهل الميت و الحي و واجبه كأب بالحزام الجلدي المتين ، ثم ذكر أحدهم الناس أن هناك من جاء ليصلى عليه فنال من العذاب قبل أن ينزل التراب عليه و واجب الصلاة عليه و إكرامه ، إحدى العقوبات كانت أن ينزل ابن عمي مع أحد أقرباء الراحل ليضعه في لحده ، و من ثم أخذه للمنزل ليكمل ما بدأ به خارجاً ، يقول ابن عمي اليوم : أقسمت إلا أقترب من التدخين في حياتي ، لا ضررا ، بل لأن أثار الحزام الجلدي توثق حادثة حصلت منذ عشرون عاما و نيف .
أفعل ما تريد إلا إخبار زوجتي :
كان لدينا رجل في القرية رحل منذ مدة ، يخاف زوجته خوفاً شديداً ، و كان هو ضعيف الشخصية سريع الهروب ، و ذات ليلة حصلت مشكلة في المنزل فما منه إلا ولى الأدبار هارباً كالعادة متجها نحو مقبرة القرية ظناً منه أن زوجته لن تصل إليه ، و حين كان مختبئاً لمح لصين يقومان بسرقة أحد المنازل ، فظن أنهم أخوة زوجته يبحثان عنه ، فقال : بالله عليكم لا تخبرا زوجتي أنني هنا ، ف و الله عذاب القبر أهون من عذاب الدنيا معها .
اللصان هربا نحو المخفر معترفين على الرجل و على أنفسهم مع توبة نصوح مدى الحياة ، و الرجل أمسكته زوجته و مضت الأيام و انتقلت الزوجة إلى جوار ربها و هو توفي بعدها بعدة أيام حزناً عليها ، فعلا ( القط لا يحب إلا خناقه ) فإذا زرت قريتنا يوماً و سمعت أصواتاً من أحد القبور لا تهلع ، إنه المسكين و قد فعل مشكلة ما مع زوجته ، فالمرحوم أصر قبل وفاته أن يجاورها حتى في القبر .
القصة الأخيرة لا أدري أن حدثت أو لا ، و لكن شاهد القبر موجود حتى اليوم على تلة بجانب قريتنا ، شاب عاشق لأحدى فتيات القرية ، و كما حال جميع القصص ، الشاب لا يملك قوت يومه و الفتاة ابنة البيك ، الحب أعمى ، مثل صحيح ، فالشاب فقير يعمل لدى ثري و أحب ابنته ، و لكن لصالح ذاك الثري ، فالفتاة لم تبادل الفقير الحب ، ظل يحاول التقرب منها يوما بعد يوم دون فائدة ترجى ، حتى اكتشفه رجال البيك أو الآغا كما كان يسمى ، و اتهتمه الفتاة بأنه حاول الاعتداء عليها ، فزادت الطين بلة ، حيث أن البيك كان ينوي أن ينفي الشاب خارج القرية و لكن بعد سماعه ابنته استشاط غضبا و فكر في العقوبة الأمثل لهذا الفقير ، و لأن الشاب لا حول و لا قول و بعد بضعة جلدات من رجال البيك قر و اعترف مجبراً ، فاختار له البيك عقوبة ما زلنا نشمئز من بشاعتها ، بداية اقتلع له عيناه ، و من ثم أحضر ثيران تجر صمداً ( الصمد هو ما كان يستخدم للفلاحة ) ، و اوقف الشاب في ميدان مغلق و قال له : إن الحب أعمى ، ابنتي تقف في هذا الميدان بين الثيران ، إن عرفت مكان وقوفها نجوت و زوجتك أياها و إن لم تفعل دهستك الثيران بأحمالها ، لربما كان أعمى البصر و لكن ليس القلب ، فأشار بيده نحو اتجاه ما و كانت محبوبته بنفس الاتجاه و أكد وجودها ، و لأن البيك و ابنته رفضاه عندما كان معافى ، لن يقبلوا به دون بصر ، فأطلق الثيران نحوه ، فصرخ الشاب حين سمع ارتطام الحديد بالأرض : هي هناك ، أعلم أنها هناك ، مصيري يجره ثور اهوج ، فإن وصل ألي قضيت ، و إن قضيت أدفنوني بأعلى مكان في هذه القرية لربما أراها دوما بعد مماتي دون أن ينالني عقاب بشر .
دهس الشاب و دفن في مكان بعيد حتى رحيل البيك عن الحياة و لم يبقى من ذريته إلا تلك الفتاة عانساً تعد أصابع الندم خوفاً من انتقام أهل القرية ، حينها استخرج أهالي القرية بقايا الرفات و دفن الشاب على التل الذي يطل على قصر البيك التي تقيم به ابنته ، قيل حينها أن الخدم هجروا القصر بعد رؤيتهم لشبح شاب يتجول أمام غرفة محبوبته ، حتى قامت الفتاة بشنق نفسها و دفنت أسفل التل تماماً حتى بات الفقير أعلى من الثري و ليراها كل يوم و يعذبها حتى في قبرها ، لليوم إن تراهن شباب القرية على أمر كبير ، يكون الرهان من يقضي ليلة عند التل أو بجانب أطلال قصر البيك.
ماشاءالله تبارك الله اسلوبك جميل في سرد القصص
القصة الاولى مضحكة ومرعبة في ان واحد , والثانية أيضا كذلك والثالثة محزنة للغاية لكني أظنها أسطورية للغاية و من نسج الخيال
اهلا بك اختي و شكرا للمشاركة ، فعلا القصة الثالثة بها كثير الغموض ، طبعا الروايات تتناقل من جد لجد حتى وصلت إلينا ، و كل راوي يضيف القليل من التشويق للقصة ، بالنهاية هكذا قصص كانت محور السهرات البسيطة العائلية قبل اكتشاف السوشل ميديا و الهواتف ، لذلك أعتقد أن الأجداد كانوا يضيفون تفاصيل جديد كي يطيلوا في وقت السهرات مع الاحفاد و الأبناء .. رحم الله أيام البساطة .
شكرا اخي انها قصص جميلة ماعدا الاخيرة
جزاك الله خير
شكرا لمشاركتك اخي الكريم ، للأمانة القصة الأخيرة هي رواية من جد لجد و كانت تروى في السهرات البسيطة العائلية قبل اكتشاف السوشل ميديا و الهواتف ، و من المؤكد أن القصة أبسط من ذلك ، و لكن الأجداد رحم الله من رحل منهم و أطال الله في عمر من بقي ، كانوا يمتلكون خيالاً واسعاً و جميلاً في نفس الوقت ، و للصراحة كل ما تبقى من القصة هو آثار بسيطة للقبر و بعض أطلال من جدران قصر الاغا ، و لكن أحفاد الاغا يجزمون أن القصة من وحي الخيال و لم يكن لديه ابنة من الاساس و الله اعلم.
احترامي .
قصه جميله جدا يسلم ايدك
شكرا لمشاركتك و كامل الاحترام والتقدير
في المقابر..
تنفُثُ الحياةُ سرّها الأخير ..
في وجُوه الهاربين ..
ما أعجب تقلُّبات الحياة حين يفرُّ الإنسانُ من سلطة
واحدةً ليجد نفسهّ تحت ثقـل الموت ذاتـه. وكأنّمـا
التّدخين في القبر كان تجسيدًا لهُرُوبٍ أحمق من
قانُون صارمٌ إلى حضن الفناء. وفي زوايا الخوف،
رجل آخر يحتمي من زوجتة،وكأنّ عذاب القبر لطفٌ
أمام عذابات العيش تحت سطوتها؛ ما ادهى الإنسان
،كيف يهرُبُ من قدره ليجد نفسهُ مرهُونًا بسياط
مخاوفه، يعيش في عبوديّةٍ أدهى من الموت!
وها هو ذاك العاشق الأعمى…
يجُرُ نحو حتفه، ليس لأنّ الحب أعمى،بل لأن قسوة
البشر أعتى. دفنوه حيث أراد، على تلٍّ يشرفُ على
حبيبته، ليراها كل ليلة، معذبًا إياها بنظرة لم تَرُدّها.
الحُب ليس مأساة بحد ذاته، بل المأساة تكمن في
عدم القدرة على عيشه بصدق وقوة . كان يبحث
عن الخلاص وليس الانتقام.
في النهاية ..
المقابر ليست أرضَ راحة، بل هي عودةٌ إلى عمق
المخاوف، حيـث لا نجاة من حقيقة الذّات، ولا
خلاص من طيف النّدم…
نتذكرك …وأهلاً بك ..
سموت وتألقت وأبهرت
بالتوفيق ✨
الف شكر لكلامك الجميل بحق كتاباتي البسيطة التي لا ترقى حقيقة لمستوى كاتب محترف ، و لكن أحاول جهدي بتحسين لغتي العربية نحويا و البحث أكثر في مصادر المقالات القادمة إن شاء الله .
كامل الاحترام والتقدير
قصة الشاب المدخن أضحكتنى وأنا سعيد بمشاركتك وينبغي علينا ألا نسعى إلى المهالك من أجل سيجاره بل توجد حلول أخرى كى يشرب سيجارته عافانا الله وإياكم جميعا من هذا البلاء
قصصك جميلة ورائعة ولا نستغرب من تلك القصص لأن العوالم مليئة بما فيها أحداث وخصوصا العالم الخفى غموض شديد وقد يتسم ببعض الجمال والحكمة وصل الله على سيدنا ونبينا ومولانا وحبيب قلوبنا سيدنا محمداً رسول الله صل الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين دعواتكم لنا ولوالدينا ووالديكم وجميع المسلمين ومدد يارب العالمين
شكرا لمشاركتك اخي الكريم .
و صلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.
بصراحة
قصص خفيفة وجميلة ومسلية
من اجمل مايمكن ان نتذكره
حكايا الجدات
عالم من السحر والترقب والجمال
الغموض المشوق
والمجهول الحابس للانفاس
سلمت يدك اخ علاء
كالعادة .. ابدعت
شكرا لمشاركتك اختي الكريمة ، فعلا قصص الأجداد بها الممتع و المخيف و بها حكمة في بعض الأحيان ، تبقى علينا نحن الجيل الجديد أن نوثّق هذه الروايات حتى لا تضيع ، و شكرا لموقع كابوس لتوفيره هذه الفرصة بالتوثيق .
احترامي وتقديري.
انتظر تعليقاتكم بكل حب