كيت ويرن

إلى حدٍّ ما في القرن التّاسع عشر، إحتكر الرِّجال مهنة التّحقيق، وزخرت بهم أكبر وِكالة تحقيق خاصّة آنذاك، بينكرتون الأمريكيّة. فجاءت امرأة اسمها “كيت ويرن” تطرق بابها، ولم تكن أكثر من ربّة بيت أرملة، يبلغ ربيع عمرها ثلاثًا وعشرين.. ولكنّها حَمَلَت معها أملًا في أن تغدو أوّل محقّقة بالتّاء المربوطة في العالم.

فما ان صادفت إعلان الوكالة عن الوظيفة الشّاغرة، حتّى سارَعَت وتقدّمت بالطّلب، وظنّ صاحب الإعلان “آلان بينكرتون” أنّها، بحكم كونها نِسوة، جاءت لتطبخ وتنفخ، أو تغسل وتكوي، أو تنظّف الممرّات الّتي يعبر عليها المحقّقون الفِعليّون.. ولكنّها أصرّت على طلبها وتشبّثت به، متحجّجةً بإمكاناتها، حتّى وافَقَ على ضَمِّها وزال عنه التّردّد، قائلًا بأنّ من قِسمَةِ قَسمات وجهها الذّكاءُ. وبذلك دخلت دهاليز المكاتب السّرّيّة، والتزمت بفرض القانون ورفع دِرَفْسِهِ.
طريقها لم يَخْلُ من العثرات المحتملة، فقد كان لِيُبْتَرَ انجازُها بفعل “التّقاليد”، وهذا هو سبب تردّد آلان، فالنِّساء يَقْرَرن في البيوت لا المباحث، هكذا قالوا، وهذا حارَبَت هي.
فالنّساء بعينها دقيقات ولهنّ قدرة شديدة على الملاحظة والتّركيز، وهذا هو جوهر وكالة بينكرتون بل وشِعارُها حرفيًّا، فهو عبارة عن عين بيضاء وسوداء، لا تنام أبدًا.
وفي أوّل اختبارٍ وُضِعَت فيه، نجحت في استرداد مبلغ تسعٍ وثلاثين ألف دولار استولى عليها مستثمر مخادع، فأعادت الودائع إلى مُستَثمرة “آدم”، وكذلك تقرّبت من زوجة السّارِق، فلم تبدُ بمظهر الضّابطة الصّارمة.. كانت أقرب للأمين، أمين متخفّي ربّما.. حتّى استراحت الزّوجة لها وأفصحت عن خطوات اللّص “ماروني” وبياناته، الّتي استجمعتها المحقّقة!
وكان التّنكّر من مزايا كيت، أبدعت فيه حتّى رقَّتها الوِكالة الى منصب نسائي هي من فتحت بابه، فصارت مسئولةً عن محقّقاتٍ أخريات.
ثمّ تعاظمت قضاياها، فهي الآن -بعد الحرب الأهليّة- أمام قضيّة قتل. بالفِطنة الّتي عندها تساوَت مع الدّليل، عَرَفَت أنّ مَصْرِفِيًّا قُتِلَ بِمِطرقة على مؤخّر رأسه بينما كان يسحب الأموالَ لِقَريب.

وهنا تظهر مهارتها في التّخفّي والاستدراج، فمُوَظِّفُها مثلها استعان بحدسه كي تكتمل السّلسلة مع حدسها، واستنتج انّ مُتَّهَمًا ما بعينِهِ هو المُجرِم، على أنّه استنتج أيضًا أنّ الافتراضات المُسبَقة محكوم عليها بالفشل، لِذا ومن أجل التّيقّن بعث بالمرأة الى المشتبه به، مرتديةً فُستانها العاديّ اذ لم تحتج لِزِيّ خاص، وما هي الّا لحظات حتّى تُخالِلَ زوجة المتّهم (وكانت تحت اسم مستعار هو السّيّدة بوتر) وتخرج من فمها اعترافاتٍ تؤكّد المشبوه.
بل لقد بَرَعَت في التّمثيل والأداء، إذ لمّا أتاها شخص يُفضي لها بأنّهُ هو ومَدامٌ تعرّضا لمحاولة تسميم من طرف شقيقته، وأخرى غريبة، وشخص يبدو من لقبه انّه بعلُ المدام -لا بدّ أنّها خائنةٌ ايّاه-، تقمّصت لعبة العرّافة، وبأسلوبها سَحَبَت سيّد الأدلّة من ادلاءات المُشتَبَهين.
وهي على هذا مثل “سوبرمان”، ما تبرح أن تعود لعملها كمشرفة على تلميذاتها.. موازنةً بين نصرة الحقيقة ومساعدة الآخرين.
ومسألة وقت واعتياد فصلت بين تلك اللّحظة الّتي شُكِّكَ بِها، والآن؛ حيث اعتبرها آلان من خيرة عامِليه، وكَرَّسَ لها كرسيّ التّرقية ومكانًا مُريحًا لها بِهِ تستمرّ بعطاءها.
ولولاها ما عاش أبراهام لينكولن، رئيس الولايات المتّحدة الّذي فَرَطَ عقدة العنصريّة.. ولما انطلقت خطاباته الرّنّانة حول الاستقلال والحرّيّة وغيرها ممّا أنقذتهُ كيت، تلك العجيبة الّتي كانت كالظِّلّ، وتحدّت التّحيّز الجنسي بادّعاءها انّها تسبر الأغوار الّتي لا يستطيع الرّجال سبرها!
فمن بين عديد الأدوار الّتي لعبتها، كانت كيت سيّدةً جنوبيّةً، أو كرزة! أمزح بالطّبع، هذا اسمها الجديد (Mrs. Cherry) ساعةَ ما راحَت الى بالتيمور، إحدى أخطر مدن أمريكا، والمترنّحة بين الجنوب والشّمال.
هناك اعتمرت شرائط ذكيّة تُخفي أجهزة استقبال وارسال لوِكالَتِها، وعكفت على التّأقلم مع دور الرّاقية الضّليعة بالسّياسة، فقصدت محافل الإنقساميّين وخَبُرَتْهُمْ.. في نفس الوقت الّذي فيهِ سارَ لينكولن، زاهِدًا عن الحرس، يخطو على أطراف أصابعه يُريدُ حماية قُوات بالتيمور العسكريّة، كي تبقى “ماريلاند” في أرضها لا تفارقها، ما سيحمي العاصمة واشنطن!
بمعلومة بسيطة ربّما سمعتها كعصفورة، عرفت من خلال جدران الفندق أنّ لينكولن في خطر، وأنّه مُحاط بنوايا الاغتيال، وكلّ مساره -بما في ذلك القِطارَ الّذي سيمتطيه- مكشوف، وحبلُ الإبقاءِ ما على جرّار القطار!
فأعلمت زميلها آلان بذلك، كي يتّحد الإثنان في رسالةٍ إلى أبراهام، تحدوه أن يغيّر سبيله. ومن أجل ذلك رافقت ذاك الرّئيس وِجاهِيًّا في عرباتٍ ابتاعتها من حُرِّ مالها، نحو واشنطنَ.
منها كانت عربات مخصّصة للسُّبات، وما داموا غيرَ زائلين عن درب بالتيمور، وما دامت المخاطر تحفّهم وتداهمهم، ارتأت كيت أن يتنكّر لينكولن بدوره! فألبسته عدساتٍ خاصّة متّصلة كالنّظّارة، وعدّةٍ تحميه من النّظرات الفتّاكة المُستريبة، ولم تنسى أن تحيّيه وتحاوره كما لو كان شقيقًا لها!
وطوال الرّحلة، ذهابًا وايابًا، لم تنم جفوت كيت مُطْلَقًا، فقد كانت العين السّاهرة الّتي أتمّت التّهريب إلى برّ الأمانْ.
وفي الحرب الأهليّة، صِراعُ الكونفدراليّة العنصريّة والشّمال الدّاعي للمحبّة والوِحدة (وحبكة رواية ذهب مع الرّيح الشّهيرة ووحيدة كاتبتها المتوفّاة بحادث سير، حيث تدمّرت حقول الجنوبيّين وذَرت مع الرّيح ككلّ مظاهر السّعادة)، وفي معركة صغيرة من حربها الكبيرة هي “أنتايتام”، كانت الأجواء ونيرانها المندلعة محتدمة في طلائع السّتّينيّات، ولكنّ الثّنائي واصَلَ السَّفَرَ وقد اتّخذا من بعضيهما رئيسًا ومُعاوِنَةً، ووقفوا الى جانب أبراهام أمام الخيام المنصوبة، كأنّهم حُرّاسُ قضيّةٍ سماويّة يفتقون أذهانهم عن مخرجٍ لمكائد الإنسانيّة!
ووجدت كيت نفسها وَسْطَ قذيفةِ مِدفَع تُعْلِنُ اتّقاد شرارة الوغى..
واعْتُمِدَ عليها في بناء ثكنة استخباراتيّة هي انصياع لأمر أعلى، أمرٌ عاجَلَ حماية الرّئيس أبراهام نفسه..
مهمّتها هي ما أتقنته، النّبشُ عن الأسرار وفتح الثّغرات والجاسوسيّة أسفل هجمات الكونفدراليّين. وأحيانًا مثّلت مع راعيها الزّوجيّة. انّها أيقونة حقيقيّة أثبتت أنّ أدوات نجاح المرئ منه وإليه، فاعداءها الأشرار لم يكونوا ليتوقّعوا انّها تهدّد شرّهم ب “مهارتها الذّهنيّة” كما مدحها المُشرِفون عليها.
عندما ماتت شابّةً كالوردة بسبب مرض رئوي، دفنها شريكها آلان بالقُرب من مقرّه، مؤكّدًا الغمزات الّتي لمزت لأنّه حميمٌ لها! كيف لا؟ وتلك البريئة الذّكيّة مستلبّة بطبيعتها؟
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري
هههه، الغلاف انيقا للغاية، وكانه غلافا لفيلم، جودة فائقة للغاية، وعمل مذهل في الابتكار والتصميم..
نساء الكاوبوي عامة سيبقون دوما مثالا للاناقة والتفرد والذكاء السلالي الفطري، توجد الكثير من النماذج النسائية المشرفة من بلاد الغرب الامريكي كاختنا العزيزة كيت ويرن، الولايات المتحدة الأمريكية هي بالاساس عش دبابير التميز والتفرد، لهذا لو كلمتني عن شخصا هناك فعل شيئا لايصدق.. ساصدق علي الفور وأنا مغمض العينان.. عمت مساءا ايها الكاوبوي هههه