مقبرة خلف الأبواب المغلقة

كثيراً ما تشاجرتُ مع أمي الحبيبة في طفولتي، حتى تحوّل شجارنا إلى طقس صباحي مقدس يتكرر كل يوم كوجبة الإفطار. وكان سبب المعركة الدائمة تلك “الضفيرة اللعينة” التي كانت تحكم بها أمي وثاق شعري. كنتُ أذرف الدموع بغزارة وأعترض صارخة: «أريد شعري مسترسلاً على الخدود يهفهف بحرية كشعر جارتنا سمر!».
كان رد أمي الحاسم والجاهز دائماً: «أنتِ رايحة المدرسة مش رايحة فرح». وكلما ارتفع عويلي وزاد نحيبي، كلما عاقبتني أمي بزيادة عدد الضفائر وكأنها تزيد من قضبان سجني. وعند نزولي من البيت، كان القدر يضع سمر في طريقي كالعادة؛ كانت تمر بجانبي تاركةً خصلات شعرها للهواء يداعبها بحرية، ينطلق يميناً ويساراً، في نكاية واضحة لخصلات شعري المستسلمة لقيود الضفيرة الطويلة. كنتُ أنظر إليها وأردد في نفسي بحسرة: «يا بختك يا سمر، ويا بختك بعائلتكِ التي تمنحكِ هذه الحرية!».
دارت الأيام، وانتقلت سمر إلى مدرستي، بل وشاءت المصادفة أن تكون في فصلي وتجلس في المقعد المجاور لي تماماً. توطدت علاقتنا وسرعان ما أصبحنا صديقتين مقربتين. وفي لحظة صفاء وبوح، لم أستطع كتمان الأمر أكثر، فاعترفت لها قائلة: «تصدقي أنك سبب خناقي مع ماما كل يوم؟»، وشرحت لها بالتفصيل كيف كنتُ أحسدها على شعرها المنسدل.
نظرت إليّ سمر بنظرة غامضة امتزج فيها الحزن بالشفقة. أمسكت بإحدى يديها ضفيرتي برفق شديد وكأنها تهدهد طفلاً صغيراً، وباليد الأخرى رفعت خصلات شعرها المنسدل وقالت بصوت خنقته الدموع المكتومة: «أنا من كنت أحسدك، فلم أجد في بيتنا يداً حانية تصفف لي شعري ضفيرة واحدة.. فتركته مسترسلاً مرغمةً مجبرة، لا حريةً ولا دلالاً!».
دارت الأرض من حولي، ونظرت إليها بتعجب ودهشة أسكنت لساني؛ فأنا أعلم يقيناً أن والدتها تعيش معهم في البيت! قرأتْ سمر علامات الذهول في عينيّ، فبادرتني بالإجابة التي كسرت قلبي: «نعم، أمي تعيش معنا، لكنها تعيش جسداً بلا روح، مكسورة الخاطر والأضلاع، لكثرة ما تتعرض له من ضرب واعتداء متكرر من أبي!».
تعجبتُ لأمر هذا الوالد! فقد كان ينطبق عليه تماماً المثل القائل: «وحوش.. لكن بتخدعنا الوشوش». كان رجلاً محبوباً جداً بين الجيران، وخاصة الأطفال؛ كان لا يسير إلا وجيوبه ممتلئة بقطع “البونبوني” يوزعها عليهم بابتسامة عريضة تخفي خلفها وحشاً كاسراً في بيته. لقد كان يشتري ودّ الغرباء بابتسامة، ويسلب أهل بيته الأمان بالدموع والترهيب.
منذ ذلك اليوم، تعلمتُ درساً لا أنساه ما حييت: ألا أحكم على البيوت من خلال جدرانها المطلية بألوان زاهية، ولا من زقزقة العصافير التي تغرد على شرفاتها، ولا من ضحكات الأطفال الفانية التي قد تُخفي وراءها أنيناً صامتاً. فكم من أبواب مغلقة لو فُتحت لبكينا على حال أصحابها، وكم من شعر ثائر في الهواء يتمنى قيد ضفيرة تصنعها يد أمٍ حنون!
قد تسمع ضحكات عابرة تسقط من شرفات تلك البيوت كقطع الحلوى؛ فتظن في غفلة من قلبك، أن كل شيء على ما يرام، وأن السعادة قد اتخذت من هذا العنوان وطناً. لكن الحقيقة التي تخفيها الظلال، هي أن خلف تلك الجدران الناعمة والخطوات الهادئة، تكمن أسرار أثقل من أن تحكى، وتنام مآسي بشرية لم يكتبها أي روائي.
إننا نمر بجانب البيوت، فنرى الحجارة ولا نرى الأرواح. لا نرى ذلك الصراع المرير الذي يخوضه المرء ليحافظ على قناع “الاستقرار” أمام جيرانه، بينما سقف بيته يوشك أن ينهار على رأسه من فرط الوجع. البيوت أسرار، بعضها بيوت دافئة لكنها تنزف خلف الأبواب المغلقة، وبعضها مقابر صامتة يسكنها الأحياء الذين مات فيهم كل شيء، ولم يتبق منهم سوى أجساد كأعجاز النخل الخاوية، بانتظار يد تمتد لتنقذهم، أو دخان يخرج ليعلن للعالم… أن المأساة قد اكتملت. تماماً كمأساة حكايتنا اليوم؟

في قلب مدينة كولكاتا بالهند، وتحديداً في شارع “روبنسون” النابض بالحياة، وقف منزل قديم كبير يتحدى الزمن بمظهره العتيق. أمام هذا المنزل، كان المارة يمرون يومياً دون أن يلتفتوا إليه، فالبيوت القديمة في الهند كثيرة، والحكايات التي تطويها الجدران لا تنتهي. لكن خلف تلك النوافذ المغلقة بإحكام، وهذا الصمت الغريب، كانت تجري واحدة من أبشع وأغرب المآسي الإنسانية والنفسية في التاريخ الحديث.
لم يكن أحد يتخيل أن هذا البيت البسيط في مظهره، والذي تسكنه عائلة مثقفة من الطبقة الراقية، سيتصدر وسائل الإعلام العالمية تحت اسم “بيت الرعب”. قصة تبدأ بالموت، وتمر بالجنون، وتنتهي بالانتحار، لتكشف لنا كيف يمكن للعزلة أن تأكل الروح البشرية، وكيف يتحول الحب والألم، إذا غابا عنهما العقل، إلى قصة رعب حقيقية!
عائلة “دي” التي بدت لجميع من حولها عائلة مثقفة ومحترمة. الأب، أروبيندا، كان مهندساً متقاعداً ومديراً سابقاً في شركة بريطانية كبرى، رجل يمتلك هيبة وسيرة ذاتية مشرفة. والابن، بارثا، مهندس برمجيات ذكي عمل في شركات كبرى، والأخت، ديبجاني، معلمة موسيقى تملأ البيت بالألحان. لكن هذا المشهد كان مجرد قناع يخفي خلفه أرواحاً محطمة منذ رحيل الأم بالسرطان، ومع غيابها، بدأ الخيط يرتخي ببطء.
القشة التي قصمت كل شيء كانت غريبة وموجعة في آن واحد؛ في أواخر عام 2014، وتحديداً في شهر ديسمبر، نفقت كلاب العائلة. قد يبدو الأمر عادياً للبعض، لكن بالنسبة لهذه العائلة المعزولة، كانت هذه الكلاب هي كل ما تبقى لهم من معنى للحب والوفاء، دخلت الأخت ديبجاني في نوبة اكتئاب سوداوي، وبدأت تذوب كالشمعة، حزناً وزهداً في الحياة، حتى قررت أن تضرب عن الطعام تماماً. وفي تاريخ 29 ديسمبر 2014، لفظت أنفاسها الأخيرة ماتت من الجوع على سريرها.
لم يحتمل بارثا فكرة أن أخته، وتوأم روحه، قد رحلت. رفض أن يبلغ أحداً، ورفض أن يأخذوا جسدها ليحرقوه طبقاً لطقوسهم، لأن ذلك كان يعني اعترافاً نهائياً أن أخته ذهبت ولن تعود. بدلاً من ذلك، قرر أن يتحدى الموت بطريقته الخاصة. قام بأمور تتحدى العقل وتهدم المنطق، أغلق بارثا نوافذ الغرفة بإحكام، وسد كل الشقوق التي يمكن أن تسرب الرائحة أو الضوء، وشغل أجهزة التكييف على أقصى طاقتها ليتحدى قوانين الطبيعة والتحلل.
وعلى مدار ستة أشهر كاملة، عاش بارثا مع جثة أخته على نفس السرير. لم يكن يرى فيها هيكلاً عظمياً يتآكل يوماً بعد يوم، بل كان يراها أخته الحبيبة التي لطالما باح لها بأسراره، وشاركها الضحكات واللقمات، كان يطبخ كل يوم، ويضع لها طبقاً من الطعام بجانب سريرها، ويشتري وجباتها المفضلة، ويجلس بالساعات يحكي لها عن يومه وأفكاره كما كان يفعل في حياتها، وينام بجوارها كل ليلة وكأنها فقط غارقة في نوم عميق. ولم ينس أيضاً أن يضع الطعام للهياكل العظمية لكلابهما الميتة التي احتفظ بها في نفس الغرفة!
والمؤلم والموجع في هذا المشهد، هو الأب العجوز، أروبيندا، الذي كان يعلم بكل ما يدور لأنه كان يعيش في الغرفة المجاورة، يسمع مناجاة ابنه للجثة كل ليلة، لكنه كان قد استسلم هو الآخر لجنون الصمت. انزوى الأب في غرفته، غارقاً في دموعه واكتئابه، تاركاً الابن يمارس طقوس الوفاء المرضي المرعب، بانتظار النهاية التي لم تتأخر كثيرا.

في تاريخ 10 يونيو 2015، رأى الجيران دخاناً أسود كثيفاً ينبعث من نوافذ البيت. ظنوا أنه حريق عابر، واستدعوا الشرطة ورجال الإطفاء في مدينة كولكاتا. عندما اقتحموا المنزل وتوجهوا إلى الحمام، وجدوا الأب أروبيندا قد أنهى حياته؛ سكب الكيروسين على جسده وأشعل النيران ليحترق مع أسراره، تاركاً رسالة انتحار حزينة. لكن هذه لم تكن الصدمة الكبرى لرجال الشرطة.
أثنائ معاينة المنزل، قادتهم رائحة خفيفة وغريبة إلى غرفة النوم المغلقة حيث التكييف يزأر بقوة. وعندما فتحوا الباب، تجمدت الدماء في عروق المحققين؛ على السرير كان يرقد هيكل عظمي لامرأة ترتدي كامل ملابسها، وبجانبه هياكل عظمية صغيرة لكلبين. هناك، في تلك الغرفة الباردة والمظلمة، التي تحولت لمقبرة! بسبب الوضع العقلي الصادم لبارثا، لم يخضع للعقوبة الجنائية بل أسقطت عنه النيابة كل التهم، وتم تحويله بموجب أمر قضائي إلى مصحة “باولافا” للأمراض النفسية والعقلية تحت حراسة مشددة حيث شخصه الأطباء هناك بمرض الفصام الحاد والأوهام الذهانية.
ولأن الجنون دائماً له جذور، ولا يأتي فجأة، قام المحققون بتفتيش المنزل، الذي أسفر عن العثور على آلاف الصفحات من المذكرات والرسائل التي كتبها وتبادلها بارثا وديبجاني بخط أيديهما طوال سنوات، وهي الأوراق التي فتحت نافذة على طفولتهما المشوهة. كشفت المذكرات أن الأم المتوفاة لم تكن نبعاً للحنان، بل كانت امرأة متسلطة قاسية والأغرب أنها كانت “تغار من جمال ابنتها ديبجاني”. كانت تعاملها كعدو، وتكيل لها الإهانات، وتحرمها من أبسط مشاعر الأمان، في حين كان الأب غارقاً في عمله الطويل، غائباً طوال الوقت.
هذا الحرمان العاطفي الذي عاشه الأخ والأخت في طفولتهما، جعلهما يبنيان معاً جداراً نفسياً سميكاً ضد العالم، وأصبح كل منهما هو الوطن والملجأ الوحيد للآخر، كانت تلك الرابطة بينهما هي حبل نجاتهم من قسوة الأم، وحين انقطع هذا الحبل بموت ديبجاني، انهار بارثا تماماً، ولم يستطع عقله أن يتقبل فكرة الوجود في هذا العالم وحيداً دون مأواه وتوأم روحه!
لم تنته المأساة بوضع بارثا في المصحة. فبعد عامين من اكتشاف القضية، وتحديداً في تاريخ 21 فبراير 2017، وبعد أن تحسنت حالته قليلاً، سُمح له بالخروج ليعيش في شقة مستأجرة، لكن بارثا اختار النهاية ذاتها. عثر الحارس على جثته متفحمة في الحمام؛ سكب على نفسه الكيروسين وأشعل النار، ليموت تماماً بالطريقة ذاتها التي مات بها والده من قبل. وكأن الوجع لا يستطيع إخماده إلا ألسنة اللهب! ليلحق بأخته وكلابه، لتطوى صفحة واحدة من أحزن القضايا الإنسانية، تاركة وراءها سؤالاً معلقاً: كم من بيت خلف أبوابنا المغلقة اليوم، يعيش رعباً صامتاً ولا أحد يشعر به؟
الخاتمة
تتركنا هذه القصة أمام حقيقتين مريرتين:
الأولى: أن ذنب الأمهات وجناية الآباء لا تذهب معهم إلى قبورهم بل تظل تتوغل وتنمو بطريق الأبناء ومستقبلهم! فكم من ابن وابنة بسبب كلمة قاسية وحرمان عاطفي من آبائهم يعيشون اليوم وكأنهم أموات، يعيشون بأرواح نازفة خلف الأبواب المغلقة فالجراح التي يصنعها الآباء والأمهات في نفوس أبنائهم لا يغمرها التراب، بل قد تورث ألماً يمتد عبر السنين، ويشكل مصائر كاملة لم يكن لها ذنب سوى أنها وُلدت في المكان الخطأ.
الثانية: تلك العزلة الاجتماعية المرعبة التي نعيشها في عصرنا الحديث. كيف يمكن لعائلة كاملة أن تموت جوعاً، وتعيش مع الهياكل العظمية شهوراً، وتنتحر حرقاً، في مبنى سكني مزدحم، دون أن يشعر بهم أحد؟ حتى عمهم الذي يشاركهم نفس البناية لم يكن يدري! لقد أصبحنا نعيش في عالم مزدحم بالأجساد، لكنه خالٍ من الأرواح.
ماتت ديبجاني في صمت، وعاش بارثا في صمت، ولم يتحرك الجيران إلا عندما رأوا الدخان والنار. لم تحركهم إنسانيتهم أو تفقدهم لجيرانهم، بل حركهم الخوف من النيران التي قد تطال بيوتهم. إنه “موت الجيرة” في أبشع صوره، حيث يغلق كل منا بابه على عالمه، تاركاً جاره يغرق في ظلامه وحده.
موت الجيرة ليس أن تغلق البيوت أبوابها فحسب، بل أن تغلق القلوب نوافذها أيضاً. موت الجيرة أن يسمع الجار أنين جاره فلا يسأل، ويرى حزنه فلا يواسيه، ويعرف أنه يمر بضائقة فلا يمد له يداً!
في الماضي كانت الأبواب نصف مفتوحة، وكانت رائحة الطعام تعبر من بيت إلى بيت، ثم يعبر ذلك الطبق من باب إلى باب، حتى ينسى الجميع من أرسله أولاً ومن أعاده أخيراً كان الطعام يدور بين الجيران محملاً بالمودة أكثر مما هو محمل بالطعام نفسه، فلا أحد يحسب ما أعطى ولا ما أخذ.
يا خسارة!
تحرير، تنسيق وإشراف: رنين
إلى متى يا بنت بحري ستسترسلين في صدمِنا مشاركةً تِلوَ مُشاركة، تعليقًا تِلوَ أخيه، بأخبار الدّنيا؛ الرّواية الهزليّة والمسرح على رأي شكسبير.
ألا يكفي أنّ تعليقاتك تسلب الضّوء من المقال نفسه بكمِّ ما فيه من معلومات عن الأوّلِ تفيض؟ الصّوت الذّهني تهدّج الّا قليلًا ثمّ صارَ صارِمًا وتعافى من صدمة صديقتكِ.
ما يلفتني هي فقط التّدوينات الّتي لا تفنى كجسد صاحبها. الرّسائل الشّرّيرة المتبادلة، خصوصًا عندما يخبرنا أحد ما -أي كاتب كابوس- عنها، فإنّها تُوَشِّمُ القلبَ بالصّدمة والحُزن.