وجه من الماضي

يبدو مرعبا هذا البيت الموحش ، الجاثم كوحش كاسر فوق الحديقة المهملة الواسعة ، وفي طرفها شجرة عملاقة يابسة . ليست أول مرة أتواجد فيها بمكان مخيف ، بحكم عملي في التحقيق في الظواهر و الجرائم الماورائية و خبرتي المعتبرة . إلا أني لأول مرة أجد نفسي مترددا ، و حافز خفي يخبرني أن هذا المكان مختلف عما سبق . وللوهلة الأولى هممت برفض المهمة و الإتصال بصديقي ــ ضابط الشرطة ــ الذي طلب مني التحقيق في الجريمة الغريبة التي وقعت هنا . وعجزوا عن إيجاد أي خيط ، مما جعله يطلب مساعدتي كونه شم ــ حسب قوله ــ رائحة الخوارق .. ثم تراجعت واعدا نفسي بكشف هذا اللغز الذي يحيط بمقتل سيدة هذا البيت الشابة خنقا و عدم وجود أي أدلة أو حتى آثار على رقبة الضحية .

استجمعت شجاعتي واتجهت إلى الداخل و الرهبة تملأ نفسي . المرعب أن البيت بدا لي مألوفا .. الغبار يغطي كل شيء و رائحة العفن ، حتى وقع أقدامي على خشب الأرضية كان له صوت مميز يثير الرهبة . هكذا تبدو تماما البيوت التي وقعت بها جريمة قتل ، كل الغرف خالية إلا من أثاث قليل .

لا أعرف تحديدا ما الذي أشعر به ، كأن هذا المكان لا يحبني . ساقاي أصبحت بالكاد تحملانني ، لم أعد قادر على التحمل .. وفجأة وجدت نفسي أجري بكل قوتي إلى الخارج مخترقا الحديقة كالسهم ، ابتعدت قليلا و تنفست الصعداء قائلا في نفسي :

ــ مستحيل أن يكون هذا البيت عاديا ، لا بد أن شيئا شريرا موجود فيه أو وقع فيه .

**

نزلت في فندق قريب من البيت و بدأت من فوري في دراسة ملف القضية الذي استلمته من صديقي ، تقرير الشرطة يقول أن هذا البيت ظل خاليا لفترات طويلة .. و في كل مرة تقرر أسرة ما الإنتقال إليه و شراءه إلا و تحدث كارثة تودي بحياة سيدة البيت .. لماذا يا ترى ؟ . هل يريد البيت توصيل رسالة ما ؟ ، لماذا دائما تقتل سيدة البيت دون أي أحد آخر ؟ ، هل يحاول البيت الإنتقام ؟ .

إقرأ أيضا : ستلتقي الأرواح يوماً

أسئلة صعبة ومعقدة و إيجاد أجوبة لها يتطلب جولات مرعبة داخل ذلك المكان المفزع ، وربما مفاجآت و صدمات . فالأمور في هذا المجال ــ مجال الخوارق ــ دائما هكذا .

حسبما قرأت تبين لي أن المحقق المسؤول عن القضية لم يولها اهتماما كبيرا ، ربما لأن الضحية مدمنة مخدرات و تعيش وحيدة و سجلت الجريمة ضد مجهول دون بذل أي جهد حقيقي . و العجيب أنه لم يحتار حتى في جزئية عدم وجود آثار خنق .. قلت في نفسي :

ــ رجال الأمن هؤلاء أصحاب البطون المنتفخة لا يجيدون إلا التدخين و الثرثرة .

شعرت بتعب كبير بعد سهرة طويلة مع أوراق القضية .. فاستلقيت على الفراش و ذهني مشغول بذلك الشعور الغريب أن البيت مألوف ، ثم نمت كطفل و دخلت في حلم أشبه ما يكون بكابوس . لا أدعي الشفافية و النقاء ، لكن هذا الحلم مختلف ..

رأيت نفسي صغيرا ألعب مع طفل في مثل سني أجري خلفه و يجري خلفي ، نتسابق و نمرح و نضحك ثم يحدث شيء غريب .. إذ يتجه إلى شجرة في جانب الحديقة التي نلعب فيها ثم يدخل في حفرة ما و يختفي .

نهضت و العرق يغمرني ، يبدو أن زيارتي لذلك البيت قد أيقظت شيء ما داخلي و أصبحت متأكدا الآن أني عشت في هذا البيت .

**

تناولت إفطارا عاديا بأحد المطعام القريبة ، واتجهت من فوري إلى بيت الرعب لأبحث عن أي خيط أو دليل . كنت متحمسا ، لكن كلما اقتربت خطوة كلما نقص حماسي درجة و زاد ترددي و خوفي ، متجه إلى المجهول عن طيب خاطر ما أغباني .

في الداخل كان البيت ما يزال مخيفا ، البرودة تغمره رغم أننا في فصل الصيف رغم عدم وجود مكيف . الغموض يملأ الجدران ، هذا المكان يتمتع بشخصية غامضة إن كان للمنازل شخصية .

كنت غارقا في هذه الخواطر ، وفجأة كاد يغمى علي . كأن أحدهم مر من جانبي أنا متأكد ، ثم سمعت وقع أقدام مسرعة و ضحكات ، حاولت الفرار لكني عجزت .. ماذا أفعل؟ . ثم رأيته .. كان نفس الطفل في الحلم ، لا يتعدى العاشرة ، جميل الملامح شعره يتدلى على جبهته لكن بشرته زرقاء ! .. زرقاء جدا! . مستحيل أن يكون هذا الشيء من عالم الأحياء .

إقرأ أيضا : الضربة المضادة

انطلق يجري ثم يتوقف و ينظر إلي ، لست جبانا لكني أيضا لست شجاعا مثل المقاتلين في الأساطير الإغريقية و أنتمي الى معشر الوسط في كل شيء ، لكن هذا الشيء فوق احتمالي . لم يبد عليه أنه يحاول إيذائي بل ربما يحاول أن يقودني إلى شيء ما . تبعته حتى انتهى بي إلى غرفة في الطابق العلوي ، واختفى داخل الجدران ، بحثت داخل الغرفة فوجدت صندوقا قديما مغطى بالغبار حملته و انطلقت لا ألوي على شيء .

**

في غرفتي داخل الفندق فتحت الصندوق ، كل شيء يبدو قديما .. جرائد قديمة اصفرت صفحاتها بها مقالات قد قطعت ، و دفتر جميل . ثم توقفت و أخذت نفسا .. لقد عثرت على صورة لي و أنا طفل في نفس الغرفة التي وجدت فيها الصندوق ، لقد كانت غرفتي لما كنت صغيرا .. غرفتي كانت في نفس البيت المرعب !! .

الجرائد تعود الى عشرين سنة مرت ، فتحت الدفتر ، بعض صفحاته مدون عليها سطور بخط طفولي و رسوم و خربشات . هذا الدفتر ملكي لما كنت صغيرا كيف انتقل الى هناك ؟ .

كأن الزمن توقف بي و بدأ شريط الذكريات يمر في خيالي ، ثم بدا كل شيء واضحا .. البيت و الطفل و الدفتر القديم . لكن كيف؟ ، فأمي لا تذكر أي شيء عن هذه الفترة . وأنا لا أتذكر أي شيء كذلك ، و لا أدري ما علاقة الجريمة بهذا الطفل .

هنا جاءتني فكرة غريبة لكن منطقية ، إنطلقت بسرعة إلى مكتبة البلدة و طلبت الحصول على نسخ من الجرائد بنفس تاريخ تلك الجرائد التي وجدتها سابقا في البيت .. و بعد بحث طويل و متعب وجدت عدة مقالات لها علاقة بالقضية ، إحداها يتحدث عن طفلين اختفيا بنفس الليلة دون أثر ، و لم يعثر عليهما . ولا تتعجب إذا علمت أن صورة الطفلين بدت مألوفة لي فأحدهما هو صديقي الذي ظهر لي بالبيت و الآخر يكبرني قليلا و كنت أكرهه فيما مضى .

ثم كان هناك مقال آخر بعد اختفاء الطفلين بأسابيع يتحدث عن أرملة وجدت مخنوقة في بيتها الجديد الذي اشترته بسعر منخفض من عند السيدة (س.ع) .

رددت في داخلي :

ــ (س.ع) هل هذه مصادفة أن والدتي تسمى سلوى عاطف ؟ ، لماذا باعت البيت بسعر منخفض؟ ، لماذا لا تذكر أي شيء عن فترة عيشنا هنا؟ . هل لها علاقة بالطفل المختفي؟ ، هل هي متورطة بشكل ما ؟ .

إقرأ أيضا : جنية في منزلي

أتعبتني هذه الأفكار فعدت إلى الفندق لأخذ قسط من الراحة ، فمنذ دخولي ذلك البيت و الكوابيس و الذكريات المزعجة لا تكاد تفارقني . هنا استعدت ذكرى كان عقلي الباطن يخفيها منذ سنين .. فمن المعروف أن الأحداث المأساوية تحدث صدمة عاطفية تفقدك ذاكرتك أو جزء منها .

ثم حلم آخر ..

لقد رأيت نفسي هذه المرة طفلا صغيرا في حديقة مظلمة ، ألعب بدراجة هوائية .. و يشاركني فيها ذلك الطفل الذي رأيته في البيت . ثم جاء الطفل الآخر الذي اختفى و بدأ يزعجني و أخذ دراجتي بالقوة مستغلا فارق السن و الحجم ، و لما رفضت ضربني بكل قوته مما جعل الدم يسيل من فمي وأنفي . عندها أصبت بغضب جنوني ، ولا أدري كيف حملت حجرا كبيرا و هويت به على رأسه . ولم أستفق إلا على صوت صراخ الطفل الآخر و منظر الدم يتدفق منه شلالا ساخنا .

تجمدت في مكاني ، حتى أحسست بشخص يربت على كتفي .. استدرت ، إنها والدتي الحبيبة ، أخذت الحجر من يدي وألقته أرضا و مسحت دموعي و حملتني إلى البيت ، و هنا إنتهت الذكرى ..

أظن أن ما حدث بعدها واضح جدا ، فأمي علمت أني ارتكبت جريمة ستدمر مستقبلي ، لهذا تكفلت هي بالتخلص من الشاهد الوحيد و دفنت الجثتين و غادرنا البيت لينتهي كل شي .

0 0 الأصوات
Article Rating

مصطفى 2018

- الجزائر - للتواصل مع الكاتب : zianimustafa26@gmail.com

مقالات ذات صلة

8 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
طي الكتمان
طي الكتمان
3 سنوات

كيف لي أن اتكلم عن القصه وثلاث كتاب علقو وكلامهم رائع
لست خبيره بالكتابه لكن انا الوحيده التي حصلت على لقب هنا وليس لي منافس لقب اسوء املاء
مثلما انتم تستمتعون بالكتابه وقواعدها انا استمتع بالكتابه وخطائها 😁
لو قرأ سيبويه احد تعليقاتي لجلس بالزاوية يقول افنيت اعمري لاجل املاء كهاذا وان علم اني خريجه ثانوي سوف يرمي نفسه من برج خليفه يااااا على الصعوبات التي واجهتها بقواعد اللغه العربيه المهم دعك من ماضيي اللغوي السيئه ونتكلم عن قصتك
صحيح اني لا اكتب لكن احب قرائه القصص كقارئه بسيطه احب المقدمات القصيره والدخول بالقصه
قصتك رائعه وتقدم نحو الإمام وان سمعت شائعات عن رمي سبويه نفسه من برج خليفه فهاذه اشاعات تريد هدم مسيرتي الفنيه بابداع اللغه العربيه

مصطفى 2018
مصطفى 2018
3 سنوات
ردّ على  طي الكتمان

شكرا لك
تحياتي

جمال علي العابد
جمال علي العابد
3 سنوات

تحياتي اخي الكريم …
لسوء الحظ ان قسم ادب الرعب خفت نجمه ، الناس الان تفضل الدخول ليوتيوب و المشاهدة بدل القراءة .
لو كان هذا القسم في زخمه القديم لكان الوضع مختلفا تماماً بالنسبة لك …
على العموم لدي قليل من الخبرة في كتابة القصص تعال لنتشاركها سوية :
لعل الجزئية الاهم في اي قصة قصيرة كانت ام طويلة هي المقدمة . المقدمة المشوقة حصراً
اريد تشبيه الامر ببرميل انت لديك الفضول في معرفة ما بداخله .
اقتربت من البرميل المغلق بغطاء وبدأت تنزع عن فوهته غطاءه ، ثم ادركت ان هذا البرميل غير واضح المحتوى . قربت وجهك منه لتتأكد وفجأة انطلقت يد من داخله وسحبتك إليه بقوة واغلقت الغطاء .
البرميل هو القصة واليد هي المقدمة . يجب ان تبحث عن المقدمة التي تجبر القارئ على متابعة القراءة .

-لماذا برأيك يحب الناس مشاهدة الفيديو استعاضة عن قراءة قصة او مقال ؟
انا اجيبك ، هذا بسبب كثرة التفاصيل في الاول عكس قلتها في الثاني وقصتك تكاد تكون خالية من التفصيلات .

-حبكة متميزة . الحبكة هي الطبق الرئيسي ، الوجبة الاساسية التي تبهر القارئ بمذاقها . طالما انت تحبك قصتك بشكل صحيح فحتما انت تكتب شيئاً مبهرا ً

هذه اهم الافكار التي رأيتها مفقودة في قصّتك ، لا اريد الاطالة عليك ، لكن لا تنسى ان تكرر المحاولة فالمحاولة حتى تصل لافضل نموذج من نتاج يديك .

تحياتي لك

مصطفى 2018
مصطفى 2018
3 سنوات

السلام عليكم
أخي جمال
أولا و قبل كل شيئ أسعدني تعلقيك كثيرا و أنا أنتظره منذ زمن
شكرا على إهتمامك و على تعليقك الرائع
و لا أخفي سرا إن قلت لك باني حريص جدا على متابعة التعليقات
من أجل الإستفادة من بعضها (مثل تعليقك )
لكن أرجو أن توضح لي معنى نقص التفاصيل بصراحة لم أفهم قصدك جيدا
و هذا لأعمل على تطوير مستواي مستقبلا
تحياتي لك

أزيز الصمت - مدير دائرة التحرير والنشر على كافة أقسام الموقع
أزيز الصمت - مدير دائرة التحرير والنشر على كافة أقسام الموقع
3 سنوات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
شكرا الأخ مصطفى على هاته القصة الجميلة .
لكن لدي ملاحظة بسيطة : تمنيت لو أنها كانت أطول بقليل ، أحسست أنها بحاجة لخاتمة أفضل فهي هكذا تبدو غير مكتملة .
تحياتي لك .

مصطفى 2018
مصطفى 2018
3 سنوات

و عليكم السلام
سعيد أن القصة أعجبتك
و أعترف باني غير جيد في إنهاء القصص
لهذ فسأعمل على تطوير هذا النقص مستقبلا
شكرا جزيلا
تحياتي

وفاء
الادارة
وفاء
3 سنوات

قصة جيدة أخي مصطفى ، من ملاحظاتي عليها هي كمية الصدف اللاواقعية التي واجهها البطل .. لكنها مشوقة بصفة عامة ..

تحياتي لك ..

مصطفى 2018
مصطفى 2018
3 سنوات
ردّ على  وفاء

السلام عليكم
أختي العزيزة وفاء
أشكرك على قراءة القصة و التعليق عليها
أعلم جيدا أن كثرة الصدف في القصص ، الروايات و الأعمال السينمائية تضعف العمل بشدة
لكن الحبكة إستلزمت هذا للاسف
تحياتي لكي

زر الذهاب إلى الأعلى