لم يكن هولاكو، القائد الذي ضوى من الشرق ففتحه، عظيم الشجاعة كما قد تتصوره أذهان المنخلعين عن الصور الباطنة، بل لقد كان جبانًا رغم جبروته.
ولا أدلَّ على ذلك من التكتيك الذي اشتهر باتّباعه، فغدا بصمةً باسمه: تكتيك هولاكو.
لسنا نُبالِغُ إذا قُلنا إن ذلك التكتيك هو عين ما يتّبعه كل ظالم سواءً ارتسمت على شِعاراته صليب معقوف أو نجمة داوود!
كان هولاكو، حفيد جنكيز خان، في غزواته متجنِّبًا للإلتحام المباشر مع الجيش أو الدخول المُباغِت على العاصمة، فقد آثر على ذلك أن يُبيد القُرى المُجاورة ويدمّرها عن بِكرة أبيها، دون أن تستثني رحمته الأطفال والنساء.
لكن رحمته أبقت على شِرذِمة صغيرة من الأهالي، لا لينعموا بالأمان إذ هل يعرف العُدوانُ الأمان؟
إنّما كي يبقوا دليلًا حيًّا على بطشٍ خطير ومنه يا نذير!
فتجتاحُ الرّهبة وتختمرُ داخل شِرذِمَةِ الأهالي الذين انطلقوا أفواجًا نحو العاصِمة الجاهِلة من أمرِ الغزوة شيئًا!
هي مسألة لحظات حتّى تنتقل خميرة الرّهبة والخوف إلى صُفوف الجيش، فما يكون من أمر بَسالتهم إلّا أن تتضائل.. وربّما للولولة تأثيرها أيضًا، وقد تفوحُ من الأبواق أخبار الهزيمة وتكسير القرية وإراقة دمائها فتبُثّ تلك الإذاعة وَهَنًا فوقَ الوَهَن.
بهذا استطاع هولاكو أن يبسِط سلطانه، سلطان الظلام والخوف، على بغدادَ وفارِسَ والشّام، تمامًا مثل “أسود تسافو”.. تلك السِّباعُ الصّلعاء التي هجمت على معسكرات العمّال في تسافو الكينيّة فأشاعت الرعب المنبعث من مُفتَرسين في الليل الحالِك أو مُطارَدين في الأدغال.
نعم، الأدغال قيمة لا رادَّ يَرُدُّها عن أن يُتَّصَفَ بِها جبابرة الزّمان!
طبعًا التكتيكُ ليسَ صكَّ نصر مؤكّد، وما أدرانا؟ لعلّه لم يُفلِح كل مرة ولعل الجرّة سَلُمَت.
إنّما الأكيد أن غزوته لدمشق تمّ لها النّجاح لأن المدينة استسلمت.. واستسلمت إذعانًا للخوف.
فهل كان هولاكو كثير العتاد؟ تقدّر الدراسات الأكاديمية أن حملات هذا التّتاري في الشام لم تقلّ عن خانة مئات الآلاف.. وهو رقم هائل ورغم ذلك التزم بالأسلوب الجبان.
ولأنّ أسلوبه باطِل، فلم يُرِد الناصر يوسف الأيّوبي، حاكم دمشق حينها، أن يستمر الخراب ويطالَ الدولة بأكملها..
رضخ للهجوم قبل حتّى أن يصل المغول لعاصمة سوريا اليوم ويتسلّموها من طرف الأعيان الذين وجدوا أنفسهم وحيدين، لكنه رضوخ محسوب.
ومن باب الإنصاف، فإن جيش المغول لم يَكُ قليلًا.. فضلًا عن أن الناصر يوسف لم يتجابن بل قادَ جيشًا منبثقًا من دمشق وللأسف خذله الأمراء من أمثال شمس الدين لؤلؤ الأميني، وأمراء القيمرية الذين نكثوا بعهد التضامن وغيرهم ممّن ارتعبوا من المغول.. فآلت النهاية لأسر آخر عنقود ملوك الدولة الأيّوبيّة شامِيًّا.
ويحدوني أن أذكر، بيانًا لمقاومته، ما قد يصفه المؤرخون بال “هرب” الذي سبق أسره.. وهو في واقع الأمر لم يكن فرارًا بقدر ما كان إعادة ضبط للأوراق.. وهي عين الخطوة التي أدّت لوحدة شعبه ضد الغزو فاستسلموا نهائيًّا.. ولا أعني الوِحدة العظيمة، ذلك التكتُّل والتكاتف الخليقُ بتدمير أعتى الأعداء.. وإنّما الوِحدة النّاجِمة عن غُربةٍ لا أمانَ فيها.
كما أنّ المؤرخين، كدأب البشر أجمعين، منقسمين؛ فالهمذاني والجويني يصوّرونه كذلك الفارس الحذق، عاشق الفلسفة ووردةً تنبتُ من بين الرُّكام، فيصلح ما هدّمَهُ جيشه!
هي على كل حال مصادر فارسية ومغولية أو اسمحوا لي بالقول “خانيّة!”.. أما المؤرخون من الخلفية العربية والإسلامية، فصوّروه كمصّاص دماء تجلّت دمويته في، مثلًا، الهجمة على بغداد وإسقاطِها، وتدمير كتبها حتّى طغى الحبر على دِجلَةَ! (1258 ميلادي-656 هجري).
ولعمري أن شنٌّ الأوّلَ ما وافقَ طبقةَ الثّانية!
بغداد سقطت أيضًا سنة 2003، حسنًا.. لا مدن عريقة “تسقط” بهذه السهولة لكنّ انهيار حزب البعث بدكتاتوره صدّام حسين رُبِطَ على سُقوط المدينة ككل؛ الفرق أنّ المُسقِطَ هذه المرّة دبّابات وبنادق لا خُيول وخنادق!
إنّ شرفَ النّزال النبيل، ذاكَ الإلتحام رأسًا لرأس كالنُّبَلاء، ورغم تنائي تكتيك هولاكو عن مبدأه، حَضَرَ.
فنجد في توسعته للإمبراطورية المغولية، القرن الثالث عشر، إستكمالًا للقضاء على الدولة الخوارزميّة التي بدأ لحرب ضدها جده جنكيز خان، فقد ثارَ الأخير على قتل الخوارزميّين لوفد السلام والتجارة كرد على مبادرته ببعثهم لهم.
أو الحشّاشين في بلاد فارس، إذ أسقط قلاعهم مباشرةً.. أو السلاجقة في روما.
هذه نماذج بسيطة عن الصدامات، المعهود بها أن تكونَ شُجاعة.. لكن الشجاعة تنوح في الزاوية إذا ما جاءت سيرة إبادة غالبيّة جنوب آسيا، منها مثلًا مدينة نيسابور شمال شرقِيّ إيران.. تلك المدينة العريقة الواقعة عند درب الحرير (خط تجاري يمر من الصين).. مئات الآلاف لقوا حتفهم جرّاء حملة هولاكو.
فشتّان بين قِتال وقَتْلٍ.
ثمّة أمر آخر يَمَسُّ الشرف، لا استباحةُ الأنفُسِ البريئة وحسب وإنّما كذلك الطمع وراء الكُنوز..
فقد شَمِلَت فتوحاته بغدادَ العبّاسيّةَ، فحَرِصَ على الإبقاء على الخليفة المستعصم بالله لا لشيء إلّا لِيَدُلَّهُم على كنوز العرب.
وقد قال إذ ذاكَ عبارته الشهيرة، مُوَجِّهًا إيّاها للخليفة الذي أخرج له الذهب من أسفلِ حمّام السِّباحة: لو أنفقت هذا المال على جيشك لهزمتنا ولحقنت دماء شعبك!
وهنا صاحب التكتيك يستشرف إنفاق المال في محلّه بينما يعدُّهُ هدفًا بالِغَ الأساسيّةِ وكأنّ العداوات التي يخلقها لا طائل من وراءها سوى الإكتِساب.
وكان لهذا الرجل نوايا تحالُفِيّة، ولستُ أحسبُ أن تكتيكه البائس سيُطَبَّقُ تحت فكرة التحالُف.. وإلّا فلماذا يبعثُ للويس التاسع يدعوه للتكافُل ضد المسلمين؟ تحديدًا غزو القدس إرضاءً للبابا (رغم أن ديانته كانت الأرواحيّة).
فإن دل هذا على شيء، فعلى أنّ هولاكو كان له باع في حدّ السّيف لا التّرهيب دائمًا.
ويجب أن لا ننسى إضافة اسم “خان” إلى جانب اسمه، فهو نقل هذه السلالة إلى بلادُ الفُرس وتكاثرت في إيرانِ اليومِ.
بل حتى عندما ماتَ -وسبَقَ موتُهُ هزيمة جيشه في معركة عين جالوت- كان الأوّل من آل خان حيث جنازته ضُحّيَ بِها بِبَشر!
وغالب الظن أن التضحية كانت قربانًا له علاقة بالعقيدة الأرواحيّة.. تضحية همجية لم تُذكر بمصدر سِوى ويكيبيديا، على الأقل ببحث متواضع.
شخصيًّا أظنُّ أكبر إنجاز لهولاكو خان هو تأسيسه للدولة الإلخانية التي تمطّت حُدودَ إمبراطورية أعظم قُدّمت له على صفيح فضّة وفضّة ساخنة من جدّه جنكيز!
فهي دولة وخانيّة من هاتيكَ الخانيّات التي شكّلت إمبراطوريّة المغول.
هي إذن كالقِطاع، وَوُجِدت في جنوب غربِها، مرتكزةً على إيران و”ضواحيها” كتركمانستان على سبيل المثال.
ورغم أن هولاكو لم يؤسّسها بالمعنى الدقيق إذ تكفّل جدّه بزرع بذرتها في غزوة خوارزم (منطقة أوزبكيّة ونعم، هي معقل رأس الخوارزمي).. إلّا أنّه سادَها وجعل منها دولةً رسميّةً.
والخِتامُ سلامٌ حلّقَ حمامه فوق أعين الأبرياء.. ولا. نامت. أعين. الجبناء!
الروابط
https://www.hindawi.org/books/68368136/17/
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%87%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%83%D9%88_%D8%AE%D8%A7%D9%86


العقيدة الأرواحية هي الإيمان بوجود روح في عناصر البيئة والجمادات، ولها علاقة بأفكار أوسع كالبوذية والهندوسية وطقوس الإستنساخ.. وآمنت بها الشعوب الأصلية كالإنكا في أمريكا الجنوبية إلى جانب البوذية.
للتوضيح لم يؤمن أهل الإنكا بالبوذية، سَهوٌ في الجُملة، كنت أريدُ البوذيّين..
أهل الإنكا كان عندهم نفس ديباجة الوثنيين، آلهة يُعتَقد أنها مسؤولة عن شيء ما مثل إنتي إله الشمس وفيراكوتشا إله الخلق.