بقلم : ماهيتا
السعودية
مرحبا أيها السادة، أنا الحمار.. نعم، أنا ذاتي، الذي يُضرب به المثل في الغباء، ومع ذلك أرى نفسي فيلسوفاً مُهملاً
وملهماً في الوقت نفسه
فمنذ أن فتحتُ عينيَّ على هذا العالم، وأنا أرى البشر يتحدثون ويضحكون ويغنون، بينما أحمل على ظهري أكياس التراب والحطب والأحلام التي لا تنتهي
كل يوم طريق واحد، ضربة واحدة بالعصا، وصياح متكرر: (هيَّا أيها الحمار، تحرَّك!). فأتحرك، لأنني لا أعرف سوى التحرك
تأملتُ الأمر فلسفياً: إن كانت الحياة مجرد حملٍ ومسير وأكل تبنٍ وشرب ماءٍ آسن، ثم يأتي الموت فيأخذك أو يأخذ صاحبك الذي يضربك، فما الجدوى؟ وما الفرق بيني وبين الإنسان إن كنا جميعاً نحتمل ونصرخ وننام منهكين؟ فقررتُ الانتحار.ليس لأنني حزين، بل لأثبت للكون أنني قادرٌ على الاختيار، ولو كان الاختيار موتاً. هذا تمرد وجودي، لا مجرد حماقة
المحاولة الأولى: توجهتُ إلى البئر القديمة بجانب الدار. قلتُ: سأرمي نفسي فيها فأغرق وأنتهي.. وقفتُ على الحافة، نظرتُ إلى الأسفل.. الماء بعيد، والجدران زلقة فخطر ببالي: (يا حمار، إن سقطتَ ستتكسر ساقاك قبل أن تغرق، وستصرخ يومين، فيأتي صاحبك يُخرجك ويزيد في ضربك) فتراجعتُ في المرة الأولى
المحاولة الثانية: وجدتُ علبة سمّ للحشرات ملقاة تحت الشجرة، مكتوب عليها ( يُبيد الصراصير فوراً ). قلتُ: أنا أعظم حجمًا من صرصور، فلعل الموت يأتي أسرع وأرحم.. ابتلعتُ ما فيها طعمها كالتبن المتعفن الممزوج بالفحم.. انتظرتُ النهاية…
فجاءني ألمٌ في الأحشاء، ثم… تقيأتُ كل شيء مع ريحٍ كريهة لكني لم أمُت.. ورآني صاحبي في حالي هذه
فقال: (عجباً حتى السم لا يقتل هذا الحمار!)
المحاولة الثالثة والأخيرة (والأشد غباءً): قررتُ أن أضع نفسي تحت عجلات الشاحنة التي تمر كل فجر. وقفتُ في منتصف الطريق، مغمض العينين، منتظراً الصدمة التي تُنهي الوجود وتُثبت أنني اخترتُ
سمعته يقترب.. همهمة المحرك تعلو.. نبضي يتسارع.. ثم فتحتُ عينيَّ.. لقد مرت الشاحنة على بعد شعرة مني، والسائق صرخ: (ابتعد أيها الحمار المجنون!).. فوقفتُ مذهولًا أفكر: حتى في لحظة انتحاري الأخيرة، نسيتُ أن أتقدم خطوة نحو الشاحنة كي يتحقق الموت! ويا لغبائي..
عدتُ إلى الحظيرة، اضطجعتُ على فراش التبن البالي، وهمستُ لنفسي : ( أيها الحمار.. حتى الموت رفضك. ربما الحياة نفسها هي العقاب الأعظم، والغباء هو ما يبقيك حياً ) .
لكن في تلك اللحظة، وبينما كنتُ أحدّق في السماء من خلال فتحة السقف، رأيتُ نجما يسقط. سقوطاً سريعاً، لامعاً، ثم اختفى
فجأة شعرتُ بشيء غريب: ليس يأسًا، بل نوعًا من الرضا الساخر. قلتُ في سري: إذا كان الكون يُلقي بنجومه في العدم دون أن يبالي، فلمَ أبالي أنا بمصيري أكثر منه؟ ربما الغباء ليس عيبًا، بل هو الطريقة الوحيدة للعيش دون أن يُثقلك الوجود
.في الصباح التالي جاء صاحبي كعادته يصرخ: (قم أيها الكسلان!) فقمتُ… ومشيتُ
.لكن هذه المرة، وبينما كنتُ أحمل الحمل الثقيل على ظهري، رفعتُ رأسي قليلًا نحو السماء، وابتسمتُ ابتسامة حمارية صغيرة
لم أعد أبحث عن الموت، ولم أعد أبحث عن معنى. اكتفيتُ بأن أكون حماراً يمشي، يأكل التبن، وأحيانا ينظر إلى النجوم الساقطة
لأن الفلسفة، في النهاية، لا تُغيّر شيئا.. لكنها قد تجعل التبن يبدو أقل مرارة!


ابتسمت ابتسامة حمارية صغيرة😂
جميعنا ابتسمنا يوما تلك الابتسامة لكنها ابدا لم تكن صغيرة دائما كانت تختم بضحكة حمارية ذات قهقهة عالية (الضحك على الخيبة).
واضح ان حمار بنت بحرى سيجر علينا باقى قطيع الحمر الى القسم الادبى
سعيدة ان الحمار اصبح له منبر يتحدث من خلاله
استمتعت بالقراءة…وفى اعتقادى ان حمارك سيكون مع حمارى صداقة وسيكونان فى انتظار حمار ثالث لبناء شلة حمير رائعة.
ملحوظة (توفيق الحكيم ايضا كان يطلق على حماره فيلسوفا)
فى انتظار مقالة ثالثة تحمل بداخلها حمارا ثالثا لاستكمال نصاب شلة الحمير 😉
سلمت يداك عزيزتى
سلام 🌹
الحمار يملك عنه الناس فكره خاطئ لكن الحقيقه هو يمارس فطرته لتي خلقه الله له ووضعها في هذا المخلوق
مثل قصه في احدا الكتب اسم الكتاب يا حمار…
ان ٌا ما كان فً أحد االسطبالت العربٌة معشر من الحمٌر …. وذات ٌيوم اضرب حمار عن الطعام مدة من الزمن فضعؾ جسده وتهدلت اذناه وكاد جسده ٌيقع على االرض من الوهن،فادرك الحمار االب ان وضع ابنه ٌتدهور كل يوم واراد ان يفهم منه سبب ذلك فاتاه على انفراد ٌستطلع حالته النفسٌه والصحٌة التي تزداد تدهورا فقال له: ما بك ٌا بن ًّ؟ لقد احضرت لك افضل انواع الشعٌر … وانت ال تزال رافضا ان تؤكل اخبرنً ما بك؟ ولماذا تفعل ذلك بنفسك؟ هل ازعجك احد؟ رفع الحمار االبن راسه وخاطب والده قائال: نعم ٌا ابً … انهم البشر … ُدهش الحمار وقال البنه الصؽٌر : وما بهم البشر ٌا بنً ؟ فقال له : انهم ٌسخرون منا نحن معشر الحمٌير…. فقال االب وكيف ذلك؟ قال الابن : الم تراهم كلما قام احدهم بفعل مشٌن ٌيقولون له ٌا حمار … انحن حقا كذلك ؟ وكلما قام احد ابنائهم برذٌلة ٌقولون له ٌا حمار ٌصفون اغبياهم بالحمٌير … ونحن لسنا كذلك ٌا ابً … اننا نعمل دون كلل او ملل … ونفهم وندرك … ولنا مشاعر …. عندها ارتبك الحمار االب ولم ٌيعرف كيف يرد على ابنه
الاب:انظر يا ابني انهم معشر البشر خلقهم الله وفضلهم على سائر المخلوقات ، لكنهم اساءوا الان فسهم كثيرا ا قبل ان يتوجهوا لنا نحن معشر الحمٌر بالاساءة … فانظر مثال هل رايت حمار في عمرك يسرق مال اخيه ؟
هل رايت حمار يشتكي علي احدا ابناء جنسه ؟
هل سمعت يوما ان الحمير االامريكان يخططون لقتل الحمٌر العرب؟ من اجل الحصول على الشعير!!!
والخ …
ذن اطلب منك ان تحكم عقلك الحميري واطلب منك ان ترفع رأسك عالٌا وتبقى كعهدي بك: حمار ابن حمار واتركهم ٌيقولون ما ٌشاإون فٌكفٌنا فخرا اننا حمير لا نقتل ولا نسرق ولا نغتاب والا نسب … أ ْعجَبت هذه الكلمات الحمار الابن فقام وراح يلتهم الشعير وهو يقول : نعم سابقى كما عهدتني يا ابي سابقى: حمار ابن حمار …..
نصك يشبه حكاية تروى بهدوء لكنها تترك أثراً،السخرية فيه ليست ضحكاً بل وجع متخف بثوب الفلسفة
شدني الحمار الذي يتأمل مصيره،وكأنك لم تكتب عنه،بل كتبت عنا جميعاً ..
أما النهاية فكانت الأجمل،ابتسامة صغيرة لا تغير الطريق،لكنها تخفف ثقله ..
شكراً لك ع النص الجميل استمتعت بقراءته ^^
رائع أشدّ الروعة! الإنتحار كاختيار لإثباتِ القَرار والسخرية السوداء سواءً غلاظة الشعب أو جنون الحمار وفلسفته بشأن الإعتياد على معاقبة الحياة له.
الحمار كائن رائع وحماريّات الحكيم ليست عبثًا فهو حيوان ذكي ويحفظ الطُّرُق ويُضرب به المثل للعمل الجادّ والكادّ.
سوداوية لكن فلسفية رائعة وأفضل منشورات المقهى، بالتوفيق!