الفِكرةُ الحَسَنةُ

(معمل حديث تُلَعلِع على طاولاته المحرّكات وتلمع في خزائنه الأطباق البِتريّة، تُرفع الستارة فينكشف فادي، مُراهِق لم يتخرج بعدُ جالِسًا إلى آلة، وهو يخبِطها بيأس.. يستمر المنظر لقرابة دقيقة قبل أن يدخل من يمين المسرح مُساعِدُهُ).

المُساعِد: (يرمي قميصه ويتلفّع بسترة مخبريّة مكيّفة، ثم يجلس إلى فادي) الجو حار كالنار، يقلي الأنهار ويشوي البِحار، بكل ما فيها من شِعاب ومَحار!
فادي: ……….
المُساعِد: ما بِكَ يا رفيقُ؟
فادي: طرقتُ كُلَّ باب، وفي كل مرة افتراضي خاب! ضَخَخْتُ نانوبوتات مركّزة بالبوتاسيوم لمضاعفة الأخير في سطح صناعي مُعاد تدويره من قِشر الموز!
المُساعِد: إعادة تدوير نباتيّة؟ مثل.. تحويل عُبُوّات بلاستيك البوليبروبولين إلى حصائر لكن.. طينة نبات؟
فادي: أي نعم.. “تعويض” نقائص الكثافة الجديدة بتزويدها بما افترضتُ أن تشمله الكثافة.
المُساعِد: ولم تُفلِح بالطبع.
فادي: (يهز رأسه أن نعم) الكثافة لا تتغير بل تنتقل وتكوّن، في أحسن الأحوال الظاهرة، سطح تلامُس أوسع.. ولهذا لجأتُ لحشوة البوتاسيوم علّي أزيد التركيز العام..

المساعد: وبالطبع، ما حصل أنّ السطح الصناعي انفجر!
فادي: لستُ أُخفيك، فكّرتُ بخلق سلسلة من التراكيز.. فإن جفّفنا القِشرة وكان ذلك داعِيًا لزيادة تركيز المغنيزيوم والبوتاسيوم تلقائيًّا، فلنثني الورقة ونجفّفها.. لا بل نجد طريقةً ما كي يكثُر البوتاسيوم!

المساعد: زيادة التركيز شيء والمضاعفة شيء آخر.. إنّك لم تصنع غير إزالة الشوائب والمُعيقات، فكانَت الإسموزا حتمًا.

فادي: المضاعفة! هذه الكلمة هي سر النجاح!
المساعد: في هزيمة الجوع!
فادي: حقًّا.. إنّي بدأتُ أفقد الأمل في نفسي.. فالأبواب الموصدة في وجهي -كما أخبرتك- كثيرة.
المُساعِد: كما أنّ في البحر سمكًا لا حصر له، في الدنيا أبواب لا حصر لها!

فادي: (كمن يستسلم) لكن حتّى الذكاء الصُّنعيّ خذلني.. إنّه لم يقدر على غير مسح تركيبة الأطعمة الذّرّية وتحليلها، دون نسخها!

المساعد: بديهي، وهل تريد أن يلد الحديد ذرّة دون تدخّل نووي؟
فادي:…….
المساعد: عُدتَ إلى قُنوطِك! (بعد لحظات) أوه، تلك الآلة بقربُك لا شكّ أنّها الماسِحة التي لا تنسخ.
فادي: (يخبطها من جديد)…..
المساعد: دونكه! إيّاكَ وهدم معنويّات هذه المسكينة.
فادي: إنّي أحاول إصلاحها بالطرق التي تنصحك بها الهواتف!
المساعد: “الطرق المعروفة”… لكن بعيدًا عن المزاح ألا زال لديك أمل في إصلاحها؟ (بعد تفكير) لحظة لحظة.. إنّها ليست معطوبة بل كاملة بذاتها.. بعيوبها وتنائيها عن توقُّعاتِنا.

فادي: أَمَلي في أن تقوم بما أقمتُها له، نسخ الذرات.. أولم أقُل لك إن مخططي الأساسي هو مضاعفة المادّة؟
المساعد: نعم، والمعضلة هي أنها تمسح ولا تنسخ.
فادي: أمّا أنّه نقص!
المساعد: كُلُّنا ناقِص.
فادي: يلزمها لمسة تحسينيّة كشريطة ملوّنة في مشروع فنّي!
المساعد: كلُّنا يلزمنا لمسة تحسينيّة كشريطة ملوّنة في مشروع فنّي.

(يدخلُ خادِمٌ بِصينيّةِ مخلوطة مخفوقة.. المشاوي والمطبوخات والسلطات كلّها تنتعش بثلاثة أكواب عصير، يقدّمُها لهم مع ابتسامة مؤدبة)

الخادم: شغل يَداي! ما كالمطاعم يغطّسون الأكلَ بالزيت مِرارًا وتكرارًا حتّى يستعطفهم الأكل! هنيئًا مريئًا..

فادي: سَلُمَت يداك يا مرشد بك.
الخادم: عن إذنكم (يهمّ بالمغادرة فيستبقيه فادي بإيماءة)
فادي: ثالثنا لن يحضُر فيما يبدو.. تفضّل وخذ الكوب الثالث.
الخادم: متشكّر جامِد! عكس هذا الطقس القائظ! (يدلق الكوب ويهوبُ للباب مغادِرًا).

المساعد: أكل شهيّ من إعداد البيت وليس طعام مطعم، بسم الله!
فادي: ما أدسمه! ودسمه ليس موادّ نفخ ولا مواد حافظة ولا دهون مُتخَمة.. إنّها المعاملة اللينة للغذاء، تلك التي لا تسوءُهُ وتتركه على طبيعته.
المساعد: وإنّا لمتلاعبون بتلك الطبيعة.
فادي: ماذا يضرُّ الطبيعة الأم إذا كان لحمها وعجينها خارج سُلطان الأرقام؟ (يزدرد كبابًا وجبنة ويسلّكهما بجرعة عصير).

المساعد: (كالحالم وهو ينظر إلى ملفوف بنفسجي) إذا كان للطبيعة أن تَخرُج، أو تُخرَجَ، عن سلطان الأرقام، فشظف العيش إذن في خبر كان!

فادي: شظف العيش.. إنّها قصّة مأساويّة مكتملة الأركان، وحبكتُها أنّ شركات الغذاء الرأسمالية لو أُتيحَ لها، لانصَرفت تسرق من جيوب الفقراء المهترئة!

(يسود الهدوء، إذ الكلام المُباح على الطعامِ؛ لا. ثم يدخُل المندوب متأخِّرًا، ويمثُلُ أمام الرّجُلَينِ المنهمكين في قضم العنب دون أن يُشيحا بنظريهما عن العناقيد)

المندوب: أعتذر عن تأخّري.. لكن واثق أنّكما ستلتمسا ليَ العُذر، فالزحمة لا تعرف الرحمة!
فادي: (ينتبه له) أهلًا، بيننا لا أعذار تُطلَب أو تُبذَل.. لكن اسمح لي بأن أعتذر لأنّنا بذلنا كوبَكَ للخادم، تسليمًا منّا بخذلانك موعدنا.

المندوب: لا بأس! أعطِني كوبك!
فادي: (باستغراب) عهدتُكَ مُستنفِرًا من مَذاقات الآخرين.
المندوب: أعطِنيه لأضاعفه!

المساعد: (ينتهي من العنب على عجل، بِشُرود) سرّ النّجاح!
المندوب: ناوِلني الكوب يا فادٍ ولترى ما أنا به صانِع!

فادي: حَسَنٌ (يناوله كوبه) بالتوفيق.
المندوب: (يُخرِجُ من مِخلاتِهِ قنبلة، أو هكذا هو شكلها الخارجي، إنّما هي شريحة حاسوبية تحاكي الإنفجارات الكونيّة) هوبّا! (يرمي بال”قنبلة” وعلى الفور ينبري، نتيجةً لموجة الإنفجار، فيضان من الكوب!)

فادي: يا لهول ما رأته عيناي!
المساعد: أقرصوني! أفي حلمٌ أنا أم عُلم! (يهجم على فادي بالعِناق)

المندوب: أمّنا الطبيعة كريمة، وفي انفجار السُّدُمِ والنُّجومِ ذرّاتٍ وليدة..
فادي: الذرات الوليدة.. فعلًا إنّها لم تأتِ من فراغ.
المندوب: هذا حق، النيتروحين والعناصر الكبرى بدأتها ذرّات صغرى كان لا بد للكون أن يتشظّى ويَلِدَها من صُلبِه.

المساعد: (يهوبُ نحو الآلة) إذن كل ما كان يلزم لإصلاح هذه الآلة هو نموذج مصغّر يُحاكي الإنفجارات الكونيّة.
المندوب: وبما أنّه مزوّد أصلًا بذكاء اصطناعي فإنّه سيتعامل مع الذرات معاملة طوب البناء المُتَماثِل!

فادي: المتماثل! سر نجاح جديد..
المندوب: النّسخ، وليس فقط المَسح، بل تناغم الثنائي كي يسبع كل جائع.
المساعد: برافو! تعرف عن مشروعنا أكثر منّا!
المندوب: وكأنّ وظيفتي لا يعنيها التدقيق في البضاعة، واستئصال مشاكلها..

فادي: ولو أنّي رَجوْتُ براءة الإختراع لا أن يجنيها مندوبي من وراء جهلي، لكن كلّه تمام.. المهم أن يشبع الجوعى

المساعد: وبعد، ألا نتأمّل اللّيلَ الليلةَ، ونحيط النجومَ بأعيننا، ونحفر ضَيَّها وعلمَها بقلوبنا؟

فادي والمندوب: (بصوت واحد) فكرة حَسنة!

      [سِتار]
Subscribe
Notify of
guest
2 Comments
Newest
Oldest Most Voted

Wave Manipulator
Wave Manipulator
3 months ago

يا ليت كل قطة جائعة عندها سمكة مطبوخة، ويا ليت كل جائع عنده طعام. لماذا هناك جوع والعالم ينتج ما يكفي لإطعام الجميع؟

في المستقبل سأبني فريق لمواجهة آفّة الجوع وسنحقق الخير بالفِكر الحر وسأخون الفريق في النهاية إذعانًا للسّاديّة الإجتماعيّة لكن هذا الحلم الوردي بعيد المنال بسبب ضعف في الرياضيات.
يا ليت الرياضيات لها كسّارة جوز والجوع له جوز.

2
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x