بقلم :خنيسفاء
في جبل الصمت
في أعلى الجبل، حيث لا تصل الضوضاء إلا همسًا، كانت القرية تختبئ خلف غابة كثيفة، كأنها تخشى أن يراها أحد.
هناك، في بيتٍ رماديّ الجدران، عاشت عائلة لم يعرفها الناس حقًا… بل عرفوا عنها فقط.
الأب قليل الكلام.
الأم كثيرة الصمت.
وثلاثة أطفال يراقبون العالم من خلف نافذة ضيقة.
كان الناس يقولون إن البيت “مختلف”.
ليس لأنه قديم، ولا لأنه بعيد… بل لأن الضوء فيه كان خافتًا دائمًا، حتى في وضح النهار.
في ليلة من ليالي ديسمبر، هبّت الرياح كأنها تطرق الأبواب مطالبة بالدخول.
المطر انهمر طويلًا، والبرد تسلّل إلى العظام.
جلست الأم قرب الموقد المطفأ.
وجهها شاحب، وعيناها معلّقتان في الفراغ.
كانت تبتسم فجأة… ثم تبكي دون صوت.
لم يكن أحد يجرؤ على سؤالها عمّا بها.
سمعوا نباح الكلاب في الخارج.
نباحًا متواصلًا… كأنه نداء.
وقفت الأم ببطء.
قالت بصوت خافت:
— حان وقت اللعب.
لم يمنعها أحد.
لم يسألها أحد.
خرجت إلى العتمة، واختفى صوت خطواتها في الريح.
في الصباح، لم يتحدثوا عنها.
كأنها لم تكن.
كأن البيت ابتلع اسمها وذكراها.
مرت الأيام، وكبرت الابنة الكبرى.
بدأت تتغير.
لم تعد تخاف من العتمة.
كانت تقف طويلًا أمام النافذة ليلًا، تستمع إلى النباح البعيد.
إذا غضبت، اهتزّ البيت بصوتها.
وإذا فرحت، انسحبت إلى غرفتها كأن الفرح سرّ يجب إخفاؤه.
الأب صار أكثر صمتًا.
الأخوات أكثر انكماشًا.
ثم في إحدى الليالي، عاد النباح نفسه.
نفس الإيقاع.
نفس النداء القديم.
استيقظت القرية في اليوم التالي على خبرٍ غامض:
البيت الرمادي صار مهجورًا.
الأبواب مفتوحة.
النوافذ تتحرك مع الريح.
لم يُعرف ما حدث بالضبط.
لكنهم قالوا إن الابنة الكبرى شوهدت آخر مرة واقفة عند حافة الغابة، تحدّق في الظلام…
كأنها تنتظر دورها في لعبةٍ لم تنتهِ بعد.
ومنذ ذلك اليوم، كلما اشتدّت الرياح في ديسمبر، يسمع أهل القرية نباحًا بعيدًا…
ويتذكّرون أن بعض البيوت لا يسكنها الناس فقط،
بل تسكنها أسرارهم أيضًا


مرحبا خنيسفاء
جميل ما سطرته يدك 💚
الغموض الذي يظلل قصتك هو ما أضفى عليها جمالها وسحرها.. فهو يحرك خيال القارئ ويترك له مساحة ليكمل الصورة بنفسه..ويجعل كل تفاصيلها أكثر إثارة وتشويقا.
اضطرب قلبى مع خروج الام للعتمة واختفاء صوت خطواتها ..فبدونها اصبح الرعب محتلا للمكان يعبث فيه كيفما يشاء 💔
سلمت يداك
النص ليس بطوله بل بمضمونه
وليست الكثرة في الكلمات ما يصنع القيمة بل عمق المعنى…والنص هنا بالفعل عميق لامس نياط القلب
سلمت يداك عزيزتى
سلام 🌹
وااااو القصه قصيره لكنها جميله استمري يا خنيسفاء