تفريغ نصّي لمسرحيّة ساحِرة

هاكُم أيّها القرّاء الأعزّاء مسرحية قصيرة خطّها توفيق الحكيم سنة 1950.. ساحِرة، هذا وصفٌ ينطبق على جمال العواطف، وأيضًا على عنوان المسرحيّة! فهي اسمها ساحِرة وهي ساحِرة؛ تتعامل مع عادات جلب الحبيب، والزّبيب يُبذَر.

يصطرع في حديقة أسماك يحتضنها مقهًى، خادم مترنّم وسيدة في السادسة والعشرين.

خالٍ ما دونهم، والمرأة يبدو عليها احتراز ويظهر منها تلفُّت، قبل أن تبادر الخادم المؤدب بطلبها في همس: أن يَدُسَّ قطعة سكر في إناءٍ يحضره لها كزبون مع شخص آخر!

وقبل هذا، من نفس الحقيبة، أخرجت رشوة خمسة قروش لتحشر قطعة السكر مع السكر الفائض أصلًا عند البوفيه.

لكن الخادم لم يفهم نيّتها، فوضّحتها قائلة بأنها بعد حين ستأتي مع سيِّدٍ، فالوصيّة أن تكون قطعة السكر تلك مضمومة مع الإناء الذي يقدّم عادةً مع الشّاي.

فلم يجد بذلك حرجًا، على أنّه لمح علامةً عليها؛ وهذا أيضًا له تبرير.. فقطعة السكر على حد زعم الآنسة عاديّة والغرض من تخصيصها مسألة خاصة بينها وبين خطيبها.

بقي لبس واحد منبعه استبيانُ الخادم وإجابة السيدة؛ إذنُ الخطيب.. فهو غير عالِم بموضوع قطعة السكر، والأفضل أن لا يعلم لأنه أُريدَ له المُداعبة.

صحيح أن الخادم هالَ قليلًا لكلمة المداعبة، غير أنّه لم يشتبه بل آثر، عندما أتى الخطيب وبدفع من إسكات السيدة وأمرها له، الإنصراف كي لا “يدخل بين البصلة وقشرتها”.

وجاء عز الدين الخاطِب ليرى مخطوبته محتارة بين الطاولات..
يتبادلان عفويّةَ التأخُّرِ ولا مُتأخِّر.. إذ المخطوبة لم تجلس بعد، فيتأكد قول الرجل بأنه قيدَ التوقيت الصحيح.. ولو أنّه سأل المخطوبة سُعاد إن كان قد تركها تنتظره.

قادَ عز الدين حديث سعاد عن الجلوس على طاولة ما إبداءه لتقديم أولويّة مشاهدة السمك على ذلك، لترد عليه بأنها ليست أول مرة يزوران فيها سمكًا.

والرجل يحب السمك! فقد يكون في الإحتمال أنهم جلبوا أصنافًا جديدة.
هذا ممّا تدحره سُعاد، فالتجديد ليس معروفًا.. السمك دائمًا نفسه؛ وترشده لتجاذب أطراف الحديث بما هو أهم.

لكن عز الدين يقدّم، مجدّدًا، التجوال في الطبيعة الطّلقة على مائدة مكشوفة قد يُخِلُّ بجوّها زبائن آخرون.

أمّا سُعاد لا تعارض، لكنها تدلُّ على الشّاي! فلا بأس بالتجوال على أن يتم بعد احتساء تلك العُشبة.

فيطيع الخطيب.. ويطيعها أيضًا وهي تتجّه لطاولة يتيمة معرشة.. “جنان” كما وصفها إجابة على رأيه بها.

جلسا للمائدة، والخطيبة التي كادت تموت ظمأً نادى لها خطيبها النّادِلَ.. والشّايُ هو المَطلَبْ.

حينما غادر النادل عدّلت هي الجلسة وشحذت سؤالًا ساءَها أنّ جوابه العَدَمُ.
فخطيبها جُعبَتُهُ فارغة من الأنباء السّارّة.

ما هو الوِفاقُ وأي نوع من الأخبار؟
هذا ما نكتشفه من إقرار عز الدين، إنه موظف درجة خامسة وسيبقى كذلك طالما حزبه لا حظ له لدى الحكومة.. هذا ما تحتويه الجرائد أيضًا.

سوء الطالع تتشاركه خطيبته بالمثل، هي لن تفتكَّ من غضب وتبرّم خطيبها.. فكيف لا تتنهّد؟

إن “الحظ” يعتبره عز الدين سيّئًا وهو ليس بالأخص حظه أو حظ خطيبته -كما قد تفترض هي- وإنّما حظ البلد.
ويستطرد.. البلد لم ينل التوفيق الربّاني كي يجد أخيرًا حزبًا طاهِرًا يطهّر نظرائه الفاسدين؛ بلد متفشّي به تحزُّب واعوجاج وفوضى وواسطات.

ذاكَ الحزب الطاهر والمُصلِح هو حزب عز الدين! هذا ما ذكرته الخطيبة باستهزاء، لكن خطيبها متيقّن من هذه الحقيقة.
وإيمانه الأعمى به لَمِمّا يُعجِبُ سُعاد، التي، إجابةً عن مشاطرتها لعز الدين الإيمانَ بحزبه، إيمانها مقتصر على صاحب الحزب لا على ما يديره.

فهل إيمانها به كالحزبِ أعمًى؟ هذا ما يستعلم عنه، والحق أنّها لعد تفكُّرٍ تعكسُ الإيمانَ بصيرًا!

ولم يرُق أن يكون إيمانُ خطيبته به مبصِرًا، خاصّةً أنّها جامعيّة فطنة ولا شك أن عقلها الناضج سيغلب على عاطفتها وترى عيوبه.

فتطمئنه الخطيبة بأن هاتيك العيوب بالفِعل مألوفة لها ولا تحسب لها أي حِساب!

مع ذلك، عز الدين مقتنع أن عيوبه غير مرئية.. ويخوضان في التعديد بالكثير وتأجيل التعديد إلى أن تقول سُعاد بأن التعديد آتٍ على عيوبها (أي أنه في الميعاد الذي سيكشفان عيوب بعض ستتعرض عيوبها للنّبش).

عز الدين من قناعاته أيضًا أن خطيبته لا يعيبها عيب! وهذا إيمان وجدت فيه الخطيبة تلاعُبًا فسألت إن ساوى ذلك الإيمانُ إيمانه بحزبه!

ولم يحد الرجل في إجابته على الحِزب بل بافتتانٍ أخبرَ عن جمال، رِفعَة، تهذيب، كرم، لطافة، روعة، سُمُوّ، رقة وبداعتها!

تلك الأوصاف لم تستحسنها الخطيبة باعتبارها كلامًا غير مسؤول.. بمعنى أدق، كلام ينبع من شخص غير مرتبط بالمقام الأوّل.

والخطيب يُصرّح مصحِّحًا أن المنبع لهذه التسميات هو الإخلاص التّام.. وقد تحسّرت الخطيبة على عدم عيشه طويلًا بين الأزواج!

ويضيف الخطيب بأن حياة الصداقة -لا الزواج- هي ما قد يعيش فيها الإخلاص طويلًا.

وقد أثار تبديله للمصطلحات امتعاض خطيبته التي ادّعت أن عز الدين يتجنّب لفظة الزواج عن عمد!

فتجري المناوشة والترضية.. هذا لم يقصد وهذه ترفض تصديق أنه لم يقصد لأنه سبق وفعلها.. وهذا الإدّعاء الثاني جاء بعد أن سمعت اسمها يُستَرعى.. وتقول له بأنه حر إذا ما أراد إكمال دفاعه ولم يكمل! فما إن حاول تبرير ما اقترفه، هشهشته سُعاد لِقُدومِ الخادم.

والخادم أو الجرسون ينفّذ وظيفته.. ترتيب الأطباق وأواني الشاي والفناجين إلى آخره، وذروة نشاطه أنه لمّح بعينه لإحدى موضوعاته بطريقة تفهمها سعاد؛ التي أومأت بسفتها أن اسكُتْ.
فيتشاغل النادل بطاولات أخرى قبل أن يفرنقع أخيرًا.

إبتدر إذ ذاك عز الدين بالإكرام، فأراد صبّ شاي مع حليب للمخطوبة. لكن الأخيرة أصرّت أن تكون هي المبادرة فدلقت آنية السكر لتحضّر شاي الخطيب المفضل: كأس به قطعة سكّر واحدة!

بعد أن وافق هو على تفضيله المعهود، أخذت سُعاد السّكّرية واستخرجت قطعتها التي سبق وأشّرتها لتصب فوقها شايًا بلا حليب (كما يفضّله الخطيب، أمّا هي فلأعصابها استجمامٌ ركيزته الحليب).

عز الدين لم يشكر مبادرة سُعاد وحسب بل علّق على أعصابها الثائرة لأتفه الأسباب، بينما يقلّب الملعقة وينشر السّكّر في فنجانه.

طبعًا لم يمر تعليق “الغضب” على مسامع سُعاد مرور الكرام فاستفسرت عن الوقت الذي غضبت فيه، ليأتيها الجواب بأنه ما كانَ قبل لحظة.. وذلك على حد رأي الخطيبة ليس بغضب (نبرة استفهاميّة) فيجيء الرد مع جرعة الشاي، بما معناه ما قد يكون غير ذلك؟

وما كان غير ذلك هو اليأس.. ولأن عز الدين ذاق المرّ من شايه، مرارة غريبة اضطربت لها الخطيبة، فلم يخض في قضية اليأس وركّز على شايه الذي استعجب أن يكون مُرًّا في أي حال من الأحوال.

استدركت ونفسها تمالكت، سُعاد فسّرت ذلك على أنّه سوء خدمة من أماكن كالتي هم فيها، ما تقبّله الخاطب بالمنطق، فاستمر في شربه له بينما سُعاد تتفرّسُ به.

تفرُّسٌ يحدو للتساؤل، وهكذا استعلمها عز الدين عن سببه بعد أن فرغ من فنجانه، فتسأله عن شعوره!

ولهذا يجيب باسمًا بأنه تمام التمام وللطرافة، ليس اليأسُ شعوره!
وللمكر أيضًا تؤكد هي أنه بعيدٌ عن اليأس ولا شيء فيه يجذبه؛ ذلك أن “هذا الموقف” هو من صميم إرادته.

وبالطبع لم يفطن للإشارة لأنه ليس ذكيًّا بما فيه الكفاية (وجاء هذا الإعتقاد عبر سؤاله لها إن كانت تعتبره ذكيًّا).

وانعدام الذكاء لديه -برأي سُعاد- ليس بعائق.
وإن كان للعائق أن يكون انعدام الذكاء عن الموضوع، فإن “الموضوع” برأي عز الدين بعيد عن مرامي خطيبته وقريب لعيب بها؛ أنها ترى الأشياء بمنظار أسود.

وجزئيّة المنظار لوحدها تدحضها سُعاد، قائلة بأنّ أداة رؤيتها هي العين المجرّدة التي ترى الشيء واللون على حقيقته.
فيأسها لا يدفعها للتشاؤم، الذي قد يدفعها بدوره لتكذيب الحقيقة.. وأمر آخر مهم في تصريحها، إنّها صامدة دون أن تكتّف الأيدي أمام الأزمات.

إنّ هذه الثقة لجديرة بأن تُسائل عن صنعتها.. فأجابته هي مُضَبِّبَةً، مُعلِنَةً أنّ الصنعة تمّت؛ وكي يتبيّن الخطيب الأمر ضبّبَت مرة أخرى وتركت إثبات الصنعة للنتائج.. قبل أن تنهض بذريعة العودة للبيت.

بالنسبة للخطيب فهذا تسرُّع لكن سُعاد، وهي عابسة وتهمُّ بالرّحيل، تشتهي الخُلوة.

فما كان من الخطيب إلّا أن تكفّل بدفع الحِساب.. عِشرون قرشًا استكثرها مع كرمٍ، على شايِ المقهى المر مثل الحنظل -كما وصفه وهو يغادر- (والنادل المهرول استغرب الموضوع بالطبع).

النادل أو سمّه الخادم أو عوضين بقي لوحده يدندن بأغنية شعبيّة ويتشاغل بالطاولات وأعمالها حتّى جاءه نعمين.

ونعمين خادم آخر هاجم زميله بحدّة، وصمه بأنه حيوان ذا رأسان سيتسبّب في إلقاء اللوم على الجميع.

ويستطرد قصده كي يفهم الحيوان أبو الرأسين.. فيتقوّل بأنه ألفى في قصّة حبة السّكّر مسؤولية عليهم.. فالمرأة التي ترشد لوضع حبة سكر في كأس خطيبها تثير الشُّبهَة، ومن سيناريوهات الشبهة أنّ الحبة مسمومة!
وبعد، فإن وقعت الجريمة فالملامة طائلة إيّاهم (ولا بد أن يدسُّ شتيمة الحيوان ويولول بأنهم “سيروحون في الحديد”).

فهالَ نهارُ عوضين الأغبرُ، وتيقّن من الظّنِّ لأنه تذكر بأن عز الدين أطعَمَ مراراة حنظليّة بفنجانه. وفي النهاية وجد باستفهام أنه من عُدّة الحلول ضبط المُسَمِّمَة.

لكن التريّث والصبر كانا ردّ زميله، ولا زال الآخر يريد حلًّا.

الحل، حسبَ نعمين أو الخادم الثاني كما في النص، تبرئة الذّمّة بإعلام المخدوع.

إستحسن عوضين الفكرة، فهمّ بإعلام عزّت على مسمع ومرئى من شريكته المستقبليّة، وهما لا يزالان تحت شجرة يتظلّلان بها واقِفان.

إستنكَرَ زميله أن يكون الإعلام على مرأًى ومسمع من الخطيبة، فيكون رد عوضين، على استفهام نعمين، بأنه واضِعٌ أصابعه في عينيها! (كدلالة على أنه شديدٌ في الإخبار والإشارة).

ولم يعجب ذلكَ الزّميلُ، فوصفه بالحِمار!
والحمار حائر لا يدري ما آخرتها مع صاحبه.

قد وضّح صاحبه السّلوى، فدلَّ على الذوق الذي على حدّ تعبيره “لا أحسن منه”.. لذا فالأنسبُ أن يُؤتى بالخطيب ويُسَرَّ له في الخَفاء.

غباءُ عوضين منعه من معرفة طريقة النّداء، لذا فقد تولّاها نعمين؛ الذي وصف عقل زميله بالصّدِئِ في قِفلِهِ، ولفظ لفظًا من ألفاظ الجلالة ضيقًا.. وتحدّاهُ عوضين أو ألزمه بالوفاء بمأربه.

وفعلًا تنائى نعمين ونادى على الأفندي لِغلطة في الحِساب!
والآخر يُثني على فطنته بينما يرى الخطيب يترك خطيبته ويأتي للمقهى (وقد صرّح بأن العقل زينة، وجاء من حديثه أن نعمين “أبو درش”).

أبو درش قد أنهى ما على عاتِقِه وألزم عوضين بالباقي؛ الإعلام دون زيادة ونقصان.. أمّا هو -ردًّا- فلن يغيب عن المشهد بل سيكتفي بالإنصات.

والزميل يريده أن يتدخّلَ ويسنده إذا ما حصلت حاصلة، ولم يمانع الآخر أن يفعل ذلك.. فليس مستبعدًا أن يحدث “تلبيخ” يُلزِمُ هذا.

بعدها جاء عز الدين مستفسرًا عن المسؤول عن غلطة الحساب.
فيرد عليه الخادم بأنه ما من غلطة في الحساب أساسًا، لكن لهم نيّة في إفشاء سر صغير!

فلم يَثُر عز الدين بل استعد للإنصات متفضِّلًا، ونزل الخبر عليه كالصاعقة من الخادم المتنحنح الذي لم ينتهج اللف والدوران، فقد أخبره بأن خطيبته دسّت له سُمًّا في الشّاي!

وهنا تدخّل الخادم الآخر، نعمين، ليرمّم اندفاع زميله، ويعدّل على الكلام، فباحَ بعد أن هدَّئ، بأن غلطة عوضين معناها أنَّ الشاي كان به، من تصرّف السيدة، شيئًا مجهولًا لا قِبَلَ لأحد بتحديده.

ومع أنّ التصريح جاء بما معناه أن تحديد الشيء كَسُمٍّ لا حُقَّ، غير أنّ الخطيبَ اضطرب وردَّدَ المشكوك فيه باستفهام، أنّ خطيبته وضعت له سُمًّا.

والخادم الأوّل، عوضين، يصحّح ما قاله.. أن المدسوسَ ليس سُمًّا إنّما قطعة سكر -ليست من عندهم-.. فإن حصل له شيء فالذّمّة بُراء!

وعز الدين هَلِع يُناجي نفسه بربط الكلمات.. إسمُ سُعاد والفعل سمّمتني.. كيف يُعقَل؟

هذا الرابط -ولو ذِهني- جعله يرتمي على كرسي ممسِكَ البطن، ليطمئنه نعمين بأن السوء لم يأتي فأله، فلا داعي يدعو لرد الفعل ذاك.

وعوضين يرش الماء على الطين ويقول بأن من أمامهم قد أحسَّ مُسبَقًا بالمراراة.
وفعل الماء مفعوله وساوَرت الظنونُ الخطيبَ، ففطن!
لذا فقد أسكت نعمين عوضين، بعد أن فاهَ الأخير بأن الشاي أبدًا حنظَل.

عز الدين همّه البوليس (الشرطة) يبغيها.. ويسأله عوضين عن ما إذا شعر بشيء؛ وشعر بشيء.
إنه المغص قد أصابَ الخطيب وجعله يمسك بطنه..
الخاطِب، ردًّا على الإستفهام المعروف بترديد الكلمة المسموعة، يؤكد أنه ممغوص لأنه… مسموم!

وهذا ممّا لا يُعرف له عمل عند الخادم الأوّل، فيصيح عز الدين بالعمل؛ الطبيب ووجوب استدعاءه وحبّذا لو كان قريبًا (من الجدير بالذكر أن هذه ليست أوّل مرّة يقول الإسم المركزي مجرّدًا ثم يُتبعه بجملة مفيدة).

يقترح نعمين طلب الإسعاف عبر الهاتف، ما يوافق عليه المسموم.
يُوَكِّلُ نعمين عوضين بإبلاغ البلاغ للإسعاف إلى جانب مركز شرطة الزمالك، بعجلة.

لكن الخادم أعطى الأولوية للتندُّم على القدر وعلى المصيبة التي حلّت عليهم “في الجنينة”، ذاتُ القدر الذي افترض زميله أنه ما واقِعٌ لو أنّه بلّغ عن حبّة السّكّر.. لكن ماذا يفعل وعقل عوضين وسخ؟

إن عوضين على كل حال بؤمن بعكس إمكانِ منع القدر.. فالكناية: ما كُتِبَ على الجبين تراه العين ولو بعد حين ليست بنظره فراغًا.

نعمين عندها يُرجعهم للقضية بعيدًا عن الإنشائيّات التي لا وقت لها.. فالخطيب المسكين مصفرُّ الوجه؛ فلا بد إذن أن يؤدي عوضين دوره في تبليغ الإسعاف بسرعة.

فيفعل، لكنه جاهلٌ برقم الإسعاف.. وعلاج جهله أن يسأل السنترال، كما يرشده أخوه.

وفجأة! تأتي الست ليتوقف الخادم ويبشّر بالمجيء، صاحبته مستفسرة عن وضع خطيبها بدفعة عاطفيّة..

عوضين، في مكانه، ينطق بقطعة السكر؛ ومجرد النكق بها أفهمَ سُعادًا أنّ السّر أُفشي.

ومن دفاع الخادم، فإن ذلك لِزامٌ، فالمسؤولية عل العاتِق بمجرد قبول قطعة السّكّر، وهي مسألة ليست بالهيِّنَة.

المسموم سأل الخطيبة إن كانت قد وضعت السّكّرة في الفنجان، وهي؛ غير مدركة لظنّه بأنّه مسموم، تجيبه بأن نعم.

والإعتراف سيّد الأدلّة! هكذا استبشر الخطيب فأخبرها بأن ترحل عنه.. ثم عدل وأخبرها بأن تلزم مكانها لتستقبل الشرطة.

فبالتأكيد ستتعجب من موقع الشرطة في الإعراب.. وزاد عجبها وربّما فهمها أن عز الدين أقرَّ بنبرة “هكذا إذن؟” أنّ عزمها التّسميمُ والسُّمُّ!

فتعجب هي لهذا القول.. وهو، يستطرد، ظانًّا بفهمه، أنّه أخيرًا عَرَفَ ما عَنَتْهُ الخطيبة لمّا قالت بأنّها لن تكتّف أيديها تجاوبًا مع الفساد (أي اعتقد أن خطيبته حسبته فاسدًا تسمّمه بدل أن تسكت عنه مكتّفة الأيدي).

وتخلّل حديثه أن غالطَ كلامها الأصلي، فقد قال إنه فهم مرمى كلامها الذي معناه أنها لن تكتف أيديها “لَهُ” لكنها لم تحدّده أصلًا.
وهذا الظن، كذلك ظنّه جاء بعد فوات الأوان!

سُعاد تدرءُ الشبهة عنها، فهي جنونٌ.. والخطيب “المغدور” يصيح لوعةً بأنّ أحشائه ستتمزّق عمّا قريب، ويستنجد بمن يشاهدونه ممّن لا يريد منهم مشاهدة بل إسعافًا.

لذلك، يأمر، صائحًا، نعمين عوضين أن يتّصل بالإسعاف.
غير أنّ سُعادًا تصدُّ الخادم عن دعوته وتدنو بولهان إلى خطيبها تطمئن عليه.. أوّلًا أفاقته لها باسمه الثنائي وهو اسمه الأوّل عز الدين لكنّها قصّته حتّى صار عِز.. ثُمّ تُبدي قلقها من ما تسمع ومن ما عومِلَ كالجِدِّ؛ ألم الأحشاء، عبر الإستفهام.

تستحيلُ ما سمعت وما عومِلَ كالجِدّ! بل تسألُ عن ما تناول الخطيب وما شرب!

وقد اعترفَ بأن جُلَّ مشربه كأس الشاي الذي هي وضعت به السكر؛ وهذا لعمرها هراء.. لكن عز الدين يأمرها بالإبتعاد عنه في عِصيان لكل مودّة.

لا تعقل الخطيبة واقع أن خطيبها يريد لها البُعدَ، وهو ببرودٍ يجد بُعدَها أقلّ القليل بعدما حصدت روحه في شربة!

فتقابل سُعاد هذا الهجوم بالتفاتة صوب المائدة، واستعلامٍ عن الكأس ذات المشروب الذي شُرب منه.
فلا يزال الخطيب تحت تأثير التهجّم يمنعها أن تلمسه قبل شروع التحقيق؛ فلا تأبَهُ.. ترنو للفنجان وتدلقه وتعالجه إن كان هو الذي قد شُرِبَ منه، مستحمقةً فكرة التحقيق الجنونيّة التي قد تنمُّ عن فقدان الرجل لعقله بسرعة!

يجاريها، فيؤكد أنه هو الفنجان بعينه لخلوّه من الحليب (أو اللّبن كما تجري التسمية في مِصر).

فلتساوي الكفّة، شربت ما بقي منه بجرعة واحدة! وهو على حدّ معالجتها دانية من النّصف.

تلك المحاولة للتبرئة آخذت الخطيب فقد حسب السم الذي لا يزال يشغل باله مندفع كذلك إلى حلقِ خطيبته!
وهو ما سايرته فيه سُعاد، فقالت بأنّها -سعيًا للراحة- سترافقه في موته!

وهنا شابَهَ عوضين المشهد على فيلم روميو وجولييت في السينما (أو سيما على اللهجة المصرية)، بإعجاب أسكته له زميله.
وأسكته زميله ثانيةً عندما استفسرَ عن دورهم في الفيلم!

بالعودة لسعاد فهي تواجه المذهولَ بسؤاله عمّا إذا ارتاح باله، وباله، حسبَهُ، غير مرتاح! فبعدما استفاق من ذهوله كره الموت الذي بالضرورة يلاقيه حتّى لو جماعةً، فهو -وحده- لا ذنب له بل لا تطرأ على إرادته فكرة الموت أساسًا.. ثم يُحاكم حكمة الخطيبة بقتله دون أخذ رأيه! فذهابه عن الدنيا يحتاج مَشورة!

لجأت إذ ذاك سُعاد إلى مغالطة زوجية استفهاميّة، هي أن الزوجة يحق لها نقل زوجها لشقة أوسع ولو دون إذن.

“الشقة الأوسع” لقطها الخطيب على الطّائر فهالَ بالإستفهامِ لأمرِها حسبُها أن تكون ما بعد الحياة!

فعلًا الخطيبة أو الزوجة المستقبليّة تثق بأن العالم الآخر واسع لا أوسع من سِعَتِهِ؛ ومن بوادره أنْ فيهِ لا صلة لعقود الزواج… بالزواج الأبدي!

فانطلقت من الرجل صيحةُ النائبة! ونائبته تظن بالنائبةِ السّعادةَ!
وعز الدين ينادي النادل ليطلب الشرطة والصياح لم يفارق لسانه.. وخطيبته نادت على النادل أيضًا، لا تضامُنًا بل طلبًا للقهوة!

فأيّهما قبل النادل طلبه؟ باستشارة من زميله، نعمين يُرشد عوضين لتلبية الطلب ذو البقشيش الأوفر؛ وهو بالطبع القهوة فأين الرّبح في استدعاء الشرطة؟ لذا فقد هبّ يحضر كوبَي قهوة.

والخطيب في حالته هستيري ينفي رغبته بالموت مِرارًا وفجأة يتّجه لتوبيخ خطيبته اللا آدمية في مسائلته لها.. فهل هذه السفّاكة -كما وسمها- لاتخشى الموت، وهل هي من جلد ولحم ودم وليست خلقًا آخر؟ ثم المغص لما لم تستشعره؟
عمومًا فقد عاتَبَ أنّها عوضًا عن إعلامه بمآربها قد قرّرت اغتياله؛ حسبه أنّه لم يكن ليمانع الإرتباط الدنيوي معها فهو خير من ارتباط الآخرة الأبديّ.

هذا ممّا تتّفق معه الخطيبة فيه، فالمعروف أن ارتباط الدنيا المؤقّت أهون على الرجل من طول الأبد والأزل.. غير أنّ أحلى الأمرّين، الزّواج، قد راوغه الخطيب حتّى باللّفظ لذا فالتّبعة واقعة عليه فحسب المثل المُستَشهَد به، “من لم يرضَ بالخوخ يرضَ بِشَرابه”.

وعملًا بذاكَ المثل يندب الرجل، تعلُّقًا بالحياة وكرهًا للموت، أنّه لم يزدرد لا الخوخ ولا حتّى مشتقّ القطران!

وبما أنّه ازدرى الأبديّة، كان لا بد للمخطوبة المحبّة أن تسأل إن كان ليتغيّر ذلك الموقف إذا ما كانت هي معه.

فيأتيها الرد منه بأن العبرة هي حب العيش وحلاوة الروح، فالموت كريه لو مات بمفرده أو لو مات معها.

وبقي المجمع معتَبَرًا، فسألت هي إن كان العيش فعلًا جيّد لو اقترن بالدنيا (معها هي، باعتبار أن الجماعة الدنيوية حلوة).. وأقرنت مع الدنيا صفتها؛ شقّة صغيرة.

فاعتبر عز الدين أن العيش “معًا” هو الجَلَلْ، ويبقى جَلَلًا ولو كان معيشةً على قارعة الطريق.

الأمل في كلامه جعل سُعاد تُعَجِّل الحقيقة، وهي أن خطيبها سيعيش! إذ لا يوجد سم، والمغص أكيد سببه التوهّم، أمّا قطعةالسكر فلا تحتوي على أي مادّة ضارّة؛ وهذه أجوبة لاستفسارات خطيبها عن هذه الحقيقة.. قبلها ولولا قبوله لما أمطرها بالإستفهامات، على أنّه أراد دليلًا على خُلُوِّ قطعة السّكّر من المَضَرّات.

وسمع دليلًا ألفى به منطِقًا، أنّها لو سمّمت السُّكَّرَ لما جرؤت على الشرب منه بمنأًى عن النتيجة.

سُعاد، منتبهةً إلى أنّ عوضين ونعمين يشاهدان، بشبه انتِهار تخبرهم بأن يأتوا بكؤوس القهوة التي طلبتها مُسبَقًا، بقليلِ السّكّر.. إذ هذا الأجدرُ من أن يُراقَبَ فصل آخر من حكايتها مع خطيبها.. (وقد ارتبك الخادمان حينَ أُنِّبا على وقوفهما ليشاهدا فصلًا آخرَ، فأطاعا).

الخطيب لا زال عنده فِضلة شك، فأراد لقطع الشك باليقين قَسَمًا لم تقسمه هيَ، ذلك أنّه بالعقل -وتسائلت عن وجوده في رأسه وعمله- لا مصلحة لها من التسميم.

ولأنّ دفاعها جاء بنبرة استفهام، أجاب الخطيب بشعورها الذي أبدته من قبل، اليأس! فاليأس قد يكون لعب بعقلها وحبّب إليها التّسميم.

ولا تُنكر سُعاد أنّها يئست منه حدّ الإكتمال، على أنّه لو كان اليأس دافعًا للقتل لقتلت نفسها هي لا نفسه هو!

ما وجده الرجل معقولًا، بعين الخصوص، أن افتراضاته لو كانت صحيحة لما حُلَّت المُعضِلة؛ وهذا ما وجدته الخطيبة مضبوطًا.

وانتهيا إلى أن الأمر لم يعدو الدعابة، دعابة برأي سُعاد قد انبثق منها وعد صريح.

هو، وإجابةً لاستفهام الخطيب عنه، أنّه صرّحَ آنِفًا بأنه مُلازِمٌ للمرأة في الدنيا ولو على قارعة الدّرْب! (في نبرة تذكيريّة استفهاميّة).

ولكن هذا الوعد ما هو إلّا، تصريحًا من صاحبه، دُعابة انطَلَت!
فلم يكن لهذا وقع المتوقّع لدى الخطيبة، التي سمعت من خطيبها أنّ الدعابة جائت مُضادّة لدعابتها! فتناطحتا.

وشكرته باستهزاء وعفاها باستهزاء!
والمبادرة بالهزئ حَزَمَت بعض الشيء في تحقير ردّة الخطيب عن وعده، فالتنكيت فيه حنث؛ وأيضًا واتته فرصة كي يطمئن على حياته القصيرة فإذا به يزجرها، المخلصة له أيّما إخلاص.

هنا، كان من الواضح لدى الرجل أن زفيرها منه ما هو إلّا امتداد أو عودة ليأسها منه.

وصحيح، على لسانها، أنّ اليأس عاد؛ لكن المحال أن تُدحَرَ أو تتملّصَ من حبّها.. فبعد كل شيء، خطيبها “ملكها” و مرغمًا “في قبضتها”!

أمّا مسألة الإرغام في أن يتغلغل داخل قبضتها فأوخِذَ منها، وربما لا يحق له ذلك. فسعاد أيضًا ما بيدها الحيلة.. إنّها تشبّه نفسها بالمصيدة التي تقبض على الفأر (خطيبها) فلا تستطيع فَكاكًا، ولا يستطيعه الفأرُ؛ فالإرادة إذن معدومة.

ويسأل الرجل بسخرية عن تاريخ إصدار العدم، فإذا به لحظة عَدّت.. طبعًا عجب لأمر نزع الإرادة لمجرد لحظة انصرمت؛ فما تُراها الحادثة؟

هي وسيلة ما احترفتها الخطيبة، وليس هذا بغريبٍ عنها وهي التي قالت سابِقًا أنّها ستحترف الوسائل!

تلك الوسيلة هي ذاتها حركة وضع السّكّر في الفنجان!
وفي شبه تأفُّف يتأوّه الخطيب من الرجوع قصّة قطعة السّكّر المُبهَمة والملعونة.

تفضّلت سُعاد بتبرئة السكر من الضّار لكن ليس من المُخجِل، فتحتّم عليها بيان الحقيقة بعد فضول الرجل بمن يُخجَل.

وما يُخجَلُ هي سُعاد باعترافها، واستزادةً في البيان تخبر بأن السكر به سحر أو “عمل” كما يجري القول عند العوام، وهيئته طلاسم وتمائم وما لا يُستَوعَبُ ولكن ضُمِنَ تأثيره.

حتى الآن لا يعرف الخطيب أنه هو المستهدف، ولمّا عرف بأنّه طبعًا المستهدف، إنفعل قليلًا واستنكر أن يُسْحَرَ مِنها.

إلّا أنّه في واقع الأمر ليس المسحور، إنّما إرادته؛ فقد أرادت سُعاد جلب الحبيب وسحره ليأتيها طالبًا الزّواج! أمرٌ بالنسبة لها في منتهى البساطة.

واستسخف عز الدين صنيعها، بل لم يستحسن أنّ مَن مِن طراز خطيبته – مثقفة متعلمة في الجامعة- ينجّم ويسحر.

لامسها بعض الإهانة فسائلته إن كان قد احتقرها، غير أنّه قد مضى في تأنيبه المحترم، يستفهم مستنكِرًا فعلها ما يفعله الجهلة من العوام.

لكنها لا ترى في فعل أفعال الجهلة والعوام، كما أي طريقة أخرى مهما أُعيبَت، عيبًا ما دام هذا هو المَسلَكُ للظّفرِ بخطيبها.

أخيرًا هالَ عز الدين غير قادر على تخيّل ما يجري.. أن سُعادًا التي ذكر اسمها تدقيقًا تلجئ للسحر.

وسعاد تعتقد أنّ زاوية نظرته ستتغير لو وضع نفسه في نعلَيها ورأى بمنظارها.. فسيصير مل تفعله طبيعيًّا، كيف لا وهي المهووسة بتملُّكِهِ؟ وهي كذلك تراه كل شيء وكل الهدف.. حتّى أنّه وهو مشغول الفِكر في عمله ومهنته، لا يسلَمُ من تفكيرها هي فيه، إذ هو عملُها ومهنتها!
وبشاعريّةٍ تصفه بأنّه الأمس والغد والحاضر، والأفُقُ الذي دومًا تطّلع عليه في الغروب والشروق.

ولا يتغيّر استخفاف عز الدين بالخرافات، ولا استغرابه من أنّ من في مثل صِنف الخطيبة تؤمن بها.

والإيمان عند سُعاد، إذا ما أدّى غايته وقرّبها من محبوبها، صار خليقًا بأن يُؤمَن به.. ذلك أنَّ الآدميَّ إنّما يؤمن بالشيء لأنّه يرجو رجاءً. وتوجّه خطابها لعز الدين، معزّزةً وجهة نظرها، وفحواهُ أنّه لا يخالف القاعدة فهو يؤمن بحزبه رجاءَ التّرقِيَة.

وألفى الرجل في المقارنة سخافةً.. فكيف يُقارَن حزبه المُصلِح بِرذيلة السحر والتنجيم؟

صدًى مُعاكِسًا لرنيم الإصلاح، تتفوّه سُعاد بأن الإصلاحيّة لدى حزب عز الدين نسبيّة، فما هو بعينه هكذا إلّا لأنّه سيُقصي الأحزاب الأخرى بكل ميزاتها.. كي ينفرد الحزب “المُصلِح” بفضيلة الإصلاح وما رافقها من مصالح.
وتقترب له بعاطفة تربوية، تُهَيِّبُ به أن يثق بأن لا شيءَ مُطلَق، وتبعًا لذلك، الصلاحُ والإصلاحُ صلاحٌ وإصلاحٌ ما دامَ مستجيرًا في مصلحة الواحِدِ مِنهُم؛ وهذا واقع لا مَناصَ منه.

الخطيب يظنُّ بذلك هُراءً فارِغًا، فتستطرد الخطيبة بما معناه؛ أن لا يُخادِعَ نفسه.

فالأعظم والأسمى، الله عزّ وجل، يؤمن به البعض فقط طمعًا بإجابة الأماني. مثال آخر لا يخرج عن السِّياق هو المُعدَم على حافّة الموت وحبل المِشنقة، فما يدعوه للهُتاف بلفظ الجلالة قبل إعدامه إلّا الأمل بالمغفرة وجنّةٍ في الآخرة.
الخلاصة أنّ الإنسان مفطور على الإيمان بما فيه المنفعة.

إنّ هذه القناعة عثر فيها الخطيب على تبرير ما لا مُبَرِّرَ له، الإستكانة للسِّحر والتنجيم.. الثنائي الذي قاده أن يكرّر ال “لا” ليردّ خطيبته عن تبريره.

على أنّها لم تجد غضاضةً في تلك الإستكانة، لأنّها سبيلٌ للنجاح.. والنجاح في عُرفُها يستحق المغامرة حتّى لو بلغت احتماليّته نسبةَ ١%.

جنون.. النجاح بالتعاويذ والطلاسم والتمائم.. الإيمان بفاعليّتها ونتيجتها لممّا انتقده الخطيب.

ونعم تؤمن هي وتصرّح بثقة وإكبار أنّ النتيجة ليست فقط حتميّة وأقرب ممّا ظنّ كِلاهُما، بل أيضًا ما ككل نتيجة، باهِرة يستعصيها العقل!
بل إن النتيجة بالفعل بدأت تستفحل، فقد، الآن، والآن بالذات، إستشعرت سُعاد ب”المفعول العجيب”.

تنصيصٌ قاله الخطيب في دهشة استنكاريّة.

والواقع أنّ هذا معقول؛ فعلى حد “نعم” الصادرة عن الخطيبة، فإنّ الإحساس استفتح جوارحها.. كيف لا وهي قد شربت ما شربت من الفنجان؟ كمّيّة تُقارِبُ الكمّيّة التي شربها خطيبها فهي في النهاية أوشكت على ختمِ النّصفِ الباقي. فأنّى لعز الدين أن ينسى؟

يسألها الخطيب عن كُنْهِ الشُّعورِ، فتجيبه إجابةً مقطوعة من شجرة لا تعرف كيف السبيل للتعرف على شعورها الغريب، فتقلب السؤال عليه.

هو أبسَط، فبِلا جامدة يُجيب! ويبقى على موقفه حتى بعد أن حملقت به خطيبته تدقيقًا وساألته التأكيد.. عز الدين لا يدري بماذا -أو بماذا يراد له أن- يشعر.

والخطيبة مصرّة على أنّ المنطق يقضي بأن يُخالِجَهُ شُعورٌ ما.
وحتى في هذا الظن لا يعرف عز الدين بما يمكن أن يشعر، لذا تساعده سُعاد وتخبره بأن ما قِبَلَ له أن يشعر به هو عينُ ما تشعر هي به؛ جفاف حلقها!

بالذات في هذه اللحظة يبلع الخطيبُ ريقه ويُحِسُّ بأنه مثلها جافُّ الحلقوم؛ وهذا ما دعا سُعادًا للإنتصارِ في لهجتها لأن خطيبها رأى ما لمّحت له.

وبادَرَ عز الدين بمشاركتها انتصارها والإتّفاق مع فكرة أن شعورًا غزاهُ، لكنه استدرك أن خطيبته تضحك عليه لا للصحيح؛ أنّ الجفاف لا بُدَّ سببه الشاي الحنظلي الذي تجرّعه كِلاهُما.

وبخباثة ترمي سُعاد لهذا المقصد بالذات، فهي لم تضحك من ذقن خطيبها بل هي فعلًا قاصدة موضوع الشاي المُر، أمرٌ استثناه الخطيب من قائمة المقاصِد.

ولأن عز الدين استبعد أن يكون معناها هكذا، وجدتِ الحاجَةَ لأن تُظهر إخلاص مشاعرها.. وصدق ما تبوح به من أحاسيس وغيرها..

ينصرف عندها الخطيب لحل مشكلة جفاف الأحلاق، فيستدعي النادل الذي حضر وأعلن حضوره وهو في الخارج.. ليكلّفه الخطيب بكأسَي ماء.

هنا قالت سُعاد مستفهمةً بجدّيّة أن القهوة غائبة، فطلبها مطلوب.
لذلك، ظنّها عوضين مزحة، فنفت الخطيبة الدعابة لأنّ لا دعابة بينهم.

فتوكَّلَ عوضين وخرج وهو يعتذر لظنّه الأوّل بأنّ قصّة الخطيبان لا زال بها مُداعبات!

الخطيب تبعه بنظراته وهو متفكّر بمفهوم “الدّعابة” بينه وبين سُعاد، التي وضّحت أنّ المداعبة بينهم إنّما ما يظنُّهُ الآخرون، بينما هي جادّة، بل لم تكن جادّة قبل اليوم.

إنّ تلك الجدية والعزيمة على سِحرِها جعلت الخطيب يفكّر مليًّا ويتأمّلُ غلّةَ فِكرِها، ويخضعه لامتحان الصواب والخطأ.

وسُعاد مزدوجة.. إنّها لا تستبعد أن تكون المسرحيَّةُ غلطةً أو خبلًا.. على أنّه القضاءَ قُضِيَ وحدث ما حدث؛ أمرٌ -والعلم عند الله- قد يُندَمُ عليه لاحِقًا.

ذلك “الأمر” هو السّحر الذي كن شأنه أن يربطها بخطيبها، الذي استفسر عن الأمر فكانت هذه الرابطة جوابًا.

من جُملةِ عجبِ الخطيب سؤالٌ عن حقيقة أن السحر قدير على ربط مخطوبته به، والأكيدُ هذا؛ كما تؤكد سُعاد.
ويسأل أيضًا عن ميعاد الرّبط، وبنظرة على الساعة في معصمها تُقِرُّ سُعاد بأنه واقع بعد نصف الساعة.

ودرءً لاستعجابِ خطيبها تشرحُ سُعاد أنّ من الأسرار ما يفوق الإستيعاب.. كما أن ثمة قُوًى تؤثّر في النفوس هي غير مرئية للأفهام. هذه حقيقة لا لبسَ فيها لسعاد..

ولكن إن كانت هذه حقيقة، فما الذي سيدفعها للندم؟
الواقع أنّها بدأت تُراجع مصلحتها في ما تظنُّهُ ناجِحًا، السعي وراء هذا الرجل عز الدين.. إنّ موطن شكّها يكمن في سعيها وراءه وإن كان هذا السعي محمودًا أم مذمومًا.

هذا الإعتبار دُهِشَت هي نفسها له، وجاءت دهشتها كرد على استنكار عز الدين لندمها السريع عليه!

وبالأمثال يجيءُ الرجل، فقد قال بما معناه أنّ العصفور تنقطع بهجته إذا ما وقع في اليد، مَثَلٌ في سِياقِ “أليس كذلك؟”.

وكذلك لا ليسَ، سُعاد موافقة. فما إن وقع العصفور عز الدين في يدها حتى عاينتهُ وحاكمت قيمته وهُوُيَّتَهُ وفائدته كموظّف بدرجة إدارية دنيئة كالدرجة الخامسة.

واستعانَ عز الدين بالقلب! ذاكَ الذي ظنّ أنه قد يدخل في المعادلة ويجلجل بصوته وسطَ تساؤلات الخطيبة.

وذاكَ الذي، أيضًا لم تعرفه سُعاد.
فتفضَّلَ الخطيب بتذكيرها بما فاضَ به قلبها.. أنّهُ باسمه الأوّل قيل أنّه الأمس والغد والأفق والشغل الشاغل!

وسُعاد، دون إنكار، تعطي لصوت القلب أهميته؛ فبرأيها صوتُهُ قد يقدر على الطغيان على نظيره؛ صوت الندم.

ورغم أنّ الخطيب لم يرتطم للمرة الأولى بفكرة أن خطيبته تندم على تعلّقها به، إلّا أنّه قد استبشع الصوت الدخيل؛ صوت النّدم بعبارته الصريحة. فيسألُ سُعادًا إن كان الندم فعلًا آخر ما شعرت به تِجاهَهُ.

أجل نعم صحيح.. إيجاب.. موافقة بكلمة واحدة.. هكذا ترد سُعاد.

فيعجب الخطيب للأمر، كيف لا يعجب لهذا البُرود المفاجئ وخطيبته شربت معه من نفس الفِنجان؟ هذا ما تسلّح به ليثبت المفارقة، أنّه ليس مثلها رغم مشاركته لها السكر المسموم؛ فهو لم يشعر بمثلما تشعر هي؛ وجاء ردّه بصيغة الإستفهام.

لكن القضية، بحسب سُعاد، ليست قضية شايٍ، فشعورها هو محاسبة ذاتيّة طرأت لها إذا ما تحقّقت أمنيتها.

يعني أنّها نادمة عليه لأنها عقلت لما قد ينتج عن تحقيق السحر، فلهذا يسألها عز الدين عن إرادتها الفائقة للزواج منه.

جوابها لم يكن اعتباطًا ولا إطنابًا، إنّها أيضًا لم يُزَح عنها الندم، فتسأل بدورها عن إمكانية العُزوف! إن العُزوف مُحال.

فبرأيها قد تمَّ الزّواج منذ الآن ولا رجعة فيه، ولا بد بالنسبة لها أنّ خطيبها قد أحسّ بذلك.. وخطيبها لا يواجهها مباشرة بشعوره بل يسأل عن كُنهِهِ لها؛ حيث أي نعم تشعُرُ.. وبماذا؟
تجيبُ، إنّها تشعر وتقف عند الفعل لأنه يستحق الوقفة.. لقد تجلّى أنّها تشعُر وتُعزي ذلك لسريان مفعول الشاي دونَ لَبْسْ؛ وتستطرد قائلة إن كامِلَها يرضَخُ لما لا قِبَلَ لها أن تفسّرها أو تصدَّها؛ قوة غريبة.

ويُخيّلُ لها أن خطيبها أيضًا يشاركها الإحساس.
ولكن عز الدين في سذاجته يسألها مجدّدًا عن كُنهِ الإحساس! فتعجب هي لأمره لأنه لم يشعُرْ بعدُ.
فلهذا الضّبابِ يرجوها أن تخبره وتفسّر له الشعور، بماذا مكرّرة.
جوابها واضح لها مُبهَم له؛ القوة الخفيّة.. فلبلاهته تثور إلّا قليلًا.

لا يمكن (كرّرت لفظة مستحيل) أن تكون وحدها من تحس إحساسًا مربوطًا بكأسٍ مُتَشاركة. إنّها تعتقد أنّ عز الدين يتغابى وينكر ويكابر.

عمومًا، يريد الخطيب أن تصف له مخطوبته الشعور كي، إذا ما وُجِدَ في الأساس لكنه لم يَرَهُ، يلحَظَهُ.

وتصفه بأنّه الغامضُ من الإحساس، مُحْتَلٍّ للنّفسِ هُوَ، ومن داخل النّفسِ، بلسانهِ، يصيح بأنّ سُعادًا وافقت شنٌّ طبقة لعز! وهما واحد (مرتبطان).

وهنا نزل الشعور على عز، فاعترف بأنّ لسان الصوت الداخلي لخطيبته صَحَّ، ذلك أنّه يشعر بقربِهِ الشديد منها.
لذلك لا تتفاجئُ الخطيبة بل تقول ببساطة منتصرة “أرأيت؟”.

وفعلًا يرى، إنّ عز الدين أبصرَ الشعورَ فيهِ السّاعَةَ..
وتضيف سعاد بأن هذا الإحساس بلغ من القوّةِ والسّطوةِ ما يجعله منيعًا للشك، وهو ما يَحُقُّهُ عز الدين.

ويشترك الخطيبان في اعتقادهما بأنّ السّحر والرابطة أقوى منهُما! سُعاد تروح في خيلاء واقعيّة وتعرض الواقع في شبه ذُهول؛ الإسمان عز وسُعاد لمرتبطان.

وكأنّ العبارة بحد ذاتها ساحِرة حتّى يكرّرها عز بالنّعم! لذا تسأله هيَ إن كان قد أخيرًا آمن بسريان المفعول.. مفعول السحر.

وكلمة السحر كمضاف إليه أثارَت استهتارَ الخطيب بها، فهو كلام فارغ؛ وتشويهٌ للّحظة الحلوة.. هذه اللحظة التي يكتنزها الودُّ لا يُريدُ عِزُّ أن يُعَدَّ مذمومٌ كالسِّحرِ مفعولًا لها.

فالسحر عند عز “دعابة تافهة”.. ولا علاقة له بهذه الرابطة القويّة التي حلّت عليه وربطته مع سُعاد.. وعلى عكسها لا يظنُّ بندمِهِ إذا ما انعقد الزّواج.

ويعطي للغد قيمته، مُدّعيًّا بمجهوليّتهِ الكرمَ.. كرمٌ سيعوُّضُ عن مَلَكَتِهِ وعطاءه الحقير المتمثّل بالدرجة الخامسة إدارِيًّا.
ويرجو سُعادًا أن تؤمِنَ بِهِ، فايمانُها يعوزُهُ..

ومثلما قالت سابِقًا أنه يومُها وأمسُها وغدُها، فهو يريد سماعَ المقولة من جديد حتّى يتسنّى لذاته أن يؤمِنَ بِها، ولغده أن يؤمِنَ به كذلك!

فحتّى هنا لدينا هذه العلاقة التكافلية المبنية على الإيمان!

وحذارِ.. لا بل رجاءً مزدوجة، عند الخطيب، أن تندم الخطيبة على الإيمانِ به كما حَدَثَ.

سُعاد، بعد هذا، وُلِدَ لديها قلق جديد.. هو أنّ عز الدين قد يكون هو النادم فيندم على ما باحَ به بعد أن يغادر لبيته.

ولكن! عز الدين لا، لم ولن يندم.. في الواقع، هو لن يهجر سُعاد أو يغادرها إلّا على مكان واحد هو تصحيح لخطاب سُعاد عندما قالت “بيتُك”.. فعز الدين يقول بأن المكان الوحيد الذي سيهجُرُ سعاد إليهُ هو… بيتُهم هم (بيتُنا)!

فتستغرب -غالبًا بفرح- ضمير الجمع!

عند ذلك يدخل عوضين أو الخادم الأوّل بالماءِ والقهوة على الصّينيّة؛ ويعلن بضاعته: سكر على الريحة في القهوة.

فيقف الخطيب ويسأل النادل عن شيء ما قريب من موقعهم.. وقبل أن يكمل السؤال ويوضّح الشيء، يفزعُ النّادِلُ ويصرّح بعبارة “خير إن شاء الله”.. ليكمل عز الدين سؤاله بهيئة همسة جاءت بعد أن انتحى به في بقعة ما.. همسةٌ بأمرٍ.

تجري الهمسة في مساحة حوار (أي ما بعد النقطتين) النادل عوضين، الذي أعلن أنه حاضر وأن التلبية في الحالِ، ويأذن أن يُخبر زميله نعمين.

فيذهبُ للزاوية القُصوى لينادي على أبو درش (نعمين).. فيجيبه نعمين من الخارج، ليقوم عوضين بمداراة فمه بكفّيه، واستدعاءِهِ على وجه السُّرعة بصوت خافت، لأنّ عز الدين (البك الزبون الموجود مع الست) قد طلبَ أمرًا قريبًا من المقهى لم يكمله حتّى قاطعه نعمين بما وجده بديهيًّا: بوليس أو إسعاف.

لكنّ المطلب ليس البوليس أو الإسعاف بل على حد تعبير عوضين لأخيه؛ مسألة كبيرة سبقتها زوج من لا النّافِيَة.

إذ ذاك، يدخل نعمين ويخمّن بعد لهفة بأنّ المطلب قد يكونُ حانوتيًّا!

وبخفوتٍ لا زالَ نعرِفُ ما أراده عز الدين عبر جواب عوضين؛ مأذون! ولهذا يبتسم نعمين بهدوء ويصف الحالةَ بالجيّدة (كويسة، لفظة عامّيّة).. وتنتهي المسرحية هنا.

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Newest
Oldest Most Voted
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x